St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   00-2-The-Passion-n-Resurrection
 

آلام المسيح والقيامة | دراسة في الأناجيل الأربعة - القمص أنطونيوس فكري

يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 5- صلب يسوع المسيح

 

محتويات:

(إظهار/إخفاء)

* الآلام وقيامة السيد المسيح في الأربعة أناجيل:
1- ملخص سريع للأعياد اليهودية
2- تحديد يوم الفصح في أسبوع آلام السيد المسيح
3- ترتيب أحداث أسبوع الآلام
4- يوم السبت من أحداث أسبوع الآلام
5- يوم الأحد من أحداث أسبوع الآلام | أحد الشعانين
6- يوم الاثنين من أحداث أسبوع الآلام
7-1- يوم الثلاثاء من أحداث أسبوع الآلام: 1- شجرة التين، سؤال الرؤساء عن سلطان يسوع | 2- ثلاثة أمثال إنذار | 3- أسئلة اليهود | 4- نطق المسيح بالويلات للكتبة والفريسيين | 5- فلسا الأرملة الفقيرة، رفض اليهود للمسيح | 6- خطاب المسيح عن خراب أورشليم وانقضاء الدهر
8- يوم الأربعاء من أحداث أسبوع الآلام
9-1- يوم الخميس من أحداث أسبوع الآلام: 1- العشاء الأخير | 2- خطب المسيح الوداعية | 3- مقارنة بين صلاة المسيح في (يو17) وبين صلاة بستان جثسيماني | 4- يسوع المسيح في بستان جثسيماني
10-1- يوم الجمعة من أحداث أسبوع الآلام: 1- تسليم يسوع والقبض عليه | 2- محاكمة المسيح أمام رؤساء كهنة اليهود | 3- المحاكمات المدنية للمسيح | 4- الاعتراف الحسن | 5- صلب يسوع المسيح | 6- أحداث ما بعد موت المسيح على الصليب | 7- دفن المسيح
11- يوم السبت من أحداث أسبوع الآلام، وفجر الأحد (القيامة)

في (مر25:15) وكانت الساعة الثالثة فصلبوه وفي (يو14:19) وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة فقال (بيلاطس) هو ذا ملككم.. فحينئذ أسلمه اليهود ليصلب:

كان اليهود يقسمون الليل إلى 4 ساعات كبيرة ويقسمون النهار إلى 4 ساعات كبيرة (الساعة الكبيرة = 3 ساعات بتوقيتنا).

وتبدأ ساعات النهار عند شروق الشمس ولمدة (3 ساعات بحسب ساعاتنا وتسمى الساعة الأولى. وتبدأ بعدها الساعة الثالثة ولمدة (3 ساعات) وبعدها الساعة السادسة. وبهذا تنتهي الساعة الثالثة عند نصف النهار وتنتهي الساعة السادسة عند بعد الظهر وتمتد الساعة التاسعة للغروب. ولم تكن هناك ساعات في يدهم لتحديد الزمن، بل بالتقريب. وربما يطلقون على نهاية الساعة الثالثة أنها الساعة السادسة وعلى بداية السادسة أنها الثالثة. فالتدقيق في الساعات لم يكن مهمًا في ذلك الوقت. فإن قال مرقس أن الصلب قد حدث في الساعة الثالثة فهو يقصد نهايتها وإذا قال يوحنا أن الصلب حدث في الساعة السادسة فهو يقصد بدايتها وكلاهما يصح التعبير عنه بطريقتهم كما حدث. ويقول أحد المفسرين أن نهاية أحد السواعي هو ابتداء الساعة الأخرى والقدر الذي بين الساعتين من الزمان مجهول. والفعل قد ينسب إلى زمانين (الثالثة والسادسة) لجواز وقوع طرفيه في طرفيهما، أي طرف الساعة الثالثة وطرف الساعة السادسة.

 

وأحداث الصلب (تسليم بيلاطس للسيد في يد اليهود/ الحكم بالصلب/ الجلد/ الإهانات/ كتابة اللوح/اقتسام الجند لثيابه/محاورة اللصين/ إستهزاء العابرين/ إعتراض المجتازين/ صلب المسيح على الصليب) هذه الأحداث بدأت في الساعة الثالثة وإنتهت في الساعة السادسة. والظلمة حدثت في الساعة السادسة واستمرت حتى الساعة التاسعة. وغالبًا فقد قصد مرقس أن هذه الأحداث بدأت بصدور الحكم الذي صدر في خلال الساعة الثالثة. ويوحنا يشير بقوله نحو الساعة السادسة أن الأحداث التي يشير إليها كانت في نهاية الساعة الثالثة وقد اقتربنا من الساعة السادسة. أماّ قول القديس مرقس فصلبوه فيشير لصدور الحكم ضد السيد بالصلب وبداية الأحداث وإتفاق قرار بيلاطس مع إرادة اليهود في الصلب.

 · إلاّ أن بعض المفسرين ذهبوا لأن يوحنا يقصد بقوله الساعة السادسة أنها الساعة بالتوقيت الحالي أي فجرًا ودليلهم على ذلك أن يوحنا كان يعيش في أفسس التي كانت تستخدم توقيتات مشابهة، وأنه عُثِرَ على كتابات تعود لذلك الزمان أن الشهيد فلان أستشهد في الساعة الثامنة صباحًا. والشهيد فلان أستشهد في العاشرة صباحًا مماّ يشير لاستخدام توقيت مشابه لتوقيتنا. والرأي الأول أرجح.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

صلب يسوع (مت32:27-56 + مر21:15-41 + لو26:23-49 + يو16:19-37):-

الآيات (مت32:27-56):-" وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَانًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» أَعْطَوْهُ خَّلًا مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ. وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ:«اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». ثُمَّ جَلَسُوا يَحْرُسُونَهُ هُنَاكَ. وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً:«هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ». حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ. وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ:«يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ. وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ فَقَوْمٌ مِنَ الْوَاقِفِينَ هُنَاكَ لَمَّا سَمِعُوا قَالُوا:«إِنَّهُ يُنَادِي إِيلِيَّا». وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَّلًا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ. وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا:«اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ!». فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ، وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ. وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوْا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدًّا وَقَالُوا:«حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ!». وَكَانَتْ هُنَاكَ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُنَّ كُنَّ قَدْ تَبِعْنَ يَسُوعَ مِنَ الْجَلِيلِ يَخْدِمْنَهُ، وَبَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ وَيُوسِي، وَأُمُّ ابْنَيْ زَبْدِي. "

صُلِبَ المسيح يوم الجمعة، اليوم السادس، يوم سقط آدم وفيه تعرى من لباس البهاء وصار في هذا الجسد غير القادر أن يعاين بهاء الله ولا أن يراه، صار هذا الجسد لهُ حاجزًا كثيفًا. والظلمة التي حدثت تشير لظلمة عيون اليهود وعلامة على عقوبات قادمة كما عاقب الله فرعون بضربات منها الظلام. والظلمة هي مكان عقاب الأشرار. وكان الصلب يتم بأن يمدد المصلوب على خشبة الصليب إلى أقصى الحدود ثم يسمر بالمسامير. ويرفع الصليب ويضعونه في حفرة معدة بطريقة عنيفة. وكانوا يستخدمون عقوبة الصلب مع العبيد والمجرمين. ولكن بالصلب ملك السيد على قلوب المؤمنين به. لذلك قال إشعياء "وتكون الرئاسة على كتفيه" (إش6:9). وإبراهيم قدَّم ابنه إسحق في نفس المكان، وإسحق كان رمزًا للمسيح. وهذا المكان نفسه هو مكان الهيكل الذي كان يقدم فيه الذبائح رمزًا لذبيحة الصليب.

 

آية(32): "وَفِيمَا هُمْ خَارِجُونَ وَجَدُوا إِنْسَانًا قَيْرَوَانِيًّا اسْمُهُ سِمْعَانُ، فَسَخَّرُوهُ لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ."

قيروانيًا= القيروان توجد في شمال إفريقيا، ومنها سكن كثير من اليهود وكان لهم مجمع في أورشليم (أع9:6). وقد صار ابنا سمعان وهما الكسندروس وروفس من المسيحيين المعروفين جدًا (مر21:15). وفي الطريق حيث حمل ربنا الصليب سقط عدة مرات فسخروا سمعان القيرواني ليحمل معه صليبه. فكان سمعان رمزًا للكنيسة التي تحتمل صليبها وتحمله لتشارك ربها صليبه وبالتالي تشاركه مجده. واضح أن المسيح لم يستطع حمل الصليب بسبب جروح الجلدات.

سخروه = يفهم من الكلمة أن سمعان أجبر على ذلك، وربما قال أنا بريء فلماذا أحمل الصليب. ولم يدري وقتها ربما أي كرامة ومجد حصل عليهما إذ اشترك مع المسيح في صليبه. وهذا ما يحدث مع كل منا إذ تواجهه تجربة فيقول "أنا بريء" "أنا لم أفعل شيء" فلماذا هذه التجربة. ولكن لنعلم أن كل من تألم معه يتمجد أيضًا معه (رو17:8).

 

 

آية(33): "وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ»"

يقال لُه الجمجمة= لأنه يقال أن آدم كان مدفونًا في هذا الموقع. أو أن الصخرة تشبه الجمجمة أو لكثرة المصلوبين في ذلك المكان وكثرة جماجمهم. المهم أن المسيح صُلِبَ ومات ليعطي حياة لآدم وبنيه (صُلِبَ على شجرة لأجل من مات بسبب شجرة).

 

St-Takla.org Image: Balsamodendron Myrrha Plant, El Morr صورة في موقع الأنبا تكلا: نبات شوك المر: بالساموديندرون ميرا

St-Takla.org Image: Balsamodendron Myrrha Plant, El Morr

صورة في موقع الأنبا تكلا: نبات شوك المر: بالساموديندرون ميرا

آية(34): "أَعْطَوْهُ خَلًا مَمْزُوجًا بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ. وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ."

خلًا ممزوجًا بمرارة= هذا كان نوع من الشراب الذي يشربه الرومان عادة وهو خمر ممزوج بأعشاب مرة وله تأثير مخدر. وكان يُعْطَى للمصلوبين لتخفيف آلامهم. لكن السيد رفض أن يشرب حتى يحمل الألم بكماله بإرادته الحرة.

 

آية(35): "وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً»."

قسموا ثيابه أربعة أقسام (يو23:19) إشارة لانتشار الكنيسة لأربعة جهات المسكونة. وقميصه لم يقطع ويقسم لأن كنيسته واحدة، وغرض المسيح أن تكون بلا انشقاقات ولا انقسام. ثوبه منسوج من فوق= أي كنيسته طبعها سماوي، هي منسوجة بيد الله نفسه ومن عمل روحه القدوس (مزمور18:22).

 

ملابس الربيين والتي كان الرب يسوع يلبسها

كانوا يلبسون داخليا ما يسمى "الكيتونا" وهو ينزل إلى الكعبين. وهذا لا بد أن يلبسه كل من له عمل بالمجمع وكل من يقرأ في الترجوم أو الكتاب المقدس. وهذا الرداء أو القميص بحسب تسمية القديس يوحنا، يكون منسوجا من أعلى إلى أسفل بدون أي شق وله أكمام. ويربط وسطه بزنار لتثبيت القميص على الجسم. وكان الرداء الخارجي يسمى "الطاليث" ومزود في أركانه الأربعة بالعصائب والأهداب (والأهداب مصنوعة من جدائل بكل ركن. وكان يضع على رأسه غطاء يسمونه "السودار" وهو على شكل عمامة. ويضع في قدميه صندلا. هذه هي الثياب التي اقتسمها الجنود عند صلب السيد. وكانت أربعة أقسام وهي غطاء الرأس والصندل والطاليث والزنار. وأما القميص فلم يقسموه.

 

آية(37): "وَجَعَلُوا فَوْقَ رَأْسِهِ عِلَّتَهُ مَكْتُوبَةً: «هذَا هُوَ يَسُوعُ مَلِكُ الْيَهُودِ»."

هذه الجملة تختلف في البشائر ولكن البشيرين كتبوا الجملة واهتموا بالمعنى دون الحروف (راجع نش11:3).

 

آية(38): "حِينَئِذٍ صُلِبَ مَعَهُ لِصَّانِ، وَاحِدٌ عَنِ الْيَمِينِ وَوَاحِدٌ عَنِ الْيَسَارِ."

جلس معلمو اليهود على كراسي يعلمون كمن هم من فوق، يوبخون وينتهرون، يخشون أن يلمسوا نجسًا فيتنجسوا، أمّا السيد فقدم مفهومًا جديدًا إذ ترك الكرسي ليحُصى بين الأثمة والمجرمين، يدخل في وسطهم ويشاركهم آلامهم حتى إلى الصليب ويقبل تعييراتهم، معلناْ لهم حبه العملي لينطلق بهم إلى حضن أبيه

 

الآيات (39-44): "وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: «يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضًا وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيب فَنُؤْمِنَ بِهِ! قَدِ اتَّكَلَ عَلَى اللهِ، فَلْيُنْقِذْهُ الآنَ إِنْ أَرَادَهُ! لأَنَّهُ قَالَ: أَنَا ابْنُ اللهِ!». وَبِذلِكَ أَيْضًا كَانَ اللِّصَّانِ اللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ يُعَيِّرَانِهِ."

هنا نرى الاستهزاء بالسيد فمن ناحية تكاتفت كل قوى الشر ضد السيد لتقديم أَمّر صورة للصلب ومن ناحية أخرى فلقد بدأ الشيطان فيما يبدو يتحسس خطورة الصليب فأثار هؤلاء المجدفين ليثيروا المسيح فينزل من على الصليب ليوقف عملية الفداء وما كان أتعس حال البشرية لو نزل المسيح فعلًا من على الصليب.

 

آية(45): "وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ."

St-Takla.org Image: Jesus Christ on the Holy Cross - They set up over his head his accusation written: This is Jesus the King of the Jews: Matthew 27:37 - Modern Coptic art صورة في موقع الأنبا تكلا: السيد المسيح على الصليب المقدس - وجعله فوق رأسه علته مكتوبة: هذا هو يسوع ملك اليهود: متى 27: 37 - فن قبطي حديث

St-Takla.org Image: Jesus Christ on the Holy Cross - They set up over his head his accusation written: This is Jesus the King of the Jews: Matthew 27:37 - Modern Coptic art

صورة في موقع الأنبا تكلا: السيد المسيح على الصليب المقدس - وجعلوا فوق رأسه علته مكتوبة: هذا هو يسوع ملك اليهود: متى 27: 37 - فن قبطي حديث

كانت الظلمة ظلمة إعجازية ولم تكن كسوفًا فالقمر كان بدرًا لا هلالًا (عيد الفصح يأتي في اليوم الرابع عشر من الشهر القمري) ومن المعروف أن الكسوف لا يحدث إلاّ والقمر محاق أي في نهاية الشهر القمري. والشمس قد حجبت نورها عدة ساعات لأن إله الطبيعة متألَمّ. لذلك فأحد علماء الفلك والفلسفة اليونانية علَّق على هذا الكسوف غير الطبيعي بقوله "إماّ أن إله الكون يتألَّم وإماّ يكون كيان العالم ينحل". ولماّ ذهب بولس الرسول إلى أثينا وذهب إلى أريوس باغوس وتكلم عن أن المسيح مات وقام وأنه هو الله كان هذا الفيلسوف الوثني حاضرًا وهو ديونيسيوس الأريوباغي (أع22:17-34). وذلك لأن ديونيسيوس خرج وراء بولس وسأله متى تألَّم يسوع الذي يبشر به ومتى مات فلماّ حدّد لهُ الوقت والسنة تذكر قوله المذكور سابقًا وآمن. والظلمة التي سادت كانت إعلانًا عن الظلمة التي سادت العالم منذ لحظة السقوط ثم أشرق النور ثانية بعد أن مات المسيح وتمت المصالحة. وهذه الساعة التي أظلمت فيها الشمس في وسط النهار تنبأ عنها الأنبياء (زك6:14، 7+عا9:8، 10). وفيه نرى أن عيد فصحهم صار نوحًا لهم إذ بكت النسوة وغابت الشمس. بل بدأ في نهاية أمتهم وانشقاق حجاب هيكلهم إذ تخلى عنهم الله.

 

آية(46): "وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِيلِي، إِيلِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» أَيْ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟"

صرخ يسوع بصوت عظيم= كان المسيح في النزع الأخير، ولو كان إنسانًا عاديًا ما استطاع أن يصرخ بصوت عظيم. فهذا يدل على لاهوته. وهو قال إلهي إلهي وهذا يدل على ناسوته. وبهذا دلَّ المسيح على أنه الإله المتأنس أو الله ظهر في الجسد. وصياحه هذا يدل على أن آلامه حقيقية وجسده حقيقيًا لا خيال فالمصلوب المتألّم لا يستطيع الصراخ بصوت عظيم، وقوله إلهي إلهي لماذا تركتني إشارة إلى أنه إنسان كامل تحت الآلام. فهذه الآية تشير للاهوته وناسوته. إيلي= كلمة عبرانية معناها "إلهي" وبالسريانية إلوي (مر34:15).

إلهي إلهي لماذا تركتني= المسيح هنا كممثل للبشرية التي سقطت تحت سلطان الظلمة يصرخ في أنين من ثقلها كمن في حالة ترك، فإذ أحنى السيد رأسه ليحمل خطايا البشرية كلهما صار كمن قد حجب الآب وجهه عنه حتى يحطم سلطان الخطية بدفع الثمن كاملًا، فيعود بنا نحن البشر إلى وجه الآب الذي كان محتجبًا عنا. وبهذا تكون صرخة المسيح إلهي إلهي لماذا تركتني تحمل المعاني الآتية:

St-Takla.org Image: For my thirst they gave me vinegar to drink: Jesus on the Cross (Psalm 69:21)  صورة في موقع الأنبا تكلا: في عطشي يسقونني خلا: المسيح على الصليب (المزامير 69: 21)

St-Takla.org Image: For my thirst they gave me vinegar to drink: Jesus on the Cross (Psalm 69:21)

صورة في موقع الأنبا تكلا: في عطشي يسقونني خلا: المسيح على الصليب (المزامير 69: 21)

1- احتجاب وجه الآب عن الابن كحامل خطايا العالم، وهذه يصعب فهمها على مستوانا البشري، كيف حدث هذا لن نفهم ولكن كان هذا سببًا لألام المسيح غير المحتملة.

2- إلهي إلهي لماذا تركتني هو الاسم العبري (لمزمور22) الذي يتنبأ عن آلام المسيح ولو تذكر اليهود الذين يهزأون بالسيد كلمات هذا المزمور لوجدوها تنطبق عليه.

3- إذا فكَّر أيٌ مناّ في هذه الكلمات، ولماذا ترك الآب ابنه لهذه الآلام، تكون الإجابة.. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). لأجلي أنا فهو لا يستحق هذه الآلام.

لقد قبل الابن أن ينظر الآب إليه كخاطئ لأجلنا وهو حمل الخطية في جسده وحمل لعنتها. ونلاحظ أن المارة أخطأوا فهم أو سمع ما يقول المسيح فالمسيح قال ما قاله بالآرامية فكان "إيلي إيلي لما شبقتني" وهم أخطأوا السمع فظنوه ينادي إيليا. وقولهم إنه ينادي إيليا فيه سخرية منه إذ المعروف أن إيليا يسبق المسيح.

 

آية(48): "وَلِلْوَقْتِ رَكَضَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَأَخَذَ إِسْفِنْجَةً وَمَلأَهَا خَلًا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ."

هو رفض أن يشرب الخل الممزوج بمرارة الذي له مفعول تسكين الألم. لكنه شرب الخل فقط. ولاحظ أن الخل يزيد من إحساس العطش.

 

آية (49): "وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَقَالُوا: «اتْرُكْ. لِنَرَى هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا يُخَلِّصُهُ!»".

 

آية(50): "فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضًا بِصَوْتٍ عَظِيمٍ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ."

St-Takla.org Image: He guards all his bones; Not one of them is broken: Jesus after His Death (Psalm 34:20) صورة في موقع الأنبا تكلا: يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر: المسيح بعد موته (المزامير 34: 20)

St-Takla.org Image: He guards all his bones; Not one of them is broken: Jesus after His Death (Psalm 34:20)

صورة في موقع الأنبا تكلا: يحفظ جميع عظامه واحد منها لا ينكسر: المسيح بعد موته (المزامير 34: 20)

وأسلم الروح= يدل ذلك أن سلم روحه باختياره لا عن قهر صالبيه وكان المصلوب ربما يستمر أيامًا على الصليب. لذلك وبسبب الفصح كسروا سيقان اللصين ليموتوا سريعًا. أمّا المسيح فلم ينتظر أن يكسروا ساقيه فيكونوا هم الذين تسببوا في موته سريعًا بل هو بسلطانه أسلم روحه (يو17:10، 18). لقد مات السيد قبل كسر رجليه ليعلم الجميع أنه مات بإرادته وليس بكسر رجليه أو بإرادة آخرين. وكان هذا تحقيقًا للنبوات. وكان موته سببًا في طعن جنبه بالحربة ليتحققوا من موته، فكان هذا أيضًا لتحقيق نبوة زكريا "لينظروا إلى الذي طعنوه" (زك10:12). ولقد تعجب بيلاطس من موته سريعًا. ونلاحظ صراخه ثانية بصوت عظيم. وهذا لا يحدث مع من يُسِلمْ الروح بطرية عادية، ولكنه أسلم الروح وهو في ملء حياته.

 

آية(51): "وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ، وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ،"

حجاب الهيكل إنشق= انشقاق الحجاب الذي يفصل القدس عن قدس الأقداس يكشف عن عمل المسيح الخلاصي، إذ بموته انفتح باب السموات للمرة الأولى، لكي بدالة ندخل قدس الأقداس الإلهية خلال إتحادنا بالمسيح. وكان قدس الأقداس لا يدخله سوى رئيس الكهنة ولمرة واحدة في السنة يوم عيد الكفارة، والحجاب كان ليحجب مجد الله الذي يظهر ما بين الكروبين المظللين لتابوت العهد. وكان مذبح البخور الذي يرمز لشفاعة المسيح خارج قدس الأقداس، هو موجود في القدس. ولكن بعد شق الحجاب تراءى مذبح البخور لقدس الأقداس وهذا معناه أن المسيح بموته على الصليب دخل إلى السماء ليشفع فينا أمام الآب شفاعة كفارية. ولذلك قال بولس الرسول أن شق الحجاب يرمز لموت المسيح على الصليب بل أن الحجاب نفسه يرمز لجسد المسيح (عب 9: 24؛ 19:10).

St-Takla.org Image: They look and stare at Me: The Crucified Jesus (Psalm 22:17) صورة في موقع الأنبا تكلا: وهم ينظرون ويتفرسون في: المسيح المصلوب (المزامير 22: 17)

St-Takla.org Image: They look and stare at Me: The Crucified Jesus (Psalm 22:17)

صورة في موقع الأنبا تكلا: وهم ينظرون ويتفرسون في: المسيح المصلوب (المزامير 22: 17)

ومن ناحية أخرى فشق الحجاب كان يدل على نهاية الكهنوت اليهودي "هو ذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت38:23). ويوسيفوس المؤرخ اليهودي يقول أنه في وقت صلب الرب خرج من الهيكل أصوات قوات سمائية تقول "لنرحل من هنا" أماّ الحجاب في الكنائس المسيحية فهو ليس ليحجب مجد الله عن أحد، بل بحسب اسمه اليوناني إيكون ستاسيس أي حامل الأيقونات. ووضع الأيقونات عليه إشارة لأن هؤلاء القديسين هم في السماء، فالهيكل هو رمز للسماء في الكنيسة. ويوجد ستر يفتحه الكاهن (رمز لكهنوت المسيح) حينما يبدأ الصلاة، وفي يده الصليب، بمعنى أن المسيح الكاهن قدم ذبيحة نفسه بالصليب فإنفتح الحجاب ولم تعد السماء محتجبة عنا.

الأرض تزلزلت والصخور تشققت= عجيب أن تتحرك الطبيعة الصماء ولا تتحرك قلوب اليهود. ولكن ما حدث كان إشارة لأن الأرض كلها ستتزلزل بالإيمان المسيحي، ويترك الناس الأمم وثنيتهم وتتكسر قلوبهم الصخرية وتتحول إلى قلوب لحمية تحب المسيح وتؤمن به (حز19:11). وبموت المسيح تزلزل إنساننا العتيق الأرضي داخل مياه المعمودية إذ نموت معهُ وننعم بالإنسان الجديد المقام من الأموات.

 

الآيات(52، 53): "وَالْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ."

St-Takla.org Image: From Bible Verse Ezekiel 11: "I will give them one heart, and I will put a new spirit within them, and take the stony heart out of their flesh, and give them a heart of flesh" صورة من وحي سفر حزقيال 11: "وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا وَاحِدًا، وَأَجْعَلُ فِي دَاخِلِكُمْ رُوحًا جَدِيدًا، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِهِمْ وَأُعْطِيهِمْ قَلْبَ لَحْمٍ،" (سفر حزقيال 11: 19)

St-Takla.org Image: From Bible Verse Ezekiel 11: "I will give them one heart, and I will put a new spirit within them, and take the stony heart out of their flesh, and give them a heart of flesh"

صورة من وحي سفر حزقيال 11: "وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا وَاحِدًا، وَأَجْعَلُ فِي دَاخِلِكُمْ رُوحًا جَدِيدًا، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الْحَجَرِ مِنْ لَحْمِهِمْ وَأُعْطِيهِمْ قَلْبَ لَحْمٍ،" (سفر حزقيال 11: 19)

غالبًا تفتحت القبور بفعل الزلزلة ولم يستطيعوا إغلاقها لأن اليوم يوم سبت، وعند قيامة المسيح قام الأموات علامة انتصار المسيح على الموت. وبقيامة هؤلاء الأموات تتكامل الصورة السابقة فلقد تحطم القلب الحجري أي مات الإنسان العتيق وقام الإنسان الجديد (هذا ما يحدث مع المعمودية والتوبة) وقيامة الأموات كما تشير لقيامتنا الروحية تشير أيضًا لقيامة الأجساد في يوم الرب العظيم. فهناك خطاة موتى يسمعون صوت المسيح الآن فيتوبون ويحيون.. وفي اليوم الأخير يسمع من في القبور صوته فيقومون (يو25:5-29) وكان خروج الموتى من قبورهم آية لليهود وكثيرون آمنوا. وهم لم يظهروا لكل الناس بدليل قوله وظهروا لكثيرين= ظهروا لمن هو متشكك ولكن قلبه مخلص لله، يطلب الله ولا يعرف، فالله يساعده برؤية مثل هذه. ولكن من قلوبهم متحجرة لن تنفعهم مثل هذه الأدلة فهم حين أقام السيد لعازر فكروا في قتله ثانية.

 

آية(54): "وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوْا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ، خَافُوا جِدًّا وَقَالُوا: «حَقًّا كَانَ هذَا ابْنَ اللهِ!»."

قائد المئة سمع سخرية اليهود على المسيح وقولهم "إن كنت ابن الله". ولماّ حدث ما حدث آمن بالمسيح، وكان إيمانه إيذانًا بدخول الأمم للإيمان.

 

(مر21:15-41)

"فَسَخَّرُوا رَجُلًا مُجْتَازًا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ سِمْعَانُ الْقَيْرَوَانِيُّ أَبُو أَلَكْسَنْدَرُسَ وَرُوفُسَ، لِيَحْمِلَ صَلِيبَهُ. وَجَاءُوا بِهِ إِلَى مَوْضِعِ «جُلْجُثَةَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ «جُمْجُمَةٍ». وَأَعْطَوْهُ خَمْرًا مَمْزُوجَةً بِمُرّ لِيَشْرَبَ، فَلَمْ يَقْبَلْ. وَلَمَّا صَلَبُوهُ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ مُقْتَرِعِينَ عَلَيْهَا: مَاذَا يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ؟ وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ. وَكَانَ عُنْوَانُ عِلَّتِهِ مَكْتُوبًا: «مَلِكُ الْيَهُودِ». وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ». وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: «آهِ يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ! خَلِّصْ نَفْسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!» وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَهُمْ مُسْتَهْزِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ الْكَتَبَةِ، قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا! لِيَنْزِلِ الآنَ الْمَسِيحُ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الصَّلِيبِ، لِنَرَى وَنُؤْمِنَ!». وَاللَّذَانِ صُلِبَا مَعَهُ كَانَا يُعَيِّرَانِهِ. وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ، كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟ فَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْحَاضِرِينَ لَمَّا سَمِعُوا: «هُوَذَا يُنَادِي إِيلِيَّا». فَرَكَضَ وَاحِدٌ وَمَلأَ إِسْفِنْجَةً خَلًا وَجَعَلَهَا عَلَى قَصَبَةٍ وَسَقَاهُ قَائِلًا: «اتْرُكُوا. لِنَرَ هَلْ يَأْتِي إِيلِيَّا لِيُنْزِلَهُ!» فَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ الْوَاقِفُ مُقَابِلَهُ أَنَّهُ صَرَخَ هكَذَا وَأَسْلَمَ الرُّوحَ، قَالَ: «حَقًّا كَانَ هذَا الإِنْسَانُ ابْنَ اللهِ!» وَكَانَتْ أَيْضًا نِسَاءٌ يَنْظُرْنَ مِنْ بَعِيدٍ، بَيْنَهُنَّ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ، وَمَرْيَمُ أُمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ وَيُوسِي، وَسَالُومَةُ، اللَّوَاتِي أَيْضًا تَبِعْنَهُ وَخَدَمْنَهُ حِينَ كَانَ فِي الْجَلِيلِ. وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ اللَّوَاتِي صَعِدْنَ مَعَهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ."

 

آية(26): "وَكَانَ عُنْوَانُ عِلَّتِهِ مَكْتُوبًا: «مَلِكُ الْيَهُودِ»."

ملك اليهود= قيل أن بيلاطس لغيظه من اليهود كتب هذا إعلانًا عن صلب ملك اليهود.

 

آية(27): "وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ، وَاحِدًا عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ."

لقد احتل اللصين المكانين الذين طلبهما من قبل يعقوب ويوحنا، يمينه ويساره لقد سَمَّر المسيح الخطية حتى لا تملك مرة أخرى. وبسط يديه ليمسك بكل الخليقة ويحملها بذراعيه ليقدمها للآب. وهو مازال فاتحًا ذراعيه فلنسرع بالتوبة ونرتمي بينهما.

 

آية(28): "فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ»."

(أش12:53)

 

St-Takla.org Image: For My clothing they cast lots, the soldiers (Psalm 22:18) صورة في موقع الأنبا تكلا: وعلى لباسى القوا القرعة، الجنود (المزامير 22: 18)

St-Takla.org Image: For My clothing they cast lots, the soldiers (Psalm 22:18)

صورة في موقع الأنبا تكلا: وعلى لباسى القوا القرعة، الجنود (المزامير 22: 18)

الآيات (29-31): "وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: «آهِ يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ! خَلِّصْ نَفْسَكَ وَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!» وَكَذلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَهُمْ مُسْتَهْزِئُونَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَعَ الْكَتَبَةِ، قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا!"

قال لهُ المستهزئون "يا ناقض الهيكل وبانيه في ثلاثة أيام" وانتشرت هذه العبارة سريعًا وصارت شاهدة عليهم بعد قيامته بعد 3 أيام. بل هم نشروا خبر قيامته بعد 3 أيام دون أن يدروا. وقولهم خلَّص آخرين= كان فيه اعتراف من رؤساء الكهنة والقيادات بأن أعماله كانت صالحة. وأنه أتى ليخلص آخرين وليس نفسه.

 

آية(33): "وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ السَّادِسَةُ، كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ."

في اللحظة التي صدر حكم الموت على آدم وحواء وأدركا أنهما تحت حكم الموت، سادت الظلمة على الأرض ليحمل آدم الجديد ذات الحكم وهو معلق على الشجرة.

لهذا فالظلمة هنا تشير إلى السلطان الذي أعطى للظلمة على السيد المسيح إلى حين كقوله "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو53:22).

فآدم خالف الوصية في اليوم السادس وفي حوالي الساعة السادسة (كما جاء في التكوين أن صوت الرب كان ماشيًا في النهار). وسادت الظلمة بالخطية على العالم إلى أن أنهاها المسيح بموته في الساعة التاسعة.

 

آية(34): "وَفِي السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلًا: «إِلُوِي، إِلُوِي، لِمَا شَبَقْتَنِي؟» اَلَّذِي تَفْسِيرُهُ: إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟"

إلهي إلهي لماذا تركتني = لن نستطيع فهم هذه العبارة تمامًا، كما لن نستطيع فهم آلام المسيح تمامًا ولكننا نقف صامتين أمام عظمة كفارة المسيح.

 

آية(37): "فَصَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ."

 وأسلم الروح= موته لم يكن بأسباب طبيعية بل بسلطانه أسلم روحه لذلك لم يقل أيٌ من البشيرين أنه مات بل هو أسلم الروح طواعية. والمسيح بعد أن أسلم الروح نزل إلى الجحيم يكرز لهم ويخرج من مات على الرجاء من آباء العهد القديم (1 بط 19:3 + أف 9:4، 10).

 

آية(38): "وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ إِلَى اثْنَيْنِ، مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ."

شق حجاب الهيكل يشير لأن اليهود صاروا غير مستحقين لوجود الله في وسطهم وكما غادر الرب الهيكل مرة سابقة فخربه البابليين (حز18:10+23:11) فارقه هذه المرة أيضًا فحطمه الرومان سنة 70 م.

 

آية(41): "اللَّوَاتِي أَيْضًا تَبِعْنَهُ وَخَدَمْنَهُ حِينَ كَانَ فِي الْجَلِيلِ. وَأُخَرُ كَثِيرَاتٌ اللَّوَاتِي صَعِدْنَ مَعَهُ إِلَى أُورُشَلِيمَ."

النساء تبعن السيد في شجاعة بينما الرجال هربوا.

 

(لو26:23-49)

آية(26): "وَلَمَّا مَضَوْا بِهِ أَمْسَكُوا سِمْعَانَ، رَجُلًا قَيْرَوَانِيًّا كَانَ آتِيًا مِنَ الْحَقْلِ، وَوَضَعُوا عَلَيْهِ الصَّلِيبَ لِيَحْمِلَهُ خَلْفَ يَسُوعَ."

سمعان= يسمع. قيروان= ميراث. وهو من مدينة وثنية في ليبيا فهو يشير لكنيسة الأمم الوثنية التي إستمعت للمسيح وحملت صليبه لتصير وارثة للملكوت.

 

الآيات (27-31): "وَتَبِعَهُ جُمْهُورٌ كَثِيرٌ مِنَ الشَّعْبِ، وَالنِّسَاءِ اللَّوَاتِي كُنَّ يَلْطِمْنَ أَيْضًا وَيَنُحْنَ عَلَيْهِ. فَالْتَفَتَ إِلَيْهِنَّ يَسُوعُ وَقَالَ: «يَا بَنَاتِ أُورُشَلِيمَ، لاَ تَبْكِينَ عَلَيَّ بَلِ ابْكِينَ عَلَى أَنْفُسِكُنَّ وَعَلَى أَوْلاَدِكُنَّ، لأَنَّهُ هُوَذَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُونَ فِيهَا: طُوبَى لِلْعَوَاقِرِ وَالْبُطُونِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ وَالثُّدِيِّ الَّتِي لَمْ تُرْضِعْ! حِينَئِذٍ يَبْتَدِئُونَ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ: اسْقُطِي عَلَيْنَا! وَلِلآكَامِ: غَطِّينَا! لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هذَا، فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟»"

أولًا المسيح يوجه كلامه للنساء الباكيات ليظهر أنهن كن أمينات للحق بينما الرجال ثاروا ضد الحق. وهذا فيه إكرام لدور المرأة، ولنلاحظ أن لوقا يكتب للأمم الذين لا يحترموا النساء. ولكن السيد المسيح يوجه نظر هؤلاء النسوة لأن يوجهن دموعهن من الشفقة البشرية عليه، إلى التوبة الصادقة وطلب خلاص نفوسهن ونفوس أولادهن. والحقيقة أن المسيح يتوجه بكلامه لكل اليهود فقوله يا بنات أورشليم يشير لكل الأمة اليهودية ليعلن لهم أنهم عليهم أن ينوحوا بالحري على ما سيحل بأورشليم من خراب على يد الرومان. فإن كان قد صدر الحكم على العود الرطب، أي المثمر الحي والمقصود المسيح، والحكم كان الجلد والصلب، فكم وكم سيكون الحكم الذي يصدر على اليابس أي اليهود الذين هم كشجرة التين غير المثمرة، ولنذكر ما صنعه الرومان بأورشليم سنة 70م. ولاحظ أنه من الطبيعي أن يستخدم الأعواد الجافة لإشعال النار وليس الأعواد الرطبة.

وإذا كانوا قد فعلوا هذا بالعود الرطب أي المسيح الذي لم يسئ إلى الرومان بل أن بيلاطس شهد ببراءته فكم وكم سيفعلون باليهود الذين سيثورون ضد قيصر. وإن كان الله قد سمح بكل هذه الآلام عليَّ وأنا لم أخطئ بل كنت ذبيحة خطية فكم وكم سيصنع بالأشرار الخطاة. إن التأمل في آلام المسيح تدفعنا أن نقف في خوف من عقاب الله للأشرار. المسيح هنا وهو في منتهى ضعفه احتفظ بجلاله الملوكي إذ ليس هو الذي يُبكىَ عليه.

طوبى للعواقر والبطون.. حتى لا يرون أبناءهن في هذا العذاب.

يقولون للجبال إسقطي علينا..= هذه نفس الكلمات التي يرددها الأشرار في الأيام الأخيرة (رؤ16:6). وبذلك نفهم أن سقوط الجبال على الأشرار لهو أخف من رؤيتهم للعذاب الأخير والآلام التي يسمح بها الرب لتقع على الأشرار.

 

آية(34): "فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا."

إغفر لهم لأنهم لا يعلمون= هم حين صلبوا المسيح تصوروا أنهم يقتلونه حسب الناموس لأنه في نظرهم أهان الناموس. ولكنهم لم يعلموا أنهم بهذا يكملون الناموس. وهم ظنوا أن المسيح هو إنسان عادي ولم يفهموا أنه ابن الله، فهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1كو8:2). وهكذا الجنود الرومان أيضًا لا يعلمون شيئًا بل هم ينفذون أوامر الوالي الروماني. المسيح هنا وهو مغطى بالدم بدأ شفاعته الكفارية. فكفارة = cover فهو غطانا بدمه. إذًا طلب الغفران هنا هو شفاعة كفارية. والمعنى لقد تممت إرادتك إيها الآب بالتكفير عن خطايا البشر فإغفر لهم. جسده تغطَّى بدمه بدأً بعرقه المختلط بدمه الذي سال من كل جسده، وكنيسته هي جسده غطاها بدمه= كفارة. ولما حدثت الكفارة طلب الغفران.

 

آية(38): "وَكَانَ عُنْوَانٌ مَكْتُوبٌ فَوْقَهُ بِأَحْرُفٍ يُونَانِيَّةٍ وَرُومَانِيَّةٍ وَعِبْرَانِيَّةٍ: «هذَا هُوَ مَلِكُ الْيَهُودِ»."

الأربعة أناجيل مختلفين في ما كتب على الصليب لأنهم اهتموا بالمعنى لا بالحرف. ولو جمعنا المكتوب سنجد أن ما كتب فعلًا "هذا هو يسوع الناصري ملك اليهود" هذه الجملة كتبت بكل اللغات المعروفة للعالم آنذاك فالفلسفة جعلت اليونانية مشهورة والقوانين والسلطة والإدارة الرومانية جعلت اللاتينية لغة مشهورة والكتاب المقدس العهد القديم مكتوب بالعبرانية وهذا جعل العبرانية معروفة. وبذلك كان في اللغات الثلاث التي كتبت بها هذه العبارة كرازة لكل العالم المعروف، وفيها إعلان أن المسيح ملك على العالم كله.

 

الآيات (39-43): "وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلًا: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ، فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!» فَأجَابَ الآخَرُ وَانْتَهَرَهَُ قَائِلًا: «أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ، إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْل، لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا، وَأَمَّا هذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ». ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ»."

بدأ اللصين بالتجديف على السيد (مت44:27). وكانا كلاهما يعيرانه ثم بدأ لص منهم يراجع نفسه ويذكر خطاياه هو، فصار كشعلة منتشله من النار (زك2:3) أما الآخر فكان مصرًا على تجديفه، وبالرغم من كل آلامه لم يمنع لسانه. وكما يقول الحكيم "إن دققت الأحمق في هاون فلن تفارقه حماقته" والكنيسة تعودت أن تطلق على اللص التائب، اللص اليمين فهو بتوبته وبإيمانه بالسيد المسيح صار عن اليمين مثل الخراف وترك المكان الأيسر الذي للجداء للص الآخر (مت33:25). والمسيح جذب هذا اللص اليمين من الصليب للفردوس ليظهر أن التوبة لا تتأخر في عملها. وبتوبته واعترافه تجرأ أن يطلب الملكوت مع أنه لص. والسيد أعطى الفردوس للص اليمين وترك اللص اليسار فكان ديانًا وهو على الصليب. وتاب اللص إذ شعر بخطاياه. وقارن بين المسيح البار المصلوب (وهو بالتأكيد قد سمع عنه) وبين حاله ووجد أنه يستحق كلص عقوبته. فكان أن اعترف بأنه خاطئ ويستحق العقوبة. وقاده اعترافه إلى الإيمان، وانفتحت عيناه وإستنارت فعرف أن المسيح هو ملك. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). والله هو الذي يكشف عن عيوننا فنعلم، وهذا لمن يريد الابن أن يكشف لهُ (لو22:10+مز18:119). لقد أضاء النور الإلهي عيني ذلك اللص، وكان هناك إلهام إلهي لهُ، كما سبق المسيح وقال لبطرس إن لحمًا ودمًا لم يعلنا لك بل أبى الذي في السموات. وقد يكون اللص سمع من قبل أن المسيح هو ملك اليهود أو يكون قد سمع الحوار مع بيلاطس حين قال لهُ المسيح مملكتي ليست من هذا العالم. لكن إيمان هذا اللص فاق كل هذا إذ هو عَرِفَ أن المسيح هو الملك السمائي الذي ملكه سمائي وليس أرضيًا وهذه النقطة كان أن حتى التلاميذ لم يفهموها تمامًا في هذا الوقت. وأن المسيح هو الذي سيأتي للدينونة، بل صار لهذا اللص رجاء في البعث من الأموات وصار لهُ رؤية واضحة لأن المسيح المعلق على الصليب سيكون لهُ سلطان أن يعطي لِمَنْ يريده أن يوجد في ملكوته. فهو آمن أنه الديان، فكان لهُ الفردوس ولنرى الخطوات للفردوس:-

1- لص مصلوب + توبة = إيمان.....التوبة تنقي القلب.

2- إيمان + نور إلهي = رؤية إلهية واستنارة...ان بدأنا خطوة في اتجاه الله يقترب هو عشر، ليساعدنا.

3- رؤية + مسيح مصلوب = اليوم تكون معي في الفردوس.... هذه كانت بركات الصليب.

ومازال درس اللص اليمين هو درس لنا جميعًا. فكل الناس ينقسمون لأحد فريقين:

الفريق الأول= حين تقع عليهم ضيقة يظنون أن الله لا بُد وأن يثبت قوته وعظمته وإحسانه بأن يخرجهم فورًا من هذه الضيقة "إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. وهؤلاء غالبًا ينسون خطاياهم السابقة. ويرون دائمًا أنهم مستحقون لكل خير. ولا داعي لهذه الضيقة فهم لم يخطئوا. هؤلاء كاللص الذي على اليسار.

الفريق الثاني= حين تقع عليهم ضيقة يذكرون خطاياهم ويندمون عليها ويقرون بأنهم أخطأوا، وأنهم يستحقون هذا الألم وهذه الضيقة، ولا يطلبون سوى أن الله يسامحهم. بل هم لا يعاتبون الله على الضيقة التي هم فيها. بل أن هؤلاء إذا أعطاهم الله من بركاته يقولون مع بطرس "أخرج يا رب من سفينتي فأنا رجل خاطئ" أي أنا لا أستحق يا رب كل هذه الخيرات بسبب خطيتي. مثل هؤلاء يكونون كاللص اليمين ويكون لهم الفردوس. وتتحول آلامهم إلى مجد. وتكون لهم تعزيات أثناء ضيقتهم بسبب الاستنارة التي سَتُعْطَى لهم ورؤية المسيح معهم حاملًا لآلامهم فيقولون مع بولس "إن كنا نتألم معهُ لكي نتمجد أيضًا معهُ" (رو17:8).

ولاحظ أن اللص اليمين لم يطلب مكانًا عن اليمين أو اليسار كما طلب التلاميذ من قبل بل هو ترك المسيح يختار.. هذا اللص عزى قلب المسيح وهو على الصليب.

ولنلاحظ أن الفريق الأول هو عكس الفريق الثاني. فبينما يتمتع الفريق الثاني بانفتاح العين والبصيرة ولهم رؤية واستنارة. فالفريق الأول لا يوجد في قلبه سوى التذمر والمرارة وعدم الاقتناع بشيء سوى أنهم مظلومين وكانوا يستحقون أكثر من هذا، من النصيب المادي على الأرض، وأن الله لم يعطهم كل ما يستحقون.. مثل هؤلاء يفقدون الرؤية الروحية. والخطوات التي حدثت مع اللص اليمين كانت خطوات سريعة جدًا من توبة واعتراف بالخطية ثم إيمان ثم رؤية واستنارة. وسبب هذه السرعة ضيق الوقت. ولكن هذه الخطوات عادة تحدث مع كل تائب وتستغرق فترة زمنية.

وتوبة اللص تمثل توبة أصحاب الساعة الحادية عشرة وهذه تعطي رجاءً لكل تائب إلاّ أننا لا يصح أن نعلق توبتنا إلى الساعة الحادية عشرة فنحن لا نعلم متى تأتي هذه اللحظة علينا. وأصحاب التوبة في الساعة الحادية عشرة مقبولين ولكن ما أندر توبة هؤلاء الغارقين في خطاياهم.

 

وردت سبع كلمات للمسيح على الصليب [راجع كتاب قداسة البابا شنوده عنهم] ووردوا في الأناجيل الأربعة (مت/مر/لو/يو) ومن هنا نفهم معنى التكامل بين الأناجيل:

1-يا أبتاه إغفر لهم (لو34:23) نرى فيها كلمة شفاعية إذ هو بدأ كفارته.

2-اليوم تكون معي في الفردوس (لو43:23) هو مات ليفتح لنا باب الفردوس.

3-يا امرأة هوذا إبنك (يو26:19، 27) هو يعتني بالجميع.

St-Takla.org Image: Into Your hand I commit my spirit: Words of Jesus before His death on the Cross (Psalm 31:5) صورة في موقع الأنبا تكلا: فى يدك استودع روحى: قول المسيح على الصليب قبل موته (المزامير 31: 5)

St-Takla.org Image: Into Your hand I commit my spirit: Words of Jesus before His death on the Cross (Psalm 31:5)

صورة في موقع الأنبا تكلا: في يدك استودع روحى: قول المسيح على الصليب قبل موته (المزامير 31: 5)

4-إلهي إلهي لماذا تركتني (مت46:27+مر34:15) آلامه سبب خلاصي.

5-أنا عطشان (يو 19: 28) هو مشتاق لكل نفس تؤمن.

6-يا أبتاه في يديك استودع روحي (لو46:23) كمال الفداء.

7-قد أكمل (يو30:19) نصرة الخلاص.

 

آية(45): "وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ، وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسْطِهِ."

من (أع7:6) نرى أن بعض كهنة اليهود آمنوا بالمسيح وربما كان سبب هذا أنهم رأوا الحجاب الذي انشق وقت الصلب. ولنلاحظ أن الشمس أظلمت.

 

آية(46): "وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَقَالَ: «يَا أَبَتَاهُ، فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي». وَلَمَّا قَالَ هذَا أَسْلَمَ الرُّوحَ."

يا أبتاه في يديك أستودع روحي= كانت نفس المسيح أول نفس يستلمها الآب لا الشيطان الذي هزمه يسوع وقيده منذ هذه اللحظة.

 

آية(47): "فَلَمَّا رَأَى قَائِدُ الْمِئَةِ مَا كَانَ، مَجَّدَ اللهَ قَائِلًا: «بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا!»"

لقد شاهد قائد المئة كثير من المصلوبين يموتون. لكن موت هذا المصلوب كان فريدًا، هز أعماق قلبه ليسحبه للإيمان به، خاصة وأنه أبصر بعينيه شهادة الطبيعة لهُ. لقد تحقق قول الرب "وأنا إن ارتفعت أجذب إليَّ الجميع (يو32:12) فبعد أن ارتفع على الصليب اجتذب اللص اليمين وقائد المئة هذا، وأعلن يوسف الرامي ونيقوديموس إيمانهما وكفناه، وغيرهم من المؤكد كثيرين.

St-Takla.org Image: Give us Barabbas. Charles Louis Muller. John 18:40 - from the Bible and Its Story book صورة في موقع الأنبا تكلا: أطلق لنا باراباس (بارباس)، رسم الفنان تشارلز لويس مولر - إنجيل يوحنا 18: 40 - من كتاب الكتاب المقدس وقصته

St-Takla.org Image: Give us Barabbas. Charles Louis Muller. John 18:40 - from the Bible and Its Story book

صورة في موقع الأنبا تكلا: أطلق لنا باراباس (بارباس)، رسم الفنان تشارلز لويس مولر - إنجيل يوحنا 18: 40 - من كتاب الكتاب المقدس وقصته

المسيح صُلِبَ بينَ لصَين لأن (1) اليهود أرادوا الاستهزاء به (2) أو هو بحسب أمر بيلاطس حل محل باراباس. وبهذا والمسيح مات عن الخطية الأصلية (يمثلها جمجمة آدم) وعن خطايانا الحالية (يمثلها اللصين).

 

الآيات (يو16:19-37):-" فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ. فَأَخَذُوا يَسُوعَ وَمَضَوْا بِهِ. فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»، حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ. وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا:«يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ». فَقَرَأَ هذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالّلاَتِينِيَّةِ. فَقَالَ رُؤَسَاءُ كَهَنَةِ الْيَهُودِ لِبِيلاَطُسَ: «لاَ تَكْتُبْ: مَلِكُ الْيَهُودِ، بَلْ: إِنَّ ذَاكَ قَالَ: أَنَا مَلِكُ الْيَهُودِ!». أَجَابَ بِيلاَطُسُ:«مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ». ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:«لاَ نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ:«اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ. وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ:«يَا أمْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ:«هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ:«أَنَا عَطْشَانُ». وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَّلًا، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ. فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ:«قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ. ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ، فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ، لأَنَّ يَوْمَ ذلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيمًا، سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا. فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ، لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. لكِنَّ وَاحِدًا مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ، وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ، وَشَهَادَتُهُ حَق، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ. لأَنَّ هذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ:«عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ». وَأَيْضًا يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: «سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ». "

 

آية(17): "فَخَرَجَ وَهُوَ حَامِلٌ صَلِيبَهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «مَوْضِعُ الْجُمْجُمَةِ» وَيُقَالُ لَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ «جُلْجُثَةُ»،"

كان مكان المحاكمة قريبًا من الباب الشمالي الغربي المؤدي إلى خارج المدينة حيث مكان الصلب. فخرج وهو حاملٌ صليبه= فخرج= تشير لخروجه خارج المحلة (أورشليم) ليحرق كذبائح الخطية والكفارة (لو31:9). وكانت ذبيحة الخطية التي تحرق خارج المحلة هي التي تقدم عن خطية رئيس الكهنة، أو عن خطية الشعب كله. وهذا هو ما فعله المسيح رئيس كهنتنا الذي قدَّم ذبيحة نفسه عن خطايا كل شعبه.

أما عن الصليب يقول التاريخ أنه لم يستطع حمله سوى إلى باب المدينة ويقال أنه سقط به 3 مرات. وبعد خروجه بدأ طريق الآلام (عب11:13-14). والمسيح خرج من دار الولاية أمام قلعة أنطونيا عبر شوارع المدينة من المرتفع الذي يُقال له جبَّاثا. وكان النسوة يستقبلنه بالبكاء. وخرج من باب سور المدينة الشمالي الغربي الذي يُدعى باب دمشق لأنه قرب الطريق المؤدي إلى دمشق. وسموه بعد ذلك باب إسطفانوس فخارج هذا الباب رجموا إسطفانوس. موضع الجمجمة= بالعبرانية جولجوثا הגולגולתא وباليونانية إكرانيون κρανίο وباللاتينية كالفاريا Calvaria. ومكان الصلب سمى هكذا حسب رأى البعض أنه فيه دُفِن آدم ، ورأى آخر أن الصخرة تشبه الجمجمة ، ورأى ثالث أن المكان مخصص للرجم والصلب وبه جماجم كثيرة. ومكان الصلب كان على بعد دقائق من باب المدينة (يو20:19) وكان يوجد في المكان بستان به المغارة التي دفن فيها المسيح، وفي هذا المكان قدم اسحق ذبيحة.

فخرج وهو حاملٌ صليبه = قارن مع نبوة إشعياء "تكون الرياسة على كتفه" (إش6:9). وأيضًا "وَأَجْعَلُ مِفْتَاحَ بَيْتِ دَاوُدَ عَلَى كَتِفِهِ، فَيَفْتَحُ وَلَيْسَ مَنْ يُغْلِقُ، وَيُغْلِقُ وَلَيْسَ مَنْ يَفْتَحُ" (إش22:22). فالمسيح حمل صليبه على كتفه ليملك علينا ويفتح لنا باب الفردوس.

 

آية(18): "حَيْثُ صَلَبُوهُ، وَصَلَبُوا اثْنَيْنِ آخَرَيْنِ مَعَهُ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ."

الرومان جعلوا الصلب للمجرمين الخطرين في مستعمراتهم، وأيضًا للعبيد. ولما جاء قسطنطين وقَبِل الإيمان المسيحي ألغى الحكم بالصلب وانتهى من العالم نهائيًا بمنشور تحذيري. والتقليد القبطي يقول أن اسم اللص اليمين هو ديماس. وهناك تفسير لماذا لم يذكر يوحنا حديث اللصين وتعييرات الناس؟ يقول التفسير أن يوحنا ذهب ليحضر العذراء مريم، فأتى بعد أن صُلِب المسيح وهو لا يذكر سوى ما رآه.

 

آية(19): "وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَانًا وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا: «يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ»."

كانت العادة الرومانية أن يوضع فوق رأس المصلوب لوحة بها اسمه وعلَّة صلبه (مت37:27). وهناك تفسير لماذا اختلف البشيرون فيما كتب على هذه اللوحة أن المكتوب كان بثلاث لغات وربما اختلف ما جاء بكل ترجمة، والتفسير الآخر أن البشيرين اهتموا بالمعنى وليس بالحرف. وما كتب كان بالعبرية واللاتينية واليونانية.

العبرانية = هي لغة الشعب والكتاب المقدس والدين اليهودي، وبهذا كانت الكتابة بالعبرية فيها شهادة أن يسوع المصلوب هو المسيا الموعود.

اللاتينية = لغة الحكام والسياسة. وهذه الكتابة شهدت أن المسيح ملك الملوك، ملك المؤمنين.

اليونانية = هي لغة الثقافة والفلسفة التي كانت سائدة في العالم كله. ولغة الفلسفة شهدت أن المسيح هو رب الحق.

ولنلاحظ أن اليونانية سادت العالم كله وبهذا انتشر الإنجيل الذي كُتِبَ باليونانية. وكانت التوراة والعهد القديم قد ترجم لليونانية سنة 189 ق.م. فيما يسمى بالترجمة السبعينية.

وحينما امتلك الرومان العالم اهتموا بشق الطرق في كل مكان لتؤدي إلى روما وكانوا على كل طريق يكتبون المسافة إلى روما. ومن هنا جاء المثل "كل الطرق تؤدي إلى روما" وشق الطرق أدى لسهولة انتقال الرسل عبر العالم كله لينتشر الإنجيل.

 

ولماذا كتب بيلاطس يسوع الناصري ملك اليهود INRI

1- هو كتبها باللاتينية ليظهر لقيصر أنه قتل من إدّعَى الملك وقاوم قيصر، فيكافئه.

2- كتبها بالعبرانية إهانة لشعب اليهود، فهوذا ملككم مصلوبًا، فهو مغتاظ منهم لأنهم قاوموه وأصروا على صلب المسيح وكان هو يريد أن يطلقه. وهو لم يعبأ باحتجاجهم، بل هو أعلن أمامهم أن حجتهم في شكايته لقيصر قد انتهت بصلب ملك اليهود. وربما أراد أن يحررهم من انتسابهم الزائف إلى قيصر.

3- والبعض قالوا أن بيلاطس كان يكن للمسيح شعورًا فائقًا جعله يكتب هذا تعبيرًا عن مشاعره وتقديرًا له واعتذارًا عما حدث.

 

آية(20): "فَقَرَأَ هذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ، لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوبًا بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَالّلاَتِينِيَّةِ."

لأن مكان صلب المسيح كان على مقربة من الطريق المؤدي إلى دمشق، وهو طريق هام وعام. قرأ العنوان كثيرون من الداخلين والخارجين إلى المدينة. ونلاحظ أن الوقت كان وقت الفصح والزائرين بمئات الألوف أو بالملايين. وهم حملوا هذه الأخبار للعالم كله فمهدوا الطريق للبشارة.

هذا هو يسوع ملك اليهود .... متى

ملك اليهود .................. مرقس

هذا هو ملك اليهود .......... لوقا

يسوع الناصرى ملك اليهود ... يوحنا

لاحظ أن ما إشترك في ذكره الأربع إنجيليون عبارة ملك اليهود. وهذا شهادة أن المسيح ملك على اليهود بل وعلى كل العالم بصليبه. وأن هذا ما إنتشر في كل العالم أن المسيح ملك اليهود مات مصلوبا إعلانا عن حبه ليس لليهود فقط بل لكل العالم، وليس حبٌ أعظم من هذا.

 

آية(22): "أَجَابَ بِيلاَطُسُ: «مَا كَتَبْتُ قَدْ كَتَبْتُ»."

لقد نصَّب المسيح نفسه ملكًا على العالم بالصليب واستخدم بيلاطس ليعلن هذا للعالم.

 

الآيات(23، 24): "ثُمَّ إِنَّ الْعَسْكَرَ لَمَّا كَانُوا قَدْ صَلَبُوا يَسُوعَ، أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ، لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْمًا. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضًا. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ، مَنْسُوجًا كُلُّهُ مِنْ فَوْقُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «لاَ نَشُقُّهُ، بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ». لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «اقْتَسَمُوا ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي أَلْقَوْا قُرْعَةً». هذَا فَعَلَهُ الْعَسْكَرُ."

يقول يوسيفوس أن القميص المنسوج كله من فوق بغير خياطة لم يحل لبسه إلاّ لرؤساء الكهنة، وبالتالي فهذا القميص الذي يشبه ملابس رئيس الكهنة جعل المسيح يذهب إلى صليبه كرئيس كهنة يقدم ذبيحته. وكان القميص بهذه الطريقة ثمين جدًا لذلك لم يشقوه بل ألقوا عليه قرعة. وكونهم لا يشقوه فهو يشير للكنيسة التي لا تنشق ولا تنقسم (قارن مع مزمور 22. والعسكر هم عساكر الرومان). منسوجًا من فوق= إشارة لأن الله هو الذي أسس كنيسته ليس لإنسان أن يمزقها.

 

ملابس الربيين والتي كان الرب يسوع يلبسها

كانوا يلبسون داخليا ما يسمى "الكيتونا" وهو ينزل إلى الكعبين. وهذا لا بد أن يلبسه كل مَنْ له عَمَل بالمجمع وكل من يقرأ في الترجوم أو الكتاب المقدس. وهذا الرداء أو القميص بحسب تسمية القديس يوحنا، يكون منسوجا من أعلى إلى أسفل بدون أي شق وله أكمام. ويربط وسطه بزنار لتثبيت القميص على الجسم. وكان الرداء الخارجي يسمى "الطاليث" ومزود في أركانه الأربعة بالعصائب والأهداب (والأهداب مصنوعة من جدائل بكل ركن. وكان يضع على رأسه غطاء يسمونه "السودار" وهو على شكل عمامة. ويضع في قدميه صندلا. هذه هي الثياب التي إقتسمها الجنود عند صلب السيد. وكانت أربعة أقسام وهي غطاء الرأس والصندل والطاليث والزنار. وأما القميص فلم يقسموه.

 

آية(25): "وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ، أُمُّهُ، وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا، وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ."

بعد أن اطمأن اليهود أن فريستهم قد صُلِبَ ذهبوا لإعداد الفصح فتركوا المكان وأعطوا فرصة لأحبائه أن يقتربوا من الصليب، فاقترب يوحنا مع العذراء الأم.

 

وفي (مت56:27) نجد من حول الصليب مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسي وأم ابني زبدي. وفي (مر40:15) نجدهم مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسي وسالومه وهنا نجدهم أمُّه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية. وفي الترجمات الإنجليزية جاءت الآية أمه وأخت أمه، مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية وبالتالي نفهم أنهن كن أربعة حول الصليب:

الشاهد

   

 

   

 

   

 

   

 

(مت56:27)

   

 

   

مريم المجدلية

   

مريم أم يعقوب ويوسي

   

أم ابني زبدي

(مر40:15)

   

 

   

مريم المجدلية

   

مريم أم يعقوب الصغير ويوسي

   

سالومة

(يو25:19)

   

أمه (العذراء)

   

مريم المجدلية

   

مريم زوجة كلوبا

   

أخت أمه

1) من هذا الجدول نفهم أن سالومة هي أخت العذراء مريم وزوجها اسمه زبدي وهي أم يوحنا ويعقوب الكبير ابنا زبدي. وبالتالي فيوحنا هو ابن خالة السيد المسيح وهو تواضعًا لم يذكر اسم أمه. كما يتحاشى ذكر اسمه هو شخصيًا.

2) مريم زوجة كلوبا (واسمه حلفى أيضًا) ويوحنا أسماها زوجة كلوبا حتى لا يظن أحد أنها أمه (أو أم يعقوب أخيه) لو قال أم يعقوب. وهي لها ولدان يعقوب الصغير ويوسي. (يعقوب الكبير هو أخو يوحنا). ومرقس قال أم يعقوب الصغير حتى لا يظن أحد أنها أم يعقوب ويوحنا. وطبعًا فإن يعقوب ويوسي هنا هم غير يعقوب ويوسي إخوة الرب (مر3:6).

3) يوجد شخصان باسم يعقوب، أكبرهم سنًا هو يعقوب بن زبدي أخو يوحنا وأصغرهم سنًا هو يعقوب بن حلفى (أو كلوبا).

4) متى لم يحدد يعقوب بأنه الصغير إذ هو أورد اسم يعقوب الآخر بقوله ابني زبدي وهما معروفان بأنهما يعقوب الكبير ويوحنا. فلم يجد ضرورة لتعريف يعقوب بن حلفى بأنه الصغير.

5) يوحنا يذكر أولًا العذراء مريم ثم أختها دون أن يذكر اسمها. ويبدو أن العذراء مريم لم يكن لها سوى أخت واحدة.

6) لم يذكر متى ومرقس وقوف العذراء بجانب الصليب لأنها غالبًا لم تكن موجودة منذ بداية الصلب وأن يوحنا أتى بها أخيرًا. وهو قد أحضرها لأنه شعر أن السيد يريد أن يودعها وهي أيضًا. وهذا ما حدث فعلًا (آية 26).

 

St-Takla.org Image: Jesus crucified on Golgotha. Virgin Mary standing crying and with John the Baptist

St-Takla.org Image: Jesus crucified on Golgotha. Virgin Mary standing crying and with John the Baptist "When Jesus therefore saw His mother, and the disciple whom He loved standing by, He said to His mother, "Woman, behold your son!" Then He said to the disciple, "Behold your mother!" And from that hour that disciple took her to his own home” (John 19:26,27)

صورة في موقع الأنبا تكلا: السيد المسيح مصلوب على جبل الجلجثة. العذراء واقفة تبكي ومعها يوحنا المعمدان، "فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: «يَا أمْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ" (إنجيل يوحنا 19: 26، 27)

آية (يو 19: 26): "فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ، وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفًا، قَالَ لأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ، هُوَذَا ابْنُكِ»."

يا امرأة هو ذا ابنك= صارت أمًا للتلميذ الذي يحبه يسوع بل هي صارت أمًا لكل كنيسة يسوع، جسده. آدم هو رأس البشرية، البشر كلهم من جسد آدم وكلهم يموتون لأن أبوهم له جسد ميت، كلنا خرجنا من جسد ميت لذلك نموت. وأم هذا الجسد الميت هي الإمرأة حواء. وجاء المسيح ليُكَوِّن الكنيسة جسده الحي وأم هذا الجسد الحي هي العذراء مريم. والمسيح هنا يسميها إمرأة وهذه صفة الأم، هي الإمرأة الجديدة أم الكنيسة جسد إبنها يسوع. لذلك كرر المسيح لقب إمرأة للعذراء مريم (يو4:2). فنحن بالمعمودية بالروح القدس نصير جسد المسيح وبهذا أيضًا صار يوحنا أخًا للمسيح، لقد رفعه المسيح الذي صار بكرًا بين إخوة كثيرين (عب11:2). كلٌ منا ابن لحواء وابن للعذراء مريم لقد سميت حواء امرأة وصارت أمًا للعالم والعذراء سميت امرأة لكونها صارت أم الكنيسة.

 

آية(27): "ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ."

كون أن المسيح يسلم العذراء ليوحنا فهذا دلالة قاطعة على أنها لم يكن لها أولاد آخرين بالجسد وإلاّ لكان قد أسلمها لهم، وهي أيضًا خالته. ونرى هنا أن المسيح رفع مستوى الأمومة والبنوة من مستوى الجسد واللحم والدم إلى أمومة روحية وبنوة روحية. هي وحدة روحية لبناء الكنيسة. ويوحنا أخذ العذراء فورًا معهُ في علية صهيون وكانت معهم يوم الخميس. وهي استمرت مع يوحنا 11سنة في أورشليم ثم رافقته إلى أفسس وغالبًا انتقلت هناك إذ يوجد قبر للعذراء مريم في تركيا. لكن غالبا كان هذا مكان البيت الذي كان فيه يوحنا وكانت العذراء مريم تسكن فيه معه، لكنه لم يكن قبرٌ لها. ولكن يوجد قبر آخر للعذراء بَنَتْ عليه الملكة هيلانة كنيسة يقول تقليد آخر أنه قبر العذراء. وكان يوحنا من الجليل ولكن غالبًا لهُ بيت في أورشليم أخذ العذراء مريم إليه.

 

آية(28): "بَعْدَ هذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ، فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ»."

(مز15:22+21:69). المسيح هنا كان قد وصل لقمة العذاب، وسال دمه وعرقه ووصل إلى لحظة الإحتضار بعد سلسلة من الألام الجسدية التي كان قمتها الصلب وألام نفسية من خيانة الأحباء وتخلى التلاميذ وإستهزاء الناس وألام روحية إذ حجب الآب وجهه عنه حينما حمل خطايا العالم وصار ذبيحة إثم أمام الله.

قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ» = المسيح هنا لا يقصد الشكوى، فهو سيسلم الروح بإرادته بعد ثوانٍ. لكن لو قارننا هذه العبارة بقول السيد للسامرية "إعطني لأشرب" فنفهم أن السيد كان عطشانا لخلاص النفوس، فهو لم يشرب من السامرية ولم يأكل حينما أتى التلاميذ بالطعام. فهو شبع بإيمان أهل السامرة. والمسيح لا يقول أنا عطشان لخلاص النفوس ويسكت، المسيح لا يكتفى بالأمنيات الجميلة، لا يتمنى شيئًا مثلنا ويسكت. بل يعمل عملا يأتي به بهذه النفوس للخلاص. فما هو العمل الآن وهو على الصليب؟

1. المسيح رفض أن يشرب الخل الممزوج بالمر، فالمر يُعتبر مسكن للألام يُعطونه للمصلوبين (مت34:27). والمسيح أراد تذوق أصعب الألام ليحملها عنا كما يقول الكتاب "لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا" (إش4:53). هو يحملها عنا حقيقة لذلك قال "نيرى هيَّن وحملى خفيف" (مت30:11). مرات عديدة رأيت مرضى بأمراض مؤلمة جدًا وهم يبتسمون! من أين جاءت هذه الإبتسامة؟ هو حمل عنهم. أعطاهم فرحا لا تغلبه هذه الألام، بل هذا الفرح الذي يعطيه المسيح قال عنه "لا ينزعه أحدٌ منكم" (يو22:16). وهذا الأحد قد يكون إنسان أو أمراض أو أي نوع من الألام. لذلك رأينا الشهداء يدخلون ساحات الإستشهاد وهم فرحين متهللين يرنمون.

2. أراد شرب هذا الخمر ليتمم لنا سر الحياة. [ويُرجى مراجعة كتاب الجذور اليهودية لسر الإفخارستيا، باب الكأس الرابعة]، لترى أن هذا النبيذ الذي شربه المسيح على الصليب كان ليتمم به سر الإفخارستيا الذي بدأه في العلية. لذلك يعتبر أن الصليب به يُكمل سر الإفخارستيا. ونقول أن سر الإفخارستيا هو إمتداد للصليب، هما شيء واحد.

 

آية(29): "وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعًا مَمْلُوًّا خَلًا، فَمَلأُوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ، وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ."

الخل هو نوع من النبيذ الرخيص يستعمله الجنود. وكان من أعمال الرحمة للمصلوب أن يسقوه خلًا مع مرارة لتسكين الألم لذلك كانت الزوفا والإسفنجة موجودتين بالمكان للزومهما لعملية الصلب (أم6:31).

 

آية(30): "فَلَمَّا أَخَذَ يَسُوعُ الْخَلَّ قَالَ: «قَدْ أُكْمِلَ». وَنَكَّسَ رَأْسَهُ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ."

المسيح أسلم روحه بإرادته وهو في ملء الحياة. وقوله قد أكمِلَ= هي صرخة النصر الأخيرة فهو أكمل الخلاص، وتمت كل النبوات (أع27:13-29). نكس رأسه= أي أمال رأسه. وكل إنسان يسلم الروح ثم ينكس الرأس بغير إرادته. فالإنسان يظل رافعًا رأسه بقدر إمكانه حتى آخر لحظة حتى يمكنه التنفس وإذ يموت تسقط رأسه. أمّا المسيح ففعل العكس إذ نكس رأسه ثم أسلم الروح فهو أسلمها بإرادته ونكس رأسه بإرادته (يو18:10) وهكذا قال إشعياء "سكب للموت نفسه" (12:53) فلم تؤخذ روحه منه كالبشر بل سكب هو نفسه بنفسه، بإرادته، أسلم روحه في يد أبيه كمن يستودع وديعة هو وشيك أن يستردها.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

على الصليب

والصلب كان يقوم به الرومان فكان المصلوب يخلع ملابسه بالقرب من الصليب تمامًا كنوع من الاحتقار. ولكن في اليهودية كانت تراعى الآداب اليهودية في الحشمة ويغطون جسد المصلوب وهذا ما اتبع مع الرب يسوع. ومع اليهود بدافع الرحمة كانوا يعطون المصلوب خلًّا مخلوطًا بالمر (الخل هو نبيذ مختمر) وهذا يعتبر كمخدر، لذلك رفض مخلصنا الشرب منه كما رفض تعاطف بنات أورشليم اللواتي كن يبكين عليه. أراد أن يحمل ألامنا وحده حتى أقصاها فرفض تخدير الألم ليتحمل كل الآلام الجسدية، ورفض حتى المساندة والمشاركة النفسية من بنات أورشليم. وكان ثمن الخل والمر يتكفل به جمعية من سيدات أورشليم. وكان القانون يفرض وضع لافتة تعلق على صليب المحكوم عليه تعلن سبب صلبه.

سخرية اليهود من الرب يسوع كانت سببا في سخرية الجند منه كملك لليهود فهم يكرهون اليهود ويحتقرونهم وكانت سخريتهم من الرب يسوع هي سخرية ممن اعتبروه ملكا لليهود الذين يكرهونهم. وبهذا كانت تصرفات رؤساء اليهود والسنهدريم من شخص الرب يسوع في الواقع هي نوع من الانتحار الأدبي بالنسبة لرجاء إسرائيل في وجودها وكيانها. فهم شاركوا الجند الرومان في السخرية من الرمز. وكان الرومان يسمعون سخرية اليهود من المسيح ويكررونها ولكن كنوع من السخرية من اليهود في شخص ملكهم. ويأخذ اليهود سخرية الرومان من شخص الرب كملك لليهود ويكررونها هم ضد الرب. ولاحظ أن موضوع السخرية هو أمل اليهود في استعادة حريتهم تحت ملك منهم. وكانت التهمة المعلقة على الصليب أن المسيح هو ملك اليهود، إذًا نفهم أنهم صلبوا رمز الأمل والرجاء في حريتهم من الرومان وأن تكون لهم مملكتهم. وهكذا كما باع يهوذا معلمه ثم انتحر، باع اليهود رمز وطنهم الذي يحلمون به فانتحروا ولنراجع ما عمله تيطس سنة 70 م.

بعد أن تمم الرب كل عمله لفدائنا قال "قد أكمل" ونادى يسوع بصوت عظيم وقال "يا أبتاه في يديك أستودع روحي".

عجيب أن الرب يسوع في هذه اللحظة وهو في منتهى الضعف الجسدي وفي لحظة موت *يصرخ بصوت عظيم. فالإنسان العادي في لحظة موته لا تكون له قدرة على الصراخ بصوت عظيم. بل كان صراخه في لحظة موته سببا في أن قائد المئة الموجود بجانب الصليب يقول "حقا كان هذا الإنسان ابن الله" (مر15: 39) وهذا يدل على قوة جبارة ناشئة عن إتحاد ناسوته الضعيف بلاهوته. وعجيب أيضًا أن نسمع *"ونكَّس رأسه وأسلم الروح. فالطبيعي أن يُسلِّم الإنسان الروح أولًا ثم ينكس رأسه وليس العكس، وذلك لأنه يحاول أن تظل رأسه مرفوعة بقدر الإمكان ليتنفس، ولكنه بعد أن يموت تسقط رأسه. وهاتين الملحوظتين يشيران أن موت المسيح لم يكن كموت أي إنسان عادي، بل هو بسلطانه سلَّم حياته أي مات بإرادته حينما أراد أي حينما تمم عمله. وبهذا نفهم أن الموت لم يبتلع المسيح بل أن المسيح هو الذي ابتلع الموت كغالب وليس كمغلوب. الموت لم يغلب الرب بل هو الذي غلب الموت، ونزل إلى الجحيم بروحه المتحدة بلاهوته ليفتح الأبواب لمن ماتوا على الرجاء ويأخذهم إلى الفردوس.

اللاهوت لم يساند الناسوت في أي لحظة ليحمل ألامه، بل أراد المسيح أن يحمل الآلام بالكامل ليشابهنا في كل شيء. وهذا معنى قول بولس الرسول "أنه يُكَمِّلْ رئيس خلاصهم بالآلام" (عب2: 10). فالمسيح لم يكن من المفروض أن يتألم، فالألم نتج عن الخطية وهو بلا خطية. ولكنه بإرادته أراد أن يتذوق الموت والألم ليصير كواحد منا. ولكن في لحظات الموت ظهر عمل اللاهوت لا ليحمل عنه ألامه فهو قال "أنا عطشان" وقال "إلهي إلهي لماذا تركتني" وهذا دليل على أن ألامه كانت حقيقية. ولكن معنى ظهور عمل اللاهوت هنا هو أن الموت لا يمكنه أن يهاجم المسيح ويغلبه، بل هاجم المسيح الموت حينما أسلم روحه بإرادته. ونظرا لإتحاد روحه باللاهوت الحي ابتلعت الحياة التي في اللاهوت المتحد بالناسوت الموت، ولم يبتلع الموت الحياة التي في المسيح فهي حياة أبدية لا تموت. وهذا معنى العبارة التي نرددها - بالموت غلب الموت].

["فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان" = المسيح لم يشرب لأنه عطشان فقط، إذ هو عطشان لخلاصنا. ولم يشرب الخل (وهو نوع من النبيذ الذي يستعمله الجنود) فقط ليتمم النبوات. بل أنه كان يتمم طقس الفصح الجديد. ففي طقس الفصح اليهودي يشرب المجتمعين حول المائدة أربعة كئوس. والكأس الأخير أي الرابع يعلن انتهاء طقس الفصح. فالمسيح شرب هذا الكأس الرابع على الصليب فربط الصليب بسر الإفخارستيا. فالإفخارستيا هي نفسها ذبيحة الصليب، والصليب شرح كيف أن المسيح قد أعطى تلاميذه على مائدة الفصح جسده ودمه مأكلا ومشربا حقيقيين. (ويُرجى الرجوع لكتاب الجذور اليهودية والموجود في مقدمة سر الإفخارستيا في كتاب الأسرار الكنسية هنا في موقع الأنبا تكلا).

 

* انظر أيضًا: نص قراءات أسبوع الآلام.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/00-2-The-Passion-n-Resurrection/Alaam-El-Masi7-Wal-Kyama__01-Chapter-10-05.html