St-Takla.org  >   bible  >   commentary  >   ar  >   ot  >   church-encyclopedia  >   job
 
St-Takla.org  >   bible  >   commentary  >   ar  >   ot  >   church-encyclopedia  >   job

تفسير الكتاب المقدس - الموسوعة الكنسية لتفسير العهد القديم: كنيسة مارمرقس بمصر الجديدة

أيوب 9 - تفسير سفر أيوب

 

* تأملات في كتاب أيوب:
تفسير سفر أيوب: مقدمة سفر أيوب | أيوب 1 | أيوب 2 | أيوب 3 | أيوب 4 | أيوب 5 | أيوب 6 | أيوب 7 | أيوب 8 | أيوب 9 | أيوب 10 | أيوب 11 | أيوب 12 | أيوب 13 | أيوب 14 | أيوب 15 | أيوب 16 | أيوب 17 | أيوب 18 | أيوب 19 | أيوب 20 | أيوب 21 | أيوب 22 | أيوب 23 | أيوب 24 | أيوب 25 | أيوب 26 | أيوب 27 | أيوب 28 | أيوب 29 | أيوب 30 | أيوب 31 | أيوب 32 | أيوب 33 | أيوب 34 | أيوب 35 | أيوب 36 | أيوب 37 | أيوب 38 | أيوب 39 | أيوب 40 | أيوب 41 | أيوب 42 | ملخص عام

نص سفر أيوب: أيوب 1 | أيوب 2 | أيوب 3 | أيوب 4 | أيوب 5 | أيوب 6 | أيوب 7 | أيوب 8 | أيوب 9 | أيوب 10 | أيوب 11 | أيوب 12 | أيوب 13 | أيوب 14 | أيوب 15 | أيوب 16 | أيوب 17 | أيوب 18 | أيوب 19 | أيوب 20 | أيوب 21 | أيوب 22 | أيوب 23 | أيوب 24 | أيوب 25 | أيوب 26 | أيوب 27 | أيوب 28 | أيوب 29 | أيوب 30 | أيوب 31 | أيوب 32 | أيوب 33 | أيوب 34 | أيوب 35 | أيوب 36 | أيوب 37 | أيوب 38 | أيوب 39 | أيوب 40 | أيوب 41 | أيوب 42 | أيوب كامل

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27 - 28 - 29 - 30 - 31 - 32 - 33 - 34 - 35

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الأَصْحَاحُ التَّاسِعُ

أيوب يدافع عن كماله أمام عظمة الله

 

(1) قوة الله وعظمته (ع1-20)

(2) كمال أيوب وجبروت الله (ع21-31)

(3) الحاجة إلى وسيط (ع32-35)

 

(1) قوة الله وعظمته (ع1-20):

1 فَأَجَابَ أَيُّوبُ وَقَالَ: 2 «صَحِيحٌ. قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ كَذَا، فَكَيْفَ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ عِنْدَ اللهِ؟ 3 إِنْ شَاءَ أَنْ يُحَاجَّهُ، لاَ يُجِيبُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَلْفٍ. 4 هُوَ حَكِيمُ الْقَلْبِ وَشَدِيدُ الْقُوَّةِ. مَنْ تَصَلَّبَ عَلَيْهِ فَسَلِمَ؟ 5 الْمُزَحْزِحُ الْجِبَالَ وَلاَ تَعْلَمُ، الَّذِي يَقْلِبُهَا فِي غَضَبِهِ. 6 الْمُزَعْزِعُ الأَرْضَ مِنْ مَقَرِّهَا، فَتَتَزَلْزَلُ أَعْمِدَتُهَا. 7 الآمِرُ الشَّمْسَ فَلاَ تُشْرِقُ، وَيَخْتِمُ عَلَى النُّجُومِ. 8 الْبَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَحْدَهُ، وَالْمَاشِي عَلَى أَعَالِي الْبَحْرِ. 9 صَانِعُ النَّعْشِ وَالْجَبَّارِ وَالثُّرَيَّا وَمَخَادِعِ الْجَنُوبِ. 10 فَاعِلُ عَظَائِمَ لاَ تُفْحَصُ، وَعَجَائِبَ لاَ تُعَدُّ. 11 «هُوَذَا يَمُرُّ عَلَيَّ وَلاَ أَرَاهُ، وَيَجْتَازُ فَلاَ أَشْعُرُ بِهِ. 12 إِذَا خَطَفَ فَمَنْ يَرُدُّهُ؟ وَمَنْ يَقُولُ لَهُ: مَاذَا تَفْعَلُ؟ 13 اللهُ لاَ يَرُدُّ غَضَبَهُ. يَنْحَنِي تَحْتَهُ أَعْوَانُ رَهَبَ. 14 كَمْ بِالأَقَلِّ أَنَا أُجَاوِبُهُ وَأَخْتَارُ كَلاَمِي مَعَهُ؟ 15 لأَنِّي وَإِنْ تَبَرَّرْتُ لاَ أُجَاوِبُ، بَلْ أَسْتَرْحِمُ دَيَّانِي. 16 لَوْ دَعَوْتُ فَاسْتَجَابَ لِي، لَمَا آمَنْتُ بِأَنَّهُ سَمِعَ صَوْتِي. 17 ذَاكَ الَّذِي يَسْحَقُنِي بِالْعَاصِفَةِ، وَيُكْثِرُ جُرُوحِي بِلاَ سَبَبٍ. 18 لاَ يَدَعُنِي آخُذُ نَفَسِي، وَلكِنْ يُشْبِعُنِي مَرَائِرَ. 19 إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْقَوِيِّ، يَقُولُ: هأَنَذَا. وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْقَضَاءِ يَقُولُ: مَنْ يُحَاكِمُنِي؟ 20 إِنْ تَبَرَّرْتُ يَحْكُمُ عَلَيَّ فَمِي، وَإِنْ كُنْتُ كَامِلًا يَسْتَذْنِبُنِي.

 

ع1-3: يحاجه: يرد عليه ويدخل في مناقشة معه.

في لباقة وحسن حوار أجاب أيوب على بلدد، فلم يدافع أيوب عن الاتهامات الباطلة الموجهة له، ولم يظهر سوء نية بلدد، بل وافقه على الحقائق النظرية التي أعلنها. بغض النظر عن قصد بلدد. فقال له "علمت أنه كذا" ويقصد أن كلامك سليم في أن الله عادل يكافئ الأبرار ويعاقب الأشرار.

ثم أعلن أيوب عظمة الله وكماله وضعف البشر، فمهما كان البشر صالحين لا يستطيع أحد أن يتبرر أمام الله - أي يكون كاملًا في بره - فكل إنسان يخطئ وبالتالي يكون مدانًا أمام الله.

ولو حاول الإنسان أن يحاجج الله إذا وجه الله له أسئلة لتبرير خطاياه لا يستطيع الإنسان أن يجيب عن سؤال من ألف سؤال، أي لا يستطيع الإنسان أن يبرر نفسه في خطأ واحد من ألف خطأ يواجهه الله به. كما أن معلومات الإنسان قاصرة جدًا أمام علم الله، فإذا سأل الله ألف سؤال ليمتحن معرفته، فلا يستطيع الإجابة عن سؤال واحد. وهذا ما حدث في حوار الله مع أيوب في (أي 38، 39). ورقم ألف يرمز للكمال والمعرفة السماوية الإلهية وليس مجرد رقم.

 

St-Takla.org Image: Job awaits for the grace of God (Job 9:1-21) صورة في موقع الأنبا تكلا: أيوب ينتظر قوة الله (أيوب 9: 1-21)

St-Takla.org Image: Job awaits for the grace of God (Job 9:1-21)

صورة في موقع الأنبا تكلا: أيوب ينتظر قوة الله (أيوب 9: 1-21)

ع4: أعلن أيوب أن الله حكيم القلب، بل كلى الحكمة ولا يفوقه أحد في حكمته، وقوته تفوق كل قوة في العالم. ولا يستطيع إنسان أن يقف أمامه ويتصلب ضده؛ لأنه لا يسلم من غضب الله، فالملائكة الذين تكبروا على الله سقطوا وصاروا شياطين (2 بط2: 4). وقايين الذي لم يطع الله وقتل أخيه هابيل سقط في الخوف الشديد وطلب معونة الله حتى لا يموت (تك4: 14).

وهكذا فشل إبليس في محاولته أن يسقط أيوب في التجديف على الله. وعلى العكس مجد أيوب الله بهذه الآيات، وسيسرد في الآيات التالية أدلة على قوة الله وحكمته.

 

ع5-12: النعش: سبعة كواكب تشاهد جهة القطب الشمالى ويطلق عليها مجموعة الدب الأكبر.

الثريا: مجموعة من النجوم يراها الناس في الشرق الأدنى في الصيف عند طلوع الفجر.

الجبار: مجموعة من الكواكب تنتمى لأحد أبراج السماء.

مخادع الجنوب: مجموعة من الكواكب تنتشر نحو الجنوب. وكلمة مخادع هي جمع مخدع بمعنى غرفة داخلية.

بدأ أيوب يستعرض أمثلة لقوة الله وهي:

1- الجبال وهى أكبر الموجودات على الأرض وأكثرها ثباتًا، الله يزحزها بسهولة، بل ويقلبها من مكانها؛ ليعلن غضبه (ع5)؛ لعل البشر يتوبون ويرجعون إليه، إذ هم أضعف بالطبع من الجبال العالية الضخمة، وحتى يعرفون أن الثبات هو بالاتكال على الله وليس على ماديات العالم.

وعندما ينقل الله الجبال، بالطبع لا يأخذ رأيها، فرغم ضخامتها هو يحركها دون أن تدرى، فهي خاضعة له تمامًا. فإن كانت الجبال الضخمة تخضع لله فبالأولى الإنسان الأصغر والأضعف من الجبال.

في هذا نرى الله الذي يحرك الطبيعة بخلاف قوانينها؛ لأنه هو واضع قوانين الطبيعة ومن حقه وحده أن يغيرها، مثلما زلزل جبل سيناء عند نزوله عليه أيام موسى (خر19: 18)، وعندما نقل جبل المقطم لينقذ أولاده المسيحيين من الهلاك في مصر.

2- دليل آخر على قوة الله التي تغير قوانين الطبيعة، أنه يزلزل الأرض الثابتة (ع6). فالأرض هي أكبر مثال للثبات، ولكن الله يحركها عندما يريد. وعندما يقول أن أعمدة الأرض تتزلزل، فهذا تصوير شعرى يبين أن الأرض كأنها مثبتة على أعمدة ومع هذا فالله يزلزلها. ولكن عمليًا الأرض غير مثبتة على أعمدة، كما يعلن أيوب بنفسه في (أي 38: 6) أن الأرض يعلقها الله على لا شئ.

وهناك زلازل كثيرة حدثت في العالم قديمًا - ومازالت تحدث - مثل الزلزلة التي حدثت في الساعة السادسة عندما كان المسيح مصلوبًا (مت27: 51)، والتي حدثت عند إعلان الملاك قيامة المسيح (مت28: 2).

3- الدليل الثالث على قوة الله أنه وضع نظامًا لجميع الكواكب والنجوم لتسير فيه ولا تستطيع أن تتعداه (ع7)، فيرى الإنسان مجموعات من الكواكب في جهات الأرض المختلفة مثل النعش والجبار والثريا ومخادع الجنوب (ع9). وفى نفس الوقت يستطيع الله أن يغير هذا القانون الذي وضعه لها. فيأمر الشمس عندما يريد ألا تشرق، وهذا حدث أيام يشوع بن نون عندما كان يحارب الخمسة ملوك، فأوقف الشمس في مكانها وبالتالي لم تشرق في الأماكن الأخرى (يش10: 12). وكذلك حرك الشمس عكس اتجاهها أيام حزقيا الملك؛ ليكون هذا دليلًا على استجابته لصلاة حزقيا وإطالة عمره خمسة عشر عامًا.

وعندما يقول يختم على النجوم، فهو يصورها كأن الله يضعها في مخزن ويختم عليها فلا تخرج منه إلا بإذنه، أي أن النجوم جميعًا خاضعة لله، تسير في مساراتها كما يأمرها.

وقد قدم أيوب مثال الكواكب وحركتها كدليل على قدرة الله وتحكمه في الطبيعة؛ لأن كثيرًا من الذين عاشوا في الشرق كانوا رعاة غنم، يسهرون على حراسة أغنامهم طوال الليل، فرصدوا الكواكب وعرفوا الكثير عن عظمة الله من ملاحظتها.

4- الدليل الرابع على قوة الله أنه بسط السماوات وثبتها وتحكم في البحر بخاصية المد والجزر، حتى لا يتعدى حدوده ويغرق الأرض (ع8) وفى نفس الوقت كسر قانون الطبيعة عندما شق البحر الأحمر أمام موسى (خر14: 21) ونهر الأردن أمام يشوع بن نون (يش3: 16) ومشى بنفسه على الماء عندما ذهب ليلًا إلى تلاميذه المعذبين داخل السفينة في البحر (مر6: 48).

5- هذه الأدلة السابقة قليل من عجائب كثيرة جدًا يعملها الله، ولا يستطيع أحد أن يفحصها، فيعرف كل ما فيها. ولا يقدر أن يعدها جميعًا؛ لأنها كثيرة جدًا فوق قدرة عقل الإنسان. ولا يستطيع أيضًا أن يدركها. فالله يدبر حياة الإنسان في الخفاء، ولأن الإنسان لا يدرك إلا المرئيات، فهو عاجز عن رؤية عمل الله الخفى (ع10، 11).

هذه الآية (ع12) هي تكرار لما قاله أليفاز (أي 5: 9)، وهذا يبين موافقة أيوب على الحقائق التي ذكرها أليفاز، فهو مؤمن بالله وخاضع له، ولكنه لا يوافق على كلام أليفاز الذي يتهمه ضمنيًا بالشر وبالتالي جاءت عليه هذه النكبات.

هذه الآيات الستة لها معانى روحية عند تطبيقها على الإنسان، فالجبال أي القوى التي يتمتع بها البشر، مثل المركز والسلطان والمال، كلها يستطيع الله أن يزحزحها ويقلبها الله عندما يغضب على الإنسان. سواء كان فردًا مثل شاول الملك، الذي تجبر على داود وفى النهاية هلك في الحرب (1 صم31: 4)، ومثل نبوخذنصر المتكبر بقوته وعظمته في بنائه لبابل، فصار مثل الحيوانات سبع سنوات (دا4: 33)، ومثل أنطيوخوس الملك العاتى أيام المكابيين وهيرودوس اللذين هلكا وأكلهما الدود (2 مكابيين 9: 9 ؛ اع12: 23).

وقد يغضب الله على الجماعات الشريرة ويهلكها، مثل سقوط آشور وبابل والاتحاد السوفيتى والشيوعية في العصر الحديث. وكذلك الكتبة والفريسيين والصدوقيين الذين كانوا أيام المسيح وأيضًا الهراطقة الذين تعاظموا جدًا، ثم هلكوا مثل أريوس ونسطور.

والأرض في ثباتها ترمز للبشر والدول التي تشعر أنها لا يمكن أن تتزعزع، ولكن الله زلزلها مثل الأمثلة السابقة الذي ذكرناها.

والسماوات التي يبسطها الله هي الأماكن العلوية التي أعدها لنا في الفردوس والملكوت، وهي أيضًا كل القديسين، الذين بمعونة الله عاشوا كملائكة على الأرض.

6- دليل آخر على قوة الله أعلنه أيوب أنه يخطف ولا يستطيع أحد أن يعترض عليه (ع6)، كما خطف حياة أولاد أيوب (أي 1). وأعمال الله أعلى من أن يفهمها الإنسان، فما أبعد أحكامه عن الفحص (رو11: 33)؛ لذا يقول أيوب "من يقول له ماذا تفعل؟" أى لا يستطيع الإنسان أن يدرك أسباب ما يحدث حوله من أحداث يدبرها الله.

ولكن الإنسان الروحي عندما يقترب إلى الله بالصلاة والتأمل ويطلب معونته يكشف له الله شيئًا من هذه التدابير، بل يحدثه في داخله، بالإضافة للرؤى والأحلام، فيعرف شيئًا عن الله قدر ما يسمح له به، كما حدث مع القديسين في العهدين.

 

ع13، 14: رهب: كلمة معناها الكبرياء، وترمز في الكتاب المقدس لمصر التي كانت أول إمبراطورية في العالم وتميز ملوكها الفراعنة بالكبرياء، كما ذكر في (مز87: 4؛ اش30: 7).

عندما يصب الله غضبه يخاف كل البشر؛ حتى الأقوياء والمتكبرين مثل الفراعنة في مصر وكل من يتبعهم، فالكل يخضع له.

وإن كان سلطان الله قويًا هكذا، فيعلن أيوب أنه صغير جدًا أمام قوة الله ولا يستطيع أن يقف أمامه، أو يجيب على أي سؤال منه، بل لا يجد الكلمات التي يرد بها على الله.

هذا الكلام يبين مخافة الله في قلب أيوب البار، ولكن بمعونة الله استطاع أن يتكلم مع الله، كما تكلم كل القديسين، ولذا باركه الله في نهاية هذا السفر لإيمانه ومخافته.

 

ع15: يظهر اتضاع أيوب في قوله أنى إن استطعت أن أبرر نفسي أمام الله ولكن لا أنسى ضعفى ونقصى، فأطلب رحمته ليسند ضعفى ويكمل نقصى. فالإنسان لا يعرف كل خطاياه ولا يفهم كل تدابير الله ولا ما هو الصالح له ليسلك فيه؛ لذا يطلب رحمة الله التي تبكته على خطيته وترشده إلى طريق الصلاح وتفهمه قدر ما يستطيع من حكمة الله.

هذه الآية تبين أن أيوب يهتم أن يتبرر أمام الله وليس أمام الناس ولا أمام نفسه. وهو مستعد أن يحتمل الاتهامات الباطلة من أصدقائه وزوجته، فهو يطلب رضا الله عنه.

وهذا معناه أن أيوب يعلن أنه إن برر نفسه أمام الناس، أو أمام نفسه لكن يظل في ضعف ونقص. فالله قادر أن يظهر أخطاء في أيوب ونقائص لا يعلمها، فلا يستطيع أن يجاوب الله عنها. إذن الحل الوحيد هو أن يقع في رحمته.

 

ع16: بدأ أيوب في هذه الآية يضعف في إيمانه، فقال لو طلبت الله واستجاب لى فيما طلبته، فأنا لا أثق أن استجابته أبوة ومحبة منه، بل هو استجاب لأنه يريد ما يفعله وليس محبة لى. فهذا يبين تشكك أيوب في محبة الله له، ويظهر بعض التذمر نحو الله الذي يفعل ما يريد، بغض النظر عن احتياجات أولاده.

 

ع17: يقصد بالعاصفة ما تم عندما هبت الرياح وأسقطت البيت على أولاده. هذه العاصفة سحقت ليس فقط أبناء أيوب، بل سحقت أيوب نفسه بفقدان أولاده.

ويرى أيوب أن التجارب شديدة عليه وبلا سبب، فهو لم يفعل خطية غير عادية تستدعى هذه الآلام. فأيوب يشعر بالظلم ويعلن تذمره. وهذا يعتبر اتهام من أيوب لله بضعف صلاحه وأنه ظالم. فتوبة أيوب هنا ليست كاملة؛ لأنه لم يكتشف بعد خطية البر الذاتي الدفينة في داخله.

وهناك رأى آخر في هذه الآية، بأن الله يكثر جروحه بلا سبب هو دفاع أيوب عن نفسه - أمام أصدقائه - بأنه لم يفعل خطايا تستدعى كل هذه التجارب، إنما كل هذا كان لامتحان صبره وتزكيته؛ لأنهم اتهموه بكثرة الأخطاء التي استحقت كل هذه التجارب، وكان هذا اتهام باطل منهم.

 

ع18: مرائر: جمع مر، أي ضيقات وتجارب وأمور مرة على النفس.

يعبر أيوب عن ضغط الضيقات عليه، ويخاطب الله الذي سمح بها، فيقول له أنك من كثرة الضيقات ما عدت أستطيع أن آخذ نفسى. وهو الاحتياج الطبيعي للإنسان حتى يحيا. وهذا ناتج من أحد هذه الأمور:

  1. صعوبة الضيقات جعلته يتنفس بصعوبة، أي أن الضغوط النفسية أثرت على جسده، فظهرت في صورة متاعب جسدية (Psychosomatic).

  2. أمراضه الجسدية إلى حلت به بعضها أثر على جهازه التنفسى، فكان تنفسه بصعوبة.

  3. تعبير مجازى عن الضغوط النفسية التي مرت به من خلال الضيقات، فجعلته في معاناة شديدة، كأنه لا يستطيع أن يتنفس جيدًا.

  4. تتابع التجارب الواحدة تلو الأخرى لم تجعل لأيوب فرصة ليلتقط أنفاسه.

ويقصد بالمرائر التجارب التي حلت به وهي:

  1. فقدان جميع أولاده.

  2. فقدان أبنائه.

  3. توبيخ زوجته له.

  4. اتهامات أصدقائه الباطلة له بأنه مذنب وشرير أكثر من باقي الناس.

 

ع19، 20: يواصل أيوب حديثه عن الله، فيقول عنه أنه أقوى كائن في العالم، فمن يقدر أن يقف أمامه. ومن جهة القضاء، فهو له السلطان الكامل ولا يستطيع أحد أن يراجعه في حكمه.

ومن ناحية أخرى لا أستطيع أن أبرر نفسي أمام الله، فمن كلامى يظهر ضعفى ويمسك علىَّ أخطاء. وإن ظهرت في كمال، فهو كمال نسبى ليس مثل كمال الله المطلق، وبالتالي أظهر مذنبًا أمام كمال الله. ومن ناحية أخرى إن قلت أنى كامل، فيكون هذا كبرياء منى، وأكون مخطئًا في حق الله، فيحكم علىَّ من كلامى.

والخلاصة أن في هذه الآيات الأخيرة يظهر تذمر أيوب على الله المتسلط والظالم والذي لا يستطيع أحد أن يراجعه فيما يقول. وبهذا استبعد أيوب حنان الله وأبوته، وهذا كله خطأ من أيوب.

إذا سقطت في ضيقة، فلا تسرع إلى التذمر وثق أن تدابير الله لخيرك، حتى لو كانت صعبة عليك. وعلى العكس اعمل عملًا مفيدًا بطلب معونته، فيسندك ويفتح لك المنفذ الذي تخرج منه.

وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

(2) كمال أيوب وجبروت الله (ع21-31):

21 «كَامِلٌ أَنَا. لاَ أُبَالِي بِنَفْسِي. رَذَلْتُ حَيَاتِي. 22 هِيَ وَاحِدَةٌ. لِذلِكَ قُلْتُ: إِنَّ الْكَامِلَ وَالشِّرِّيرَ هُوَ يُفْنِيهِمَا. 23 إِذَا قَتَلَ السَّوْطُ بَغْتَةً، يَسْتَهْزِئُ بِتَجْرِبَةِ الأَبْرِيَاءِ. 24 الأَرْضُ مُسَلَّمَةٌ لِيَدِ الشِّرِّيرِ. يُغَشِّي وُجُوهَ قُضَاتِهَا. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ، فَإِذًا مَنْ؟ 25 أَيَّامِي أَسْرَعُ مِنْ عَدَّاءٍ، تَفِرُّ وَلاَ تَرَى خَيْرًا. 26 تَمُرُّ مَعَ سُفُنِ الْبَرْدِيِّ. كَنَسْرٍ يَنْقَضُّ إِلَى قَنَصِهِ. 27 إِنْ قُلْتُ: أَنْسَى كُرْبَتِي، أُطْلِقُ وَجْهِي وَأَتَبَلَّجُ، 28 أَخَافُ مِنْ كُلِّ أَوْجَاعِي عَالِمًا أَنَّكَ لاَ تُبَرِّئُنِي. 29 أَنَا مُسْتَذْنَبٌ، فَلِمَاذَا أَتْعَبُ عَبَثًا؟ 30 وَلَوِ اغْتَسَلْتُ فِي الثَّلْجِ، وَنَظَّفْتُ يَدَيَّ بِالإِشْنَانِ، 31 فَإِنَّكَ فِي النَّقْعِ تَغْمِسُنِي حَتَّى تَكْرَهَنِي ثِيَابِي.

 

ع21: رذلت: كرهت ونبذت.

ضاق أيوب من كثرة الاتهامات الباطلة الموجهة إليه من أصدقائه، فقال لهم "كامل أنا ولا أبالى بكلامكم واتهاماتكم". وهذا الكلام يحمل معنى الغرور والكبرياء. ولكن في نفس الوقت ضغط الضيقات عليه أسقطه في اليأس، فقال رذلت حياتى.

قد تحمل هذه الآية معنى ثقة أيوب في الله، الذي يشهد بكماله، فلا يبالى من اتهامات الناس له. وفى نفس الوقت غير متمتع بحياته نتيجة قسوة الضيقات، فلذا يقول رذلت حياتى.

والتفسير الثالث يميل إلى اليأس، فهو لم يعد يهتم أن يكون كاملًا ويثبت ذلك لأصدقائه الذين يرفضون تصديقه؛ لذا فهو يهمل هذا الأمر وسقط في اليأس ورذل حياته.

 

ع22: يتمادى أيوب في استسلامه لليأس، فيقول كلامًا خاطئًا، وهو أن نهاية البار والشرير واحدة وهي الموت والفناء. والحق أن الإثنين يموتان ولكن تنتظر كل واحد منهما نهاية مختلفة، فإما ملكوت السموات، أو العذاب الأبدي. فأيوب بكلامه هذا يعارض أصحابه الذين قرروا أن حياة البار مريحة وحياة الشرير منكوبة.

 

ع23: يعود أيوب إلى رجائه وثقته في محبة الله، فيقول إن التجربة - التي يعبر عنها بالسوط الذي أهلك أحباء أو ممتلكات البار - ليست مزعجة؛ لأن الله يحول التجربة إلى خير. وهذا يؤكد إيمان أيوب بالله رغم فقدانه أبنائه وممتلكاته. فالله يستهزئ بتجربة الأبرياء، والمؤمنون به يستهزئون أيضًا بالتجربة، أي لا ينزعجوا منها؛ لأن النتيجة من امتحانهم تؤدى إلى بركات لهم ومكافآت؛ لأنهم ثبتوا على إيمانهم أثناء التجربة. فكلمة يستهزئ ليست معناها سخرية من الأبرياء بل على العكس، هي تعنى أنه لا قيمة للتجربة في نظر الله، وهي لا تسئ للأبرياء، بل تزكيهم ويكافأوا على احتمال التجربة.

 

ع24: يبين أيوب مدى انتشار الشر في العالم - ويقصد بالشرير الشيطان وكل أعوانه الأشرار، الذين ينشرون الفساد في كل مكان - فحتى القضاء أصبح منحرفًا، إذ أن الأشرار بالرشاوى والهدايا يعوجون القضاء. وإن لم يكن الأشرار الذين يعوجون القضاء، فمن يكون وراء اعوجاج القضاء؛ الإجابة بالطبع هم الأشرار وليس غيرهم.

وقصد أيوب أن الله هو الذي وراء تسليم الأرض للأشرار، وسماحه لهم بتعويج القضاء. ومعنى هذا التفسير تذمر أيوب على الله، واتهامه له بأنه المسئول عما يتم في الأرض من ظلم وانتشار الشر.

 

ع25، 26: عداء: الشخص الذي يجرى بسرعة شديدة.

تفر: تهرب.

ينقض: يهجم بسرعة.

قنصه: فريسته.

يتكلم أيوب بحزن على أيام عمره التي عاشها في غنى وراحة، وكيف مرَّت سريعة جدًا أسرع من إنسان متميز بسرعته في الجرى.

وقدم أيوب تشبيهًا آخر لمرور أيامه الحلوة بسرعة وهو مرور السفينة المصنوعة من أوراق البردى، وهي قوارب صغيرة خفيفة تجرى بسرعة على سطح مياه النيل. فمرور أيام أيوب أسرع من هذه القوارب.

وتشبيه ثالث قدمه هو انقضاض النسر على فريسته؛ لأن النسر يطير على ارتفاع كبير ونظره حاد، ففى لمح البصر ينزل من ارتفاعه إلى الأرض ويلتهم فريسته. فأيام أيوب تمر بسرعة أسرع من هذا النسر.

كل التشبيهات التي استخدمها أيوب وهي العداء والسفينة والنسر تمر بسرعة ولا تترك أثرًا خلفها. هكذا أيام أيوب الهنية مرَّت بسرعة ولم تترك أثرًا من الخير له، إذ هو يعانى من الفقر والمرض والآلام، ما لا يحتمله إنسان.

 

ع27، 28: كربتى: مصيبتى.

اتبلج: أضحك.

يظهر أيوب مدى يأسه في أنه لو حاول أن ينسى ضيقاته ويضحك ويفرج عن نفسه يحاربه الخوف وتتجدد أوجاعه مرة أخرى. وهذه الأوجاع إما آلامه الجسدية، أو اتهامات أصدقائه له. بالإضافة إلى أنه مهما كان كاملًا لن يحكم له الله ببراءته، إذ سيجد الله فيه بالطبع قصور كإنسان به بعض أخطاء.

وهذا يبين مدى يأس أيوب؛ حتى أنه اتهم الله بالظلم. فأيوب في نظر نفسه بار والله ظالم.

 

ع29: مستذنب: محكوم علىَّ بالذنب والخطأ.

عبثًا: هباءً وبلا فائدة.

تماديًا من أيوب في يأسه قال لله أنى في نظرك خاطئ ومذنب مهما حاولت أن أبرر نفسى، أو أسلك بالكمال، وبالتالي فكل محاولاتى الإيجابية بلا فائدة أمام الله وأمام الناس، فأنا مضطر للاستسلام إلى اليأس.

 

ع30، 31: الأشنان: مواد حمضية تشبه الصابون.

النقع: ماء راكد أو طين.

إثباتًا من أيوب في أنه له العذر في يأسه، أن قال أنى لو اغتسلت في الثلج الأبيض الناصع واستخدمت الأشنان لأضمن نظافتى فإنك يا الله تغمسنى في النقع، فتصير رائحتى وشكلى كريهين جدًا؛ حتى يشمئز منى كل الناس، بل وحتى ثيابى لا تحتملنى من عفونتى. وهو بهذا يؤكد اتهامه لله بالظلم. وكانوا قديمًا يظنون أن الماء الناتج من ذوبان الثلج له قدرة كبيرة على تطهير الجلد.

ولكن من ناحية أخرى فإن الإنسان مهما تبرر في عينى نفسه، إلا أنه مازال يحمل الخطايا.

قبل أن تبرر نفسك أمام الناس حاسب نفسك أمام الله وتب عن خطاياك واطلب غفرانه حينئذ قد تتنازل عن تبرير نفسك، أو تتكلم باتضاع عندما تحاول تبرئة نفسك إن كانت هذه التبرئة ضرورية.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Job inquires about the oppression and injustice that comes to the innocent (Job 9:22-35) صورة في موقع الأنبا تكلا: أيوب يسأل عن ظلم البريء (أيوب 9: 22-35)

St-Takla.org Image: Job inquires about the oppression and injustice that comes to the innocent (Job 9:22-35)

صورة في موقع الأنبا تكلا: أيوب يسأل عن ظلم البريء (أيوب 9: 22-35)

(3) الحاجة إلى وسيط (ع32-35):

32 لأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ إِنْسَانًا مِثْلِي فَأُجَاوِبَهُ، فَنَأْتِي جَمِيعًا إِلَى الْمُحَاكَمَةِ. 33 لَيْسَ بَيْنَنَا مُصَالِحٌ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كِلَيْنَا. 34 لِيَرْفَعْ عَنِّي عَصَاهُ وَلاَ يَبْغَتْنِي رُعْبُهُ. 35 إِذًا أَتَكَلَّمُ وَلاَ أَخَافُهُ، لأَنِّي لَسْتُ هكَذَا عِنْدَ نَفْسِي.

 

ع32-35: يبغتني: يفاجئني.

يعلن أيوب وجود عدة مشاكل في التفاهم مع الله وهي :

  1. أنه ليس إنسان ليأتى مع أيوب إلى المحاكمة، بل هو الله غير المحدود، فلن يستطيع أن يحاكمه.

  2. ومن ناحية أخرى لا يوجد وسيط بين أيوب والله ليصالح بينهما، فيضع يد على أيوب ويد على الله فيقربهما إلى اتفاق واحد. ولعل هذا الكلام يقوله أيوب بروح النبوة عن المسيح، فهذا الوسيط لا يمكن إلا أن يكون رب المجد يسوع المسيح الذي طبيعته فيها اللاهوت والناسوت، فيستطيع أن يصالح بين الله والإنسان. فأيوب مشتاق إلى رؤية المسيح، فهو الشفيع الوحيد بين الإنسان والله.

  3. خوف أيوب من الله الذي ضربه بهذه الضربات، فلا يستطيع أن يقف أمامه في المحاكمة، فلابد أن يرفع عصاه عنه أولًا ورعبه؛ حتى يمكن أن يحاججه ويناقشه.

وعندما يقول أيوب "لست هكذا عند نفسى" يقصد أنه ليس هادئًا وقادرًا على التكلم بحرية؛ لأن عصا الله ورعبه مازالت تخيفه.

والعصا التي يرفعها الوسيط، أو المسيح يمكن أن تكون الناموس الذي يظهر خطايانا، ولكنه لا يعطينا القوة للتغلب عليها. أما المسيح الحنون فيرفع غضبه عنا ويعطينا حياة جديدة فيه؛ لنحيا بجرأة ونتقدم أمام الله بدالة ونستطيع أن نحفظ وصاياه ونتمتع بعشرته.

نشكرك يا ربنا يسوع المسيح على فدائك العجيب لنا، إذ بك ننال دالة البنوة ونفرح بالحياة معك. فإعطنا أن نتمسك ببنوتنا ونعيش في علاقة مستمرة معك ولا يشغلنا العالم عنك.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات أيوب: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/bible/commentary/ar/ot/church-encyclopedia/job/chapter-09.html