| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27 - 28 - 29 - 30 - 31 - 32 - 33 - 34 - 35 - 36

كتب داود هذا المزمور وهو في ضيقة عظيمة، فكان كَمَن يصرخ من الألم، بل كان يشعر أنه في طريقه للموت المؤكد، ويصرخ لله ليخلصه. لذلك يقال أن هذا المزمور نبوة عن الصليب. ولكن كما في كثير من مزامير داود نجده يبدأ بالشكوى وينتهى بالتسبيح.
وكان داود في هذا رمزاً للمسيح، وهناك آيات كثيرة من هذا المزمور طبقها العهد الجديد على المسيح. (الآية 4) أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ وردت في (يو 15: 25). و(الآية 9) لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ وردت في يو 2 : 17 + رو 15 : 3). و(الآية 21) يَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاُ وردت في مت 27 : 34). و(الآيات 22، 23) لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ قُدَّامَهُمْ فَخًّا، وَلِلآمِنِينَ شَرَكًا. لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا وردوا في (رو 11: 9-10). وهو رفيق للمزمور22. وكلاهما يبدأ بألام المسيح وينتهي بمجده. ويضاف لهذا النبوات الخاصة بخراب إسرائيل لصلبها المسيح.
ونرى في هذا المزمور أيضًا صورة لآلام الكنيسة جسد المسيح، التي أوصلها مضطهدوها إلى حافة الموت لكن الله خلصها وأنقذها وخرب أعداؤها. والمجد الذي صار لها.
وتستخدم الكنيسة في صلوات التجنيز للمنتقلين من أبنائها آيات كثيرة من هذا المزمور وكأنها ترى أنهم ماتوا مع المسيح ليكون لهم قيامة مع المسيح في مجده.

الآيات (1-3): "خَلِّصْنِي يَا اَللهُ، لأَنَّ الْمِيَاهَ قَدْ دَخَلَتْ إِلَى نَفْسِي. غَرِقْتُ فِي حَمْأَةٍ عَمِيقَةٍ، وَلَيْسَ مَقَرٌّ. دَخَلْتُ إِلَى أَعْمَاقِ الْمِيَاهِ، وَالسَّيْلُ غَمَرَنِي. تَعِبْتُ مِنْ صُرَاخِي. يَبِسَ حَلْقِي. كَلَّتْ عَيْنَايَ مِنِ انْتِظَارِ إِلهِي."
الأحزان والبلايا يصورها داود بمياه أحاطت به وستغرقه فيموت، ولهذا كان يونان في عمق المياه ثم خروجه رمزاً لموت المسيح وقيامته (يون5:2). وبنفس المنطق كان نزول الرب يسوع في مياه نهر الأردن إعلاناً عن تدبيره أنه سوف يقبل الموت ليؤسس سر المعمودية. وأيضاً فإن الروح القدس يشركنا في موت المسيح بنزولنا في مياه المعمودية.
غرقت في حمأة عميقة = داود مهما زادت آلامه فلم يحدث له أن غرق فعلًا. ولكنه بروح النبوة يتكلم عن المسيح الذي مات فعلًا. وصراخ المسيح تكلم عنه الرسول في (عب7:5). أما بالنسبة لداود فنفهم أن الأحزان والحيرة أغرقته في همومه. ولنلاحظ أن الأحزان دخلت للعالم بالخطية. ليس.. مقر= كأنه في مياه عميقة لا يجد أرضًا يستقر عليها= أي هو بلا أي شيء يسنده، ولا مكان يستريح فيه. حتى قبل الصليب قال المسيح "فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ ٱلسَّمَاءِ أَوْكَارٌ، وَأَمَّا ٱبْنُ ٱلْإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ" (مت20:8). ولقد قال المسيح في آلامه "الآن نفسي قد اضطربت".
آية (4): "أَكْثَرُ مِنْ شَعْرِ رَأْسِي الَّذِينَ يُبْغِضُونَنِي بِلاَ سَبَبٍ. اعْتَزَّ مُسْتَهْلِكِيَّ أَعْدَائِي ظُلْمًا. حِينَئِذٍ رَدَدْتُ الَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ."
طبقها المسيح على نفسه" (يو25:15). وأعداء المسيح كانوا من اليهود والرومان والشياطين. وهكذا أعداء الكنيسة جسد المسيح. والأعداء كثيرين = أكثر من شعر رأسي. وأقوياء = اعتز مستهلكيَّ = من يريدون تدميري هم أقوياء معتزون. وهم يظلمونه بِلاَ سَبَبٍ.. وظُلْمًا = وهذا ما فعله إبليس بآدم وحواء، ثم بداود وبالمسيح وبالتالي كنيسته. ومن قوة الأعداء يقول داود حينئذ رددت الذي لم أخطفه = فهو لم يخطف من أعدائه شيء، وهو لم يظلمهم، ولكنهم جعلوه يعاني كل هذه المعاناة بلا سبب جناه، وربما هو أعطاهم ما يهدئ من غيظهم ليهدأوا. وهكذا المسيح تحمل عقوبة كان يجب أن أتحملها أنا، هو دفع ديوننا، عانى بسبب تعدياتنا. وتعني أيضًا أن المسيح لم يخطف منا سلامنا وفرحنا ومجدنا فلقد ضاع من الإنسان سلامه ومجده وفرحه، ولم يكن المسيح هو الذي أخذهم، بل كان ذلك نتيجة الخطية. ولم يحجب الله نفسه عن آدم بعد أن اخطأ، بل آدم هو الذي اختبأ من الله... والمسيح ردَّ لآدم ولنا اكثر مما فقدناه = حِينَئِذٍ رَدَدْتُ الَّذِي لَمْ أَخْطَفْهُ.
آية (5): "يَا اَللهُ أَنْتَ عَرَفْتَ حَمَاقَتِي، وَذُنُوبِي عَنْكَ لَمْ تَخْفَ."
يا الله أنت عرفت حماقتي = أنت تعلم يا رب كل ذنوبي، وتعلم أن ما ظلموني به أنا بريء منه، هذا بلسان داود. أما بلسان المسيح، فالآب يعلم أنه بلا خطية لكنه صار خطية لأجلنا وحمل خطايانا.
آية (6): "لاَ يَخْزَ بِي مُنْتَظِرُوكَ يَا سَيِّدُ رَبَّ الْجُنُودِ. لاَ يَخْجَلْ بِي مُلْتَمِسُوكَ يَا إِلهَ إِسْرَائِيلَ."
داود يطلب أن يخلصه الله حتى لا يرى أصدقاؤه من القديسين أن الله لم يتدخل لينقذه ويكون هذا سببًا في يأسهم وإحباطهم، ويكون هذا سببًا في أن أعداء القديسين يشمخون على الله وعليهم. وكل من كان ينتظر المسيح، لو لم يقم المسيح لكانوا في خزي وخجل.
آية (7): "لأَنِّي مِنْ أَجْلِكَ احْتَمَلْتُ الْعَارَ. غَطَّى الْخَجَلُ وَجْهِي."
هذه بلسان المسيح ويوجه كلامه لآدم = لأني من أجلك احتملت العار (عار الصليب). وهذه الآية تفهم أيضًا أنها موجهة للآب، فالمسيح الابن لمحبته للآب قبل كل هذه الآلام والاحتقار. . فهو في طاعة كاملة سَلَّمَ نفسه لأحقر ميتة، موت الصليب لأن هذه هي إرادة الآب الذى أرسله "تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. ٱسْمَعُوا هَذَا: لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ فِي ٱلْخَفَاءِ. مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ، وَٱلْآنَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ" (إش16:48). قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ ٱلَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ" (يو34:4).
آية (8): "صِرْتُ أَجْنَبِيًّا عِنْدَ إِخْوَتِي، وَغَرِيبًا عِنْدَ بَنِي أُمِّي."
لأجل آدم طُرِدَ المسيح من أهل بيته وإخوته. ولاحظ موقف أقرباء المسيح منه "وَلَمَّا سَمِعَ أَقْرِبَاؤُهُ خَرَجُوا لِيُمْسِكُوهُ، لِأَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ مُخْتَلٌّ" (مر21:3). وأيضاً "لأنَّ إِخْوَتَهُ أَيْضًا لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ" (يو5:7). وأيضاً "إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ" (يو11:1). وحتى الآن فالمسيح مرفوض من اليهود. بل للأسف من الكثيرين في هذا العالم فمبادئ المسيح يرفضها العالم. هناك الكثيرين يطالبون الكنيسة بحذف بعض آيات الكتاب المقدس ليتفق مع أفكارههم وشهواتهم.
![]() |
الآيات (9-11): "لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ. وَأَبْكَيْتُ بِصَوْمٍ نَفْسِي، فَصَارَ ذلِكَ عَارًا عَلَيَّ. جَعَلْتُ لِبَاسِي مِسْحًا، وَصِرْتُ لَهُمْ مَثَلًا."
لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي = قوله لأَنَّ راجع (للآية 8) السابقة والتي قال فيها أنه صار مرفوضاً حتى من أقرب الناس إليه. والسبب أن داود لم يستطع إحتمال أى إهانة لله أو لبيت الله = لأَنَّ غَيْرَةَ بَيْتِكَ أَكَلَتْنِي، وَتَعْيِيرَاتِ مُعَيِّرِيكَ وَقَعَتْ عَلَيَّ = هنا نرى داود الذي يتقد قلبه بحب الله، يغير على بيت الله. وهؤلاء الأشرار الموجودين الآن في بيت الله بحكم مراكزهم وبخطاياهم صاروا سببًا في أن الآخرين من الأغراب يعيرون الله بسبب ما يحدث من شعبه وما يحدث داخل بيته، من فساد سببه شعب الله. وهؤلاء سببوا لداود آلامًا شديدة وكأن كل تعييراتهم لله قد وقعت على داود. لقد كانت التعييرات ضد الله أشد قسوة على داود من الآلام الشخصية التي ألحقوها به. ولذلك أوصانا المسيح قائلًا: لكي يرى الناس أعمالكم الحسنة فيمجدوا أباكم الذي في السموات: "لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (مت 5: 16).
ولقد طبقت الآية على المسيح حين طرد الباعة من الهيكل (يو17:2). وطبقت عليه في (رو3:15) للتدليل على أن المسيح كان ينكر ذاته، إذ حسب أن أي تعيير للآب يقع عليه هو، فقام بطرد الباعة اللصوص من الهيكل (وهؤلاء كانوا يسرقون لحساب رئيس الكهنة). وهذا أهاج الكهنة ورؤساءهم والجماهير ضده، واحتمل هذا لمحبته للآب. وارتد هذا عليه فقد أهانوه بسبب ذلك، فكانت شهادة المسيح عن الآب لا ترضي اليهود ويهينونه بسببها فغيرة المسيح على مجد الآب أكلت ما تبقَّى من حُب هؤلاء اليهود له.
وداود يشتكى هنا أنه حين شعر بهذه الغيرة على مجد الله تأكل قلبه، صام وصلى. وحينئذٍ عيَّره هؤلاء الأشرار لثقته في الله وأنه مازال مؤمناً به.
وربما كان لبس المسوح بالنسبة لداود كان حين هرب حافياً أمام ثورة إبشالوم "وَأَمَّا دَاوُدُ فَصَعِدَ فِي مِصْعَدِ جَبَلِ ٱلزَّيْتُونِ. كَانَ يَصْعَدُ بَاكِيًا وَرَأْسُهُ مُغَطَّى وَيَمْشِي حَافِيًا" (2صم30:15). فَصَارَ ذلِكَ عَارًا عَلَيَّ = هزأ بداود الخونة وشتمه شمعى بن جيرا (2صم16: 5-8). لكن قول داود هنا جَعَلْتُ لِبَاسِي مِسْحًا (خلع اللباس الملوكى وإرتدى مسحاً) رسم صورة نبوية عن المسيح الذي أخلى ذاته فعلاً، وأخفى لاهوته وظهر كإنسان فسخر منه الجميع، وحين صام جربه إبليس. صِرْتُ لَهُمْ مَثَلاً = صار داود رمزاً للمسيح. وتفهم أنه صار لشعبه مثلًا في إنسحاقه أمام الله وفي طهارته لكي يتمثلوا به فيرضي الله عنهم .
آية (12): "يَتَكَلَّمُ فِيَّ الْجَالِسُونَ فِي الْبَابِ، وَأَغَانِيُّ شَرَّابِي الْمُسْكِرِ."
الْجَالِسُونَ فِي الْبَابِ (في الأبواب) = القضاة والحكام ورؤساء الكهنة هؤلاء سخروا منه = يتكلم في بل حتى السكيرين وأسافِل الناس صرت سخرية لهم = وأغاني شرابي المسكر = فرحوا بآلامه وجعلوها أغنيتهم (مت40:27-43).هنا نفهم كيف صار داود مثلًا للمسيح = فاليهود كما سخروا من داود حينما لبس المسوح سخروا من المسيح ابن الله المتجسد الذى "أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ ٱلنَّاسِ" (فى7:2).
آية (13): "أَمَّا أَنَا فَلَكَ صَلاَتِي يَا رَبُّ فِي وَقْتِ رِضًى. يَا اَللهُ، بِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ اسْتَجِبْ لِي، بِحَقِّ خَلاَصِكَ."
فِي وَقْتِ رِضًى
= هو وقت الصليب الذي قبل فيه الآب شفاعة المسيح الكفارية عنا.بحق خلاصك
= لقد خلصتني مرارًا بالحقيقة فصرت متأكدا أنك ستخلص حينما أطلبك.
الآيات (14-20): "نَجِّنِي مِنَ الطِّينِ فَلاَ أَغْرَقَ. نَجِّنِي مِنْ مُبْغِضِيَّ وَمِنْ أَعْمَاقِ الْمِيَاهِ. لاَ يَغْمُرَنِّي سَيْلُ الْمِيَاهِ، وَلاَ يَبْتَلِعَنِّي الْعُمْقُ، وَلاَ تُطْبِقِ الْهَاوِيَةُ عَلَيَّ فَاهَا. اسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ لأَنَّ رَحْمَتَكَ صَالِحَةٌ. كَكَثْرَةِ مَرَاحِمِكَ الْتَفِتْ إِلَيَّ. وَلاَ تَحْجُبْ وَجْهَكَ عَنْ عَبْدِكَ، لأَنَّ لِي ضِيْقًا. اسْتَجِبْ لِي سَرِيعًا. اقْتَرِبْ إِلَى نَفْسِي. فُكَّهَا. بِسَبَبِ أَعْدَائِي افْدِنِي. أَنْتَ عَرَفْتَ عَارِي وَخِزْيِي وَخَجَلِي. قُدَّامَكَ جَمِيعُ مُضَايِقِيَّ. الْعَارُ قَدْ كَسَرَ قَلْبِي فَمَرِضْتُ. انْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ."
الآيات (14، 15) يصليها داود لينقذه الله من آلامه. وبلسان المسيح ليقيمه الله من الأموات، وبالتالي يخلص كنيسته. وبالنسبة لداود فقد كان عاره بسبب خطيته (زنا وقتل في بيته)، أما بالنسبة للمسيح فقبل العار عنا.
المسيح ما كان الموت سيقوى عليه لإتحاد لاهوته بناسوته. كان لا بد أنه سيقوم. لكن هذه الآيات وطلب المسيح من الأب أن يقيمه من الموت هو شفاعة المسيح عن الكنيسة جسده ليعطها الآب حياة أبدية.
← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.
![]() |
آية (21): "وَيَجْعَلُونَ فِي طَعَامِي عَلْقَمًا، وَفِي عَطَشِي يَسْقُونَنِي خَلاُ."
هي نبوة واضحة عن المسيح. وبالنسبة لداود فأعداؤه مرروا حياته.
الآيات (22-25): "لِتَصِرْ مَائِدَتُهُمْ قُدَّامَهُمْ فَخًّا، وَلِلآمِنِينَ شَرَكًا. لِتُظْلِمْ عُيُونُهُمْ عَنِ الْبَصَرِ، وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دَائِمًا. صُبَّ عَلَيْهِمْ سَخَطَكَ، وَلْيُدْرِكْهُمْ حُمُوُّ غَضَبِكَ. لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَابًا، وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ."
وَلِلآمِنِينَ = their well being / abundance.
نبوة بالنكبات التي وقعت على اليهود لصلبهم المسيح والآيات (22، 23) طبقها الرسول على اليهود (رو9: 11،10) ولذلك تُفْهَم كل الآيات على اليهود من (22 إلى 25).
في (21) هم قدموا له علقم وخلًا.. عقابهم لتصر مائدتهم (خيراتهم) لهم فخًا (22).
في (3) جعلوه يتعب وتكل عيناه.. عقابهم لتظلم عيونهم.. وقلقل متونهم (23).
في (4) أبغضوه بلا سبب.. عقابهم صب عليهم سخطك (24).
في (8) صار بسببهم مرفوضًا من أهله.. عقابهم لتصر دارهم خرابًا (25).
لتصر مائدتهم قدامهم فخًا= تفهم بعدة تفسيرات:
[1] الكتاب المقدس بعهده القديم الذي كان بين أيديهم مملوءًا نبوات عن المسيح، وهم لم يفهموها أو هم حرفوا معناها. ولو كانوا قد فسروها روحياً لعرفوا المسيح وآمنوا به، وهذا ما حدث مع كل من آمن من اليهود بالمسيح. ولكنهم أصروا بعناد على التفسير الحرفى. لذلك صارت شاهدةً على عنادهم = قُدَّامَهُمْ فَخًّا (فَخًّا لهم).
[2] هم قدموا المسيح كذبيحة وفرحوا بأن قدموه كما يقدمون ذبيحة على مائدتهم وابتهجوا بقوتهم وحكمة تدبيرهم وصار هذا لهم فخًا، فهم تصوَّروا في نشوة قوتهم أنهم قادرين أيضًا على الرومان فثاروا عليهم وكان هذا سببًا لأن يحطم الرومان أورشليم تمامًا. وتحولت أفراحهم وأعيادهم وولائمهم وموائد فصحهم إلى غم. بينما صارت مائدة المسيحيين الإفخارستيا "غفراناً للخطايا وحياة أبدية".
![]() |
[3] بعد مجيء المسيح انعدمت قيمة محرقاتهم وذبائحهم فلقد جاء المسيح المرموز إليه بهذه الذبائح وكان استمرارهم في تقديمها فخًا لهم، فلمن يقدموها والله قد رفضها. بل قال الوحى على لسان إشعياء النبى "مَنْ يَذْبَحُ ثَوْرًا فَهُوَ قَاتِلُ إِنْسَانٍ. مَنْ يَذْبَحُ شَاةً فَهُوَ نَاحِرُ كَلْبٍ. مَنْ يُصْعِدُ تَقْدِمَةً يُصْعِدُ دَمَ خِنْزِيرٍ. مَنْ أَحْرَقَ لُبَانًا فَهُوَ مُبَارِكٌ وَثَنًا. بَلْ هُمُ ٱخْتَارُوا طُرُقَهُمْ، وَبِمَكْرَهَاتِهِمْ سُرَّتْ أَنْفُسُهُمْ" (إش3:66). قيل هذا عن اليهود المصرين على تقديم ذبائح دموية بعد المسيح.
لتظلم عيونهم = لم يعد بينهم من يفهم النبوات بسبب عنادهم، فهم لم يفهموا معنى ظلمة يوم الصليب. وَقَلْقِلْ مُتُونَهُمْ دائِماً = من ثقل الشدائد التي حملوها 2000 سنة. وصارت دارهم خرابًا وتشتتوا في كل العالم = في خيامهم لا يكن ساكن.
آية (26): "لأَنَّ الَّذِي ضَرَبْتَهُ أَنْتَ هُمْ طَرَدُوهُ، وَبِوَجَعِ الَّذِينَ جَرَحْتَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ."
ضَرَبْتَهُ أَنْتَ = كان المسيح هو الذي ضربه الآب، ولكنهم هم الذين طردوه. فالآب كان يريد هذا الفداء ليخلص شعبه، وهم لم يكن لهم أي سلطان على المسيح إن لم يكن الله قد أعطاهم هذا السلطان (يو 19: 11). وهم لاحقوا المؤمنين بالمسيح بالاضطهاد. وكانوا
يَتَحَدَّثُونَ ويتآمرون على المسيحيين لإلحاق الأذى بهم فيتوجعوا = بِوَجَعِ (بِوَجَعِهم). وهم جرحى إيمانهم بالمسيح. الَّذِينَ جَرَحْتَهُمْ = مرة ثانية نرى أن الآب هو الذي سمح للمسيحيين أن يتألموا ويجرحوا لأجل المسيح فهذه الآلام بعد إيمانهم تعمل على تنقيتهم فيلمع إكليلهم. وشركاء صليب المسيح هم شركاء مجده. ولكن يجب أن نفهم حكمة الألم، فبه نكمل (عب 2: 10) ولكن اليهود تكلموا عليهم بشر كراهيتهم لهم ليحزنوهم ويوجعونهم وظن اليهود أن هذا بسلطانهم، ولم يفهموا أنهم أداة تطهير لشعب الله.
الآيات (27، 28): "اِجْعَلْ إِثْمًا عَلَى إِثْمِهِمْ، وَلاَ يَدْخُلُوا فِي بِرِّكَ. لِيُمْحَوْا مِنْ سِفْرِ الأَحْيَاءِ، وَمَعَ الصِّدِّيقِينَ لاَ يُكْتَبُوا."
كانت خطاياهم كثيرة وزادت بل كملت بصلبهم للمسيح=
اِجْعَلْ إِثْمًا عَلَى إِثْمِهِمْ وزادت باضطهاد شعبه. وهذه أيضًا آلام يضعونها على جسد المسيح (كو 1: 24). وما يضاعف خطيتهم إنكارهم حتى الآن للمسيح وإهانتهم له . ومن يرفض المسيح الإله يعدم الحياة التي هي هبة للمؤمنين. وقطعًا لن يتبرروا= لاَ يَدْخُلُوا.. بِرِّكَ.
آية (29): "أَمَّا أَنَا فَمِسْكِينٌ وَكَئِيبٌ. خَلاَصُكَ يَا اَللهُ فَلْيُرَفِّعْنِي."
فيها مقابلة لطيفة بين ضعف الإنسان مع نعمة الله التي تخلص وترفع.
الآيات (30، 31): "أُسَبِّحُ اسْمَ اللهِ بِتَسْبِيحٍ، وَأُعَظِّمُهُ بِحَمْدٍ. فَيُسْتَطَابُ عِنْدَ الرَّبِّ أَكْثَرَ مِنْ ثَوْرِ بَقَرٍ ذِي قُرُونٍ وَأَظْلاَفٍ."
الله يفرح بالتسبيح أكثر من الذبائح العظيمة
ثَوْرِ بَقَرٍ ذِي قُرُونٍ وَأَظْلاَفٍ. أي عجول كاملة السن سمينة معلوفة ذات قيمة مادية كبيرة. وتسبيح المتألم هو أعظم من أي محرقات (هو 14: 2). لماذا؟ لأن من يُسَبِّح الرب بينما هو متألم يكون هذا دليل ثقة في 1) محبة الله. 2) حكمة الله وأنه لا يخطئ بل هو صانع خيرات. 3) إذاً هذا الألم هو للخير (تنقية وإعداد للسماء). وقطعا لن يستطيع المتألم أن يسبح إن لم يثق فى الله ويدرك محبة الله وحكمته في الألم الذي يسمح به، وإن لم يفهم والفهم غير مهم الآن وإن كنا "سنفهم فيما بعد"، فليسبح الله لأنه صانع خيرات و"أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعًا لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ" (رو8: 28 + يو13: 7).لذلك نرى أن قول داود هنا في هذه الآية هو تفسير لقول هوشع النبى "فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا" في الآية "خُذُوا مَعَكُمْ كَلَامًا وَٱرْجِعُوا إِلَى ٱلرَّبِّ. قُولُوا لَهُ: ٱرْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَٱقْبَلْ حَسَنًا، فَنُقَدِّمَ عُجُولَ شِفَاهِنَا" (هو2:14).
آية (32): "يَرَى ذلِكَ الْوُدَعَاءُ فَيَفْرَحُونَ، وَتَحْيَا قُلُوبُكُمْ يَا طَالِبِي اللهِ."
كل من صار وديعًا على صورة مسيحه يفرح بالخلاص أكثر من كل كنوز الدنيا. الألم يُكَمِّل المسيح (عب 2: 10) وذلك ليشابهنا في كل شيء حتى في الآلام، ونحن نكمل بالآلام لنشبه المسيح حينما نتنقَّى (غل4: 19).
آية (33): "لأَنَّ الرَّبَّ سَامِعٌ لِلْمَسَاكِينِ وَلاَ يَحْتَقِرُ أَسْرَاهُ."
لقد خلص الله كل الأسرى القديسين من الجحيم.
آيات (34-36): "تُسَبِّحُهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، الْبِحَارُ وَكُلُّ مَا يَدِبُّ فِيهَا. لأَنَّ اللهَ يُخَلِّصُ صِهْيَوْنَ وَيَبْنِي مُدُنَ يَهُوذَا، فَيَسْكُنُونَ هُنَاكَ وَيَرِثُونَهَا. وَنَسْلُ عَبِيدِهِ يَمْلِكُونَهَا، وَمُحِبُّو اسْمِهِ يَسْكُنُونَ فِيهَا."
صِهْيَوْنَ هي جماعة المؤمنين (هي الكنيسة). ويبني مدن يهوذا = كثرة الكنائس في أقطار الأرض كعربون لسكنى المؤمنين الدائم في أورشليم السماوية.
تُسَبِّحُهُ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ = ساكنو السماوات كالملائكة يسبحون الله في فرح هم مقيمون فيه. وَالأَرْضُ قبل المسيح وبعد سقوط آدم، يقول الكتاب عن الأرض أنها البحر (لمياهها المالحة التي من يشرب منها يعطش ويموت إشارة لشهوات العالم). وبعد المسيح خلَّص الله من قبِل الخلاص اللهَ يُخَلِّصُ صِهْيَوْنَ وَيَبْنِي مُدُنَ يَهُوذَا = أي يؤسس كنيسته وَمُحِبُّو اسْمِهِ يَسْكُنُونَ فِيهَا.

← تفاسير أصحاحات مزامير: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55 | 56 | 57 | 58 | 59 | 60 | 61 | 62 | 63 | 64 | 65 | 66 | 67 | 68 | 69 | 70 | 71 | 72 | 73 | 74 | 75 | 76 | 77 | 78 | 79 | 80 | 81 | 82 | 83 | 84 | 85 | 86 | 87 | 88 | 89 | 90 | 91 | 92 | 93 | 94 | 95 | 96 | 97 | 98 | 99 | 100 | 101 | 102 | 103 | 104 | 105 | 106 | 107 | 108 | 109 | 110 | 111 | 112 | 113 | 114 | 115 | 116 | 117 | 118 | 119 | 120 | 121 | 122 | 123 | 124 | 125 | 126 | 127 | 128 | 129 | 130 | 131 | 132 | 133 | 134 | 135 | 136 | 137 | 138 | 139 | 140 | 141 | 142 | 143 | 144 | 145 | 146 | 147 | 148 | 149 | 150 | 151
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
تفسير مزمور 70![]() |
قسم
تفاسير العهد القديم القمص أنطونيوس فكري |
تفسير مزمور 68![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/w8p4p7z