St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   21-Sefr-El-Mazameer
 

شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص أنطونيوس فكري

مزمور 110 (109 في الأجبية) - تفسير سفر المزامير

 

اضغط هنا لإظهار الفهرس

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

هذا المزمور إنجيلي بحت، قد يكون داود كتبه بعد إنتصاره على بعض الأعداء ومن ثم استتباب الأمن والسلام في مملكته، ولكن بروح النبوة، نطق الروح القدس على لسان داود فأخرج نبوة رائعة عن عمل المسيح العجيب، بل هذا المزمور كله عن المسيح الذي إنتظره الأباء ووعدهم الله به. واليهود دائماً إعتبروا هذا المزمور أنه عن المسيح المنتظر. ولذلك حيَّر المسيح الفريسيين في (مت41:22-46)، فهم يعرفون أن المسيح سيكون ابن داود، والمسيح سألهم وكيف يكون إبن داود ويدعوه داود رباً، فتحيروا فهم يعلمون أن هذا المزمور يتكلم عن المسيح (مر35:12-37 + لو41:20-44).

والمزمور يتكلم عن إنتصار المسيح النهائي على أعدائه حينما يجلس عن يمين العظمة في الأعالي (أع34:2 + 1كو25:15 + عب 1: 3، 13 + عب13:10). وقد يقول اليهود أن اليمين إشارة للقوة، وأن الله أقام من داود ملكاً وأعطاه قوة، ولكن كيف يُسَمَّى داود رباً. لذلك فهذا المزمور يتكلم عن المسيح وليس سواه. الذي صار الشيطان تحت قدميه (1كو24:15-26).

هنا المزمور يتنبأ عن أن المسيح سيكون ملكاً وكاهناً (على رتبة ملكي صادق). (عب6:5 + 17:7 ، 21). ونفهم من هذا إنتهاء الكهنوت اليهودي ليبدأ الكهنوت المسيحي وتبطل الذبائح الدموية ليبدأ الكهنوت المسيحي وتقديم ذبيحة الإفخارستيا من خبز وخمر. وإنتهاء الكهنوت اليهودي أعلن عنه في شق حجاب الهيكل. ولكل هذه المفاهيم النبوية. و(راجع عب7: 11-27) لترى إنتهاء دور الكهنوت اليهودى.

نصلي هذا المزمور في الساعة التاسعة، ففيه إنتصر المسيح على الشيطان نهائياً.

نرى في هذا المزمور المسيح متجسداً وفي هيئة متواضعة بالجسد، ولكننا نرى أيضاً ملكه، ونرى إمتداد كنيسته وهو يحكم فيها كملك وهو رئيس كهنتها. ونراه وقد صعد ليجلس عن يمين الآب.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

التفسير والمقارنة مع النسخة السبعينية (كما وردت بالأجبية)

 

آية (1): "قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: «اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ»."

سبعينية:- قال الرب لربى: إجلس عن يمينى، حتى أضع أعداءك تحت موطئ قدميك.

الفكر البشري لا يمكنه أن يعرف مساواة الآب للإبن، إن لم يعلن الروح القدس لنا هذه الحقيقة. والسيد المسيح كشف لنا هذا: أن الروح القدس هو الذي أعلن ذلك لداود (مت43:22). قَالَ = تشير لمسرة الآب بعمل الابن. الرَّبُّ لِرَبِّي = تشير لمساواة الآب للإبن، فالإبن بجسده الإنسانى الممجد سيجلس على نفس المستوى مع الآب. الإبن بلاهوته، مُلكه أزلى أبدي. ولكننا هنا نفهم أن الكلام عن الناسوت، فبعد أن أكمل تدبير تجسده الخلاصي وقام وصعد للسموات جلس عن يمين العظمة (عب3:1). وكلمة اليَمِينِ= تشير للقوة والكرامة والمجد الذي حصل عليهما المسيح بجسده. فالناسوت المتحد باللاهوت صار في كرامة فنسجد له بلاهوته غير المنفصل عن ناسوته. أما المسيح بلاهوته فمجده أزلي أبدي. [راجع تفسير يو 17: 5].

اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ = الإبن بعد صعوده جلس عن يمين أبيه أي صار لجسد الإبن نفس مجد اللاهوت. وتسلط المسيح على أعدائه: 1*هناك من آمن ممن كانوا أعداءً له، إذ كانوا تابعين للأوثان، وخضعوا لمن أحبهم وفداهم ومَلَّكُوه على قلوبهم. 2*وهناك أعداءه وهم الشيطان وأتباعه. وهؤلاء خضعوا عند موطئ قدميه. بل أعطى المسيح للمؤمنين سلطانًا أن يدوسوا أعداءه الشياطين "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا ٱلْحَيَّاتِ وَٱلْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ ٱلْعَدُوِّ، وَلَا يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو19:10). 3*ولكن كما يقول القديس بولس الرسول "أَخْضَعْتَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ. لِأَنَّهُ إِذْ أَخْضَعَ ٱلْكُلَّ لَهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا غَيْرَ خَاضِعٍ لَهُ. عَلَى أَنَّنَا ٱلْآنَ لَسْنَا نَرَى ٱلْكُلَّ بَعْدُ مُخْضَعًا لَهُ" (عب8:2). أي ما زال هناك تمرد من الشياطين ومن يتبعهم. بل ومن المؤمنين هناك من لا يزال غير طائعاً له. ولكن عند المجئ الثانى سيخضع الجميع - ستخضع كل الخليقة:

1. نحن المؤمنين أولاد الله سنخضع عن حب.

2. أما الشيطان وأتباعه فسيخضعون عند قدميه.

بعد أن أتم المسيح عمل الفداء جلس عن يمين الآب أى صار له بجسده نفس مجد لاهوته. وكان هذا سبب مسرة للآب لأن هذا سيعيد للبشر المجد، ويعيدهم للأحضان الأبوية للآب. وحين يتمجد المسيح سيصير أعداءه تحت قدميه.

 

آية (2): "يُرْسِلُ الرَّبُّ قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ. تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ."

سبعينية:- عصا قوة يرسل لك الرب من صهيون، وتسود في وسط أعدائك.

قَضِيبَ عِزِّكَ مِنْ صِهْيَوْنَ. تَسَلَّطْ فِي وَسَطِ أَعْدَائِكَ = هذه تشبه قول داود "إِنِّي أُخْبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضَاءِ ٱلرَّبِّ: قَالَ لِي: أَنْتَ ٱبْنِي، أَنَا ٱلْيَوْمَ وَلَدْتُكَ. ٱسْأَلْنِي فَأُعْطِيَكَ ٱلْأُمَمَ مِيرَاثًا لَكَ، وَأَقَاصِيَ ٱلْأَرْضِ مُلْكًا لَكَ" (مز 2: 7-8). ولقد ملك المسيح إبتداء من صهيون ثم تسلط على كل العالم (الأمم)، الذين كانوا أعداء فآمنوا وجعلوا المسيح ملكاً عليهم. والقَضِيبَ يشير للمُلْكْ، يعني صولجان المَلِكْ. والملك المسيح ملك على كنيسته بعز بصليبه (قضيبه) وكان إنتشار ملكوت المسيح بالكرازة وسط الشعوب وليس بالقوة والسيف.

المسيح بصليبه (عصا القوة سبعينية + قضيب عزك) القضيب هو صولجان ملك المسيح، وصولجان المسيح الذى يملك به هو صليبه علامة محبته. المسيح سيسود على شعبه بالمحبة، وسيبدأ هذا الملك من صهيون. ثم ساد المسيح على كل العالم الذى كان خاضعا للشيطان ومعاديا لله = تسود فى وسط أعدائك. بل عاشت الكنيسة فعلا ونمت وإمتدت وسط حروب شيطانية، وهذا ما قاله الرب لتلاميذه "ها أنا أرسلكم كغنم وسط ذئاب". ولم تفلح مع كنيسة المسيح كل القوى الشيطانية عبر التاريخ. بل إمتدت وساد المسيح وسط هؤلاء. هؤلاء أعطاهم الآب للإبن "كانوا لك وأعطيتهم لى" (يو 17: 6، 9).

 

آية (3): "شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ، فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ مِنْ رَحِمِ الْفَجْرِ، لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ."

سبعينية:- معك الرئاسة في يوم قوتك، في بهاء القديسين. من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك.

شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ = شعب المسيح الملك سيكونون له شعباً مخصصاً ومكرساً له، فهو اشتراهم بدمه. وهم سيخدمونه ويسبحونه ويكرسون أنفسهم له بإرادتهم الحرة واختيارهم = وهذا معنى كلمة مُنْتَدَبٌ volunteers = متطوعين. فهم أحبوه إذ إكتشفوا محبته، أحبوه لأنه أحبهم أولاً (1يو19:4). وأدركوا أنه صلب لأجل خلاصهم. وأنه إنتصر بقوة على الشيطان وعلى الخطية وعلى الموت. وصار الصليب علامة قوة جبارة لهم. وهم صاروا له جنوداً يحاربون مملكة الشيطان بقوة ويدوسونه، وستظهر فيهم قوة المسيح = فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ = هو يوم الصليب الذى هزم فيه الشيطان والخطية والموت، وتزلزلت الأرض وإظلمت الشمس وقام الأموات. كان المسيح قوياً كشاب في عنفوان شبابه في معركته على الصليب = حَدَاثَتِكَ = قوله حداثتك إعلاناً عن قوة معركة صليبه التي بها هزم الشيطان وربطه "أَمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلًا، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ (مت29:12). وبقوته هذه في معركة الصليب خطف أولاده من يده وحررهم منه مكوناً منهم أعضاء جسده. وسيكونون سماويين وبكثرة كالطل. طَلُّ حَدَاثَتِكَ = خاصته المؤمنين الذين كرسوا أنفسهم له - الذين إشتراهم بدمه - كانوا في كثرتهم كالطل، وذلك بسبب إنتصاره القوى بصليبه الذى قال عنه هنا حداثتك. وسيكونون أقوياء به. فـ حداثتك تنطبق على كنيسته القوية التي لن تشيخ، فكنيسته هي جسده. هو بقوته "خرج غالباً ولكى يغلب" في شعبه (رؤ2:6). هؤلاء الذين إشتراهم بدمه سيكرسون أنفسهم له – هؤلاء سيكونون = لَكَ. هو غلب يوم الصليب بقوة وما زال يُحارب فينا بقوة ويُعطى لشعبه قوة ويغلب فينا.

وسيكون شعبه مقدساً في فضائل= زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ فالمسيح هو رأس لكنيسته المقدسة ويعطيها قوة ويزينها. وجاءت الآية فى السبعينية "معك الرياسة في يوم قوتك في بهاء القديسين"، وبهاء القديسين هو نفس معنى الزِينَةٍ المُقَدَّسَةٍ التي يتحلى بها القديسين شعب المسيح. فهو رب الجنود، هو الذي غلب ويغلب فينا وهو الرئيس الذى يقود شعبه ويسندهم.

شَعْبُكَ مُنْتَدَبٌ فِي يَوْمِ قُوَّتِكَ = قلنا أن مُنْتَدَبٌ تعنى أن شعب المسيح سيكونون له شعباً مخصصاً ومكرساً له، فهو اشتراهم بدمه. وهم سيخدمونه ويسبحونه ويكرسون أنفسهم له بإرادتهم الحرة واختيارهم. هم إكتشفوا محبته العجيبة التي أحبهم بها والتي وصلت لأنه سلَّم نفسه للصليب عنهم ليعطيهم مكاناً في عرشه "من يغلب يجلس معى في عرشى" (رؤ21:3). وحين آمنوا به واعتمدوا فتح الروح القدس عيونهم على الحق الذى هو المسيح (يو6:14) فأدركوا مجده، وأدركوا المجد الذى أعده لهم. حين عرفوا الحق تحرروا من العبودية لكل ما في هذا العالم الباطل. بل إحتقروا العالم الباطل بكل ما فيه وهذا ما قاله رب المجد "وَتَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ، وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو32:8). وكرسوا أنفسهم لمن مات لأجلهم، وأعطوا أنفسهم بالكامل له، قائلين مع عروس النشيد "أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي" (نش3:6). رفضوا شهوات العالم طالبين السمائيات حيث حبيبهم هو فيها قائلين مع بولس الرسول "لِيَ ٱشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (فى23:1).

ولنرى كيف طبَّق المؤمنين هذا عملياً: حين بدأت المسيحية هاج الشيطان ضد الكنيسة وأهاج الملوك ضدها. وحدثت إضطهادات دموية كان يستشهد فيها مئات الألوف. ولم يتردد المسيحيون وتقدموا للإستشهاد. بل ما زال حتى الآن في بقاع كثيرة من العالم يستشهد المسيحيون، ولم يُنكر المسيحيون مسيحهم. بل ظلوا مُنْتَدَبين أي ثابتين على إيمانهم مكرسين أنفسهم له حتى الموت *حباً في مسيحهم الذى مات لأجلهم. *إشتياقاً لأن يكونوا معه في السماويات فذاك أفضل جداُ كما قال بولس الرسول. ونذكر قصة عجيبة حدثت في صعيد مصر: إذ عاد بعض الفلاحين إلى بلدتهم فوجدوا أن الأمير الرومانى الوثنى قتل كل المسيحيين في القرية، فذهب هؤلاء الفلاحين للأمير طالبين الإستشهاد فقال لهم أن سيوف الجند الرومان ما عادت صالحة للذبح بسبب كثرة الدماء. فقدموا له فؤوسهم ليذبحهم بها وإستشهدوا بفؤوسهم مُنْتَدَبين.

وحينما إنتهى عصر الإستشهاد نجد أنه قد ظهرت فكرة الرهبنة فوراً: وهى بنفس الفكر الإستشهادى. إحتقار للعالم وإعتزاله، والحياة مع المسيح حياة سماوية أي أيضاً مُنْتَدَبين.

وهنا كثيرين قدموا حياتهم طواعية مُنْتَدَبين يخدمون المسيح في كل مكان وفى كل أنواع الخدمات مظهرين صورة المسيح الخادم.

مِنْ رَحِمِ الْفَجْر،ِ لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ = الفجر علامة إشراق نور الشمس، والمسيح هو شمس برنا. لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ = كنيستك التي لَكَ، حين أشرق بنوره كان المؤمنين في بداية كنيسته من الكثرة كأنهم الطل من السماء. هذه الكنيسة التي آمنت هي كنيسة قوية = حَدَاثَتِكَ أى كأنها في عنفوان الشباب، فهى جسده الذى حارب به الشيطان والخطية والموت بقوة كشاب في عنفوان شبابه = حداثتك. وهي سماوية فالطَلّ (الندى) ينزل من السماء - هي الكنيسة المولودة من الماء والروح، وهى كنيسة تحارب بقوة، تحمل صليبها كما حمل رأسها صليبه في يوم قوته (يوم الصليب) يوم فتح أبواب الجحيم وأبواب الفردوس. وقوته ستظهر تماماً يوم الدينونة.

والجزء الأخير من الآية فِي زِينَةٍ مُقَدَّسَةٍ مِنْ رَحِمِ الْفَجْرِ، لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ تترجمه السبعينية "من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك" = هنا يتكلم عن ميلاد المسيح الأزلي من الآب "نور من نور". وحينما ننسب لله أعضاء بشرية فيكون ذلك لشرح معنى ما. فاليد تشير لقوته وعمله القوى في الفداء، لذلك يتكرر في سفر إشعياء أن يقال عن المسيح أنه يد الله. وعن التجسد أي ظهور ابن الله في الجسد "قَدْ شَمَّرَ ٱلرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ أَمَامَ عُيُونِ كُلِّ ٱلْأُمَمِ، فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ ٱلْأَرْضِ خَلَاصَ إِلَهِنَا" (إش10:52). ثم عن الخلاص بالفداء قيل "هَلْ قَصَرَتْ يَدِي عَنِ ٱلْفِدَاءِ؟ وَهَلْ لَيْسَ فِيَّ قُدْرَةٌ لِلْإِنْقَاذِ" (إش2:50) وهكذا. وحينما يقال هنا "من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك" فهذه عن ولادة المسيح أزلياً من الآب. والابن يولد من بطن الآب فهذا يعني مساواته له في الجوهر وهذه تساوى تماما قول المسيح، "الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خَبَّر" (يو18:1).

الله يستخدم الأسلوب البشرى ليشرح أن المسيح إبنه مولوداً منه:

1. وقوله مِنْ رَحِمِ فهذا إشارة لولادة، كما تقول السبعينية من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك. وأن الإبن مولود من الآب وأن المولود هو من نفس جوهر وطبيعة الوالد. وذلك تمييزاً للإبن الوحيد عن الكنيسة التي تبناها الله. قوله من البطن في السبعينية تناظر حضن الآب في (يو18:1). وحين يقول مِنْ رَحِمِ فالمقصود أن المولود هو من نفس طبيعة الوالد وجوهره. وحينما يقول أنه في حضن الآب فالمقصود المحبة التي يرتبطان بها فيكونا واحداً. والكنيسة كانت أيضاً سماوية كالطل من السماء. ونمت سريعا كطل منهمر. فبحسب ترجمة بيروت نرى ميلاد المسيح شمس البر ومعه كنيسته القوية السمائية. المسيح وُلِد جسديا من العذراء لتولد معه الكنيسة جسده. ولكن المسيح ابن الله مولود من الآب أزليا. فقوله من البطن (هذه تشبه قول المسيح "اَلِٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلْآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو18:1). فـ البطن هنا هي حضن الآب في (يو18:1). وكلا الكلمتين البطن والحضن لهما نفس المعنى أن الإبن في الآب (يو10:14). وقوله ولدتك إشارة لميلاد الإبن الأزلى من الآب. فهو إبن الله المولود منه أزليا (ولدتك).

2. وهذه التشبيهات البشرية كانت لأنه إذ أخذ المسيح الإبن جسد إنسان، كان يلزم للوحى أن يتكلم بلغة الإنسان.

3. فكلمة رحم تشير للولادة عند البشر، ولكن حينما يتكلم عن الرحم فهو يتكلم عما هو داخل الرحم ولم يخرج بعد. وما داخل الرحم هو ما زال مجهولاً. لكن الوحى يكشف عنه: إذ يقول رَحِمِ الْفَجْرِ = والفجر بداية إشراق النور على العالم. والمسيح قال عن نفسه "ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضًا قَائِلًا: أَنَا هُوَ نُورُ ٱلْعَالَمِ" (يو12:8).

4. إستخدام كلمة رحم تشير لأن المولود هو من نفس طبيعة وجوهر الوالد، كل ما هو للآب من جهة لاهوته هو للإبن.

5. من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك = ولدتك = والمتكلم هنا هو الله، إذاً يُفهم أن الابن مولود من الآب. ومتى وُلِدَ الابن؟ قبل أن يظهر أو يُخلق كوكب الصبح في العالم هذا إشارة لأزلية ولادته من الآب، فهو مولود قبل خلقة كوكب الصبح وقبل الشمس والقمر وقبل كل خليقة. قيل عن كل الخليقة "فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضَ" (تك1:1). ولكن بالنسبة للإبن قيل هنا في النسخة السبعينية قبل كوكب الصبح إشارة لأنه مولود من الآب قبل كل الخليقة التي خُلِقَت "في البدء" وهذا إشارة لأزليته.

6. أما النسخة العربية والإنجليزية تقول مِنْ رَحِمِ الْفَجْرِ والإشارة للرحم هي إشارة للولادة. ولكن ما طبيعة هذا الموجود في الرحم؟ يقول الوحى أنه الْفَجْرِ = والفجر يشير لبداية إشراق نور الشمس على الأرض. مع ميلاد المسيح يبدأ فجر هذا العالم فالمسيح هو نور العالم (يو12:8) وهو شمس البر (ملا2:4). يسود نور هذا المولود النورانى بعد أن ساد العالم ظلمة من قال عنه رب المجد أنه سلطان الظلمة (لو53:22). نرى هنا تكامل النسخ العربية والإنجليزية التي تشير لأزلية ميلاد المسيح، مع النسخة السبعينية التي تشير لعمله وأنه سيكون نور العالم وشمس البر الذى فيه الشفاء كما يقول ملاخى النبى وَلَكُمْ أَيُّهَا ٱلْمُتَّقُونَ ٱسْمِي تُشْرِقُ شَمْسُ ٱلْبِرِّ وَٱلشِّفَاءُ فِي أَجْنِحَتِهَا" (ملا2:4).

7. (من البطن قبل كوكب الصبح ولدتك) سبعينية + (من رحم الفجر، لك طل حداثتك) بيروت. والمعنى واحد فى السبعينية وترجمة بيروت، فكوكب الصبح يظهر قبل الفجر مباشرة، وهذا يناظر ترجمة بيروت مِنْ رَحِمِ الْفَجْرِ أى قبل ظهور الشمس فى الفجر. فإذا كان المسيح هو شمس البر (ملاخى2:4)، وكوكب الصبح يظهر قبل ظهور الشمس. فقوله هنا قبل كوكب الصبح ولدتك يصبح معناه أن المسيح كان له وجود قبل أن يظهر كشمس البر مولوداً من العذراء مريم.. ويصبح قوله رحم يناظر القول ولدتك فى السبعينية. وهذه تعنى أن المسيح مولود من الآب ليس فقط قبل أن يتجسد. بل قبل أن يوجد كوكب الصبح أي مولود أزلياً. وقيل عن المسيح في سفر الرؤيا أنه كوكب الصبح المنير. *فظهور هذا الكوكب بولادة المسيح من العذراء مريم، يكون إيذاناً بمشرق الشمس لينتهى الظلام. والمسيح بتجسده، كان إيذاناً بنهاية مساء اليوم السابع، وبداية صباح اليوم السابع. **وحين يأتي المسيح في مجيئه الثانى سيكون هو نور اليوم الثامن الذى بلا ليل ولا ظلام بل نور دائم وصباح دائم بلا ليل. لذلك قيل عن أورشليم السماوية "وَٱلْمَدِينَةُ لَا تَحْتَاجُ إِلَى ٱلشَّمْسِ وَلَا إِلَى ٱلْقَمَرِ لِيُضِيئَا فِيهَا، لِأَنَّ مَجْدَ ٱللهِ قَدْ أَنَارَهَا، وَٱلْخَرُوفُ سِرَاجُهَا" (رؤ23:21). ولنفهم الآن أنه قيل عن المسيح أنه كوكب الصبح المنير في سفر الرؤيا للإشارة لأنه نور العالم ونور الأبدية. وقيل عنه هنا في المزمور قبل كوكب الصبح ولدتك للإشارة لميلاده الأزلى من الآب، ولأن له وجود قبل ظهوره بالجسد، فكوكب الصبح يظهر قبل ظهور الشمس. والشمس تشير لظهوره بالجسد فهو شمس البر الذى رأيناه متجسداً (رؤ23:21).

8. حين يرى الناس عمل المسيح يسلمون له حياتهم ويملكوه عليهم بحريتهم = (شعبك منتدب volunteers + معك الرئاسة). وهذه التبعية للمسيح تعطيهم بهاءً هو جمال القديسين (بهاء القديسن + فى زينة مقدسة) بهاء المسيح إنسكب على شعبه فصار لهم بهاء القديسين. وهذا ما إهتم به القديس بولس الرسول إذ قال لأهل غلاطية "يَا أَوْلَادِي ٱلَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غل19:4). ويقول الرسول أيضاً "بَلِ ٱلْبَسُوا ٱلرَّبَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ" (رو14:13). والمعنى ليكن لنا نفس تصرفاته ومحبته ووداعته وهذه هي الزينة المقدسة. الناس إنجذبوا عندما رأوا جمال المسيح وسيرته وأعماله وأقواله، وإنجذب غيرهم للمسيح حينما رأوا جمال زينة هؤلاء المؤمنين وسيرتهم ومحبتهم، فصاروا نورا للعالم فهم تحولوا ليكونوا صورة للمسيح نور العالم (غل4 : 19 + يو8 : 12 + مت5 : 14).

9. وما الذى جذب الجميع للمسيح؟ *قوة عمل الصليب الذى به غلب المسيح الموت والشيطان والخطية، *وقوة كلمة الإنجيل، *ومحبتهم لشخص المسيح إذ أدركوا محبته العجيبة، *وعمل الروح القدس القوى فيهم الذى سكب محبة الله في قلوبهم (رو5:5)، *بل أيضاً القوة التي حصلوا عليها ضد الخطية وأدركوا أن المسيح جعل منهم أبطالا أقوياء = (فى يوم قوتك) = فصليب المسيح لم يكن ضعفاً بل له قوة جذب جبارة هى محبته التى جعلت العالم ينجذب إليه. وسينجذب إليه الكثيرين ويكرسوا أنفسهم له. وسيكونوا كقطرات الندى التى تنهمر فى الفجر = والندى يتساقط من السماء وكنيسة المسيح سماوية كما يقول القديس بولس الرسول "فَإِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ" (فى20:3). وهذه تعنى أن مواطنتنا أو أن لنا جنسية سماوية = (من رحم الفجر، لك طل حداثتك) والطل يكون بقطرات كثيرة تنهمر من السماء. وكنيسة المسيح أى جسده بدأ فى النمو سريعا جدا منذ بداية الكنيسة. وقوله حداثتك = أي الكنيسة جسد المسيح كنيسة قوية ليست في شيخوخة بل فى شباب تحارب أعداءها (الشيطان والخطية وشهوات الجسد) بقوة وتغلب ولا تستسلم. وبداية المسيحية أي بداية كنيسة المسيح هذه بدأت فى التكوين منذ ولادة المسيح جسديا من العذراء، ثم بعد أن تمم المسيح الفداء بقوة حداثتك صار كل من يعتمد ينضم لجسد المسيح كعضو في جسده كما يقول القديس بولس الرسول "لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" (أف30:5)، لذلك قال المرنم فى المزمور أن شعوب الأمم وُلِدت هناك فى صهيون (مز87).

10. وكانت الكنيسة أيضاً سماوية كالطل من السماء. ونمت سريعا كطل منهمر. فبحسب ترجمة بيروت نرى ميلاد المسيح شمس البر ومعه كنيسته القوية السمائية. المسيح وُلِد جسديا من العذراء لتولد معه الكنيسة جسده. ولكن المسيح ابن الله مولود من الآب أزليا. فقوله من البطن (هذه تشبه قول المسيح "اَلِٱبْنُ ٱلْوَحِيدُ ٱلَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ ٱلْآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو18:1). فـ البطن هنا هي حضن الآب في (يو18:1). وقوله ولدتك إشارة لميلاد الإبن الأزلى من الآب. فهو إبن الله المولود منه أزليا (ولدتك).

*وتبعية شعب المسيح للمسيح تعطيهم بهاءً هو جمال القديسين = (بهاء القديسن + فى زينة مقدسة) بهاء المسيح إنسكب على شعبه فصار لهم بهاء القديسين. وهذا ما إهتم به القديس بولس الرسول إذ قال لأهل غلاطية "يَا أَوْلَادِي ٱلَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ ٱلْمَسِيحُ فِيكُمْ" (غل19:4). ويقول الرسول أيضاً "بَلِ ٱلْبَسُوا ٱلرَّبَّ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ" (رو14:13). والمعنى ليكن لكم نفس تصرفاته ومحبته ووداعته وهذه هي الزينة المقدسة. هم إنجذبوا عندما رأوا جمال المسيح وسيرته وأعماله وأقواله، وإنجذب غيرهم للمسيح حينما رأوا جمال زينة هؤلاء المؤمنين وسيرتهم ومحبتهم، فصاروا نورا للعالم فهم تحولوا ليكونوا صورة للمسيح نور العالم (غل4 : 19 + يو8 : 12 + مت5 : 14).

*وكيف إشترى المسيح كنيسته؟ إشتراها بدمه حينما قدَّم نفسه ذبيحة على الصليب. لذلك يكلمنا في الآية القادمة عن كهنوت المسيح. فالكاهن هو من يقدم ذبيحة لله. والمسيح رئيس كهنتنا قدَّم ذبيحة نفسه عنا.

 

آية (4): "أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ: «أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ»."

سبعينية:- أقسم الرب ولم يندم، أنك أنت هو الكاهن إلى الأبد على طقس ملكيصادق.

لم يجتمع الملك والكهنوت عند اليهود أبداً (حدث هذا فقط لفترة بسيطة مع المكابيين ولكن المكابيين كانوا كهنة من سبط لاوى وأخذوا الملك فترة قليلة بعد أن هزموا ملوك اليونان. ولكن داود هو من وعده الله بالملك ، أى سبط يهوذا كان هو سبط الملك)، فالملك من يهوذا والكهنوت من لاوي. أما طقس ملكي صادق فيشير لملكي صادق الملك والكاهن، والمسيح هو الذي جمع كلا الوظيفتين. وأعطى لكنيسته الكهنوت على طقس ملكي صادق (ذبيحة الخبز والخمر) فملكي صادق كان رمزاً للمسيح. والله أقسم، أي ليظهر للبشر اهتمامه وجديته في أمر الخلاص (عب16:6) فالقسم هو الطريقة التي يفهمها البشر لإظهار الجدية.

كيف يتم هذا الفداء؟ بأن المسيح رئيس كهنتنا يقدم نفسه ذبيحة ويكمل الصليب بالإفخارستيا (طقس ملكى صادق). فالصليب والإفخارستيا هما عمل واحد متكامل.

 

الآيات (5، 6): "الرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ يُحَطِّمُ فِي يَوْمِ رِجْزِهِ مُلُوكًا. يَدِينُ بَيْنَ الأُمَمِ. مَلأَ جُثَثًا أَرْضًا وَاسِعَةً. سَحَقَ رُؤُوسَهَا."

سبعينية:- الرب عن يمينك يحطم في يوم رجزه ملوكاً. يقضى بين الأمم، ويملأهم جثثاً. يسحق رأس كثيرين على الأرض.

قال في (آية 1) أن الرب قال لربي إجلس عن يميني. وهنا يقول الرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ = لنفهم أن اليمين ليس مكان بل يشير للقوة والكرامة. ففي (آية 1) قال الرب لربى إجلس عن يمينى: هذا يعنى 1* في يوم الدينونة سيحطم كل القوات المقاومة (تمثال نبوخذ نصر تناثر فى الهواء كغبار). 2* والمسيح بصليبه دان إبليس وجنوده في هذه المعركة، وإنتصاره كان كإنتصار ملك حَوَّلَ جيش أعدائه لجُثَثً. وهو قد تلوثت ثيابه من دم أعدائه (إش3:63). وهذا ما سيتكرر في اليوم الأخير. وبالنسبة لهذه الآية الرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ فهى تشير لفترة وجود المسيح بجسده على الارض، فالقول الرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ = أن الله حفظ المسيح من كل محاولات قتله حتى حانت ساعة الصليب ( يو 8 : 59) . ولكن قوله الرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ = يعنى أن قوة لاهوته المتحد بناسوته، أقام جسده الميت من الموت. لذلك يقول القديس بولس الرسول "وَٱللهُ قَدْ أَقَامَ ٱلرَّبَّ، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِقُوَّتِهِ" (1كو14:6). فلاهوته فيه قوة حياة أبدية فهو الحياة، والحياة التي في لاهوته إبتلعت الموت الذى كان في جسده.

وبالصليب داس المسيح الشيطان وجنوده (يقضي بين الأمم ويملأهم جثثًا) وكان ذلك حال وجوده على الأرض، (يسحق رأس كثيرين على الأرض) وداس الموت بموته ودان الخطية (راجع تفسير رو8 : 3). ولكن حاول اليهود قتله مرارا وحفظه الله حتى يتمم عمل الصليب (الرب عن يمينك). وكما قال بولس الرسول "أخضعت كل شيء تحت قدميه. لأنه إذ اخضع الكل له لم يترك شيئا غير خاضع له. على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعا له" (عب2 : 8). ولكن فى المجئ الثانى سيخضع له الكل إما فى حب أو بالقوة ليكونوا تحت قدميه (آية 1 فى هذا المزمور). ولكن قوله الرَّبُّ عَنْ يَمِينِكَ = يعنى أن قوة لاهوته المتحد بناسوته، أقام جسده الميت من الموت. لذلك يقول القديس بولس الرسول "وَٱللهُ قَدْ أَقَامَ ٱلرَّبَّ، وَسَيُقِيمُنَا نَحْنُ أَيْضًا بِقُوَّتِهِ" (1كو14:6). فلاهوته فيه قوة حياة أبدية فهو الحياة، والحياة التي في لاهوته إبتلعت الموت الذى كان في جسده.

← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

 

آية (7): "مِنَ النَّهْرِ يَشْرَبُ فِي الطَّرِيقِ، لِذلِكَ يَرْفَعُ الرَّأْسَ."

وفى الطريق يشرب الماء من الوادى، لذلك يرفع رأسه.

هنا نرى المسيح في أيام جسده وألامه، واحتياجه لأن يشرب من النهر كما حدث لداود حين عطش في معركته (1صم9:30 ، 10 + 1أي17:11). والمسيح عطش على الصليب وقال أنا عطشان. وشمشون عطش وأرسل له الله ماءً ليشرب (قض18:15 ، 19) والمسيح حين صلي في بستان جثسيماني ليلة صلبه أرسل له الله ملاكاً ليقويه (لو43:22) فنفسه كانت حزينة جداً حتى الموت (مر34:14)، بل في ضعفه الجسدي جاع وعطش واضطربت نفسه وطلب أن يجيز الآب عنه هذه الكأس، وإحتاج لأن يأتي له ملاك ليقويه ويعزيه. فالمسيح كان كإنسان مشابها لنا فى كل شئ، وكل منا في ألامه يحتاج أن يشرب من نهر تعزيات الروح القدس لكي يرفع رأسه ولا تنحني نفسه فيه. لقد إختبر المسيح ألامنا وإذ تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين (عب18:2). ولكن بعد إنتهاء تجربته رفع رأسه ووطأ أعداءه، إذ قام وداس الموت والشيطان.

كانت ألام ومعاناة المسيح على الأرض شديدة، وهى على نوعين:-

أ) حروب من اليهود بتحريض من الشيطان.

ب) حروب شيطانية مباشرة كالتجربة على الجبل.

1) حارب اليهود المسيح من بداية خدمته، ووصلت الحروب لتدبير الصليب. وكانت ألام المسيح على الصليب وما قبل الصليب شديدة جدا، إذ كان له جسدا كاملا فلقد شابهنا فى كل شئ ما خلا الخطية وحدها، كما نقول فى قانون الإيمان "تجسد وتأنس، فكان يعطش ويجوع ويحتاج لأن يشرب وقال على الصليب "أنا عطشان" (من النهر يشرب فى الطريق + وفى الطريق يشرب الماء من الوادى). بل حتى تلاميذه نجدهم قد هربوا وتخلوا عنه يوم الصليب. وقوله يشرب إشارة لشدة الألام وإحتياجه كإنسان لما يهدئ من حرارة ومرارة هذه الآلام. ولقد "ظهر له ملاك من السماء ليقويه" وهو يصلى فى بستان جثسيمانى (لو22 : 43). وإن كان الجبل يشير للسماء فى إرتفاعه وعلوه، فالوادى يشير للأرض التى نزل إليها الإبن متجسدا. وإنتصر كإنسان دون معونة من لاهوته (لذلك يرفع رأسه) وبنصرته كان خلاصنا.

2) وقد يعنى الشرب من الماء :- *الشرب المادى فعلا وإحتياجه له إذ يعطش ويتألم. *وقد يعنى إحتياجه لمساندة وتعزية كما حدث من الملاك فى جثسيمانى. *وقد يكون إشارة للروح القدس الذى حل عليه يوم المعمودية (النقطة التالية رقم 3).

3) فإذا كان النهر يشير للروح القدس (يو7 : 37 - 39) والطريق هو طريق الخلاص الذى بدأه المسيح بتجسده وحتى الصليب ثم القيامة والصعود، يكون معنى الشرب من النهر هو حلول الروح القدس على جسد المسيح. والروح يعطى قوة وعزاء (وهذا العزاء والمعونة لا تعنى مساندة اللاهوت للناسوت، بل هى معونة للمسيح بالجسد وهى لحسابنا نحن البشر. فكل من هو ثابت فى المسيح منا يحصل على تعزية مماثلة من الروح القدس عند ضيقته وتجربته). والروح القدس حل على المسيح يوم المعمودية، فالروح القدس هو الذى سيكمل عمل الخلاص مع الكنيسة جسد المسيح، ليثبتنا فى جسد المسيح ويعطينا نعمة وقوة ومعونة لنظل ثابتين.

4) ونلاحظ أن المسيح بعد 40 يوما من الصراع مع الشيطان، وقت التجربة على الجبل والتى إنتصر فيها المسيح كإنسان، إذ قيل "وكان هناك فى البرية أربعين يوما يجرب من الشيطان. وكان مع الوحوش" (مر1 : 12). يقول القديس لوقا أنه "رجع بقوة الروح إلى الجليل" (لو4 : 14). ونلاحظ أن التجربة على الجبل لم تكن مجرد 3 تجارب فقط إنما هذا ما سمح الله لنا بأن نعرفه، أما باقى التجارب وعلى مدى أربعين يوما مع وحوش الشياطين فهذه فوق مستوى إدراكنا لذلك لم يعلنها الله لنا. ويكفى أن نسمع عن حروب الشيطان مع عظماء القديسين كالأنبا أنطونيوس مثلا.

وألا يذكرنا هذا بالمزمور (مز42 : 1 ، 2) "كما يشتاق الإيل الى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي اليك يا الله. عطشت نفسي إلى الله إلى الإله الحي" وهذه مأخوذة مما يحدث مع الأيائل الحادة البصر، إذ تكتشف جحور الثعابين فتذهب إليها وتظل تصارعها وتنتصر عليها وتقتلها وتدوسها بأرجلها. وهذه المعركة تصيبها بالعطش فتجرى إلى مجارى المياه لترتوى فتتقوى.

وبهذا نرى أن المسيح قد واجه حربا شرسة، ليس من اليهود فقط، بل من وحوش الشياطين ولمدة 40 يوما. وهزمها وقيدها لذلك فهو حين قام بشفاء المجنون الأعمى والأخرس قال "أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولا وحينئذ ينهب بيته؟" (مت12 : 29). وأكمل الرب هزيمة الشيطان ووضعه تحت الأقدام بالصليب. وبعد المعركة مع هذه الوحوش رجع بقوة الروح.

كل هذا الصراع والإنتصار وقوة الروح كانوا للمسيح كإنسان فلا معنى أن نقول أن المسيح بلاهوته قد إنتصر على الشيطان. فلا مقارنة بين الله وخليقته من حيث القوة. ولكن كان هذا لحسابنا نحن البشر. فثباتنا فى المسيح وتسليم حياتنا له يعطينا أن نسير فى نفس الخط ـــــ نحارب الشياطين وننتصر وندوس عليها فنمتلئ من الروح القدس ـــــــ وهذا الإمتلاء من قوة الروح والإنتصار على حروب إبليس عبَّرَ عنه المزمور بقوله (من النهر يشرب فى الطريق، لذلك يرفع الرأس). بالنسبة للمسيح كإنسان إنتصر على الشيطان وعلى الموت وعلى الخطية. وبعد أن نكس رأسه على الصليب ومات قام من الأموات ليعطينا حياته الأبدية هذه التى قام بها من بين الأموات. وبالنسبة لنا أى لمن يقبل الثبات فى المسيح، فهذا يعطينا النصرة والإمتلاء من الروح والتعزية خلال التجارب والثبات فى الحياة الأبدية.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ملخص المفاهيم العقيدية في الفداء بحسب المزمور

1) إبن الله الأزلى المساوى لأبيه يولد زمنيا، لتولد كنيسته، جسده، كنيسة قوية سماوية تنمو بسرعة. بل نمت وإمتدت وسط حروب الشيطان ضدها، إذ إستخدم أعوانه من الملوك والشعوب ليهدموا كنيسة المسيح ولم يفلحوا وساد المسيح.

2) الروح القدس يحل على جسد المسيح فيمسحه ليقدسه (يخصصه) كذبيحة ستقدم على الصليب. ويعطى معونة لجسده لحساب الكنيسة التى هى جسد المسيح يؤسسها ويقويها ويعزيها وسط ضيقات وحروب إبليس، ويثبتها فى المسيح.

3) المسيح يصير رئيس كهنة يقدم ذبيحة نفسه على الصليب، ويكتمل الصليب بسر الإفخارستيا. فصار كهنوت المسيح على طقس ملكى صادق. وهذه الذبيحة الإفخارستية مستمرة فى الكنيسة إلى الأبد.

4) هذا الصليب الذى كان مظهرا للضعف يصير صولجان ملك المسيح على شعبه.

5) الآب حفظ المسيح حتى لا يقتله اليهود قبل الصليب.

6) شعب المسيح الذين أدركوا فداء المسيح العجيب وضعوا أنفسهم بحريتهم تحت سلطان ملك المسيح عليهم، وملكوه على قلوبهم فى حب لمن أحبهم أولا. وهذا ظهر في أن المؤمنين قدموا أنفسهم كمنتدبين volunteers متطوعين، يقدمون أنفسهم للإستشهاد. ولما إنتهى عصر الإستشهاد ظهرت الرهبنة كصورة أخرى لبذل النفس حباً في المسيح الذى بذل نفسه عنا.

7) الآب هو الذى أعطى لإبنه المتجسد كل هؤلاء الذين آمنوا به "أَنَا أَظْهَرْتُ ٱسْمَكَ لِلنَّاسِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي مِنَ ٱلْعَالَمِ. كَانُوا لَكَ وَأَعْطَيْتَهُمْ لِي، وَقَدْ حَفِظُوا كَلَامَكَ" (يو6:17)، فوحدهم الإبن فى جسده. وبهذا الجسد يقدم الخضوع للآب (1كو28:15).

8) بعد أن أتم المسيح عمله الفدائى بالجسد مات على الصليب. وبعد ثلاثة أيام أقام لاهوت الإبن الحى المحيى الواهب الحياة لكل الخليقة، والمتحد بجسده، أقام الجسد من الأموات.

9) صعد المسيح بجسده ليجلس عن يمين أبيه بجسده. أى صار لجسد المسيح نفس مجد لاهوته. وكان هذا سببا فى فرحة الآب بعمل الإبن إذ عاد أبناءه البشر إلى حضنه فى المجد.

10) بالصليب هزم المسيح الشيطان ووضعه تحت قدميه لحساب الكنيسة، فصار هناك سلطان للمؤمنين أن يدوسوا الحيات والعقارب. وفى المجئ الثانى سيكمل هذا الإنتصار ويخضع كل أعداء المسيح تحت قدميه وللأبد، ويلقون فى البحيرة المتقدة بالنار.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات مزامير: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57 | 58 | 59 | 60 | 61 | 62 | 63 | 64 | 65 | 66 | 67 | 68 | 69 | 70 | 71 | 72 | 73 | 74 | 75 | 76 | 77 | 78 | 79 | 80 | 81 | 82 | 83 | 84 | 85 | 86 | 87 | 88 | 89 | 90 | 91 | 92 | 93 | 94 | 95 | 96 | 97 | 98 | 99 | 100 | 101 | 102 | 103 | 104 | 105 | 106 | 107 | 108 | 109 | 110 | 111 | 112 | 113 | 114 | 115 | 116 | 117 | 118 | 119 | 120 | 121 | 122 | 123 | 124 | 125 | 126 | 127 | 128 | 129 | 130 | 131 | 132 | 133 | 134 | 135 | 136 | 137 | 138 | 139 | 140 | 141 | 142 | 143 | 144 | 145 | 146 | 147 | 148 | 149 | 150 | 151

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Antonious-Fekry/21-Sefr-El-Mazameer/Tafseer-Sefr-El-Mazamir__01-Chapter-110.html

تقصير الرابط:
tak.la/dbxr3zs