St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament  >   Father-Tadros-Yacoub-Malaty  >   12-Sefr-Molouk-El-Thani
 

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب

سلسلة "من تفسير وتأملات الآباء الأولين"

ملوك الثاني 5 - تفسير سفر الملوك الثاني

 

محتويات:

(إظهار/إخفاء)

* تأملات في كتاب ملوك ثاني:
تفسير سفر الملوك الثاني: مقدمة سفر الملوك الثاني | ملوك الثاني 1 | ملوك الثاني 2 | ملوك الثاني 3 | ملوك الثاني 4 | ملوك الثاني 5 | ملوك الثاني 6 | ملوك الثاني 7 | ملوك الثاني 8 | ملوك الثاني 9 | ملوك الثاني 10 | ملوك الثاني 11 | ملوك الثاني 12 | ملوك الثاني 13 | ملوك الثاني 14 | ملوك الثاني 15 | ملوك الثاني 16 | ملوك الثاني 17 | ملوك الثاني 18 | ملوك الثاني 19 | ملوك الثاني 20 | ملوك الثاني 21 | ملوك الثاني 22 | ملوك الثاني 23 | ملوك الثاني 24 | ملوك الثاني 25 | ملخص عام

نص سفر الملوك الثاني: الملوك الثاني 1 | الملوك الثاني 2 | الملوك الثاني 3 | الملوك الثاني 4 | الملوك الثاني 5 | الملوك الثاني 6 | الملوك الثاني 7 | الملوك الثاني 8 | الملوك الثاني 9 | الملوك الثاني 10 | الملوك الثاني 11 | الملوك الثاني 12 | الملوك الثاني 13 | الملوك الثاني 14 | الملوك الثاني 15 | الملوك الثاني 16 | الملوك الثاني 17 | الملوك الثاني 18 | الملوك الثاني 19 | الملوك الثاني 20 | الملوك الثاني 21 | الملوك الثاني 22 | الملوك الثاني 23 | الملوك الثاني 24 | الملوك الثاني 25 | ملوك الثاني كامل

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

اَلأَصْحَاحُ الْخَامِسُ

أُرْدُنُنا العظيم!

 

أبرز هذا الأصحاح التزامنا بالعمل لحساب ملكوت الله، أيا كان مركزنا أو دورنا في الحياة، نسلك بروح الحكمة الإلهية وليس بافتراضات بشرية. ونطلب مجد الله لا مجد العالم وغناه.

يروي لنا هذا الأصحاح قصة فتاة اصطادها الأراميون في إحدى المعارك واستعبدوها. صارت في أرض غريبة بلا أب ولا أم ولا أخ أو أخت. ليس من قريبٍ يُشبِع عواطفها، ولا من كاهن يسند نفسيتها، ويصلي لأجلها. ليس من كتاب مقدس بين يديها. فقدت حريتها وإنسانيتها، يتحكُّم الغير في مصير حياتها. ومع هذا كله لم تتحطَّمْ ولا تذمرت على الله، بل شهدت لعمل الله أمام قائد الجيش الغريب. حرَّكتْ التاريخ في شجاعة، الأمر الذي فشل فيه ملك إسرائيل.

شهدت الفتاة المسبية لعمل الله الفائق في أرض العبودية، ودفعت القائد الوثني إلى الإيمان والتعرف على قوة المعمودية، بينما مزَّق الملك الإسرائيلي صاحب السلطان ثيابه ولم يعرف إمكانيات الله في حياته وفي بلده.

في إيمان صدَّق القائد الفتاة المسبية، وبروح التواضع سمع لصوت عبيده حين سألوه أن يُنفِّذ ما قاله النبي.

الفتاة الصغيرة التي قدَّمتْ عملاً كرازيًّا بين الأمم هي رمز للكنيسة في بدء نشأتها أو التلاميذ والرسل الذين من اليهود، القلة الصغيرة التي كرزت وسط الأمم. والملك الرافض للعمل يُمثِّل الأمة اليهودية التي بجحودها وعدم إيمانها لم تقبل العمل الإلهي.

أروع ما في هذا الأصحاح اكتشاف الرجل الغريب الجنس سرّ أُرْدُنُنا القادر وحدَه أن يهبنا الميلاد الجديد. قدَّسه ربنا يسوع المسيح لننزل في جرن المعمودية، أُردُننا العجيب، فنتمتع بالولادة من الماء والروح!

v مجيء نعمان السرياني وشفاؤه باستحمامه في مياه الأردن كان قياسًا لنقاء أنفس المؤمنين المعتمدين بالمسيح من خطاياهم. وكان الموضع الذي استحم فيه نعمان في نهر الأردن هو الذي وقف فيه تابوت الرب على عهد يشوع بن نون، وفيه تعمَّد المسيح ابن الله فحقق الرسم بالحقيقة[1].

 القديس أثناسيوس الرسولي

v الشعب الذي -كان غريبًا- كانوا بُرصًا قبل عمادهم في النهر السرّي، هؤلاء يتطهرون بسرّ المعمودية من وصمات نفوسهم وأجسادهم. حقًا لقد أُعلن للأمم عن خلاصهم المُقبِل خلال مثال نعمان[2].

 القديس أمبروسيوس

v في الحقيقة الأردن وحده بين كل الأنهار تقبَّل باكورة التقديس والبركة، وأفاض كينبوع نعمة المعمودية على العالم كله[3].

القديس غريغوريوس النيسي

v ليس نهر آخر ينزع البرّص من الإنسان إلا ذاك النهر الواحد (الأردن) إن دخله الإنسان بإيمان وغسل نفسه في يسوع؟[4]

العلامة أوريجينوس

1. شهادة فتاة مسبية

 

1-4.

2. افتراض ملك أرام

 

5-7.

3. الحاجة إلى الأردن

 

8-14.

4. مجد الله لا العالم

 

15-19.

5. بالغنى افتقر جيحزي

 

20-27.

* من وحي 2 مل 5 لأدخل معك نهر الأردن، وأتمتع بميلاد روحي جديد !

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Now Naaman, commander of the army of the king of Syria, was a great and honorable man in the eyes of his master, because by him the LORD had given victory to Syria. He was also a mighty man of valor, but a leper. (2 Kings 5:1) صورة في موقع الأنبا تكلا: "نعمان" رئيس جيش ملك أرام (ملوك الثاني 5: 1)

St-Takla.org Image: Now Naaman, commander of the army of the king of Syria, was a great and honorable man in the eyes of his master, because by him the LORD had given victory to Syria. He was also a mighty man of valor, but a leper. (2 Kings 5:1)

صورة في موقع الأنبا تكلا: "نعمان" رئيس جيش ملك أرام (ملوك الثاني 5: 1)

1. شهادة فتاة مسبية

لعبت الفتاة المسبية وأيضًا عبيد نعمان دورًا حيويًا في إتمام هذه المعجزة. فقدَّمتْ الفتاة المسبية شهادة للرب لم يستطع ملك إسرائيل إدراكها. وقام عبيد نعمان بتشجيع سيدهم على الطاعة للنبي، الأمر الذي به تمتع بشفاء جسمه كما تمتع بالإيمان بالله مُخلِّص البشرية.

هكذا يعمل الله بالأسرى والخدم وأصحاب المواهب القليلة، فيقومون بدور يصعب أن يقوم به أصحاب مراكز سامية ومواهب عظيمة.

وَكَانَ نُعْمَانُ رَئِيسُ جَيْشِ مَلِكِ أرام رَجُلاً عَظِيمًا عِنْدَ سَيِّدِه،ِ

 مَرْفُوعَ الْوَجْهِ،

لأَنَّهُ عَنْ يَدِهِ أَعْطَى الرَّبُّ خَلاَصًا لأرام.

وَكَانَ الرَّجُلُ جَبَّارَ بَأْسٍ، أَبْرَصَ. [1]

الله هو إله البشرية كلها، يهتم بالجميع، لذا نسمع هنا أن الرب أعطى خلاصًا لأرام، غالبًا ما كان الخلاص هنا من أشور.

كان البرص مثل مرض الإيدز الآن، من أخطر الأمراض في ذلك الوقت. إذ كان شديد العدوى، غير قابل للشفاء. وكان المصابون به يُطردون من المدن، ليعيشوا في مُخيَّمات معزولة. ولعل برص نعمان كان في دوره الأول، وربما كان يتوقع نعمان أنه سيضطر إلى ترك خدمته بسبب مرضه.

الله الذي يهتم بإسرائيل يهتم بالأمم الأخرى، فأعطى خلاصًا لسوريا (أرام) غالبًا من يد أشور.

كانت شخصية نعمان السرياني فريدة، يشهد له الكتاب "عن يده أعطى الرب خلاصًا لأرام" [1]، سمع لمشورة زوجته، وهي بدورها بروح التواضع سمعت لمشورة الجارية الصغيرة المسبية غريبة الجنس [2-4]، كما سمع مشورة عبيده الذين يدعونه "أبانا" [13-14].

St-Takla.org Image: And the Syrians had gone out on raids, and had brought back captive a young girl from the land of Israel. She waited on Naaman's wife. Then she said to her mistress, "If only my master were with the prophet who is in Samaria! For he would heal him of his leprosy." And Naaman went in and told his master, saying, "Thus and thus said the girl who is from the land of Israel." (2 Kings 5:2-4) صورة في موقع الأنبا تكلا: فتاة من بني إسرائيل تخبر زوجة نعمان بأليشع النبي (ملوك الثاني 5: 2-4)

St-Takla.org Image: And the Syrians had gone out on raids, and had brought back captive a young girl from the land of Israel. She waited on Naaman's wife. Then she said to her mistress, "If only my master were with the prophet who is in Samaria! For he would heal him of his leprosy." And Naaman went in and told his master, saying, "Thus and thus said the girl who is from the land of Israel." (2 Kings 5:2-4)

صورة في موقع الأنبا تكلا: فتاة من بني إسرائيل تخبر زوجة نعمان بأليشع النبي (ملوك الثاني 5: 2-4)

وَكَانَ الأراميُّونَ قَدْ خَرَجُوا غُزَاة،ً

فَسَبُوا مِنْ أَرْضِ إِسْرَائِيلَ فَتَاةً صَغِيرَةً،

فَكَانَتْ بَيْنَ يَدَيِ امْرَأَةِ نُعْمَانَ. [2]

كانت أرام تجاور مملكة الشمال من الجانب الشمالي الشرقي. وكانت المعارك بينهما كثيرة. ففي أيام داود كانت أرام تدفع جزية لإسرائيل، وفي أيام أليشع كانت أرام تزداد قوة. وكثيرًا ما هاجمت إسرائيل كنوعٍ من الإرهاب وإحداث اضطراب وسط الشعب. وكثيرًا ما كانوا يحملون معهم بعض الأسرى. كانت خادمة نعمان فتاة من أسرى بني إسرائيل.

فَقَالَتْ لِمَوْلاَتِهَا:

يَا لَيْتَ سَيِّدِي أَمَامَ النَّبِيِّ الَّذِي فِي السَّامِرَةِ،

فَإِنَّهُ كَانَ يَشْفِيهِ مِنْ بَرَصِهِ. [3]

اعتزت فتاة مسبية بإلهها، وآمنت أنه قادر أن يشفي إنسانًا وثنيًا من برصه.

كان لأليشع بيت في السامرة عاصمة إسرائيل، حيث عاش الملك والعظماء، وهو في هذا اختلف عن إيليا الذي قطن بالأكثر في البراري والجبال، ولم يكن له موضع مستقر فيه على الدوام. وقد شاع خبره عند جميع الناس، حتى أن هذه الفتاة الصغيرة المسبية سمعت عنه، وأدركت إمكانياته في الرب.

اتسمت هذه الفتاة الصغيرة بإيمانها الذي فاق إيمان ملك إسرائيل، كما اتسمت بالمحبة وهي أسيرة كانت تئن لأنات مريض وثني بالبرص وزوجته.

v الآن نعمان رئيس الجيش، الذي كان أبرص، جاء إلى الطوباوي أليشع بناء على اقتراح صبيَّة خادمة لكي يُشفى، رمزًا للأمم. هذه الصبيَّة جاءت من اليهودية أسيرة، وأخبرت سيدتها أنه إذا ذهب سيدها إلى الطوباوي أليشع يرد له صحته. كانت رمزًا للنبوة لأنه بالرغم من أن النبوة كانت في ذلك الحين محصورة في اليهودية وحدها، إلاّ أنه من المحتم إن المعرفة المطوبة لها بلغت إلى الأمم المجاورة أيضًا. لذلك أصغى نعمان إلى الصبيَّة وذهب إلى أليشع؛ سمع الأمم النبي وجاءوا إلى المسيح. عند المجيء إلى أليشع شُفى نعمان من برصه، وعند المجيء إلى المسيح تطهرت الأمم من كل برَص خطاياهم[5].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v افهموا الآن من هي تلك الفتاة الصغيرة بين الأسرى؟… إنها الجماعة التي جُمعت من الأمم، كنيسة الله التي كانت مُستعبدة قديمًا في أسر الخطيئة عندما لم تكن لها حرية النعمة، هذه التي بواسطة تدبيرها سمع الناس الأغبياء من الأمم كلمة النبوّة التي كانوا يُشّكون فيها قبلاً، ولكن بعدما آمنوا أنه ينبغي أن تُطاع اغتسلوا من دنس الخطيئة. لقد شك نعمان قبل أن يبرأ، أما أنتم فقد برئتم، فلا ينبغي إذن أن تشكّوا[6].

القديس أمبروسيوس

فَدَخَلَ وَأَخْبَرَ سَيِّدَهُ:

كَذَا وَكَذَا قَالَتِ الْجَارِيَةُ الَّتِي مِنْ أَرْضِ إِسْرَائِيلَ. [4]

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Then the king of Syria (Ben-Hadad II, the king of Aram-Damascus) said, "Go now, and I will send a letter to the king of Israel." So he departed and took with him ten talents of silver, six thousand shekels of gold, and ten changes of clothing. Then he brought the letter to the king of Israel, which said, Now be advised, when this letter comes to you, that I have sent Naaman my servant to you, that you may heal him of his leprosy. (2 Kings 5:4-6) صورة في موقع الأنبا تكلا: بنهدد الثاني ملك أرام يرسل نعمان إلى إسرائيل ليشفى (ملوك الثاني 5: 4-6)

St-Takla.org Image: Then the king of Syria (Ben-Hadad II, the king of Aram-Damascus) said, "Go now, and I will send a letter to the king of Israel." So he departed and took with him ten talents of silver, six thousand shekels of gold, and ten changes of clothing. Then he brought the letter to the king of Israel, which said, Now be advised, when this letter comes to you, that I have sent Naaman my servant to you, that you may heal him of his leprosy. (2 Kings 5:4-6)

صورة في موقع الأنبا تكلا: بنهدد الثاني ملك أرام يرسل نعمان إلى إسرائيل ليشفى (ملوك الثاني 5: 4-6)

2. افتراض ملك أرام

كثيرًا ما تُسبِّب لنا افتراضاتنا البشرية متاعب روحية ومادية واجتماعية.

في هذا الأصحاح أخطأ ملك أرام حين افترض أن الذي يشفي نعمان من برَصه هو ملك إسرائيل. وبسبب هذا الافتراض كان يمكن أن تنشب حربٌ بين أرام وإسرائيل.

وافترض أيضًا نعمان أن شفاءه يتحقق بلقاء النبي له، ووضع يده عليه ليطلب من الله أن يطهره من برَصه، ولولا تدخُّل عبيده الحكماء لرجع إلى بلده في خزي ومرارة نفس، ولم يتمتع بالتطهير من البرَص.

وافترض أيضًا نعمان أن نهري دمشق - أبانة وفرفر - أفضل من جميع مياه إسرائيل، بهذا كان ينتقد سرّ الأردن العظيم.

فَقَالَ مَلِكُ أرام:

انْطَلِقْ ذَاهِبًا،

فَأُرْسِلَ كِتَابًا إِلَى مَلِكِ إِسْرَائِيلَ.

فَذَهَبَ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ عَشَرَ وَزَنَاتٍ مِنَ الْفِضَّةِ،

وَسِتَّةَ آلاَفِ شَاقِلٍ مِنَ الذَّهَبِ، وَعَشَرَ حُلَلٍ مِنَ الثِّيَابِ. [5]

غالبًا ما كان ملك إسرائيل هو يهورام بن آخاب. لم يكن من السهل أن يطلب ملك أرام هذا الطلب من ملك إسرائيل. واضح من موقف ملكي أرام وإسرائيل، إنه وُجد سلام في ذلك الوقت بين المملكتين، لكي في شيءٍ من التخوف، يظهر فيما فعله ملك إسرائيل وما قاله [8].

الهدايا التي حملها نعمان معه تشير إلى غناه وحاجته الشديدة للخلاص من هذا المرض. قديمًا كان التعامل بالذهب والفضة بالوزن ولم توجد نقود مسكوكة. وكانت الهدايا حتى بين الأصدقاء غالبًا ما تكون ذهبًا أو فضة أو ثيابًا أو غنمًا. كانت الثياب من الهدايا الثمينة التي تقدم كنوعٍ من التقدير والاعتزاز والتكريم. هنا يقصد ثيابًا مزركشة ثمينة تليق كهدية من رئيس الجيش.

وعد شمشون بتقديم ثياب لمن يحل لغزه (قض 14: 12-13، 19). حتى سليمان في كل مجده لم يستخف من قبول ثياب كهدايا قيمة (2 أي 9: 24). ودانيال ارتدى ثوبًا من أرجوان قدَّمه له الملك لتكريمه (دا 5: 29). جاء عن شاعر شرقي مشهور في القرن التاسع أنه قُدِّمت له هدايا كثيرة في حياته، وعند موته كان لديه 100 طاقم من الملابس كاملة، و200 قميص و500 عمامة. لا يزال الهندوس يقدمون في نهاية العيد ثيابًا جديدة لكل ضيفٍ حضر العيد.

وَأَتَى بِالْكِتَابِ إِلَى مَلِكِ إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ فِيهِ:

فَالآنَ عِنْدَ وُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ إِلَيْكَ،

هُوَذَا قَدْ أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ نُعْمَانَ عَبْدِي، فَاشْفِهِ مِنْ بَرَصِهِ. [6]

لم يشر كتاب ملك أرام إلى النبي، إنما طلب شفاء نعمان، الطلب الذي يبدو مستحيلاً، فظن ملك إسرائيل أن الطلب قُدم لإثارة معركة بين المملكتين.

St-Takla.org Image: And it happened, when the king of Israel read the letter, that he tore his clothes and said, "Am I God, to kill and make alive, that this man (Naaman) sends a man to me to heal him of his leprosy? Therefore please consider, and see how he seeks a quarrel with me." (2 Kings 5:7) صورة في موقع الأنبا تكلا: ملك إسرائيل يقابل نعمان ويقرأ رسالة ملك أرام (ملوك الثاني 5: 7)

St-Takla.org Image: And it happened, when the king of Israel read the letter, that he tore his clothes and said, "Am I God, to kill and make alive, that this man (Naaman) sends a man to me to heal him of his leprosy? Therefore please consider, and see how he seeks a quarrel with me." (2 Kings 5:7)

صورة في موقع الأنبا تكلا: ملك إسرائيل يقابل نعمان ويقرأ رسالة ملك أرام (ملوك الثاني 5: 7)

فَلَمَّا قَرَأَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ مَزَّقَ ثِيَابَه،ُ وَقَالَ:

هَلْ أَنَا الله لِكَيْ أُمِيتَ وَأُحْيِيَ،

حَتَّى إِنَّ هَذَا يُرْسِلُ إِلَيَّ أَنْ أَشْفِيَ رَجُلاً مِنْ بَرَصِهِ؟

فَاعْلَمُوا وَانْظُرُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَتَعَرَّضُ لِي! [7]

كان إيمان الفتاة الصغيرة الأسيرة أعظم من إيمان الملك. بإيمانها القوي حرّكت قائد جيش أرام، ليطلب من إله إسرائيل، بينما كشف الملك عن عدم إيمانه. غالبًا ما كان ملك إسرائيل هو يهورام بي أخاب، كانت له علاقات طيبة مع ملك أرام. لم يذكر اسمه هنا بسبب عدم إيمانه، وقد ركّز الكتاب المقدس هنا على عمل الله خلال أليشع النبي.

أرسل بنهدد ملك أرام نعمان إلى ملك إسرائيل، إذ ظن أن للملك سلطانًا على النبي يأمره فيطيع، كما حسب أن الشفاء يُقتني بالمال. أما ملك إسرائيل فكان يجهل قوة الله.

افترض ملك إسرائيل في ملك أرام سوء النية، يود أن يجد علة ليدخل معه في معركةٍ، ولم يخطر على فكره أن يستشير أليشع النبي، وربما لم يكن يتخيل أن النبي له القدرة عل شفاء أبرص بقوة الله. لم يدرك أن الله هو الذي "يميت ويحي" (2 مل 5: 7)، حياة الإنسان معروفة لدى الله، وأيامه محددة لديه، وهو صاحب السلطان المُطلَق.

v "وقد عينت أجله (زمنه) فلا يتجاوزه" (أي 14: 5). بالنسبة لكل البشر قد تعيَّن ليس فقط بالسنوات والشهور، بل والأيام والساعات وذلك من جانب خالقنا. فقد "عيَّن زمنًا"، وقد تحدد الزمن، ولا يمكن تجاوزه مطلقًا. ألا تعلمون أن كثيرين يخلصون من المرض المميت، بينما آخرون وهم في صحة جيدة يُختطفون فجأة من الحياة الزائلة؟ البعض يسقطون من أماكن عالية، وينزلون في أمانٍ أصحاء، بينما آخرون وهم يمشون يختطفهم الموت في خطوة باطلة. مرة أخرى، فإن البعض يخرجون من سفينتهم (أثناء غرقها) ويصعدون على لوحٍ خشبيٍ مجرد، فيصلون في صحةٍ وأمانٍ، بينما آخرون يجدون الموت قرب الميناء، تغرق سفينتهم هناك حيث لا يتوقع أحد أن يكون الموت نصيبهم، لكنه يتحقق بدعوة من الخالق.

الأب هيسيخيوس الأورشليمي

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: So it was, when Elisha the man of God heard that the king of Israel had torn his clothes, that he sent to the king, saying, "Why have you torn your clothes? Please let Naaman come to me, and he shall know that there is a prophet in Israel." (2 Kings 5:8) صورة في موقع الأنبا تكلا: أليشع يرسل رسولا لملك إسرائيل لكي يقابل نعمان (ملوك الثاني 5: 8)

St-Takla.org Image: So it was, when Elisha the man of God heard that the king of Israel had torn his clothes, that he sent to the king, saying, "Why have you torn your clothes? Please let Naaman come to me, and he shall know that there is a prophet in Israel." (2 Kings 5:8)

صورة في موقع الأنبا تكلا: أليشع يرسل رسولا لملك إسرائيل لكي يقابل نعمان (ملوك الثاني 5: 8)

3. الحاجة إلى الأردن

وَلَمَّا سَمِعَ أليشع رَجُلُ الله أَنَّ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ قَدْ مَزَّقَ ثِيَابَهُ،

أَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ يَقُولُ:

لِمَاذَا مَزَّقْتَ ثِيَابَكَ؟

لِيَأْتِ إِلَيَّ، فَيَعْلَمَ أَنَّهُ يُوجَدُ نَبِيٌّ فِي إِسْرَائِيلَ. [8]

تمزيق الإنسان ثيابه يشير إلى الحزن الشديد، كما إلى الشعور بالعجز عن تحقيق ما يُطلب منه.

v كان البهي مملوءًا بالروح القدس، كاشف الأسرار.

استند على إعلانات النبوة، وكان يجتر القداسة والنقاء ويمضغهما.

سهل عليه أن يداوي الأمراض، ويصنع القوات، ويواسي الضعفاء، ويفرّج عن المجروحين.

كان اسم جبروته مشهورًا بين العبرانيين، وأخباره الحسنة أقلقت أرض الأراميين[7].

قوة الشفاء صارت كالينبوع، فجرى وسقى الإسرائيليين، وفاض ليسقي الأراميين[8].

القديس مار يعقوب السروجي

St-Takla.org Image: Then Naaman went with his horses and chariot, and he stood at the door of Elisha's house. (2 Kings 5:9) صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان يذهب بخيله ومركباته لبيت أليشع النبي (ملوك الثاني 5: 9)

St-Takla.org Image: Then Naaman went with his horses and chariot, and he stood at the door of Elisha's house. (2 Kings 5:9)

صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان يذهب بخيله ومركباته لبيت أليشع النبي (ملوك الثاني 5: 9)

فَجَاءَ نُعْمَانُ بِخَيْلِهِ وَمَرْكَبَاتِهِ،

وَوَقَفَ عِنْدَ بَابِ بَيْتِ أليشع. [9]

يصوِّر لنا القديس مار يعقوب السروجي المرضى من فقراء وأغنياء يلجأون إلى أليشع، ويقفون على بابه طالبين الشفاء. كان نعمان يتوقع معاملة خاصة كرئيس جيشٍ. وفوجئ بأليشع لم يخرج إليه ليستقبله.

لم يلتقِ أليشع النبي بنعمان الأبرص، ربما خشية أن يتنجس، لأن هذا المرض يحمل نوعًا من النجاسة في نظر الشريعة [13]. ويُقدِّم لنا القديس مار أفرام السرياني سببًا آخر لعدم خروجه إليه.

v الآن يثور سؤال: لماذا منع أليشع نعمان من رؤيته، ولم يسمح له بالدخول في بيته؟

في الدرجة الأولى، لأنه خدم بنهدد (1 مل 20: 1-43) في حروبه. بالحقيقة عرف النبي أن ملك أرام قتل الكثيرين من بني إسرائيل، وكيف خرَّب أرضهم، وتلطّخت يداه بالدم البريء، إذ كان هو قائد الجيش، وكان له سلطان كامل على الأراميين.

في الدرجة الثانية، لأنه كان قد فسد بالبرص، والنبي يعلم أن الشريعة تطلب عدم الاقتراب أو لمس الأبرص[9].

القديس مار أفرام السرياني

فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أليشع رَسُولاً يَقُولُ:

اذْهَبْ وَاغْتَسِلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الأُرْدُنِّ،

فَيَرْجِعَ لَحْمُكَ إِلَيْكَ وَتَطْهُرَ. [10]

يُحسب هذا الطلب دعوة لنعمان أن يتواضع، وألا يثق إلا في الله نفسه [15].

يرى العلامة ترتليان[10] أن نزوله في النهر سبع مرات يشير إلى تلوثه بسبع خطايا مميتة، وهي العبادة الوثنية والتجديف والقتل والزنا والنجاسة وشهادة الزور والغش. وكأنه في كل مرة يغطس يتطهر من خطية ما بالترتيب.

v أعلن أليشع النبي مُقدمًا عن غنى مياه المعمودية غير الموصوف. وفي نفس الوقت أشار إلى أنه سيمتد إلى كل الذين يرغبون في قبول الإيمان، فقد أرسل نعمان الأبرص الذي كان غريبًا الذي طلب الشفاء، وأمره أن يغطس سبع مرات في الأردن.

لقد أوضح له أنه يلزمه أن يغطس سبع مرات، لكي يتعلَّم هذا الغريب أن الله استراح في اليوم السابع، أو لأنه كان يشير إلى الروح الإلهي بطريقة رمزية[11].

 القديس ديديموس الضرير

St-Takla.org Image: And Elisha sent a messenger to him, saying, "Go and wash in the Jordan seven times, and your flesh shall be restored to you, and you shall be clean." But Naaman became furious, and went away and said, "Indeed, I said to myself, 'He will surely come out to me, and stand and call on the name of the LORD his God, and wave his hand over the place, and heal the leprosy.' (2 Kings 5:10-11) صورة في موقع الأنبا تكلا: أليشع يرسل رسولا لنعمان بان يغتسل في الأردن (ملوك الثاني 5: 10-11)

St-Takla.org Image: And Elisha sent a messenger to him, saying, "Go and wash in the Jordan seven times, and your flesh shall be restored to you, and you shall be clean." But Naaman became furious, and went away and said, "Indeed, I said to myself, 'He will surely come out to me, and stand and call on the name of the LORD his God, and wave his hand over the place, and heal the leprosy.' (2 Kings 5:10-11)

صورة في موقع الأنبا تكلا: أليشع يرسل رسولا لنعمان بان يغتسل في الأردن (ملوك الثاني 5: 10-11)

فَغَضِبَ نُعْمَانُ وَمَضَى، وَقَالَ:

هُوَذَا قُلْتُ إِنَّهُ يَخْرُجُ إِلَيَّ وَيَقِفُ،

وَيَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ إِلَهِهِ،

وَيُرَدِّدُ يَدَهُ فَوْقَ الْمَوْضِعِ،

فَيَشْفِي الأَبْرَصَ! [11]

ربما حسب نعمان أن تصرُّف أليشع ومشورته يحملان مهانة لقائد عظيم مثله، وأن طلبه غير منطقي، لأنه ماذا يكون نهر الأردن بمقارنته بنهري دمشق أبانة وفرفر [12].

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن من يعاني من متاعب يطلب بطريق أو آخر علامات منظورة ومحسوسة[12].

لم يكن أليشع رجلاً متكبرًا، بل بالعكس لم يخرج من البيت ولم يمس نعمان، لأنه أراد أن يوجِّه أفكار نعمان إلى الرب أنه هو الذي يشفيه، ولكي يُقدِّم للبشرية درسًا إيمانيًا عن العماد وقبول الأمم كأعضاء في كنيسة الله.

v لم يتحرك أليشع ليرى نعمان، فمع إدراكه أن نعمان قد تعثر لعدم خروجه واللقاء معه – ملاحظًا دقة الناموس – فقد بقي في بيته، وأرسل نعمان إلى نهر الأردن ليغتسل. أما الرب (فعند شفائه للأيرص) فلكي يشير إلى أنه يشفيه لا كخادمٍ بل بكونه السيد المطلق قام بلمس الأبرص (مت 8: 2-3). فإن يده لن يلحقها دنس من البرَص، إنما يتطهر الجسم الأبرص ويتجدد بيده المقدسة. فإنه كما نعلم جاء لا ليشفي الأجساد فحسب، بل ويقود النفوس إلى ضبط النفس[13].

القديس يوحنا الذهبي الفم

v إنه ليس بالأمر العجيب أن يكون له هذه الأفكار ويثور، فإنه إذ سمع بأذنيه وزن كلمات النبي. الرجل الذي كان عمله في الجيش لم يكن قادرًا أن يتلامس مع السرّ المخفي لهذا الشفاء غير الطبيعي[14].

القديس مار أفرام السرياني

v نعمان في غضبٍ، لم يرَ أُردُنَنا الذي يطهِّر الذين تدنَّسوا بالبرص، أي من هذا الدنس، وواهب الصحة. إنه الأردن هو الذي فعل هذا (يطهر من البرص) وليس النبي. عمل النبي أن يوجِّه إلى مركز الشفاء. نعمان لعدم فهمه للسرّ العظيم الذي للأردن يقول: هوذا قلت إنّه يخرج إليّ ويقف ويدعو باسم الرّبّ إلهه، ويردّد يده فوق الموضع، فيشفي الأبرص! [11]... فإن وضع اليد على البرص والتطهير منه هذا من اختصاص ربنا يسوع وحده (مت 8: 1-3)، توسل إليه الأبرص بإيمان: "إن أردت تقدر تطهرني". لم يقل: "أريد فتطهر" فقط، إنما أضاف إلى الكلمة أنه لمسه، فبرأ من البرص. كان نعمان مخطئًا، ولم يرَ كيف أن كل الأنهار الأخرى أقل من الأردن لشفاء الأمم[15].

العلامة أوريجينوس

يُكمِّل العلامة أوريجينوس حديثه موضحًا امتياز نهر الأردن عن بقية الأنهار، فإنه لا يوجد غير الأردن قادر على التطهير من البرَص. فعلى أنهار بابل جلس الإسرائيليون وتذكروا صهيون، وهناك بكوا. لقد سُبوا إلى بابل، وتذوقوا مياه غير مياه الأردن المقدسة، فاشتاقوا إلى نهر الخلاص. لقد جلسوا ولم يقدروا أن يقفوا، ويوبخ إرميا النبي من يشرب من مياه جيئون (إر 2: 18)

شتان ما بين فكر الله وفكر الإنسان. يظن الإنسان أنه قادر أن يحقق كل شيءٍ بما له، بينما يُقدِّم الله لنا خلاصه لكي نشبع ونتمجد بنعمته المجانية (إش 1:55؛ رو 24:3؛ رؤ 17:22). يريد الإنسان أن يختار وسائل الخلاص حسب هواه، ويريدنا الله أن نُسلِّم حياتنا وإرادتنا في يديه. يرى الإنسان أن طريق الخلاص صعب أو مستحيل، أما الله فيرى أن طريق الخلاص بسيط كالغسل في نهر الأردن المُقدَّم لكل نفسٍ مشتاقة إليه.

لم يخرج أليشع ليلتقي بنعمان تكبرًا منه، وإنما ليوجه أفكار نعمان إلى الرب لا إلى شخصه، ليعلم أن الشفاء من عند الرب.

v يمكن لله أن يهبنا ما يبدو لنا مستحيلاً. فقد بدت المياه عاجزة عن أن تغسل الخطية. وظن نعمان السرياني أن برصه لا يمكن أن يزول بالماء. لكن ما هو مستحيل يجعله الله ممكنًا، هذا الذي وهبنا نعمة عظيمة[16].

القديس أمبروسيوس

v سمع نعمان الأبرص قائد جيش بني عيسو بخبره، أنه يسهل عليه شفاء البرص.

أشرق اسمه في البلاد كالشمس، وتجمع كل المرضى من كل الجهات عند بابه.

أتى نعمان الأرامي مع الكثيرين، لينزع عنه قميص البرَص بواسطة أليشع.

أتى قائد الجيش اللابس البرَص، ووقف على بابه، وتوسل ليشفيه أليشع.

أرسل النبي العجيب، وقال له: اغتسلْ في الأردن سبع مرات فتطهر.

غضب نعمان، واحتقر الكلمة التي سمعها، وخرج غاضبًا ومنتقدًا، ثم غادر الموضع.

كان منتقدًا، قال: لماذا لم يخرج إليّ ويشفي مرضي؟

لا تنقص الأنهار في أرض أرام، لو كان الأمر هكذا، أمضى وأَغتسل فأطهر[17].

القديس مار يعقوب السروجي

St-Takla.org Image: "Are not the Abanah and the Pharpar, the rivers of Damascus, better than all the waters of Israel? Could I not wash in them and be clean?" So Naaman turned and went away in a rage. (2 Kings 5:12) صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان السرياني يتذمر من مياه الأردن (ملوك الثاني 5: 12)

St-Takla.org Image: "Are not the Abanah and the Pharpar, the rivers of Damascus, better than all the waters of Israel? Could I not wash in them and be clean?" So Naaman turned and went away in a rage. (2 Kings 5:12)

صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان السرياني يتذمر من مياه الأردن (ملوك الثاني 5: 12)

أَلَيْسَ أَبَانَةُ وَفَرْفَرُ نَهْرَا دِمَشْقَ أَحْسَنَ مِنْ جَمِيعِ مِيَاهِ إِسْرَائِيلَ؟

أَمَا كُنْتُ أَغْتَسِلُ بِهِمَا فَأَطْهُرَ؟

وَرَجَعَ وَمَضَى بِغَيْظٍ. [12]

أبانة: نهر بردي الحالي، ومنبعه من الجبل الشرقي. ويُظَن أن النهر الآخر فرفر، هو الأعرج الذي يخرج من جبل الشيخ. ويجري نهر أبانة في وسط دمشق. هذان النهران يمدان الأراضي الواقعة حول دمشق بمائهما الغزير، ويجعلان تلك البقاع من أخصب أراضي العالم. بعكس أنهر إسرائيل ويهوذا التي تجري أكثرها في أودية عميقة صخرية.

v عندما بدأ يفكر في نفسه أن لديه في بلده مياهًا أفضل، والتي غالبًا ما كان يستحم بها ولم تطهره من برصه. بتذكره هذا لم يطع أمر النبي، ولكن بناء على نصيحة خدمه وحثِّهم له خضع وغطس. وإذ تطهر أدرك أنه ليست المياه التي تطهر الإنسان، بل النعمة[18].

v يبدو أنه من الاستحالة للماء أن يغسل الخطايا، وظن نعمان السرياني أن البرص لا يمكن أن يُطهر بالماء. لكن ما كان مستحيلاً، يجعله الله الذي يهبنا نعمة عظيمة ممكنًا. نفس الشيء يبدو مستحيلاً أن تُغفَر الخطايا بالتوبة، لكن المسيح أعطى هذا السلطان لرسله، والذي انتقل خلال العمل الكهنوتي، بهذا صار ما كان مستحيلاً ممكنًا[19].

القديس أمبروسيوس

فَتَقَدَّمَ عَبِيدُهُ وَقَالُوا:

يَا أَبَانَا، لَوْ قَالَ لَكَ النَّبِيُّ أَمْرًا عَظِيمًا أَمَا كُنْتَ تَعْمَلُهُ،

فَكَمْ بِالْحَرِيِّ إِذْ قَالَ لَكَ: اغْتَسِلْ وَاطْهُرْ؟ [13]

انصرف نعمان ساخطًا، فقد عاش كل أيامه يحمل بطولة في حياته ومعاركه، فاستصغر أن يُشفَى بعلاجٍ بسيطٍ. إنه لم يقبل علاج الإيمان البسيط. هذا هو موقف الكثيرين، إذ يرفضون عطية الله المجانية، الإيمان البسيط. لا يثقون أن مسيحنا قادر أن يغسل ويُقدِّس، بل ويهب البنوة في مياه المعمودية.

v عندما سمع نعمان أنه يلزمه أن يغتسل في الأردن سبع مرات كان ناقمًا، ولم يرد أن ينصاع للأمر، لكنه سمع مشورة أصدقائه، وقبل أن يغتسل ويتطهر. هذا يعني أنه قبل صليب المسيح. لم يؤمن الأمم بالمسيح عندما تحدث بشخصه، لكن بعد ذلك جاءوا بروح التقوى إلى سرّ العماد بعد كرازة الرسل...

أضف إلى هذا حقيقة عدم لمس أليشع لنعمان نفسه أو تعميده، يظهر أن المسيح لم يأتِ للأمم بنفسه، بل خلال رسله الذين قال لهم: "اذهبوا عمدوا كل الأمم باسم الآب والابن والروح القدس" (راجع مت 19:28).

لاحظ أيضًا أن نعمان، رمز الأمم، استرد صحته في نفس النهر الذي فيه قدس الله عماده فيما بعد...

الحقيقة بأن نعمان اعتقد بأنه كان يمكن أن يسترد صحته من خلال أنهره (2 مل 12:5)، تشير إلى أن الجنس البشري ظن أن يعتمد على إرادته واستحقاقاته الذاتية، ولكن بدون نعمة المسيح لا تقدر استحقاقاتهم أن تعطيهم صحة[20].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v أن لكي يتطهر نعمان من مرضين، مرض النفس وذاك الذي للجسد، كان من الضروري أن يُمثل في شخصه تطهير كل الأمم خلال غسل التجديد، الذي يبدأ في نهر الأردن، بكونه والد المعمودية ومنشئها[21].

القديس مار أفرام السرياني

St-Takla.org Image: He dipped a fifth time … Then a sixth time … (2 Kings 5: 14) - "Naaman, the army general with leprosy" images set (2 Kings 5:1-27): image (12) - 2 Kings, Bible illustrations by James Padgett (1931-2009), published by Sweet Media صورة في موقع الأنبا تكلا: "فنزل وغطس في الأردن" مرة خامسة وسادسة (الملوك الثاني 5: 14) - مجموعة "نعمان الأبرص رئيس جيش الملك" (ملوك الثاني 5: 1-27) - صورة (12) - صور سفر الملوك الثاني، رسم جيمز بادجيت (1931-2009)، إصدار شركة سويت ميديا

St-Takla.org Image: He dipped a fifth time … Then a sixth time … (2 Kings 5: 14) - "Naaman, the army general with leprosy" images set (2 Kings 5:1-27): image (12) - 2 Kings, Bible illustrations by James Padgett (1931-2009), published by Sweet Media

صورة في موقع الأنبا تكلا: "فنزل وغطس في الأردن" مرة خامسة وسادسة (الملوك الثاني 5: 14) - مجموعة "نعمان الأبرص رئيس جيش الملك" (ملوك الثاني 5: 1-27) - صورة (12) - صور سفر الملوك الثاني، رسم جيمز بادجيت (1931-2009)، إصدار شركة سويت ميديا

فَنَزَلَ وَغَطَسَ فِي الأُرْدُنِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَسَبَ قَوْلِ رَجُلِ الله،

فَرَجَعَ لَحْمُهُ كَلَحْمِ صَبِيٍّ صَغِيرٍ وَطَهُرَ. [14]

مع غيظه لأنه حسب النبي لم يهتم به، وأن ما طلبه منه أمر يبدو غير معقول، لكنه في وداعةٍ استمع لرأي عبيده الحسن ولم يُصر على غيظه.

اتسم نعمان بقلب طفلٍ سريع الغضب وسريع الرجوع عنه، لم يُصر على غضبه، بل قبل مشورة عبيده الذين وجدوا فيه أبوة، فكانوا يدعونه "أبانا".

"نزل وغطس": نجح في امتحان الإيمان، فحتى الغطسات الست الأولى لم يشعر بأي تغيير فأطاع، وفوجئ في الغطسة السابعة بشفائه. لقد نزل في مياه الأردن، كما نزل أيضًا عن غيظه وكبريائه.

في هجوم العلامة ترتليان على مرقيون الذي كان يحتقر المادة ويرفض أن يدعو السيد المسيح الخالق. كأغلب الغنوسيين يرى فيه أعظم من أن يكون خالق للمادة، يرى في أليشع النبي رمز المادة (مياه الأردن) شفاء نعمان السرياني، وطلب أن يغطس سبع مرات. هذا عمل الخادم أليشع، فكم بالأكثر يكون عمل سيده "ربنا يسوع المسيح" الذي هو الخالق للمادة ويشفي بكلمته[22].

خلال الفداء يتمتع بميلاد جديد، ويصير المؤمن خليقة جديدة على صورة خالقه، يصير ابنًا لله في مياه المعمودية، باتحاده بالابن الوحيد الجنس، يصير نعمان الجديد، الذي قيل عنه: "فنزل وغطس في الأردن سبع مرات حسب قول رجل الله، فرجع لحمه كلحم صبي صغير وطهر" (2 مل 5: 14). يتحقق فيه قول السيد المسيح لنيقوديموس: "الحق الحق أقول لك، إن كان أحد لا يُولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح روح هو" (يو 3: 5-6).

v لم يتطهر أحد إلا نعمان السرياني الذي ليس من إسرائيل.

انظر، إن الذين يغتسلون بواسطة أليشع الروحي الذي هو ربنا ومخلصنا يتطهرون في سرّ المعمودية ويغتسلون من وصمة الحرف (الذي للناموس).

لقد قيل لك: قم، اذهب إلى الأردن، واغتسل، فيتجدد جسدك. لقد قام نعمان وذهب واغتسل رمزًا للمعمودية، فصار جسمه كجسم صبي صغير. من هو هذا الصبي؟ إنه ذاك الذي يولد في جرن التجديد[23].

 العلامة أوريجينوس

v تطهير السرياني دون الإسرائيليين له مغزاه في كل أمم العالم، لتطهيرهم في المسيح نورهم (لو 2: 32)، فيُنقعون كمن كانوا في دنس سبع خطايا مميتة: عبادة الأوثان، التجديف، القتل، الزنا، الفسق، شهادة الزور، والغش.

اغتسل في الأردن سبع مرات، كما لو كان مرة عن كل خطية. كل منها لأجل الاحتفال بالتكفير عن سبعة كاملين، ولأن عمل المعمودية الواحدة الكامل ينسب بمهابة إلى المسيح وحده، الذي كان له أن يؤسس يومًا ما على الأرض ليس فقط إعلانًا، بل معمودية تهب فعَّالية مختصرة[24].

العلامة ترتليان

St-Takla.org Image: And Naaman's servants came near and spoke to him, and said, "My father, if the prophet Elisha had told you to do something great, would you not have done it? How much more then, when he says to you, 'Wash, and be clean'?" (2 Kings 5:13) صورة في موقع الأنبا تكلا: عبيد نعمان يطيبون قلبه ويطلبون منه أن يطيع أليشع (ملوك الثاني 5: 13)

St-Takla.org Image: And Naaman's servants came near and spoke to him, and said, "My father, if the prophet Elisha had told you to do something great, would you not have done it? How much more then, when he says to you, 'Wash, and be clean'?" (2 Kings 5:13)

صورة في موقع الأنبا تكلا: عبيد نعمان يطيبون قلبه ويطلبون منه أن يطيع أليشع (ملوك الثاني 5: 13)

v ليس بلا سبب تطهر نعمان القديم المصاب بالبرص بالعماد، إنما كان ذلك إشارة إلينا. فكما نحن كنا مصابين بالبرص بالخطية، وعاجزين عن التطهير، فبالمياه المقدسة واستدعاء الرب نُطهَّر من معاصينا القديمة؛ إذ نتجدد روحيًا كأطفالٍ مولودين حديثًا. وذلك كما أعلن الرب: "إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله" (يو 3: 5)[25].

القديس إيريناؤس

v بالذبيحة العجيبة أعلن إيليا بوضوح لنا عن طقس العماد السرائري الذي كان يليق أن يؤسَس فيما بعد. فإن النار أُشعلت بالماء المنسكب ثلاث مرات عليها، حتى أنه من الواضح حيث يوجد الماء السري يوجد الروح المُلتهِب الدافئ المشتعل الذي يحرق الأشرار وينير المؤمنين. نعم، فإن تلميذه أليشع أيضًا عندما جاء إليه نعمان السرياني المصاب بالبرص، كمن يتوسل، طهر المريض بغسله في نهر الأردن (2 مل 5)، مشيرا بوضوح إلى ما يحدث بعد ذلك، باستخدام الماء على وجه العموم والغطس في النهر على وجه خاص. فالأردن وحده من بين الأنهار تقبَّل فيه باكورة التقديس والبركة، مانحًا ذلك في قناته إلى كل العالم، كما من ينبوع في الرمز الممنوح له نعمة العماد. هذه إذن إشارات عن عمل الميلاد الجديد في العماد[26].

القديس غريغوريوس النيسي

v ليست (بركة) سلوام هي التي فتَّحت عيني الأعمى (يو 9: 7)، كما أنه ليست مياه الأردن هي التي طهَّرت نعمان (2 مل 5: 14). إنه أمر الرب هو الذي فعل هذا. هكذا أيضًا ليست مياه الكفارة هي التي تطهرنا، بل بالحري الاسم الذي يُنطَق به علينا يهبنا الكفارة[27].

القديس مار أفرام السرياني

v غطس السرياني سبع مرات تحت الناموس، أما أنتم فاعتمدتم باسم الثالوث.

 لقد اعترفتم بالآب. تذكروا أنكم فعلتم هذا، اعترفتم بالابن، واعترفتم بالروح القدس.

لاحظوا تدبير الأمور في هذا الإيمان: لقد متُّم عن العالم، وقمتم لله. وإذ دُفنتم للعالم في هذا العنصر (الماء)، إذ أنتم أموات للخطية، قمتم للحياة الأبدية. لذلك آمنوا أن هذه المياه ليست خالية من القوة[28].

v أنت تخلص العالم، فلتخلص نفس خاطئ واحد!

 هذا هو سمو حنوَّك الخاص، الذي به تخلص العالم كله، واحدًا فواحدًا!

 أُرسل إيليا إلى أرملة واحدة (1 مل 17: 9).

 وطهَّر أليشع إنسانًا واحدًا (2 مل 5: 14).

 أما أنت أيها الرب يسوع تطهر اليوم ألوفًا. كم من كثيرين تطهرهم في مدينة روما؛ وكم من كثيرين بالإسكندرية، وأيضًا بالقسطنطينية! حتى القسطنطينية تتقبل كلمة الله، وتتقبل براهين أحكامك الواضحة[29].

القديس أمبروسيوس

St-Takla.org Image: So Naaman went down and dipped seven times in the Jordan, according to the saying of the man of God; and his flesh was restored like the flesh of a little child, and he was clean. (2 Kings 5:14) صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان يغطس في مياه الأردن سبع مرات (ملوك الثاني 5: 14)

St-Takla.org Image: So Naaman went down and dipped seven times in the Jordan, according to the saying of the man of God; and his flesh was restored like the flesh of a little child, and he was clean. (2 Kings 5:14)

صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان يغطس في مياه الأردن سبع مرات (ملوك الثاني 5: 14)

v عندما نزل نعمان في النهر رمز المعمودية "رجع لحمه كلحم صبى صغير" (2 مل 14:5). لاحظوا أيها الإخوة الأحباء أن هذا الشبه قد كمُل في الشعب المسيحي، إذ تعلمون أن كل الذين يعتمدون لا يزالون يدعَون أطفالاً، سواء كانوا كبارًا أو صغارًا. الذين ُولدوا عتقاء بآدم وحواء، يولدون من جديد كصغارٍ بالمسيح والكنيسة. الميلاد الأول يلد أناسًا للموت، والثاني للحياة. الأول يجلب أبناء الغضب، والثاني يلدهم من جديد كأوانٍ للرحمة. يقول الرسول: "في آدم يموت الجميع" (1 كو 22:15).

لذلك كما أن نعمان وهو رجل كبير صار صبيًا بالغسل سبع مرات، هكذا الأمم مع أنهم عتقاء بسبب خطاياهم السالفة ومصابون بوصمات البرص الكثيرة، تجددوا بنعمة المعمودية بطريقة لا يبقى فيهم برص الخطية الأصلية أو الفعلية... عندئذ يتحقق فيهم ما يخبر به الرسول الكنيسة بخصوص المسيح: "ليقدم لنفسه كنيسة بلا عيب ولا غضن" (أف 27:5)[30].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v "اُستهلك جسده بالعقوبات، ليعود إلى أيام صباه" (أي 33: 25). عندما سقط الإنسان الأول من الله، طُردنا من مباهج الفردوس، وارتبطنا بمآسي هذه الحياة الفانية. ونشعر بألم عقوبتنا مدى خطورة خطأنا الذي ارتكبناه بغواية الحية. فإننا إذ سقطنا إلى هذه الحال، لا نجد شيئًا خارج الله سوى الحزن... فإننا نعاني يوميًا من الحزن في الجسد، وفيه العذاب والموت، لذلك فالرب بتدبيره العجيب يُغيِّر ما حلٌ بنا بارتكابنا الخطية وذلك بوسائط العقوبة....

"اُستهلك جسده بالعقوبات، ليعود إلى أيام صباه". كأنه يقول: خلال عقوبة موته (موت الإنسان) هبط بعمره المسن، فيرتد إلى أيام صباه، أي يتجدد إلى كمال حياته السابقة، ولا يبقى في الحال الذي سقط إليه، بل بخلاصه يرجع إلى مباهج حالته التي خُلق عليها أصلاً... إذ أُحضرنا إلى هذه القوة للحياة الجديدة، ليس بقوتنا، وإنما بواسطة المخلص، ليت الرسول (السيد المسيح) يقول في وساطته لهذا الإنسان الذي تحت العقوبة: "ليعود أيام صباه".

البابا غريغوريوس (الكبير)

أما كان يكفي أن يستحم مرة واحدة في نهر الأردن؟ لا يخضع العمل الروحي، أو الشفاء الروحي للأرقام. هكذا يرى القديس مار يعقوب السروجي، لكن رقم 7 يشير إلى الراحة حيث خلق الله العالم في ستة أيام واستراح في اليوم السابع. وجاء في سفر الأمثال أن الحكمة (كلمة الله) بنَت بيتها، أي الكنيسة، في جمالٍ بارعٍ، وأقامته على سبعة أعمدة. كذلك أوجد الله الزمن قائمًا على الأسبوع الذي يتكون من سبعة أيام. لقد أراد النبي أن يربط معجزة التطهير من البرص بعمل الخلق نفسه. فتطهير الأبرص لم يكن بقوة أليشع وسلطانه الشخصي، إنما من عمل الخالق الذي يجد راحته ومسرته في تطهير البشرية من برص الخطية، وفي من يقدس كل الزمن، ليحيا طاهرًا في العالم بالحاضر، كعربون للقداسة الكاملة في الحياة العتيدة. هذا الذي خلق الزمن لأجل الإنسان ليكون مقدسًا وطاهرًا!

St-Takla.org Image: And Naaman returned to Elisha the man of God, he and all his aides, and came and stood before him; and he said, "Indeed, now I know that there is no God in all the earth, except in Israel; now therefore, please take a gift from your servant." But he said, "As the LORD lives, before whom I stand, I will receive nothing." And he urged him to take it, but he refused. (2 Kings 5:15-16) صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان يريد أن يعطى هدايا وعطايا لأليشع النبي (ملوك الثاني 5: 15-16)

St-Takla.org Image: And Naaman returned to Elisha the man of God, he and all his aides, and came and stood before him; and he said, "Indeed, now I know that there is no God in all the earth, except in Israel; now therefore, please take a gift from your servant." But he said, "As the LORD lives, before whom I stand, I will receive nothing." And he urged him to take it, but he refused. (2 Kings 5:15-16)

صورة في موقع الأنبا تكلا: نعمان يريد أن يعطى هدايا وعطايا لأليشع النبي (ملوك الثاني 5: 15-16)

v ذهب واغتسل سبع مرات كما أُمر، ونُزع برصه، وصار طاهرًا بقوة عظمى.

لماذا أمره أن يغتسل سبع مرات، مع أن القوة واحدة لا تخضع للتعداد؟...

قامت الخلائق وتخومها في ستة أيام، وفي اليوم السابع استراح من أعماله البديعة.

ولهذا كُرِّم السبتُ على السبعة أيام، لأنه الإكليل الذي به خُتمت كل الخلائق.

بنت الحكمة لها بيتًا عظيمًا مملوءًا جمالاً، وسندته بسبعة أعمدة ليقوم بها.

في سبعة أيام يسرع العالم نحو التغييرات، وهي تدور فيه كل يوم وتقيمه.

أيام الأسبوع السبعة التي بها يقوم العالم كله، تقف مثل أعمدة وتحمله.

ولهذا علَّم النبي الأرامي سرّ السبت، فيغتسل سبع مرات ويطهر.

فإن طُرح سؤال عن هذا التعداد يأتي سرّ السبت ويدخل ويظهر نفسه.

ومن التوراة ظهر جمال هذا العدد الذي به أقام الخالق العوالم وإبداعها.

تطهير الأرامي كان أعجوبة، ومع الأعجوبة كان يلزم التعليم.

وضع النبي عدد الأيام السبعة، ليصير نافعًا للأراميين ويفيدهم.

فحين يستفسرون عن عدد المرات السبع يعرفون القوة من التوراة صاحبة الكنوز.

ظهر خبر القدرة الخالقة والإبداع، والخالق الذي أقام العوالم في سبعة أيام[31].

القديس مار يعقوب السروجي

وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

4. مجد الله لا العالم

وقف نعمان في دهشةٍ ورهبةٍ حين أدرك أن برصه قد زال، وعاد جسمه كجسم صبيٍ صغيرٍ، كأن الله أعاد خلقته. انفتح قلب نعمان ولسانه ليشهد لله بحياة الشكر والتسبيح. لم ينطلق إلى دمشق مسرعًا ليلتقي بالملك كما بأفراد أسرته، وإنما رجع إلى النبي ليُقدِّم لله ذبيحة شكر.

فَرَجَعَ إِلَى رَجُلِ الله هُوَ وَكُلُّ جَيْشِهِ،

وَدَخَلَ وَوَقَفَ أَمَامَهُ.

هُوَذَا قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ إِلَهٌ فِي كُلِّ الأَرْضِ إِلاَّ فِي إِسْرَائِيلَ.

وَالآنَ فَخُذْ بَرَكَةً مِنْ عَبْدِكَ. [15]

إذ زال البرص من نعمان، أمكن لأليشع أن يستقبله، وقف نعمان أمامه كإنسانٍ لمس محبة الله وقدرته، ويعلن إيمانه به.

كان لكل بلدٍ آلهته، لها حدودها، لكن نعمان أدرك أن إله إسرائيل هو الإله الحقيقي وحده في الأرض كلها. تواضع نعمان أمام هذا الإله الحي القدير ووثق فيه وحده.

ظهر سمو أخلاقه بأنه وإن فرح بشفائه لم يسرع للعودة إلى بلده، إنما رجع إلى النبي يشكره، وذلك كما فعل الأبرص السامري الذي طهَّره ربنا يسوع، إذ رجع يُمجِّد الله، مع أن التسعة الباقين وهم من شعب الله القديم لم يرجعوا إليه (لو 17: 12-19).

حسب نعمان أن الاغتسال في نهرٍ صغيرٍ كالأردن إهانة واحتقارًا لمركزه. كان عليه أن يتواضع ويطيع، فيجد السيد المسيح نفسه غاسل كل الخطايا يعتمد في هذا النهر، ويرى السماء المفتوحة، وتجلِّي الروح القدس.

كان لابد لنعمان أن يُدرِك أن طرق الله غير طرق البشر، وأن الله يريدنا أن نطيعه أكثر من أن نُقدِّم تقدمات كثيرة، وأن يستخدم أية وسيلة للعطاء، وبقليلٍ أو كثيرٍ قادر أن يخلص.

كان نعمان إنسانًا شاكرًا، رجع إلى أليشع النبي لكي يشكره. وكان في رجوعه تعب وخسارة، لأنه لو انطلق من الأردن إلى دمشق لاختصر من الطريق حوالي 30 ميلاً، وكان يمكنه أن يبعث للنبي رسولاً برسالة يشكره فيها. حقًا لقد شُفِي جسديًا وروحيًا.

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن ذبيحة الشكر حتى في وسط الألم كما فغل أيوب البار، فيقول: [إنه لأمر عظيم إن استطعنا أن نُقدِّم الشكر بفرحٍ عظيمٍ. لكن تقديم الشكر عن خوفٍ شيء، وتقديم الشكر أثناء الحزن شيء آخر. هذا ما فعله أيوب عندما شكر الله... لا يقل أحد إنه لم يحزن على ما حلَّ به أو أنه لم يتأثر به في أعماقه. لا تنزع عنه المديح العظيم لبرِّه... يؤذينا الشيطان لا لكي يسحب ما لنا ويتركنا معدومين، وإنما لأنه عندما يحدث هذا يُلزِمنا أن نجدف على الله[32].]

[تُوِّج أيوب وصار مشهورًا، ليس لأنه لم يهتز بالرغم من التجارب غير المحصاة التي أحدقت به، وبالرغم من مقاومة زوجته له، وإنما استمر في شكره للرب على كل حال ليس عندما كان غنيًا فقط، وإنما عند صار فقيرًا أيضًا، ليس عندما كان في صحة، بل وعندما ضُرب جسمه (بالقروح) أيضًا، ليس عندما حلت به هذه الأمور ببطءٍ، وإنما عندما حلت به عاصفة عنيفة، حلت ببيته كما بشخصه بالكامل أيضًا[33].]

v اغتسل نعمان، فهرب برصه، وتعافَى جسده، واقتنى جسمًا جديدًا يشبه جسم الصبي.

حين سمع الكلمة احتقرها لكونها ناقصة، ولما تحققت خاف من العجب بسبب عظمته.

قامت هذه القدرة العظيمة التي رافقت النبوة في النهر، وتعافَى الجسم الذي كان فاسدًا.

القدرة الخالقة التي أنجزت العالم في سبعة أيام، غيّرت الجسم بسباحة نعمان سبع مرات.

تعافى جسمه، وخاف من العجب، وفرح قلبه، وامتلأت نفسه بإيمان الله.

هرب برصه، وهربت الشكوك من فكره، ورأى العجب، فتحرَّك ليُسبِّح بسبب الأعجوبة.

عاد فرحًا إلى باب رجل الله ليُسبَح، لأجل الأعجوبة العُظمَى التي شاهدها.

اعترف بأنه لا يوجد إله في كل الأرض إلا في إسرائيل، وله يسجد.

هذا هو الذي أقام العالم في سبعة أيام، وهو صاحب سلطان على الخلائق ليُغيِّرَها[34].

القديس مار يعقوب السروجي

فَقَالَ: حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَنَا وَاقِفٌ أَمَامَهُ، إِنِّي لاَ آخُذُ.

وَأَلَحَّ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ فَأَبَى. [16]

لم يكن ممكنًا لذاك الذي افتقر بإرادته من أجل الرب أن ينحني أمام نعمان السرياني ليقبل منه فضة وثيابًا. فقد سبق له أن تركها من أعماق قلبه، وحسبها كنفاية من أجل انشغاله بالإلهيات. لم يكن للفضة والثياب موضع في قلبه ولا في فكره، فلم تمتد يداه لقبولها! سبق فتخلَّى عن ماله وثروته، ولم تجسر محبة المال أن تتسلل إلى أعماقه، لذا استطاع بالرب أن يطرد برص نعمان، كما لا يشتهي شيئًا من ثروته!

من عند الله هرب البرص من جسم نعمان، ومن عند الله استخف أليشع بغنى العالم وثروته.

أعلنت قوة الله نصرتها على البرص بتطهير نعمان، وأعلنت عن عظمتها في أليشع النبي باستخفافه بمحبة المال!

صار أليشع رمزًا للتلاميذ والرسل الذين أطاعوا الوصية الإلهية، فلم يكن لهم ذهب ولا فضة، وإنما الذي لهم قدَّموه للبشرية: اسم يسوع القدير!

يقف الأبرار أمام الله بثقة ليهبهم الحياة المقدسة (1 يو 3: 21)، قائلين مع أليشع النبي: "حيّ هو الرب الذي أنا واقف أمامه" (2 مل 5: 16). أما الشرير فيهرب من وجه الرب. يحدثنا القديس أمبروسيوس عن سرّ هروب الشرير، فيقول: [الضمير المُذنب يكون مثقلاً حتى أنه يعاقب نفسه بنفسه دون قاضٍ، يود أن يتغطى، لكنه يكون أمام الله عاريًا[35].] كأن الخطية تُفقِد الإنسان سلامه الداخلي، وتدخل به إلى حالة من الرُعب. ويُعلِّل القديس ديديموس الضرير اختفاء آدم بقوله إن الإنسان قد طلب المعرفة خلال خبرة الشر، فاختبأ من وجه الرب بابتعاده عن معرفة الله النقية. ويرى العلامة أوريجينوس أن الأشرار يختفون عن وجه الرب، إذ قيل" "حَوّلوا نحوي القفا لا الوجه" (إر 2: 27)،

رفض أليشع النبي أن يقبل شيئًا من أموال نعمان، لئلا يظن الأخير أن مراحم الله وعطاياه يُمكن شراؤها بالمال. لقد أراد أن يؤكد له أيضًا أننا إذ نقف أمام الله ينظر إلى شخصياتنا لا إلى أموالنا ومراكزنا وممتلكاتنا. يعطي الله جميع الخيرات على سبيل النعمة. مسرة الله أن يتمتع البشر بالسعادة الحقيقية.

v لم يقبل النبي الهدايا الملوكية، ولا اقتنع بالواهب، بالرغم من الضغوط التي مارسها عليه مرات كثيرة. ذلك لأن هذا رمز واضح جدًا ومهوب لسرّ الشفاء، الذي يوهَب مجّانًا لكل الأمم على الأرض بواسطة ربنا خلال تدخُّل الرسل.

هذا قد وُعد به مُقدَّمًا لهؤلاء السادة بواسطة إشعياء النبي القائل "مجّانًا بُعتم، وبلا فضة تُفكُّون" (إش 52: 3).

ولما كانت كل الأمراض هي نوع من العبودية، لذلك كان من الضروري أن يحدد النبي الشفاء في الاستحمام السابع، في توازٍ مع الحقيقة أن الشريعة تأمر وتَعِدْ بتحرير العبد في السنة السابعة (خر 21: 1-3؛ تث 15: 12)[36].

القديس مار أفرام السرياني

v أتى الأرامي بالفضة، وأعطاها لأليشع، وتوسل إليه أن يأخذها منه كقربانٍ.

تعارك الغِنَى والفقر على باب بيت ذلك المسكين الإلهي.

داس الغِنى البغيض والبعيد عن الله، ولم يمد يده ليأخذ الفضة التي قُدِّمت له.

كان عيبًا على ذاك الذي صرخ في البرص فهرب، أن يحني يده مثل شقيّ إلى المال.

ٍكانت بغيضة في عينيه فضة الأرامي وبرصه، وبصدق طرد كليهما من عتبته.

أزال برصَه ورذل فضته المساوية له، واحتقر البرص والفضة، ورذل كليهما.

ألحّ عليه كثيرًا ليأخذ منه، فلم يتنازل، لأنه احتقر كل كنوز السلاطين.

كان الإيمان مضطرمًا في نفس نعمان، والتهبت فيه محبة الرب كاللهيب.

اشتهي أن يعطي الفضة بكثرة، والرجل الذي أبغض اقتناء الغنى لم يقبل.

كان هروب برص نعمان من عند الله، واحتقار النبي للمال كان من عنده.

جمال نفسه هو أنه هرب من المال، واحتقر الغنى الذي يحرق الكثيرين بناره.

محبة المال التي تقتل مرارًا حتى القديسين، قتلها النبي، وأخرجها، وداسها خارج بابه.

بتطهير نعمان غلبت فيه قوة الله، ونصرة النبي تعني أنه غلب محبة الذهب...

الوصية التي أعطاها ابن الله لرسله كانت موضوعة في نفسه ليبغض الذهب مثل التلميذ.

بعين النبوة السامية رأى طريق الرسل، فسار فيه بدون المقتنيات[37].

القديس مار يعقوب السروجي

فَقَالَ نُعْمَانُ: أَمَا يُعْطَى لِعَبْدِكَ حِمْلُ بَغْلَيْنِ مِنَ التُّرَابِ،

لأَنَّهُ لاَ يُقَرِّبُ بَعْدُ عَبْدُكَ مُحْرَقَةً،

وَلاَ ذَبِيحَةً لآلِهَةٍ أُخْرَى، بَلْ لِلرَّبِّ. [17]

في تواضع استأذن نعمان من النبي أن يسمح له أن يأخذ مقدار حِمْل بغلين من تراب إسرائيل ليبسطهما في أرام ليبني مذبحًا للرب على قطعة أرض مقدسة. هنا يبرز تقديرًا لقدسية حتى التراب الذي لأرض إسرائيل. وربما كان هذا مبنيًا على الفكرة الخاطئة أنه لا يمكن عبادة أي إله بعيدًا عن أرض وطنه. وهكذا اعتقد أن يهوه يمكن عبادته فقط على التراب الذي أحضره من إسرائيل.

v سأل نعمان الأرامي أن يأخذ بعض التراب من أرض الموعد، وذلك ليخزي إسرائيل كما أظن. وذلك لكي يخجلوا أن رجلاً غريبًا آمن أنه حتى تراب بلدهم مملوء (مُقدس) بالله، بينما لم يؤمن العبرانيون أن الله يسكن في الأنبياء[38].

القديس مار أفرام السرياني

عَنْ هَذَا الأَمْرِ يَصْفَحُ الرَّبُّ لِعَبْدِكَ:

عِنْدَ دُخُولِ سَيِّدِي إِلَى بَيْتِ رِمُّونَ لِيَسْجُدَ هُنَاك،َ

وَيَسْتَنِدَ عَلَى يَدِي،

فَأَسْجُدُ فِي بَيْتِ رِمُّونَ،

فَعِنْدَ سُجُودِي فِي بَيْتِ رِمُّونَ،

يَصْفَحُ الرَّبُّ لِعَبْدِكَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ. [18]

حسب سجوده في بيت رمون من واجباته السياسية كرئيس لجيش أرام، لكنه لن يقبل إلهًا آخر غير الله الحقيقي.

بيت رمون: ربما كان رمون أحد آلهة الأراميين المشهورة. يرى البعض أن رمون مشتقة من كلمة "رمان"، وأنها تشير إلى عبادة الشمس. ويرى آخرون أنها مشتقة من كلمة Raman وتعني عالية أو مرتفعة، وهي أيضًا ترتبط بالشمس. رمون هو إله الرعد والعواصف "رامان"، لكن اليهود كانوا يحرفون أسماء الآلهة الوثنية.

"ويستند على يدي": كان من عادة بعض الملوك والملكات أن يستندوا على يد أحد رجال القصر أو رئيس القواد. وقد جاء في تكملة سفر أستير أنها كملكة إذ دخلت عند الملك كان معها جاريتان، واحدة تمسك بذيل ثوبها، والأخرى تستند الملكة عليها.

فَقَالَ لَهُ: امْضِ بِسَلاَمٍ.

وَلَمَّا مَضَى مِنْ عِنْدِهِ مَسَافَةً مِنَ الأَرْضِ [19]

لم يطلب نعمان من النبي الإذن له بالسجود للإله رمون، بل أن ما يفعله، إنما من واجبه في معاونة سيده الملك، مع تأكيده أنه لن يعود يقدم ذبيحة إلا إلى الله الحيّ وحده.

بينما جاهد نعمان نحو العبادة لله الواحد والتخلُّص من العبادة الوثنية، انحرف إسرائيل إلى عبادة الأوثان.

رأى البعض في جواب النبي "امضِ بسلام" هو استجابة النبي للطلبين: السماح له بحمل بغلين من التراب، والصفح عنه في سجوده الشكلي في بيت رمون. ويرى آخرون أنه بهذه الإجابة صرفه، وتركه يأخذ قراره في الأمرين حسبما يسمح له ضميره.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

5. بالغِنَى افتقر جيحزي

قَالَ جِيحَزِي غُلاَمُ أليشع رَجُلِ الله:

هُوَذَا سَيِّدِي قَدِ امْتَنَعَ عَنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ يَدِ نُعْمَانَ الأراميِّ هَذَا مَا أَحْضَرَهُ.

حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِنِّي أَجْرِي وَرَاءَهُ،

وَآخُذُ مِنْهُ شَيْئًا. [20]

ظن جيحزي أنه يغتني بكلمات كذب يرويها لنعمان، ولن يدري أحد بما يفعله، لكن الله كشف لأليشع ما فعله جيحزي. ظن جيحزي أنه اغتنى بالهدايا التي نالها من نعمان، ولم يدرك أنه بالغِنَى افتقر، إذ لصق به برص نعمان وبنسله إلى أجيالٍ كثيرة. دفعت محبة المال جيحزي إلى السقوط في سلسلة من الخطايا:

أولاً: طلب مالاً عن ما لم يعمله.

ثانيًا: قدَّم صورة مؤلمة وخاطئة لنعمان ومن حوله، إذ طلب المال كبديلٍ لعطية الله المجانية، ألا وهي شفاء نعمان من البرص.

ثالثًا: أراد تغطية الموقف، ففقد سمة الأمانة والصدق، وكذب على النبي، ليصير ابنًا لإبليس الذي يدُعَى كذّابًا وأب الكذابين.

رابعًا: محبة المال أفسدت قلب جيحزي، وعاقته عن خدمة الله. لهذا يقول السيد المسيح أنه لا يقدر إنسان أن يخدم الله والمال (مت 24:6).

لقد افتقر ربنا يسوع المسيح وهو الغني، لكي بفقره يغنينا.

"حي هو الرب" قَسَمٌ اعتاده البعض لممارسته دون تفكير، إنما على سبيل العادة، وفي هذا كسر للوصية الإلهية: "لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً".

يقارن القديس مار يعقوب السروجي بين القديس أليشع النبي الذي شهد لقوة الله العجيبة، التي تجلت في عدم محبته للذهب والفضة وكل غِنَى العالم، كما في تطهير نعمان من البرص، وبين جيحزي الذي أحب المال، فأذلَّه ووطأ عليه بقدميه!

1. نصبت محبة المال شباكها للمتراخين؛ فسقط فيها جيحزي، وارتفع عنها أليشع.

2. محبة المال نار، أطفأها أليشع، بينما اضطرمها جيحزي، فأحرقته.

3. هزم النبي خطية محبة المال ببهاء الفضيلة (المسيح)، بينما أسَرت التلميذ المملوء طمعًا.

4. دفعت محبة المال أسيرها إلى السرقة والكذب.

5. جعلت محبة المال من أسيرها إنسانًا متكبرًا، فظن أنه أحكَم ممن استخف بها وذمهم.

v محبة الفضة التي غُلبت من قبل أليشع، صنعت كمينًا لتُهلك التلميذَ المتكاسل.

وبما أن المعلم غلبها، عادت إلى التلميذ، وإذ وجدته متراخيًا داسته وأذلته.

النار التي انطفأت عند أليشع، اضطرمت وشبّت في جيحزي، ليحترق بها بدل مُعلّمه.

الخطيئة التي غلبها هذا المُعلِّم العظيم المملوء بهاء، عادت إلى التلميذ المملوء طمعًا.

رأى مُعلِّمه الذي رذل مال الأراميين، فذمّه واحتقره، لأنه سكر بمحبة الذهب.

قذفته شهوة الغنى بسهمٍ، فطُعن وسقط، ودفعته ليخرج ويصبح أيضًا سارقًا.

لم ينتظر أن يقتني فقط ما يعطونه، لكنه أسرع ليسرق مثل إنسانٍ نشيطٍ.

بدل المقتني صار بجسارته سارقًا، بعد أن اتقدت فيه محبة المال واضطرمت.

ذمّ مُعلِّمَه، قائلاً: لماذا رفض الأرامي، ولم يأخذ منه المال حين شُفي؟...

بما أنه سكر بشهوة محبة الذهب البغيضة، كان تمييز مُعلِّمه العظيم بغيضًا في عينيه.

وإذ ظن بأنه يملأ نقص مُعلِّمه، ركض السارق وراء نعمان، وقال له:

أتى أناس محتاجون عند مُعلِّمنا ليسندهم، وطلب منه أن يعطيه وزنة فضة لهؤلاء المحتاجين.

أعطاه قائد الجيش وزنة وثيابًا بقلبٍ صالحٍ وهو مسرور كما طلب هذا السارق.

أعطاه ضعفًا فأخذه، وعاد مسرعًا، أخفاه وطمره وبحكمة رتَّبه[39].

القديس مار يعقوب السروجي

فَسَارَ جِيحَزِي وَرَاءَ نُعْمَانَ.

وَلَمَّا رَآهُ نُعْمَانُ رَاكِضًا وَرَاءَهُ،

نَزَلَ عَنِ الْمَرْكَبَةِ لِلِقَائِهِ وَقَالَ: أَسَلاَمٌ؟ [21]

نزول نعمان من المركبة نوع من التكريم لخادم النبي الذي سبق أن قدَّم له وصية النبي أن يغتسل في الأردن سبع مرات، والتي بها شُفِي نعمان من البرص.

فَقَالَ: سَلاَمٌ.

إِنَّ سَيِّدِي قَدْ أَرْسَلَنِي قَائِلاً:

هُوَذَا فِي هَذَا الْوَقْتِ قَدْ جَاءَ إِلَيَّ غُلاَمَانِ مِنْ جَبَلِ أَفْرَايِمَ مِنْ بَنِي الأَنْبِيَاءِ،

فَأَعْطِهِمَا وَزْنَةَ فِضَّةٍ وَحُلَّتَيْ ثِيَابٍ. [22]

تُعتبر وزنة الفضة مبلغًا ضخمًا يعادل 300 شاقل أو حوالي 70 رطلاً، لذلك احتاج جيحزي إلى غلامين من رجال نعمان يحملان هذه الكمية الضخمة.

فَقَالَ نُعْمَانُ: اقْبَلْ وَخُذْ وَزْنَتَيْنِ.

وَأَلَحَّ عَلَيْهِ وَصَرَّ وَزْنَتَيْ فِضَّةٍ فِي كِيسَيْنِ وَحُلَّتَيِ الثِّيَابِ،

وَدَفَعَهَا لِغُلاَمَيْهِ فَحَمَلاَهَا قُدَّامَهُ. [23]

خدع جيحزي نعمان، إذ ادَّعى أن النبي لا يطلب شيئًا لنفسه، إنما لغلامين، أي من بني الأنبياء الذين كانوا يلجأون إلى النبي ليسد احتياجاتهم.

وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الأَكَمَةِ أَخَذَهَا مِنْ أَيْدِيهِمَا،

وَأَوْدَعَهَا فِي الْبَيْتِ.

وَأَطْلَقَ الرَّجُلَيْنِ فَانْطَلَقَا. [24]

الكلمة العبرية المترجمة "أكمة" تشير إلى تلٍ أو رابية أو مبنى مثل قلعة أو حصن (2 أي 27: 3؛ مي 4: 8).

وَأَمَّا هُوَ فَدَخَلَ، وَوَقَفَ أَمَامَ سَيِّدِهِ.

فَقَالَ لَهُ أليشع: مِنْ أَيْنَ يَا جِيحَزِي؟

فَقَالَ: لَمْ يَذْهَبْ عَبْدُكَ إِلَى هُنَا أَوْ هُنَاكَ. [25]

كما كذب جيحزي على نعمان، كذب أيضًا على أليشع النبي.

السلوك الشرير غالبًا ما يُسقِطنا في الكلام بالكذب كتغطية للشر. هذا ما حدث مع جيحزي الذي جرى وراء نعمان السرياني يطلب فضة وثيابًا، وعندما سأله أليشع النبي أنكر (2 مل 5: 25)، ولم ينطق بالحق. حقًا "إن من يسلك بالاستقامة يسلك بالأمان" (أم 10: 9).

أسكرت محبة المال جيحزي، ففقد عقله. لقد نسي كيف وهب الله مُعلِّمه معرفة الأمور المخفية، الأمر الذي أثار ملك أرام. ظن جيحزي أنه قادر أن يُخفي شيئًا عن مُعلِّمه، الأمر الذي لم يكن ملك أرام قادرًا عليه.

v جيحزي الجاهل، إما أنه نسي من هو مُعلِّمه، أو سَكَرَ بمحبة الذهب، وفقد عقله.

يا جيحزي، ماذا يُخفَى عن أليشع؟ ومتى لم يتطلع إلى الخفايا فيراها؟

أي سرّ اختفى يومًا ما عن أليشع، حتى تخفي فضتك عنه، فلا يدري بها؟

تحجب الشهوة وجه النفس وتغطيه مثل ستارٍ، وتُغَطِّيها لئلا ترى العمل الشرير.

لو أن ضمير المرء يدينه قبل أن يخطئ، لأظهر له أن خطيئته بغيضة، فما كان يخطئ.

لكن إن تحركت الشهوة وركضت إلى العملٍ، تُبطل الشهوة حُكم الضمير اللائق.

خطفت شهوة الفضة جيحزي، ولم يفهم أن لمُعلِّمه عينًا خفية ترى الأسرار[40].

القديس مار يعقوب السروجي

يرى القديس مار أفرام السرياني أن أليشع حاول أن يعطي تلميذه فرصة لمراجعة نفسه والرجوع إلى الله، لكن جيحزي حاول أن يخفي طمعه الذي كان يحتل أعماق قلبه، غير أن فمه خانه.

v كان جيحزي إنسانًا طمَّاعًا في أعماق قلبه. لقد تظاهر أنه يجحد طمعه الخفي، غير أن خيانة فمه كشفت ما كانت نفسه تحاول إخفاءه[41].

القديس مار أفرام السرياني

v لم يكن بطرس حاضرًا مع حنانيا وسفيرة حين باعا ممتلكاتهما، لكنه كان حاضرًا بالروح، إذ يقول: "لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس؟" (أع 5: 3) لم يكن بينهما، ولا شاهدهما، لكنه عرف ما قد حدث. "أليس وهو باقٍ كان يبقى لك. ولما بيع ألم يكن في سلطانك. فما بالك وضعت في قلبك هذا الأمر؟!" (أع 5: 4) بطرس عديم العلم (أع 4: 13) عرف خلال نعمة الروح القدس ما لم يعرفه حكماء اليونان.

كذلك أيضًا أليشع حين شفى برص نعمان مجانًا أخذ جيحزي المكافأة، أخذ مكافأة عمل آخر. أخذ المال من نعمان، وأخفاه في الظلام، لكن الظلام غير مُخفَيٍ عن القديسين (مز 139: 12). فلما أتى سأله أليشع، وقال له كما قال بطرس: "قولي لي، أبهذا المقدار بعتما الحقل؟!" هكذا تساءل أليشع: من أين أتيت يا جيحزي؟ لم يسأله عن جهل، لكنه في أسفٍ يسأله: "من أين أتيت" (2 مل 5: 25)، من الظلام أتيت، وإلى الظلام تذهب. لقد بعت شفاء الأبرص، يكون البرص ميراثك. كأن أليشع يقول إنني نفذت أمر القائل: "مجانًا أخذتم، مجانًا أعطوا" (مت 10: 8)، لكن أنت بعت هذه النعمة (المجانية).

يقول أليشع: "ألم يذهب قلبي معك؟" (2 مل 5: 26) لقد كنتُ هنا محصورًا بالجسد، لكن الروح الذي أعطاني الرب رأى الأمور البعيدة، وكشف لي بوضوح ما كان يحدث في موضع آخر.

انظروا كيف أن الروح القدس ليس فقط ينزع الجهل، بل ويهب المعرفة؟! انظروا كيف ينير أرواح الناس؟![42]

القديس كيرلس الأورشليمي

فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ يَذْهَبْ قَلْبِي حِينَ رَجَعَ الرَّجُلُ مِنْ مَرْكَبَتِهِ لِلِقَائِكَ؟

أَهُوَ وَقْتٌ لأَخْذِ الْفِضَّةِ، وَلأَخْذِ ثِيَابٍ وَزَيْتُونٍ وَكُرُومٍ وَغَنَمٍ وَبَقَرٍ وَعَبِيدٍ وَجَوَارٍ؟ [26]

كلمة "قلب" هنا لا تعني مجرد معرفة أليشع النبي لتصرف جيحزي المشين، إنما تحمل أعماقه مرارة لهذا التصرُّف.

أعطى الله أليشع معرفة الغيب، فكان كمن قد رأى وسمع ما جرى.

يسمح الله أحيانًا لخدامه وتلاميذه وأتقيائه أن يتمتعوا بمعرفة أمورٍ فوق الطبيعة في حدودٍ معينة ووقتية بإرادة الله لخدمة ملكوته.

أعمت الشهوة بصيرة جيحزي، فاندفع إلى التراب يدفن ما سرقه، وانفتحت بصيرة أليشع النبي لترى ما هو وراء الجبل، بينما كان جسده بين جدران بيته.

v حفر وطمر، وظنَّ أن (مُعلِّمه) لا يدري، وبما أنه سكر، أظلمت نفسه ولم تفهم.

حاول بحيلة وطمر فضته، وأتى ووقف أمام أليشع مثل وديع.

هذا المُعَلِّم الذي امتلأت نفسه بروح الإعلانات يسأل: من أين أتى جيحزي؟

(تكلّم) بكذبٍ يتعلق بالسرقة، وقال الجاهل: عبدك لم يحِد إلى هنا ولا إلى هناك.

بدأ النبي يوبخه ويزجره ويفضحه ويُظهر له ما عمل في الطريق.

أظهرَ لي قلبي أن رجلاً نزل من المركبة للقائك، وأعطاك فضة، فأتيت وخبأتها.

كان قلب هذا النبي العجيب مرآة مملوءة نورًا، ترى الأسرار روحيًا.

وهو في بيته رأى نعمانَ وراء الجبل، عندما صرّ الوزنة، وأعطاها لجيحزي السارق[43].

القديس مار يعقوب السروجي

v لقد رفض أليشع الهديَّة، وكان له إيمان تعلَّمه في مدرسة أصول الأعمال، فسِرْ أنت على ما تعلَّمته من مبادئ الرب مقتديًا بالنبي: "مجانًا أخذتم، مجانًا أُعطوا" (مت 10: 8).

لا تتأخر في الخدمة بل قدِّمها مجانًا، فلا يجوز لك أن تقيِّم نعمة الله بمالٍ، ولا يليق بالكاهن في عمل الأسرار أن يفكِّر في الغنى بل في الخدمة...

علِّمْ عبيدك ذلك وحثُّهم، فإن خدَمَك أحد وضبطَّته هكذا محبَّا للمال (كجيحزي) اطرده كما فعل النبي، ولتحسب الأموال التي حصل عليها بطريقة خاطئة تُدنِّس النفس والجسد، قائلاً: "أهوَ وقت لأخذ الفضَّة ولأخذ ثياب وزيتون وكروم وغنم وبقر وعبيد وجوار؟! فبَرَص نُعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد" (2 مل 5: 26-27).

القديس أمبروسيوس

v بالرغم من كوْن أليشع على بعدٍ رآه يقبل الهدايا، ونحن سنقول إنه عندما يحل الكامل ولا يعود الجسد الفاسد يضغط على النفس، بل يكون غير فاسد ولا يُسبِّب أية إعاقة لها، فإن القديسين سيحتاجون إلى أعين جسدية ليروا، وإن كان أليشع لم يحتج إليها ليرى خادمه؟...

 يقول النبي إنه رأى هذا بقلبه بطريقة معجزية بعون الله، الأمر الذي لا يشك فيه أحد. كم بالأكثر يتمتع بهذه العطية القديسون عندما يصير الله الكل في الكل. فإن النبي لم يفقد استخدام عينيه فيما هو أمامهما، وإن كان لم يكن محتاجًا إليهما ليرى خادمه أنه غائب عنه... حاشا لنا أن نقول إنه في الحياة العتيدة لا يرى القديسون الله عندما تكون أعينهم مغلقة، وإنما يرون الله بالروح[44].

القديس أغسطينوس

v هذا هو معنى أن يكون الشخص "حاضرًا بالروح"، ذلك مثل أليشع إذ كان حاضرًا مع جيحزي، وقال: "ألم يذهب قلبي معك" (2 مل 5: 26) LXX يا للعجب! يا لعظمة قوة هذه العطية، إذ تجعل الكل معًا كأنهم واحد، وتؤهلهم لمعرفة أشياء بعيدة. "قد حكمت كأني حاضر"[45].

القدِّيس يوحنا الذهبيّ الفم

فَبَرَصُ نُعْمَانَ يَلْصَقُ بِكَ وَبِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ!

فَخَرَجَ مِنْ أَمَامِهِ أَبْرَصَ كَالثَّلْجِ. [27]

ارتبط البرص في ذهن اليهود بالخطية لخطورة المرض صحيًا، وتشويه جسم الإنسان، وسرعة نقل العدوى. لهذا استخدمه الرب أحيانًا للتأديب كما فعل مع مريم أخت موسى بسبب كلامها ضد أخيها (عد 12: 10)، وما حدث مع جيحزي حين مال قلبه وراء نعمان السرياني يطلب الفضة والذهب ويكذب على أليشع النبي (2 مل 5: 27)، وما أصاب عزيا الملك لاعتدائه على وظيفة الكهنوت (2 أي 26: 16-21).

البرص كالخطية لم يكن لدى اليهود كما بقية الأمم إمكانية الخلاص منه بأنفسهم، بل يشعر الكل بالحاجة إلى تدخل إلهي للخلاص منه. لذلك حُسب الشفاء منه تطهيرًا كما من النجاسة أو من آثار الخطية، كما قيل عن نعمان السرياني حين تطهَّر منه في مياه الأردن (2 مل 5: 10-14)، وحينما قال السيد المسيح نفسه "البرّص يطهرون" (مت 11: 5)، وحينما توسل إليه أبرص، قائلاً: "يا سيد إن أردت تقدر أن تطهرني"، فأجابه: "أريد فأطهر" (مت 8: 1-3).

يشير البرص إلى الخطية (لا 13). جيحزي صار أبرص بسبب الطمع والخداع. وصارت مريم أخت موسى وهرون برصاء بسبب الغيرة والنقد اللاذع (عد 12). والملك عزيا بسبب الكبرياء (2 أي 26: 16-23).

اشتهى جيحزي فضة نعمان، فاقتنى برصه الذي شُفي منه. شُفي نعمان من برصه، إذ آمن بالرب، وضُرب جيحزي بالبرص، لأنه تعدَّى الرب.

يُشَبِّه الحكيم الجشعين بمن يقيمون أجنحة للثروة (أم 23: 5)، لا لكي تطير بهم إلى الراحة، بل لكي تطير عنهم وتختفي، فلا يجدون ما قد جمعوه. بينما الإنسان القانع والمستخدم العالم حسنًا يحمل جناحي الروح ليطير كما إلى السماء، إذا بالجشع يُطيِّر منه كل تعب يديه، ويبقى ملقيًا في العالم في عوزٍ شديدٍ!

إذ اُستعبد جيحزي تلميذ أليشع النبي لمحبة المال، جرى وراء نعمان السرياني يأخذ منه شيئًا (2 مل 5: 2)، فنال ضعف ما طلبه، لكن التصق به برص نعمان وبنسله أيضًا (2 مل 5: 27). وإذ طمع عخان بن كرمي في رداء شنعاري نفيس ومائتي شاقل فضة ولسان ذهب (يش 7: 21)، حلَّ غضب الله على الشعب كله بسببه.

صار نعمان الأممي شاكرًا لله، وعاد يُكرِّم نبيه، وصارت الفضة والثياب الثمينة في عينيه كلا شيءٍ، بينما صار جيحزي تلميذ النبي العظيم طماعًا وكذابًا. أخذ الفضة ليطمرها في التراب، فصارت حياته ترابًا، وأخذ الثوبين ليرتديهما مع نسله، فارتدوا ثياب البرص معهما!

v لا يمكنك أن تعيش حسب الله، إن كنتَ تحب المال والمسرات الأرضية.

القديس أنبا إيسيذورس

v اسمع مني يا أخي واحتمل مني رأيًا قد ينفعك: إنك مُجرَّبٌ بشيطان الطمع وحُب المال، لأني رأيته فيك، ولكن إن قبلتَ نصيحتي وأخرجته من قلبك، فإنك تكمِّل عمل الله بالكمال في هذا المكان، وتصير في النهاية ممجَّدًا، فلا تقترب إليك تأديبات الله. أما إذا كنتَ لا تسمع لي، فإنك ستسقط فيما سقط فيه جيحزي، لأن مرضه فيك!

v إنني أقول لك، يا ابني، إنّ كل عملٍ رديء هو في هذين الأمرين: الزنا ومحبة المال، مع أنّ الزنا رديءٌ جدًّا، وبعد وقتٍ قليل يشمئز الإنسان منه بسبب رائحته الكريهة... أما محبة المال فتأتي من التكديس، وعندما تأتي تكون حلوةٌ لك، لأنها شرهة لا تشبع، لأجل هذا يجب أن يختم الإنسان أبواب كنيسة البرية وأبواب الأموات بالخوف من قوات هذا الزمان، لأنه في الحقيقة سيقوم أناسٌ معينون يبحثون ويستقصون عن ميراث الذين يرقدون ناسين هذا المكتوب: "إذا أتى الغِنى فلا تضعوا عليه قلوبكم" (مز 62: 10) LXX، وهذا ما يقول عنه الرسول: "محبة المال أصلٌ لكل الشرور" (1 تي 6: 10).

القديس مقاريوس الكبير

v لو أن جيحزي تاب وثبَّت ذلك، لغُفر له، لكن إذ أنكر أنه تقبّل مالاً خفية غطاه برص نعمان بطريقة واضحة[46].

القديس مار أفرام السرياني

v هكذا كان مصير خادم أليشع في قصة نعمان. فإنه وإن كان لم يأخذ بالعنف، إنما أخطأ، لأنه اقتنى مالاً بالخداع الذي هو خطأ[47].

القدِّيس يوحنا الذهبيّ الفم

v كما أن جيحزي خدم الطوباوي لكي يقتني مالاً، هكذا كان يهوذا ملاصقًا لربنا ومخلصنا لكي يرتكب غشًا، وينال غنى أرضيًا. حقًا كُتب عنه في الإنجيل: "كان سارقًا، وكان الصندوق عنده، وكان يحمل ما يُلقَى فيه" (يو 6:12). الآن جيحزي الذي كان يمكنه أن يتأهل للتمتُّع بميزات سيده كما فعل سيده حيث نال تلك التي للطوباوي إيليا، لكنه غُلِبَ بالطمع واستحق أن يمسك به البرص القاسي إلى الأبد. فَقَدَ يهوذا نعمة الرسولية خلال محبته للمال، وانتهت حياته بالشنق. هكذا نفهم كل بشرٍ طامعين ومحبين للمال تُصاب نفوسهم في الداخل ببرص الخطية[48].

v على أي الأحوال يمكن أن يرمز جيحزي للشعب اليهودي... إذ ضُربوا ببرص الخطية في نفس الوقت الذي شُفي منه الأمم. أخيرًا، صرخ اليهود البؤساء أثناء آلام المسيح: "دمه علينا وعلى أولادنا" (مت 25:27). عندئذ استحقوا بالحق أن يُصابوا ببرص الخطية، عندما صرخوا بشفاة شريرة نحو الطبيب السماوي: "خذه، خذه، اصلبه" (يو 15:19). لذلك لصق بهم البرص في الوقت الذي فيه عبرت النعمة إلينا. أخيرّا تحدث الرسول بولس إليهم هكذا: "كان يجب أن تكلموا أنتم أولاً بكلمة الله، ولكن إذ دفعتموها عنكم، وحكمتم أنكم غير مستحقين للحياة الأبدية، هوذا نتوجه إلى الأمم" (أع 46:13). عندما عبر تعليم الرسل إلى الأمم لصق برص الخطية باليهود الأشقياء[49].

الأب قيصريوس أسقف آرل

v كُشف له السرّ كما لو كان معه بقربه، ووبَّخه وأخزاه، لأنه عُري أمام الكثيرين.

نعم أيها التلميذ، من علَّمك إن كنت قد تعلمتَ؟ ومتى وأين تعاملنا مع محبة الذهب؟

لماذا يا جيحزي هذا العمل الجديد، الذي لم تشاهده فيَّ، فأنت مثل سارق وطماع عظيم؟

لماذا المقتنيات؟ ولماذا الكروم؟ ولماذا الزيتون، والغنى الفاسد الذي لا يدوم في عالم شرير؟

أمرتك عندما أرسلتك لتُحيي ميتًا، ألا تُبارَك ولا تبارِك من يلتقي بك.

أمرتك أن تصمت وتُسرع في طريق النبوة العظمى، والآن لقد ملأتها بالسرقة.

ليلتصق بك برص نعمان الأرامي، والذي أخذت فضته، فخذ برصَه واقتنِه لك.

اقتنِ لك البرص والفضة، لأن هذا وتلك بغيضان، اقتنِ كليهما، وكن سخرية في العالم كله.

تحققت كلمة ذلك القديس بسرعةٍ إلهية، وألبست جيحزي الطماع قميص البرص.

مع كلمته تم الفعل بقوة عظمى، ولبس جيحزي النجاسة، واقتنى العار.

القميص الذي خلعه نعمان لبسه جيحزي، وأظهر النبي العظيم قوته بكليهما.

بكلمة فمه نزعه عن واحدٍ وألبس آخر، لأن قوة عظيمة كانت توجد في كلمته...

طهَّر نعمان، وأعطى الدنس لهذا الطماع، ووقفت شهوة الذهب والسرقة في خجلٍ.

احتقر الغنى وأعطى النصرة للفقر، وجعل من الطمع عارًا في العالم كله.

وبما أن جيحزي اشتهى الثياب واقتناها، أعطاه النبي ثوب البرص، فلبسه وخزي.

جُعل هذا مثل مرآة لمحبِّي الغنى، وجعل السارق مثلاً في العالم كله.

صوَّر النبي صورة العار لهذا السارق، ووضعها في كتابه، وهوذا كل الخليقة تنظر إليه.

بها يتعلم المرء أن محبة المال نجاسة، وبرَص خفي، وبغيضة جدًا لمن يقتنيها...

إكليل النصرة لذاك الذي أبغض اقتناء الذهب!

مبارك من وهب (أليشع) اسمًا جميلاً في العالم كله![50]

القديس مار يعقوب السروجي

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

من وحي 2 مل 5

لأدخل معك نهر الأردن،

وأتمتع بميلاد روحي جديد !

v معك يا سيد الكل أدخل نهر الأردن.

لا لكي أطهر مع نعمان من برَص الجسد،

بل لأتمتع بميلادٍ روحي جديد.

تهبني البنوة لله أبيك،

وتجدد بروحك القدوس طبيعتي.

أغطس معك، فأُدفن معك.

أقوم معك، حاملاً قوة قيامتك!

v يوم ميلادي في الأردن تهللت الطغمات السماوية!

مجَّدت نعمتك الفائقة الحب!

أقامت من التراب مواطنَا سماويًا!

نزعت عني الفساد،

وصيرتني هيكلاً مقدسًا لك.

v بصليبك عتقتني من عبودية الطاغية إبليس،

ووهبتني مجد أولاد الله.

لك المجد يا كلي الحب!

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

[1] كمال البرهان على حقيقة الإيمان، ص 132.

[2] Exp. Luc. 4:50، 51.

[3] PG 46:593 D.

[4] Comm. Joan 6: 47.

[5] Sermon 129:2

[6] الأسرار: فصل 3.

[7] خلال كل الميمر استخدم أدوم عوض أرام.

[8] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 101-102.

[9] On the Second Book of Kings,5:10-11.

[10] Tertullian against Marcion, 4:9.

[11] PG 39; 700 d.

[12] Chrysostom: Homilies On Matthew, homily 31: 1.

[13] Orthodox Study Bible.

[14] On the Second Book of Kings, 5:11.

[15] Commentary on John, book 6:28.

[16] Concerning Repentance, Book 2: 12.

[17] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 102-103.

[18] On the Mysteries, 3:17.

[19] Concerning Repentance 2: 2: 7-12.

[20] Sermon 129:4.

[21] On the Second Book of Kings, 5:11.

[22] Against Tertullian, Book 4, ch. 9.

[23] Origen: Comm. Jos 6:47, 48; In Luc - hom 33.

[24] Tertullian against Marcian, Book 4, ch. 9.

[25] Fragments from the Lost Wittings of Irenaeus, 34.

[26] On the Baptism of Christ.

[27] Commentary on Tatian's Diatessaron, 16: 29.

[28] On the Mysteries, 4:21.

[29] Of the Holy Spirit, Book 1:17.

[30] Sermon 129:5.

[31] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 106.

[32] J. A. Crammer, ed. Catena in Epistolas Catholicass. Oxford 1840, 35.

[33] On Ps 111.

[34] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 106.

[35] Conc. Repent. 2: 103

[36] On the Second Book of Kings, 5:15.

[37] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 107-108.

[38] On the Second Book of Kings, 5: 17.

[39] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 108-109.

[40] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 110.

[41] On the Second Book of Kings, 5:21.

[42] Lecture 16: 17.

[43] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 110-111.

[44] City of God, Book 22, ch. 29.

[45] In 1 Corinth., hom. 15:3.

[46] On the Second Book of Kings, 5:27.

[47] Homilies on 2 Cor. Homily 23:8.

[48] Sermon 129:1.

[49] Sermon 129:

[50] الميمر 119 الرابع على إليشع: على نعمان الأرامي وعلى جيحزي تلميذه (نص الأب بول بيجان والدكتور بهنام سوني)؛ راجع الخوري بولس الفغالي: عظات حول أليشع النبي، ص 111-112.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات الملوك ثاني: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Tadros-Yacoub-Malaty/12-Sefr-Molouk-El-Thani/Tafseer-Sefr-Molouk-El-Thany__01-Chapter-05.html