| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13

يقول القديس أثناسيوس وغريغوريوس الناطق بالإلهيات أن داود ألف هذا المزمور بإلهام الروح القدس وأعطاه ليدوثون الذي انتخبه داود للتسبيح.
غالبًا كان داود في ألم عظيم وهو يكتب هذا المزمور، ولكنه قرَّر أن يضبط عواطفه ويبقيها داخله، لا يتذمر ولا يشتكي أمام أعدائه، ولكن يتكلم ويفضي بما في داخله أمام الله فقط. ونجد داود هنا يشعر أن الإنسان كبخار يظهر قليلًا ثم يضمحل، فتساءل، ولماذا كل هذا الصراع على الدنيا والكل سينتهي سريعًا. وفي ألمه يردد ما قاله أيوب من قبل.. إذا كانت أيامي ستنتهي سريعًا فهل أحيا هذه الحياة القصيرة وأنا متألم بكل هذه التأديبات.

آية (1): "قُلْتُ: « أَتَحَفَّظُ لِسَبِيلِي مِنَ الْخَطَإِ بِلِسَانِي. أَحْفَظُ لِفَمِي كِمَامَةً فِيمَا الشِّرِّيرُ مُقَابِلِي»."
نرى قرار داود بأنه لن يتكلم، فهو لن يتهم أعداؤه، ولن يبرئ نفسه أمام الأشرار، ومن يحفظ لسانه يحفظ نفسه (يع3). ولكنه لن ولم يصمت أمام الله.
داود هنا لم يرد أن يشكو ألمه أو يشكو من حكم الله ضده الذي سمح بهذه الآلام، أمام الأشرار. فيتخذون من شكواه أداة لهجومهم على الله. وهذا هو نفس ما ردده مرنم آخر في نفس المناسبة "لو قلت أحدث هكذا، لغدرت بجيل بنيك" (مز73: 15).
آية (2): "صَمَتُّ صَمْتًا، سَكَتُّ عَنِ الْخَيْرِ، فَتَحَرَّكَ وَجَعِي."
داود كان معتادا أن يسبح الله ويرنم له. وفي ألمه صمت ولم يشهد لله، فازداد ألمه. وهناك تصور آخر، أنه امتنع عن كلمات الخير أمام الأشرار إذ هم يسخرون مما يقول، فقرر أن لا يلقي درره قدام الخنازير (مت6:7). ولكن عدم شهادته لله أوجعته.
آية (3): "حَمِيَ قَلْبِي فِي جَوْفِي. عِنْدَ لَهَجِي اشْتَعَلَتِ النَّارُ. تَكَلَّمْتُ بِلِسَانِي:"
نرى المرنم هنا في صراع بين أن يتكلم وأن يسكت، له حنين أن يشهد لله، ولكنه مقتنع أن كلامه سيزيد الشرير هياجًا وسخرية. فلجأ لله ليرشده= تكلمت بلساني = وبماذا تكلم؟ قال لله الآيات التالية.
الآيات (4-6): "«عَرِّفْنِي يَا رَبُّ نِهَايَتِي وَمِقْدَارَ أَيَّامِي كَمْ هِيَ، فَأَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا زَائِلٌ. هُوَذَا جَعَلْتَ أَيَّامِي أَشْبَارًا، وَعُمْرِي كَلاَ شَيْءَ قُدَّامَكَ. إِنَّمَا نَفْخَةً كُلُّ إِنْسَانٍ قَدْ جُعِلَ. سِلاَهْ. إِنَّمَا كَخَيَال يَتَمَشَّى الإِنْسَانُ. إِنَّمَا بَاطِلًا يَضِجُّونَ. يَذْخَرُ ذَخَائِرَ وَلاَ يَدْرِي مَنْ يَضُمُّهَا."
بماذا تكلم المرنم وماذا طلب؟
إذ دخل المرنم في حوار مع الله اكتشف تفاهة الحياة البشرية وقصرها. عرفني يا رب نهايتي= عرفني أنني لن أبقَى هنا كثيرًا في هذه الشدائد والضيقات وسخرية من يسمع (ما قاله في آية 2). ومن يدرك ما أعده الله له في الأبدية يدرك تفاهة هذه الأيام الأرضية. كَخَيَال يَتَمَشَّى الإِنْسَانُ (الإنسان إنما كخيال) = هل يستطيع أحد أن يمسك ظل الأشياء، هكذا كل من يحاول أن يتمسك بأمور هذا العالم= باطلًا يضجون= باطلًا يتعبون ليكنزوا الماديات.
عرفني يا رب نهايتي = قطعًا كل إنسان يعرف أن نهاية كل الخليقة هو الموت ، ولكن أحد حروب الشياطين هو إخفاء هذه الحقيقة عن فكر الإنسان ومحاولة الشيطان أن يشغل فكر الإنسان بملذات العالم. لأننا لو وضعنا فكرة موتنا أمام عيوننا وأنها ستأتي كلص في ساعة لا نتوقعها لما تجرأ إنسان وأخطأ. فيكون طلب المرنم لله أن يجعله واضعا هذه الحقيقة أمام عينيه دائما ولا تشغله إغراءات الخطايا فينساها، بل ولا تشغله مضايقات وإهانات الناس. ولكن في الآيات التالية يطلب من الله أن يُعلن رضاه عليه فيهدأ داخله. هو لن ينشغل بمضايقات الناس، ولكنه يرجو من الله أن يُعلن رضاه عليه.
الآيات (7-13): "«وَالآنَ، مَاذَا انْتَظَرْتُ يَا رَبُّ؟ رَجَائِي فِيكَ هُوَ. مِنْ كُلِّ مَعَاصِيَّ نَجِّنِي. لاَ تَجْعَلْنِي عَارًا عِنْدَ الْجَاهِلِ. صَمَتُّ. لاَ أَفْتَحُ فَمِي، لأَنَّكَ أَنْتَ فَعَلْتَ. ارْفَعْ عَنِّي ضَرْبَكَ. مِنْ مُهَاجَمَةِ يَدِكَ أَنَا قَدْ فَنِيتُ. بِتَأْدِيبَاتٍ إِنْ أَدَّبْتَ الإِنْسَانَ مِنْ أَجْلِ إِثْمِهِ، أَفْنَيْتَ مِثْلَ الْعُثِّ مُشْتَهَاهُ. إِنَّمَا كُلُّ إِنْسَانٍ نَفْخَةٌ. سِلاَهْ. اِسْتَمِعْ صَلاَتِي يَا رَبُّ، وَاصْغَ إِلَى صُرَاخِي. لاَ تَسْكُتْ عَنْ دُمُوعِي. لأَنِّي أَنَا غَرِيبٌ عِنْدَكَ. نَزِيلٌ مِثْلُ جَمِيعِ آبَائِي. اقْتَصِرْ عَنِّي فَأَتَبَلَّجَ قَبْلَ أَنْ أَذْهَبَ فَلاَ أُوجَدَ»."
المرنم إذ أدرك تفاهة هذا العالم، وضع رجاؤه كله في الله، وليضمن نصيبه الأبدي صلَّي قائلا = مِنْ كُلِّ مَعَاصِيَّ نَجِّنِي، ويعترف أن الخطية تجعله عاراً عند الجاهل. وفي (9) صَمَتُّ = نجده يُسَلِّم نفسه تماماً بين يدي الله، ويقبل منه كل تأديب حتى يخلصه من خطاياه. ولكنه في ضعف وانسحاق يرفع عينيه إلى الله ليرفع عنه تأديباته = ارْفَعْ عَنِّي ضَرْبَكَ. ونلاحظ أن الله يسمح بهذه الضربات والتأديبات حتى يقتنع أولاده بتفاهة الأرضيات وأنها زائلة. فالله بتأديباته يفني شهواتهم مثل العث. ويقتنع الإنسان أنه نَفْخَةٌ أي هو زائل سريعاً فلماذا التمسك بالأرضيات. فآية (11) تشير لفائدة الآلام. وفي (12) صلاة لله حتى يقبله ويسمع صراخه ودموعه ويكتفي بهذه التأديبات، ويكون توقف التأديبات علامة على قبول الله ورضاه عليه، فيشعر برضى الله عليه قبل أن يغادر هذه الحياة. وهو يطلب هذا في (13) أن يكف الله عن تأديباته ويعلن قبوله قبل أن يموت فيطمئن بأنه لن يهلك حينما يموت، فبعد الموت لا توجد فرصة للتوبة. ولاحظ شعوره بالغربة في هذا العالم. وتُرجمت كلمة أَتَبَلَّجَ = أستريح إذ شعرت برضاك وعفوك. وتُرجمت حتى أستعيد قوتى. وَتُرْجِمَت حتى أتنفس. وَتُرْجِمَت حتى أفرح. وكل هذه المعانى يفرح بها من شعر بعفو الله.

← تفاسير أصحاحات مزامير: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57 | 58 | 59 | 60 | 61 | 62 | 63 | 64 | 65 | 66 | 67 | 68 | 69 | 70 | 71 | 72 | 73 | 74 | 75 | 76 | 77 | 78 | 79 | 80 | 81 | 82 | 83 | 84 | 85 | 86 | 87 | 88 | 89 | 90 | 91 | 92 | 93 | 94 | 95 | 96 | 97 | 98 | 99 | 100 | 101 | 102 | 103 | 104 | 105 | 106 | 107 | 108 | 109 | 110 | 111 | 112 | 113 | 114 | 115 | 116 | 117 | 118 | 119 | 120 | 121 | 122 | 123 | 124 | 125 | 126 | 127 | 128 | 129 | 130 | 131 | 132 | 133 | 134 | 135 | 136 | 137 | 138 | 139 | 140 | 141 | 142 | 143 | 144 | 145 | 146 | 147 | 148 | 149 | 150 | 151
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
تفسير مزمور 40![]() |
قسم
تفاسير العهد القديم القمص أنطونيوس فكري |
تفسير مزمور 38![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/ysf4h5k