St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   04-Sefr-El-Adad
 

شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص أنطونيوس فكري

العدد 6 - تفسير سفر العدد

 

اضغط هنا لإظهار الفهرس

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27

St-Takla.org   Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

نذير الرب

بعد كشف حقيقة بنوتنا لله وأن لكل واحد سمة خاصة (الراية)، وأن شعب الله هو شعب لهُ خدمة كهنوتية وهو شعب فى غربة مرتحل تجاه أورشليم السمائية، الله فى وسطه. وهذا الشعب قد عزل الخطية من وسطه. نأتى هنا لنرى أن علينا أن نكرس ذواتنا لله تمامًا.

فكلمة نذير נָזִיר مأخوذة من الفعل العبرى נָזַר " نذر" أى تكرس أو تخصص. ويعقوب أطلق لقب نذير على يوسف (تك 26:49) لأن قلبه كان قد تخصص للرب ولم يقبل أن يخون الرب. ولاحظ أن من كرس قلبه للرب مثل يوسف تنهال عليه البركات مثله.

وهذا الإصحاح يأتى مباشرة بعد شريعة كشف الخاطئة، فنجد هنا من ينذر نفسه بإرادته لله. ومن يتقدس ويتكرس لله، يباركه الله، فيضىء وسط إخوته مثل يوسف. والعكس فإن الخطية تسبب العار لمرتكبها. [وراجع مراثى أرمياء (مرا 8،7:4)] فترى صورة النذير الحقيقى وأنه "أنقى من الثلج..." ثم إذا أسلم ذاته للخطية فتصير صورته أشد ظلامًا من السواد. "كَانَ نُذُرُهَا أَنْقَى مِنَ ٱلثَّلْجِ وَأَكْثَرَ بَيَاضًا مِنَ ٱللَّبَنِ، وَأَجْسَامُهُمْ أَشَدَّ حُمْرَةً مِنَ ٱلْمَرْجَانِ. جَرَزُهُمْ (لمعانهم) كَٱلْيَاقُوتِ ٱلْأَزْرَق. صَارَتْ صُورَتُهُمْ أَشَدَّ ظَلَامًا مِنَ ٱلسَّوَادِ. لَمْ يُعْرَفُوا فِي ٱلشَّوَارِعِ. لَصِقَ جِلْدُهُمْ بِعَظْمِهِمْ. صَارَ يَابِسًا كَٱلْخَشَبِ"

وكما كان البرص رمزًا للخطية ونتائجها، والأبرص رمز للإنسان بعد السقوط. فالنذير هو رمز لآدم قبل السقوط. ولا يوجد نذير حقيقى فى هذا العالم سوى يسوع المسيح الذى قال "طعامى أن أصنع مشيئة الذى أرسلنى" وقال "من منكم يبكتنى على خطية".

ولاحظ أن آدم كان ممنوعًا من شجرة، والنذير ممنوع من الكروم أى شجرة أيضًا.

وكما كان النذير لهُ سمات معينة مثل الشعر الطويل هكذا المسيحى يجب أن تكون عليه سمات الرب يسوع. المسيح إشترانا بدمه لِأَنَّكُمْ قَدِ ٱشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا ٱللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ ٱلَّتِي هِيَ لِلهِ" (1كو20:6). فنحن بكاملنا له بأجسادنا وأرواحنا. وهذا معنى التكريس، نحن بكليتنا له. وهذا معنى "يَا ٱبْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ، وَلْتُلَاحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي" (أم26:23).

وإنتذار الأشخاص للرب كان بثلاث طرق:

أ‌- أن يختار الرب شخصًا بذاته ليخدمه مثل شمشون، ويوحنا المعمدان

(اختيروا وهم فى البطن).

ب‌- أن ينذر الأباء أولادهم للرب مثل أم صموئيل (1صم1: 10، 11).

ج- أن ينذر شخص نفسه للرب فترة من حياته وهذا هو موضوع هذا الإصحاح.

وكان النذير فى العهد القديم ينذر نفسه لفترة معينة أما المسيحى فهو مكرس لله كل الحياة.

وربما كانت شريعة النذير هى الأساس للحركات الرهبانية فى المسيحية وفيها يتخلى الراهب عن كل رباط دموى يربطه بالعالم أى (قرابة أسرية مثل الأب والأم والزوجة...) ويتخلى عن كل مباهج العالم.

عروس النشيد حين إكتشفت ما عمله عريسها من أجلها قالت "حَبِيبِي لِي وَأَنَا لَهُ" (نش16:2). وهذا معنى التكريس الحقيقى، فالمسيح أعطانى نفسه، فليس أقل من أن أعطيه نفسى بالكامل.

 

أية (1):- "1وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا:"

أية (2):- " 2«كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقُلْ لَهُمْ: إِذَا انْفَرَزَ رَجُلٌ أَوِ امْرَأَةٌ لِيَنْذُرَ نَذْرَ النَّذِيرِ، لِيَنْتَذِرَ لِلرَّبِّ،"

إذا إنفرز = هى دعوة إختيارية لمن يريد وكان النذير يقضى وقته فى دراسة الشريعة وممارسة العبادة وأعمال المحبة للآخرين.

 

الآيات (3-4):-" 3فَعَنِ الْخَمْرِ وَالْمُسْكِرِ يَفْتَرِزُ، وَلاَ يَشْرَبْ خَلَّ الْخَمْرِ وَلاَ خَلَّ الْمُسْكِرِ، وَلاَ يَشْرَبْ مِنْ نَقِيعِ الْعِنَبِ، وَلاَ يَأْكُلْ عِنَبًا رَطْبًا وَلاَ يَابِسًا. 4كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِهِ لاَ يَأْكُلْ مِنْ كُلِّ مَا يُعْمَلُ مِنْ جَفْنَةِ الْخَمْرِ مِنَ الْعَجَمِ حَتَّى الْقِشْرِ."

الخمر يشير للفرح العالمى، وهنا يمنع عن النذير أن يفرح بأفراح العالم فيمتنع عن الخمر وكل ما يمت لهُ بصلة. هو من أجل الرب يترك حتى ما هو محلل بمحض إرادته لا كشىء دنس بل لأنه غير مهتم بالطعام بصلة، أو الشراب والمسكر حتى البذار = العجم. قائلًا مع المسيح "طعامى أن أعمل مشيئة الذى أرسلنى وأتمم عمله". ولعل الله أراد أن لا يسكر النذير فينسى وصايا الله "لَيْسَ لِلْمُلُوكِ يَا لَمُوئِيلُ، لَيْسَ لِلْمُلُوكِ أَنْ يَشْرَبُوا خَمْرًا، وَلَا لِلْعُظَمَاءِ ٱلْمُسْكِرُ. لِئَلَّا يَشْرَبُوا وَيَنْسَوْا ٱلْمَفْرُوضَ، وَيُغَيِّرُوا حُجَّةَ كُلِّ بَنِي ٱلْمَذَلَّةِ" (أم 5:31)، والمسيحى حين يتخلى عن مباهج العالم وملذاته فهو لأن عينه على السماء وأفراحها (وهذا ما نفعله فى الصيام). ويقول القديس بولس الرسول "لا تسكروا بالخمر الذى فيه الخلاعة بل إمتلأوا بالروح" (أف5: 18). وهذا يعنى أننا كمسيحيين لا نذهب لنبحث عن الفرح بوسائل العالم بل نحن نعرف طريق الفرح الحقيقى الذى يعطيه الروح، لذلك نجاهد لكى نمتلئ بالروح. بل نرى النذير يمتنع عن كل ما يمت للعنب بصلة، حتى قشره وبذوره، والمعنى الروحى لنا أن لا نبحث عن أي مصدر للفرح العالمى مهما كان طالبين مصدرا واحدا للفرح وهو الإمتلاء من الروح.

 

أية (5):- " 5كُلَّ أَيَّامِ نَذْرِ افْتِرَازِهِ لاَ يَمُرُّ مُوسَى عَلَى رَأْسِهِ. إِلَى كَمَالِ الأَيَّامِ الَّتِي انْتَذَرَ فِيهَا لِلرَّبِّ يَكُونُ مُقَدَّسًا، وَيُرَبِّي خُصَلَ شَعْرِ رَأْسِهِ."

أولًا:- ترك الشعر عيب للرجل "أَمْ لَيْسَتِ ٱلطَّبِيعَةُ نَفْسُهَا تُعَلِّمُكُمْ أَنَّ ٱلرَّجُلَ إِنْ كَانَ يُرْخِي شَعْرَهُ فَهُوَ عَيْبٌ لَهُ" (1كو14:11) فيكون من يترك شعره كأنه يتخلى عن المجد العالمى والكرامة الزمنية، لينشغل بالكرامة والمجد السماوى (المسيح رفض الملك فى العالم) وعدم قص الشعر إشارة لإهمال زينة الجسد والإنفصال عن العالم.

ثانيًا:- النذير وحلق شعر الرأس

الشعر هو نقطة تلامس مع العالم الخارجي أو هو نقطة الإنفصال عنه. ولذلك كان النذير يطلق شعره كمن إنفصل عن كل نجاسة ويكون مقدسًا. ولو حدث وتنجس فكان عليه أن يحلق شعره كرمز لأنه فقد هذا الانفصال. لذلك كان هذا ما يميز أنبياء العهد القديم والنذيرين:- 1*إعتزالهم مجتمع الشر. 2*إرتدائهم لباس من الشعر تعبيرًا عن إنفصالهم عن الشر المحيط. 3*عدم حلق شعر الرأس (1صم11:1).

أمثلة: (1) هكذا كان يوحنا المعمدان "كان لباسه من وبر الإبل" (مت3: 4) + (2) شمشون يطلق شعره كسر لقوته، وكان خطأ شمشون أنه إكتفى بالحرف، أطلق شعره كنذير للرب ولكنه لم يعتزل الخطية. + (3) إعتزال النبي (إر17:15 + زك4:13).

 

الآيات (6-8):-" 6كُلَّ أَيَّامِ انْتِذَارِهِ لِلرَّبِّ لاَ يَأْتِي إِلَى جَسَدِ مَيْتٍ. 7أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَأَخُوهُ وَأُخْتُهُ لاَ يَتَنَجَّسْ مِنْ أَجْلِهِمْ عِنْدَ مَوْتِهِمْ، لأَنَّ انْتِذَارَ إِلهِهِ عَلَى رَأْسِهِ. 8إِنَّهُ كُلَّ أَيَّامِ انْتِذَارِهِ مُقَدَّسٌ لِلرَّبِّ."

الموت يساوى الخطية. والمعنى ألا يتلامس من كرس نفسه لله مع الخطية. وأيضًا مطلوب من النذير ألا ينشغل بالعلاقات الجسدية فهو منشغل الآن بالله فقط، وهذا معنى كلام السيد المسيح " من أحب أبًا أو أمًا... أكثر منى فلا يستحقنى". ولاحظ أن الله لا يرفض العلاقات الدموية = الأسرية، بل يريدنا أن نرتفع بأفكارنا بأننا أعضاء فى العائلة السماوية، وأن الذى مات لنا هو فى السماء وأننا ذاهبون إليه. ["فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «دَعِ ٱلْمَوْتَى يَدْفِنُونَ مَوْتَاهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ فَٱذْهَبْ وَنَادِ بِمَلَكُوتِ ٱللهِ" (لو60:9) + "فَأَجَابَ وَقَالَ لِلْقَائِلِ لَهُ: «مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتي؟ ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلَامِيذِهِ وَقَالَ: هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي" (مت 47:12)]. هنا نرى أن الشركة الروحية تبتلع كل علاقة جسدية وترتفع بها.

لأن إنتذار إلهه على رأسه = كان الشعر غير الحليق علامة على أن هذا الشخص نذير للرب، والناس يرون الشعر المسترسل ويعلمون هذا، فشعر النذير المسترسل يشير أن هذا النذير قد إنفصل عن العالم وشروره وتكرس لله، إكرامًا لله. فإذا تلامس النذير مع ميت يكون هذا أمام الناس فيه إهانة لله، فهو فى مدة تكريسه قد تخصص بالكامل لله. وهذا لنا نحن المسيحيين لهُ معنى أن الناس ترى فينا أننا شعب المسيح فلا يجب أن يرانا الناس ونحن نخطىء بل " ليرى الناس أعمالكم الصالحة فيمجدوا أباكم الذى فى السموات" (مت5: 16). ولاحظ أن النذير مطلوب منه أكثر مما يطلب من الكاهن فى العهد القديم، فكان يُسمح للكاهن أن يشرب الخمر لكن بعيدًا عن الخيمة. وفى لمس الميت تشابهت شريعة النذير مع رئيس الكهنة.

 

الآيات (9-12):-" 9وَإِذَا مَاتَ مَيْتٌ عِنْدَهُ بَغْتَةً عَلَى فَجْأَةٍ فَنَجَّسَ رَأْسَ انْتِذَارِهِ، يَحْلِقُ رَأْسَهُ يَوْمَ طُهْرِهِ. فِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَحْلِقُهُ. 10وَفِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ يَأْتِي بِيَمَامَتَيْنِ أَوْ بِفَرْخَيْ حَمَامٍ إِلَى الْكَاهِنِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، 11فَيَعْمَلُ الْكَاهِنُ وَاحِدًا ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَالآخَرَ مُحْرَقَةً وَيُكَفِّرُ عَنْهُ مَا أَخْطَأَ بِسَبَبِ الْميْتِ، وَيُقَدِّسُ رَأْسَهُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. 12فَمَتَى نَذَرَ لِلرَّبِّ أَيَّامَ انْتِذَارِهِ يَأْتِي بِخَرُوفٍ حَوْلِيٍّ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ، وَأَمَّا الأَيَّامُ الأُولَى فَتَسْقُطُ لأَنَّهُ نَجَّسَ انْتِذَارَهُ."

رأس إنتذاره = أى شعر رأسه فى أيام إنتذاره.

· والآن كيف يتطهر النذير لو تلامس مع ميت مات فجأة وتلامس معهُ دون أن يقصد. فمع أن ما حدث لا ذنب لهُ فيه، ولكن إلى هذا الحد يريد الله أن يشرح كراهيته للخطية وحبه للطهارة والنقاوة. الإنسان العادى إذا تلامس مع ميت يظل نجسًا 7 أيام (عد19: 11-14). وفى هذه الحالة على النذير أن يحلق رأسه يوم طهره أى بعد7 أيام. وفى اليوم الثامن يقدم ذبائح. وحيث أن الذبائح تشير للمسيح، فهذا معناه أنه لا تطهير سوى بدم المسيح. وحلق الرأس والبدء من جديد مع الذبيحة، هذا ما حدث مع المسيح حينما مات وقام وقمنا معهُ فكان لنا بداية جديدة. لأنه لو قلنا أن النذير يشبه آدم قبل السقوط، فالتلامس مع ميت يشبه السقوط. ففى البداية الجديدة مع الذبيحة وفى اليوم الثامن (يوم القيامة) نرى صورة لما حدث مع المسيح وكنيسته. ولاحظ أن الخطية تجعلنا نخسر الكثير فقد خسر النذير مدة إنتذاره الأولى ليبدأ من جديد. وعلى النذير أن يقدم ذبيحة إثم بعد أن يقرر أن يبدأ ثانية فهو قد أخطأ فى حق الرب (آية12). يتضح هنا الصرامة فى القداسة.

فإذا كان التلامس مع ميت = التلامس مع الخطية،

فتقديم الذبائح يعنى = لا غفران للخطية سوى بدم المسيح. وهذا معنى هذا الطقس.

 

الآيات (13-24):-" 13«وَهذِهِ شَرِيعَةُ النَّذِيرِ: يَوْمَ تَكْمُلُ أَيَّامُ انْتِذَارِهِ يُؤْتَى بِهِ إِلَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ، 14فَيُقَرِّبُ قُرْبَانَهُ لِلرَّبِّ خَرُوفًا وَاحِدًا حَوْلِيًّا صَحِيحًا مُحْرَقَةً، وَنَعْجَةً وَاحِدَةً حَوْلِيَّةً صَحِيحَةً ذَبِيحَةَ خَطِيَّةٍ، وَكَبْشًا وَاحِدًا صَحِيحًا ذَبِيحَةَ سَلاَمَةٍ، 15وَسَلَّ فَطِيرٍ مِنْ دَقِيق أَقْرَاصًا مَلْتُوتَةً بِزَيْتٍ، وَرِقَاقَ فَطِيرٍ مَدْهُونَةً بِزَيْتٍ مَعَ تَقْدِمَتِهَا وَسَكَائِبِهَا. 16فَيُقَدِّمُهَا الْكَاهِنُ أَمَامَ الرَّبِّ وَيَعْمَلُ ذَبِيحَةَ خَطِيَّتِهِ وَمُحْرَقَتَهُ. 17وَالْكَبْشُ يَعْمَلُهُ ذَبِيحَةَ سَلاَمَةٍ لِلرَّبِّ مَعَ سَلِّ الْفَطِيرِ، وَيَعْمَلُ الْكَاهِنُ تَقْدِمَتَهُ وَسَكِيبَهُ. 18وَيَحْلِقُ النَّذِيرُ لَدَى بَابِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ رَأْسَ انْتِذَارِهِ، وَيَأْخُذُ شَعْرَ رَأْسِ انْتِذَارِهِ وَيَجْعَلُهُ عَلَى النَّارِ الَّتِي تَحْتَ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ. 19وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ السَّاعِدَ مَسْلُوقًا مِنَ الْكَبْشِ، وَقُرْصَ فَطِيرٍ وَاحِدًا مِنَ السَّلِّ، وَرُقَاقَةَ فَطِيرٍ وَاحِدَةً، وَيَجْعَلُهَا فِي يَدَيِ النَّذِيرِ بَعْدَ حَلْقِهِ شَعْرَ انْتِذَارِهِ، 20وَيُرَدِّدُهَا الْكَاهِنُ تَرْدِيدًا أَمَامَ الرَّبِّ. إِنَّهُ قُدْسٌ لِلْكَاهِنِ مَعَ صَدْرِ التَّرْدِيدِ وَسَاقِ الرَّفِيعَةِ. وَبَعْدَ ذلِكَ يَشْرَبُ النَّذِيرُ خَمْرًا. 21هذِهِ شَرِيعَةُ النَّذِيرِ الَّذِي يَنْذُرُ، قُرْبَانُهُ لِلرَّبِّ عَنِ انْتِذَارِهِ فَضْلًا عَمَّا تَنَالُ يَدُهُ. حَسَبَ نَذْرِهِ الَّذِي نَذَرَ كَذلِكَ يَعْمَلُ حَسَبَ شَرِيعَةِ انْتِذَارِهِ».

22وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 23«كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلًا: هكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ لَهُمْ: 24يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ."

عندما تكتمل أيام النذر التى نذرها النذير (قال التلمود أن أقل مدة هى ثلاثون يومًا) كان عليه أن يلتزم بطقس معين نراه فى هذه الآيات.

وإذا كان المسيحى هو نذير لله كل العمر فيكون أن مدة إنتهاء أيام النذر هى إشارة لموته. أى أن المسيحى الممسوح بالميرون هو مكرس لله العمر كله.

1- يقدم النذير ذبائح فكأن كل جهادنا على الأرض لا يقبل إلا فى ذبيحة المسيح. والمسيح الذى أعطانا حياته كان بلا خطية، وهذا يعبر عنه تقدمة الفطير.

2- يحلق رأس إنتذاره = أى شعر رأسه الذى كان مسترسلًا أيام إنتذاره. ويحرق شعره فى نار ذبيحة السلامة. *فإن كان إرخاء الشعر عيب وعار فها هو يحلقه رمزًا لعودة كرامته لا على أساس زمنى عالمى بل كرامة شركة الأمجاد الأبدية فالشعر يُحرق الآن وتأكله النار الإلهية على المذبح. *والشعر يحرق مع ذبيحة السلامة. فذبيحة السلامة تشير لشركة الكنيسة كلها كهنة وشعب مع الله (ويمثله هنا نار المذبح) والمعنى بالنسبة لهذا النذير أنه قدم كرامته ذبيحة لله، والله قبلها على مذبحه، رمزًا للمسيحى الذى يقبل شركة الصليب مع المسيح. *وكان شعر النذير قد تم حلقه فى بداية فترة إنتذاره، فصار الشعر الجديد هو علامة لنذره، وبتقديمه على المذبح، يكون بهذا كأنه يقول لله لقد قدمت حياتى لك يا رب خلال فترة نذرى. *وهناك معنى آخر يراه النذير فى العهد القديم أنه هو كنذير يريد لو قدم نفسه ذبيحة، وحيث أنه لن يقدر فها هو يقدم شعره على المذبح. والنذر عمومًا نوع من تقديم الإنسان نفسه ذبيحة. *وتقديم الشعر على المذبح إشارة لقبول الله لهذه الذبيحة فالنار هى نار إلهية مقدسة. وتقديمها مع ذبيحة السلامة يشير أن كل ما نقدمه لا يقبل سوى بالذبيحة، والترديد أمام الرب علامة لعرض النذير عمله وتكريسه وتقدماته أمام الرب (الكل منك وإليك). ثم يأخذ الكاهن نصيبه علامة قبول النذير لنذره، بإشتراك الكاهن مع النذير (فالكاهن هنا أيضا وكيل لله وأكله من الذبيحة هو علامة لقبول الله لنذره). *وفى (1كو15:11) نجد أن بولس الرسول يرى أن المرأة التى ترخى شعر رأسها فهذا مجد لها. فإذا فهمنا أن المرأة تشير للنفس البشرية التى عريسها المسيح، فكون النذير يرخى شعره علامة تكريسه لله، فتكريسه لله هو مجد له "إِنْ كُنَّا نَتَأَلَّمُ مَعَهُ لِكَيْ نَتَمَجَّدَ أَيْضًا مَعَهُ" (رو17:8). هو عار أمام الناس للرجل ولكن هو كعروس للمسيح فهذا مجد له = وأليس هذا هو تعريف الصليب تماما، فالصليب هو عار أمام الناس لكنه مجد أمام الله. والعار هنا هو شركة صليب مع المسيح حامل صليب العار. وهذا معنى حرق الشعر على نار المذبح وفوق النار ذبيحة السلامة. والمعنى أن السلام الذى يشعر به مقدم الذبيحة ناتج عن قبول كل من يقبل أن ينذر نفسه لله. وبالنسبة لنا السلام والشركة مع المسيح هو فى شركة الصليب بين المسيح والكنيسة.

(* هذه العلامة كانت لتشير لكل معانى إرخاء الشعر).

4- يشرب خمرًا رمزًا للتمتع بالفرح وهذا يشبه قول سفر الرؤيا " هناك يمسح الله كل دمعة من عيونهم " هناك فى السماء الفرح الحقيقى حيث ننسى كل أحزان وألام العالم ويشبه قول السيد المسيح "إنى من الآن لا أشرب من نتاج الكرمة هذا إلى ذلك اليوم حينما أشربهُ معكم جديدًا فى ملكوت أبى " (مت 29:26). فالمسيح بموته ثم قيامته ثم صعوده للسماء إنتهت أيام إنتذاره على الأرض. وبعد إنتهاء مدة إنتذارنا نحن أيضًا، سيشرب المسيح مع شعبه كأس الفرح الحقيقى.

5- يقدم النذير تقدمات أخرى إختيارية قدر إمكانياته. فذبيحة المسيح ألهبت قلوب شعبه بمحبته فهم يريدون أن يقدموا لهُ كل شىء. وهناك معنى آخر فالشريعة هنا تلزم النذير أن يقدم حتى لا يشعر أنه بنذره أصبح مدينًا لله بل يظل مديونًا له.

ملحوظات

1- كان يمكن لشخص أن يكون نذيرًا بالنيابة عن آخرين كأن يتحمل نفقات نذره ومن هنا نفهم كيف إشترك بولس مع آخرين فى نذر أنفسهم (أع 23:21-26)

2- كما وضع الله شريعة النذير فى العهد القديم وطلب من إبراهيم أن يترك أهله وبلده ليعتزل الشر. هكذا فى العهد الجديد يقول معلمنا يوحنا " لا تحبوا العالم ولا الأشياء...." (1يو2: 15).

3- نرى فى الشعر أيضًا رمز للقوة (شمشون) ففى وقت النذر يكون الإنسان قويًا بالله. وحلق الشعر هو رمز للضعف كما حدث مع شمشون. وفى هذا قال بولس الرسول "فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِٱلْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ ٱلْمَسِيحِ. لِذَلِكَ أُسَرُّ بِٱلضَّعَفَاتِ وَٱلشَّتَائِمِ وَٱلضَّرُورَاتِ وَٱلِٱضْطِهَادَاتِ وَٱلضِّيقَاتِ لِأَجْلِ ٱلْمَسِيحِ. لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (2كو12: 9-10).

 

المسيحى نذير لله

· نذير تعنى أن الشخص تكرس أو تخصص للرب. وهكذا هو كل مسيحى آمن وإعتمد وسكن فيه الروح القدس في سر الميرون، هو مكرس للرب.

· النذير الحقيقى أنقى من الثلج. والنذير الحقيقى يرمز لآدم قبل السقوط إذ كان بغير فسادٍ. ولكن بعد السقوط تشوهت صورة الإنسان كما يقول إرمياء النبى "كَانَ نُذُرُهَا أَنْقَى مِنَ ٱلثَّلْجِ وَأَكْثَرَ بَيَاضًا مِنَ ٱللَّبَنِ (اللون الأبيض إشارة للبر والنقاوة)، وَأَجْسَامُهُمْ أَشَدَّ حُمْرَةً مِنَ ٱلْمَرْجَانِ (اللون الأحمر يشير للحيوية، فالأبيض فقط قد يشير للموت). جَرَزُهُمْ (لمعانهم) كَٱلْيَاقُوتِ ٱلْأَزْرَقِ (لهم السمة السماوية). صَارَتْ صُورَتُهُمْ أَشَدَّ ظَلَامًا مِنَ ٱلسَّوَادِ. لَمْ يُعْرَفُوا فِي ٱلشَّوَارِعِ. لَصِقَ جِلْدُهُمْ بِعَظْمِهِمْ. صَارَ يَابِسًا كَٱلْخَشَبِ" (مراثى8،7:4). أما بعد السقوط فنرى أنه قد تشوهت الصورة. أما النذير الحقيقى كإنسان فهو المسيح يسوع.

· كان على النذير ألا يتلامس مع ميت، إشارة لإمتناعه عن أي شر.

· كان على النذير ألا يبحث عن أي أفراح وملذات عالمية. وهذا أشار له أنه على النذير يمتنع عن كل ما له صلة بالعنب (العنب هو مصدر الخمر رمز الأفراح العالمية). ويتكرس بالكامل لله. والله هو المسئول أن يعطيه الفرح. لذلك نلاحظ أن الوحى في نهاية طقس النذير يقول وَبَعْدَ ذلِكَ يَشْرَبُ النَّذِيرُ خَمْرًا (الآية20) إشارة للفرح الذى يعطيه الله لمن يُكَرِّس حياته له. وهذا ما قاله القديس بولس الرسول "لا تسكروا بالخمر الذى فيه الخلاعة بل إمتلأوا بالروح" (أف18:5).

· كان على النذير ألا يحلق شعره = كرمز:- 1) لإنفصاله وإعتزاله شرور العالم. 2) تخليه عن المجد العالمى ناظرًا لأمجاد الأبدية. 3) الكنيسة كعروس للمسيح، والعروس مجدها في ترك شعرها. فالرجل يرخى شعره أمام العالم كإشارة لتخليه عن الكرامة العالمية "مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ ٱلْأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ ٱلْآخَرَ أَيْضًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَٱتْرُكْ لَهُ ٱلرِّدَاءَ أَيْضًا. وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلًا وَاحِدًا فَٱذْهَبْ مَعَهُ ٱثْنَيْنِ" ((مت5:39-41).

· وكعروس للمسيح فكون الرجل يرخى شعره فهذا عيبُ أمام الناس، لكنه طلبًا للكرامة أمام الله هو مجد له.

· عند نهاية فترة النذر يحلق النذير شعره، ويحرقه مع ذبيحة السلامة. وحلق الشعر يشير لعودة كرامة النذير. ولكن كون أن الشعر يحرق مع ذبيحة السلامة التي ترمز للإفخارستيا) فهذا يعنى عودة كرامته، لكن على أساس شركته في جسد المسيح والمجد السماوى الذى ينتظره.

· بعد إنتهاء فترة النذر تقدم ذبائح وقرابين. فالإمتناع عن الخطية والملذات العالمية ليست كافية لدخول الأمجاد السماوية. بل هو دم المسيح الذى تشير له الذبائح (فالمحرقة تشير لطاعة المسيح)، ولذلك نُحسب فيه طائعين كاملين "لِكَيْ نُحْضِرَ كُلَّ إِنْسَانٍ كَامِلًا فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ" (كو28:1). (وذبيحة الخطية بها تغفر خطايانا) "ٱلَّذِي لَنَا فِيهِ ٱلْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ ٱلْخَطَايَا" (كو14:1). (وتقدمات الدقيق، والدقيق يشير للحياة والمسيح أعطانا حياته "لى الحياة هي المسيح" (فى21:1).

· رأينا جهاد المؤمن في الإبتعاد عن أي خطية وعن أي أفراح عالمية. ورأينا أنه بدون دم المسيح لا فائدة للعودة لحالة عدم الفساد. ولكن يضيف الوحى أيضًا "هذِهِ شَرِيعَةُ النَّذِيرِ الَّذِي يَنْذُرُ، قُرْبَانُهُ لِلرَّبِّ عَنِ انْتِذَارِهِ فَضْلًا عَمَّا تَنَالُ يَدُهُ" وهذه تشير لأعمال البر التي على المسيحى أن يقوم بها فيتمجد الآب الذى في السماوات (مت16:5). وهذه قال عنها رب المجد "فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّكُمْ إِنْ لَمْ يَزِدْ بِرُّكُمْ عَلَى ٱلْكَتَبَةِ وَٱلْفَرِّيسِيِّينَ لَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ ٱلسَّماوَاتِ" (مت20:5).

· والآن هذا الإصحاح بالنسب لنا كمسيحيين: كان آدم صورة النذير النقى. وبالخطية تغيرت صورتنا إلى هذه الصورة الفاسدة.

· إذًا كيف نستعيد صورة عدم الفساد مرة أخرى؟ أ) أن نبتعد عن الخطايا ونتحاشاها. ب) أن نبتعد عن الملذات العالمية الخاطئة. والنقطتين (أ،ب هما ما نسميه الجهاد السلبى. ج) أن تكون لنا أعمال بر بحياة المسيح الذى فينا. وهذا ما نسميه الجهاد الإيجابى.

· د) ولكن كل هذا بدون دم المسيح هو بلا فائدة. لذلك كان النذير يقدم ذبائح ومحرقات وقرابين إشارة لذبيحة المسيح.

· وهذا الإصحاح يأتى مباشرة بعد شريعة كشف الخاطئة (إصحاح5)، فنجد هنا من ينذر نفسه بإرادته لله. ومن يتقدس ويتكرس لله، يباركه الله، فيضىء وسط إخوته مثل يوسف. والعكس فإن الخطية تسبب العار لمرتكبها وتتمرر حياته. وهذا ما سوف نراه في بقية السفر من ألام وتجارب شديدة تصيب الشعب بسبب خطاياهم وتذمرهم.

 

وجميل أن ينتهى هذا الإصحاح بالبركة

فكما قلنا، يوسف لأنه كان نذيرًا للرب كان بركة.

وكل من كرس نفسه لله يجد بركة.

 

الآيات (22-23):- 22وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: 23«كَلِّمْ هَارُونَ وَبَنِيهِ قَائِلًا: هكَذَا تُبَارِكُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ لَهُمْ: 24يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ."

أية (24):- " 24يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ."

يباركك = بركات روحية ومادية وفى كل ما تمتد إليه يده. والبركة هى كل ما هو خير وجيد وصالح. ونحن كمسيحيين نفهم الآن أن البركة الأهم هى البركة الروحية.

يحرسك = من أعداء الجسد والروح ومن أى خطر يرعاك الله (مز 5:121-8).

 

أية (25):- " 25يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ. "

يضىء الرب بوجهه عليك = أى يشرق بنوره عليك فيملأك من الفهم وينير بصيرتك ويهديك.

ويرحمك = ينظر إلى ضعفك وإحتياجك له وتجد نعمة فى عينيه ويعاملك بالرحمة.

 

أية (26):- " 26يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا."

وهذه جاءت في الترجمات الإنجليزية (NKJV & Jerusalem BIBLE):

Lift up his countenance & May Yahweh show you His face

يرفع الرب وجهه عليك = أى ينظر إليك نظرة خاصة وينظر إليك طول السنة. بل كل العمر. يرفع الرب وجهه = أى يُبَيِّنْ رضاه ويثبت سلامه لك ويعطى التشجيع والتأييد. فيكون مثل هذا الإنسان هو من قال عنه المرنم "الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى ٱلرَّبِّ مِثْلُ جَبَلِ صِهْيَوْنَ، ٱلَّذِي لَا يَتَزَعْزَعُ، بَلْ يَسْكُنُ إِلَى ٱلدَّهْرِ" (1:125). هذه العبارة تشبه قول الرب يسوع "عندكم ٱلْآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو22:16)، وتعنى أن الله الذى يرانا في ضيقاتنا هو سيحول ضيقاتنا إلى فرح لا يستطيع شيء في العالم أن ينزعه منا. هذه العبارة تشبه أب ينظر لإبنه المتضايق لسببٍ ما بإبتسامة رضى وحب ليشجعه.

ويمنحك سلامًا = سلام روحى ونفسى ومادى وجسدى. سلام مع الله والناس والنفس. هذا السلام الذى يفوق كل عقل يملأ القلب كثمرة من ثمار الروح القدس حينما يُعلن الرب رضاه عن الإنسان = يرفع الرب وجهه عليك.

 

ملاحظات على هذه البركة الكهنوتية:

1- تعجب اليهود من ذكر إسم الرب فى هذه البركة ثلاث مرات وإعتبروه سر إلهى يفوق العقول، وهذا نفهمه نحن كمسيحيين فهو إشارة لسر الثالوث القدوس. كقول السيرافيم فى(إش6 قدوس قدوس قدوس + رؤ 8:4).

2- البركة الأولى: يُبَارِكُكَ الرَّبُّ وَيَحْرُسُكَ = خاصة بالآب: وهى البركة والحماية والحراسة فهو يحرس تابعيه. فهو القادر على كل شىء. "أَبِي ٱلَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ ٱلْكُلِّ، وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي" (يو29:10).

3- والبركة الثانية: 25يُضِيءُ الرَّبُّ بِوَجْهِهِ عَلَيْكَ وَيَرْحَمُكَ = خاصة بالإبن: النور الحقيقى الذى يضىء والذى أرسله الآب كنور للعالم وبصليبه كانت المراحم الإلهية فكلمات النور والرحمة فى البركة الثانية تختص بالإبن. وعبارة يضئ بوجهه تشير لظهور المسيح بالجسد الذى رأينا فيه صورة الله " الذى رآنى فقد رأى الآب + هو بهاء مجد الآب ورسم جوهره + هو صورة الله غير المنظور " (يو14: 9 + عب1: 3 + كو1: 15) والمسيح تجسد ليرحمنا بصليبه، ونوره أضاء علينا.

4- قال الرب يسوع عن نفسه أنا هو نور العالم ولنتأمل في هذا المعنى:

  • به نعرف الآب ونرى السماويات "الله لم يره أحد قط، الابن الوحيد الذى هو فى حضن الآب هو خَبَّر" (يو18:1). فالمسيح هو الذي يكشف ويستعلن الله لنا في محبته. وهذا معنى قول المسيح "أنا هو الألف والياء" راجع التفسير فى (رؤ1: 8). ويفتح أعيننا على أن هناك حياة مجد وفرح يريدها الله لنا فى السماء. وهنا على الأرض نأخذ عربون هذه الحياة. والطريق لهذه الحياة هو القداسة. كان الناس يتصورون أن الله هو إله العقاب والقسوة، وأتى المسيح ليُعَرِّفنا بالآب وأنه أب محب لأبنائه. رأينا في المسيح صورة الآب، لذلك قال الرب يسوع "الذى رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلْآبَ" (يو9:14). فمن أدرك وعرف محبة المسيح سيرى أن الآب له نفس محبة المسيح ووداعة المسيح وتواضع المسيح.

  • هو الذي يقودنا في برية هذا العالم للأبدية بتعاليمه وحياته كنموذج نتتلمذ عليه.

  • المسيح هو النور الذي يبدد ظلمة القلب. وطبيعة الظلمة الشريرة التى فينا، فنحن ولدنا بالخطية "بالخطية ولدتنى أمى" (مز50) + "الخطية الساكنة فى جسدى" (رو17:7). فمن يتبع وصايا المسيح يترك طريق الخطية والظلمة. فالنور يشير للمعرفة والقداسة وهذا يقود الإنسان للفرح. والظلمة ترمز للجهل والخطية، ربما تعطى الخطية لذات حسية لكن يصاحبها حزن وغم وخوف.

  • ونلاحظ أن اليهود كانوا يقولون أن الناموس هو النور والمسيح بهذا يعلن أنه كمال الناموس.

  • وهو قال نور العالم أي ليس لليهود فقط.

  • وهو نور لمن هو في حيرة. وهو يعطي الإدراك والمعرفة والإستعلان وإدراك حقيقة الأشياء. قال فيلسوف ملحد (نحن نخرج من ظلمة الرحم إلى ظلمة القبر مرورًا بظلمة الحياة) لكن المسيح هو الذي يعطي معنى للحياة وتفسيرًا لأحداثها. والمسيح أرسل لنا الروح القدس "روح القوة والمحبة والنصح" (2تى7:1) الذى يرشدنا للقرار الصحيح فلا نعود فى حيرة. "والروح يعين ضعفاتنا" (رو8:26).

  • فى المسيح نفهم الهدف من خلقتنا، فنحن نخلق كخليقة جديدة لأعمال صالحة خلقنا الله لنعملها (أف10:2). وأن ألام هذا العالم يستخدمها الله لنكمل ونصلح للسماء. كما نصلى فى القداس الغريغورى "حولت لى العقوبة خلاصا".

  • المسيح كشف لنا حقيقة أننا فيه صرنا أبناء الله، أبناء ملك الملوك. وصار الروح القدس يشهد فى داخلنا بأننا أولاد الله (رو16:8). وهل ييأس أو يتحير أو يفشل إبن الله. وإن أخطأنا يشهد الروح القدس داخلنا قائلا... وهل يصح أن إبن الله يصنع هذا. وإن أتت علينا تجربة وحاربنا الشيطان بأن الله تخلى عنا، يشهد الروح القدس داخلنا قائلا... وهل يتخلى الله عن إبنه.

  • والمسيح يلقي نورًا على نهاية حياتنا في المجد. وهو يستعلن لنا أمجاد الأبدية وينير لنا الطريق بوصاياه ليقودنا لهذا المجد. فمن يتبع المسيح يكون في نور وينجو من الظلمة ومن يرفضه يبقى في الظلمة، وبدون إرشاد وبدون تمييز للحق.

  • وكل منا حر فى أن يسلك فى نور المسيح ويتمتع بمعونة الروح القدس، فيحيا فى فرح والنهاية مجد أبدى. بل ينعكس عليه نور المسيح فيصير نورا للعالم (مت14:5). أو يسلك وراء شهوات جسده (وهذه هى أسلحة عدو الخير ضد الإنسان) فيفقد سلامه وفرحه سالكا فى طريق الظلمة. والنهاية يفقد أبديته.

  • كون أن المسيح يقول عنا أننا نور العالم، فهذا يحدد دورنا وعملنا الذى خلقنا لأجله. فنحيا لنكرز بالمسيح بحياتنا وأعمالنا الصالحة ومحبتنا والفرح والسلام الذى يراه الناس فينا وسط ضيقات العالم فيمجدوا أبونا السماوى. راجع تفسير العظة على الجبل (مت5: 10 - 16).

5- والبركة الثالثة: 26يَرْفَعُ الرَّبُّ وَجْهَهُ عَلَيْكَ وَيَمْنَحُكَ سَلاَمًا = خاصة بالروح القدس وعمله، فمن ثماره السلام، والسلام الذى يفوق كل عقل (غل 22:5 + فى 7:4)، ورفع الرب وجهه علينا تشير لرضا الله علينا بعد الصلح الذى عمله المسيح بدم صليبه. والنتيجة إرسال الروح القدس ليسكن فينا وهو يأخذ من الأشياء التى للمسيح ويعلنها لنا.

6- لاحظ التسلسل:-

· فالبركة الأولى هي الحراسة: وهكذا ظل الآب يحرسنا ونحن تحت عبودية الشيطان، أي الفترة التي سمح بها الله لنتأدب. ولكن كان الله معنا يحرسنا خلال هذه الفترة ولم يكن الشيطان مطلق الحرية. بل كانت تجاربه في حدود ما يسمح له الله به (راجع قصة أيوب). وهكذا قال الله ليعقوب عند نزوله إلى مصر، وكان ذلك رمزًا لعبودية البشر للشيطان "فَقَالَ: أَنَا ٱللهُ، إِلَهُ أَبِيكَ. لَا تَخَفْ مِنَ ٱلنُّزُولِ إِلَى مِصْرَ، لِأَنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ. أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ، وَأَنَا أُصْعِدُكَ أَيْضًا. وَيَضَعُ يُوسُفُ يَدَهُ عَلَى عَيْنَيْكَ" (تك4،3:46). والبركة الثانية: هي تجسد المسيح نور العالم الذى صنع الصلح بين الآب والبشر. والبركة الثالثة: هي إرسال الروح القدس نتيجة للصلح الذى تم. وهكذا فهمها القديس بولس الرسول حين بارك شعب كورنثوس قائلًا: "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ" (2كو14:13).

 

* محبة الله (الآب)

يباركك الرب ويحرسك

* نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ

يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك

* وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ

يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاما

 

7- الطلبة الثانية فى الثلاث بركات هى نتيجة للأولى:- يباركك الرب ويحرسك = فالحراسة هى نتيجة أنه يبارك. يضئ الرب بوجهه عليك ويرحمك = هو رحمنا بعد أن أشرق نور المسيح أى بعد أن تجسد. يرفع الرب وجهه عليك ويمنحك سلاما = السلام هو ثمرة من ثمار الروح القدس.

8- المسيح قبل صعوده بارك التلاميذ. وبركة الكاهن هى نموذج لعمل المسيح على الأرض فبركة الكاهن تكون بإستخدام إسم الرب.

9- بناء على هذه البركة الثالوثية نفهم لماذا أمر المسيح التلاميذ حين يعمدون أن يعمدوا بإسم الآب والإبن والروح القدس. (راجع 2كو14:13). فالبركة دائما هى بركة ثالوثية. فكل عمل يشترك فيه الثلاثة أقانيم.

10- هكذا تصنع الكنيسة: فدائمًا، يصلى الكاهن " السلام لجميعكم " ويرد الشعب "ولروحك".

11- الكاهن لا يبارك من نفسه بل. هو يستمدها من الله واهب البركة.

12- هذه البركة الثالوثية نرى فيها نوع من التدرج فالبركة الأولى: أن يحرس الرب ويحمى ويمنع الأذى هى مرحلة أولية، والبركة الثانية: نجد فيها تعبير أعمق يدل على بدء تكوين علاقة شخصية مع الله، وهذه حدثت بعد أن تجسد المسيح نور العالم وأضاء لنا الطريق وعرفنا محبة الآب، وأن الله يضىء الذهن ويرشد ويقود الإنسان وهذا قد حدث لجميع المسيحيين، ثم نأتى للبركة الثالثة: فأن يرفع الرب وجهه لإنسان ويبين رضاه ويثبت سلامه لهُ (هذا معنى الكلمة الأصلى) هنا نصل لكمال عمل الله مع الإنسان ونرى فيه مدى خصوصية العلاقة. بل أن كلمة سلام العبرية هي شالوم لا تعنى مجرد إنقطاع العداء بل تدل على التمام والكمال والسلامة.

وهذا هو عمل الروح القدس:-

*"ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو14:16). الروح يعطينا معرفة بالمسيح وبمحبة المسيح العجيبة لنا. ويضع محبة المسيح فينا "لأَنَّ مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى لَنَا" (رو5:5). وبهذه المحبة المتبادلة: 1) نثبت في المسيح (يو9:15). 2) وبهذه المحبة المتبادلة أيضًا: نمتلئ فرحًا [كان هذا هو الحال في جنة عَدْنْ = محبة متبادلة بين الله وآدم، فالله محبة، وآدم مخلوق على صورة الله: إذًا كان آدم يحب الله. والنتيجة: أن الفرح كان يملأ قلب آدم، لأن كلمة عَدْنْ كلمة عبرية تعنى فرح وبهجة].

*" إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ ٱلْعُبُودِيَّةِ أَيْضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ ٱلتَّبَنِّي ٱلَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: يَا أَبَا ٱلْآبُاَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلَادُ ٱللهِ" (رو16،15:8). حين تأتى التجارب ويشككنا الشيطان في محبة الله نسمع صوت الروح القدس: إنك إبن الله، والله يحبك، فكيف يقسو عليك، ما يحدث هو إعدادك للسماء. ولا يتركك الروح القدس إلى أن تنادى الله في محبة وتقول له "أبانا".

*" ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ ٱللهُ رُوحَ ٱبْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: يَا أَبَا ٱلْآبُإِذًا لَسْتَ بَعْدُ عَبْدًا بَلِ ٱبْنًا، وَإِنْ كُنْتَ ٱبْنًا فَوَارِثٌ لِلهِ بِٱلْمَسِيحِ". هذه شهادة من الروح القدس تُفرِح القلب بأننا سنرث المجد. فمهما كانت الضيقات حولنا، فإعلان الروح القدس لنا بأن المجد مُعَّدْ لنا يعطينا الفرح والبهجة "فَأَنْتُمْ كَذَلِكَ، عِنْدَكُمُ ٱلْآنَ حُزْنٌ. وَلَكِنِّي سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلَا يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ" (يو22:16).

 

أية (27):- "27فَيَجْعَلُونَ اسْمِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنَا أُبَارِكُهُمْ»."

حقا الكاهن كان يتلو البركة بفمه، ولكن الله هو الذى يبارك. الله يريد أن يعطى بركة لشعبه، ولكن الشعب هم بشر لا يدركون شيئا سوى ما يدركونه عن طريق حواسهم، فالله يستخدم الكاهن كوكيل له، يتكلم فيسمع الشعب ويفرح، ويمضى الشعب واثقا أن البركة ستأتى.

والكاهن القبطى يفعل نفس الشئ حين يصلى فى القداس قائلا " السلام لجميعكم " حينئذ يحل السلام على المصلين، وهذا نفهمه مما قاله الرب لتلاميذه " وحين تدخلون البيت سلموا عليه. فإن كان البيت مستحقا فليأتى سلامكم عليه. ولكن إن لم يكن مستحقا فليرجع سلامكم إليكم " (مت10: 12-13). إذًا فهناك بركة تحل على المصلين عند قول الكاهن "سلام لكم" بدليل قول الرب لتلاميذه، أنه إن كان من يسمع لا يستحق ترجع البركة إليهم، فهناك شئ يرجع وهو البركة. ولكن الكاهن أيضا محتاج لهذه البركة وهو يأخذها أيضا حينما يجيب الشعب بقولهم "ولروحك أيضا".

فيجعلون إسمى = الإسم فى العبرية يعبر عن قدرات وإمكانيات وشخصية الشخص، فقول الوحى إسمى فهذا يشير للبركات التى يمكن لله أن يفيض بها على شعبه وهى لا نهائية.

St-Takla.org   Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات العدد: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Antonious-Fekry/04-Sefr-El-Adad/Tafseer-Sefr-El-3adad__01-Chapter-06.html

تقصير الرابط:
tak.la/angksf5