St-Takla.org  >   Full-Free-Coptic-Books  >   FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary  >   12_S
 

قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية

شرح كلمة

الْمَلِك سُلَيْمَان الْحَكِيم

 

St-Takla.org         Image: Solomon by Gustave Dore, from his Bible Illustrations صورة: سليمان النبي، رسم الفنان جوستاف دوريه، من الصور التوضيحية للكتاب المقدس

St-Takla.org Image: Solomon by Gustave Dore, from his Bible Illustrations.

صورة في موقع الأنبا تكلا: سليمان النبي، رسم الفنان جوستاف دوريه، من الصور التوضيحية للكتاب المقدس.

اللغة الإنجليزيةSolomon - اللغة العبرية: שְׁלֹמֹה - اللغة اليونانية: Σολομών - اللغة القبطية: Colomwn - اللغة الأمهرية: ንጉሥ ሰሎሞን.

 

اسم عبري معناه "رجل سلام" وهو ابن الملك داود الذي خلفه على عرش بني إسرائيل، فكان أعظم ملك، وقد ملك أربعين سنة. ومع أنه كان لديه ستة أخوة من أمهات مختلفات وهم: أمنون - كيلآب - أبشالوم وأدونيا - شفطيا - يثرعام، إلا أن سليمان هو الذي مَلَكَ. وهو ابن بَثْشَبَع (1 ملوك 1: 11) التي كانت زوجة لأوريا الحثي. وقد أحب داود سليمان لأنه كان ابن زوجته المفضلة، وأطلق عليه اسم سليمان متمنيًا له سلام بلا حرب، ولكن الله أعطاه اسم يديديا أي محبوب يهوه (2 صموئيل 12: 24 و25). وكان شديد الذكاء واستوعب كل الدراسات التي تلقاها غالبًا على يد ناثان النبي (1 ملوك 4: 32 و33).

وكان داود قد وعد بثشبع أن يملك ابنها سليمان على الشعب بعده، وذلك بعد خيانة أبشالوم (1 ملوك 1: 17) وقد حاول أدونيا بن داود أن يأخذ الملك قبل وفاة والده، ولكنه فشل واسلم نفسه لسليمان (1 ملوك 1: 53) وهكذا صار سليمان وريث العرش بدون منازع.

وبدأ سليمان حكمه بالزواج من ابنة الملك فرعون حتى يكون ذلك مصدر أمن له، وقد تزوج سليمان زيجاته لغرض دبلوماسي، فبقي بنوا إسرائيل أربعين سنة في سلام بدون حروب (1 ملوك 4: 24).

وقد رأى سليمان في بدء حكمه حلمًا، سأله فيه الله عما يطلب فلم يطلب غنى ولا عظمة ولا طول أيام، بل طلب الحكمة (1 ملوك 3: 5-9) وقد أعطاها له الله، فظهرت حكمته في ذهابه إلى المذبح الذي بناه موسى في البرية وذبح ألف محرقة هناك (1 ملوك 3: 4). كما ظهرت حكمته في الحكم بين السيدتين المتنازعتين على الطفل الحي (1 ملوك 3: 16-28) وقد تحقق في حكم سليمان وعد الله لإبراهيم إذ ملك سليمان من نهر مصر إلى نهر الفرات الكبير (تكوين 15: 18).

وكان يعاون سليمان في ملكه اثنا عشر وكيلًا، هم رئيس الكهنة ومعه كاهنان، وكاتبان ومسجل، ورئيس الجيش، ورئيس على الوكلاء، وصاحب لملك، ورئيس للبيت، ورئيس للتسخير (1 ملوك 4: 2-6) كما كان له اثنا عشر وكيلًا آخرين، كل وكيل على قسم من الشعب، يجمع من قسمه نفقات شهر لبيت الملك، وكان اثنان من هؤلاء الوكلاء متزوجين من ابنتين لسليمان (1 ملوك 4: 7-19) وقد زاد عدد الشعب في حكمه على الأربعة ملايين، لكنهم كانوا مثقلين بالضرائب.

وقد كان سليمان على صداقة مع حِيرام ملك صُور، فقدم سليمان الطعام لعبيده، مقابل مواد بناء الهيكل (1 ملوك 5: 1-12) وقد اعتمد سليمان على الشعب في أعمال السخرة للأبنية العامة ولبناء الهيكل (1 ملوك 5: 13-18) وكان سليمان بناءً عظيمًا مثل رمسيس الثاني، فبنى الهيكل، وكان أبو داود قد جهز الكثير من مواد البناء قبل موته، ولم يسمح له الرب بالبناء كان رجل دماء (1 أخبار 22: 8).وقد استغرق بناء هيكل سليمان سبع سنوات على مثال الرسم الذي أعطاه الله لموسى، ولكن بضعف حجمه (1 ملوك 6) وكان موقع البناء على جبل المريا حيث قدم إبراهيم ابنه اسحق، وعلى بيدر ارونة اليبوسي. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في صفحات قاموس الكتاب المقدس والأقسام الأخرى). وكان الهيكل أعظم أعمال سليمان بلا جدال. ودشن سليمان الهيكل بعد يوم الكفارة العظيم وقبل عيد المظال، في احتفال رائع، وامتلأ بيت الله بالسحاب وملأ مجد الله البيت (2 أخبار 5) وصلى سليمان صلاة طويلة للرب إله السماء، نجدها في 1 ملوك 8: 23-53. وقدم سليمان محرقات عظيمة لتدشين هيكله، وفي هذا نرى أن سليمان أخذ مكان هرون ومكان موسى؛ وبنى سليمان أبنية أخرى مثل بيت وعر لبنان، ورواق الأعمدة، ورواق الكرسي الذي كان موضع القضاء، كما بنى بيتًا لابنة فرعون (1 ملوك 7: 2-8) وبنى قلعة لحماية الهيكل (1 ملوك 9: 24). وحصون عديدة في أنحاء المملكة (1 ملوك 9: 15-19) لحماية المملكة والدفاع عنها. ولم يترك سليمان مجالًا لملك آخر ليبني بعده، فقد أكمل الملوك أو رمموا ما بدأ سليمان به.

وعند منتصف أيام حكم الملك سليمان زارته ملكة سبا بعد أن سمعت عن حكمته، فأراها سليمان عاصمة ملكه وابنتيه ونظام حكمه، فأدهشها هذا جدًا حتى لم يَبق فيها روح بعد، وقد فاق سليمان كل ما سمعته عن حكمته، بعد أن أجاب على كل أسئلتها، فطوبت رجاله الذين يسمعون حكمته، وقدمت له هدية عظيمة (1 ملوك 10).

وكانت عظمة غنى سليمان مذهلة، وكان عصره عصر نجاح اقتصادي، ولم تكن هناك حروب تستنزف مال الشعب، وقد أتته سفنه مرة محملة بأربع مئة وعشرين وزنة ذهب (وزنة الذهب قيمتها عشرة آلاف جنيه مصري) وكانت له أساطيل تجارية في بحر الهند والبحر الأبيض المتوسط، فجلبت له الذهب والفضة والنحاس والعاج والأبنوس والبوص والخيل والمركبات والقردة والطواويس (1 ملوك 10: 22) وكان في خدمته عشرة آلاف يأكلون من مائدته. وكان له آنية فضية مثل الحجارة وخشب الأرز مثل الجميز. وتقدر قيمة دخل سليمان سنويًا بما يساوي عشرة ملايين دولار تقريبًا (1 ملوك 9: 26-28).

St-Takla.org Image: King Solomon and The Queen of Sheba - Mekada, from the Exhibition of the Ethiopian Millennium, our visit to Ethiopia 2008 صورة في موقع الأنبا تكلا: لقاء الملك سليمان النبي وملكأ سبأ الحبشية، ميكادا، من معرض الألفية الحبشية، رحلتنا إلى أثيوبيا 2008

وكانت رحابة قلب سليمان عجيبة جدًا (1 ملوك 4: 29) فقد درس كل العلوم التي يمكن أن تدرس وفاق فيها كل علماء عصره المشهورين، فدرس علم النبات وعلم الحيوان وعلم الطيور، وكتب الأمثال وكتب الحكمة والقصائد (1 ملوك 4: 29-34) وقد ضاع كثير مما كتبه سليمان، ولم يبقى إلا بعضه، مما ورد في سفر الأمثال (ام 1: 1 و10: 1 و25: 1) والأغلب أنه هو الذي كتب سفر الجامعة وسفر الحكمة وسفر نشيد الأنشاد.

على أن السنوات الأخيرة من حكم سليمان كانت مؤسفة، فقد بدأ بتعدد الزوجات، وأحب نساء غريبة كثيرة مع بنت فرعون، فكان له سبع مئة من الزوجات وثلاثة مئة من السراري (1 ملوك 11: 1-8) فأملنَ قلبه إلى الآلهة الغريبة حتى بنى أماكن لعبادة الأوثان إِرضاء لهن، فغضب الرب عليه، وهدده بتمزيق المملكة عنه، وأقام له خصومًا (1 ملوك 11: 9-25) وقد طلب سليمان قتل يربعام الذي قال له النبي اخيا أن معظم المملكة سيكون له فهرب يربعام إلى مصر (1 ملوك 11: 26-40).

وهكذا نرى أن العظمة والغنى والنجاح قد قادت سليمان إلى نهاية بعيدة عن الله... وإذا بسحابة داكنة تخيم على مساء اليوم الصاحي المشرق.... "واضطجع سليمان مع آبائه ودُفن في مدينة داود" فإن حكمة سليمان لم تنطبق على حياة سليمان لم تنطبق على حياة سليمان؛ "وهوذا أعظم من سليمان ههنا".

وقد أظهر التنقيب في مجدو اصطبلات لخيل سليمان تسع حوالي خمسمئة من الخيل. وكذلك أظهر التنقيب في عصيون جابر مسابك للنحاس ترجع إلى عصر سليمان مما يدل على سعة ملكه وثروته.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

أسفار سليمان الملك:

  1. سفر الجامعة

  2. سفر نشيد الأنشاد

  3. سفر الحكمة (سفر حكمة سليمان)

  4. مزموران في سفر المزامير (أما مزامير سليمان فهو كتاب زائف)

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

بحث تفصيلي عن سليمان:

 

هو الملك الثالث لإسرائيل. واسم سليمان مشتق من "شالوم" العبرية ومعناها "سلام" أو "مسالم" . ويذكر هذا الاسم نحو 300مرة في العهد القديم ، واثنتي عشرة مرة في العهد الجديد. وعقب مولد سليمان أرسل الرب "بيد ناثان النبي ودعا اسمه يديديا" أي "المحبوب من الرب" (2صم 12: 224و 25).

 

1. العائلة:

St-Takla.org Image: King Solomon صورة في موقع الأنبا تكلا: النبي سليمان الملك

كان سليمان الابن العاشر للملك داود، والابن الثاني له من بثشبع (التى كانت زوجة لأوريا الحثي). وقد ولد لداود ستة أبناء في حبرون هم: أمنون وكيلآب وأبشالوم وأدونيا وشفطيا ويثرعام، من أمهات مختلفات (2صم 3: 2-5).

وبينما وُلد شاول وداود لآباء من عامة الشعب، وتربيا فى الريف، فإن سليمان وُلد في قصر أبيه الملك داود في أورشليم ونشأ في وسط الحاشية الملكية ورجال السلطة، وشاهد ذرى المجد الملوكي، كما شاهد الفوضي التي أحدثها العصيان. وقد تعلَّم أحسن تعليم وعرف عواقب الخداع والحسد والبغضة القاتلة. فقبل أن يصل إلى سن البلوغ، كان عدد من إخوته الأكبر منه، قد لاقوا حتفهم قتلى، كما تعرضت إحدى أخواته غير الشقيقات للاغتصاب.

 

2. الموقف العالمي عند موت داود:

لم يعاصر سليمان إلا أمة عبرانية متحدة قوية في وسط عالم تسوده الفوضى. لقد تعرض حكم داود لبعض الهزات نتيجة ثورات داخلية، ولكن الأمة الإسرائيلية ظلت أمة واحدة إلى نهاية أيام داود. وقد ساعد على ذلك قوة داود الشخصية وحنكته السياسية، بينما كان الضعف قد أصاب الأمم المجاورة، فكانت مصر تعاني من مشاكل دولية منذ بداية القرن الثاني عشر قبل الميلاد، لم تتخلص منها إلا بعد نحو قرنين من الزمان. وفى تلك الأثناء لم تكن مصر بقادرة أن تحول دون قيام دولة قوية بجوارها ، أو أن تمنع سليمان من بلوغ ما وصل إليه من قوة وثورة، مع أنها ظلت قوة تجارية.

وفى نفس الوقت تعرضت الإمبراطورية الحثية لهجمات الشعوب المجاورة من الفريجيين والفلسطينيين الذين قدموا من غربي الأناضول وجنوبي بلاد اليونان وكريت وقبرص. كما أن نفس هذه الظروف عاقت قوة أشور الصاعدة التي كانت عاصمتها نينوى على نهر الدجلة، وقد استمر ذلك نحو ثلاثة قرون. كما أن الدولة البابلية لم تكن أحسن حالًا.

لقد حكم سليمان منطقة كان يطلق عليها "قنطرة أمم الشرق الأوسط" ، فكان لبلاده موقع استراتيجي يتحكم في طرق المواصلات الرئيسية بين مصر وآسيا، وبين الجنوب والشمال. كان يحيط به جيران مُتعِبون ولكنهم لم يكونوا يستطيعون مناصبته العداء السافر. لقد كان عهده فرصة ذهبية أمام إسرائيل ليكون لها أقوى تأثير على عالمها، لقد كان "عصرها الذهبي".

 

3. سليمان يتبوأ العرش:

لم يكن لسليمان الحق الذي لا ينازع، في وراثة العرش، لأنه لم يكن أكبر أبناء داود الأحياء. لقد كان لداود أبناء أكبر من سليمان، ولكن لم يكن الحق وراثة العرش في إسرائيل قد استقر على أسس ثابتة حتى ذلك الوقت. ولم يكن داود قد أعلن رسميًا أن يخلفه سليمان على العرش.

ونعلم من الإصحاح الثاني والعشرين من سفر أخبار الأيام الأول أن الله كان قد أعلن لداود أن ابنه سليمان سيخلفه على العرش، وستجد المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في صفحات قاموس وتفاسير الكتاب المقدس الأخرى. ونعلم من (سفر الملوك الأول 1: 13و 17) أن داود أخبر بثشبع أم سليمان بذلك. وبعد ذلك أعلن لكل الشعب أن الله قد اختار من أبنائه الكثيرين سليمان ليجلس على كرسي المملكة (1أخ 28: 5، 29: 1).

ولكن من الواضح أن داود لم يكن قد اتخذ أي إجراء لتنفيذ ذلك رسميًا ، لأن كلا من شاول وداود قد ارتقيا العرش بتعيين مباشر من الله بواسطة صموئيل النبي. وقد أتاح ذلك لأدونيا – ابن داود الأكبر – أن يطمع في تولي العرش، وقرر أن ينفذ ذلك بضربة مفاجئة، ووجد له أنصارًا من كبار رجال أبيه من أمثال يوآب قائد الجيش الذى كان له نفوذ كبير، وأبياثار الكاهن الذي كان أقرب المستشارين لداود، كما كان وجوده يضفي على الحركة طابع أنها تحظى بمباركة رجال الدين، علاوة على كثيرين غيرهما.

ودبر أدونيا أن تكون الحركة ماكرة ومفاجئة، فأدّعى أنه سيقيم حفلًا دينيًا في بقعة مقدسة عند عين روجل (على بعد قليل من أورشليم، في وادي قدرون)، و"دعا جميع إخوته بني الملك وجميع رجال يهوذا عبيد الملك. وأما ناثان النبي وبناياهو والجبابرة وسليمان أخوه فلم يدعهم" (1مل 1: 5-10).

ونمى الخبر إلى ناثان النبي، مستشار داود الحميم، فذهب إلى بثشبع بهذه الأخبار، فرسما الخطة لدفع الملك داود للعمل في حركة مضادة سريعة (1مل 1 : 11-27)، ونجحت الخطة، فاستدعى الملك "صادوق الكاهن وناثان النبي وبناياهو بن يهوياداع" وأمرهم أن يمسحوا سليمان ملكًا على إسرائيل في جيحون، فقاموا بتنفيذ الأمر "وضربوا بالبوق وقال جميع الشعب ليحيى الملك سليمان" (1مل 1: 39).

وقد فاجأت هذه الحركة أنصار أدونيا على غير انتظار، ففهموا على التو عواقبها، فتفرقوا عن أدونيا "وذهبوا كل واحد في طريقه" (1مل 1 : 49).

وانطلق أدونيا و"تمسك بقرون المذبح" فأنطلق سليمان سراحه على أن يسلك سلوكًا حسنًا. ولكن أدونيا لم يستطع أن يكف عن سعيه للسلطة، فلجأ إلى حيلة ماكرة تبدو في ظاهرها بريئة تمامًا، فذهب إلى بثشبع، أم سليمان، على أساس أن سليمان لا يمكن أن يرفض لها طلبًا، والتمس منها أن تطلب من سليمان أن يعطيه أبيشج الشونمية – حاضنة داود في شيخوخته – زوجة (1مل 2: 13-17).

ولم تدرك بثشبع ما وراء هذه اللعبة الماكرة، فنقلت الطلب إلى سليمان الذي أدرك اللعبة فورًا، إذ كانت العادة في بلاد الشرق الأوسط قديمًا أن من يأخذ إحدى نساء الملك، تصبح لديه حجة للمطالبة بالعرش عند موت الملك. فتصرف سليمان بسرعة وصرامة وأمر بناياهو بن يهوياداع فبطش به فمات (1مل 2: 24و 25).

ولكن سليمان لم يأمر بقتل أبياثار الكاهن لأنه كان رفيقًا لداود في أيام شدته، وحمل تابوت الرب أمام داود، واكتفى بأن طرده عن أن يكون كاهنًا للرب، وأمره أن يقيم في عناثوث مقر عائلته (1 مل 2: 26و 27).

أما يوآب فكان أسوأ حظًا. لقد كان من أكبر رجالات داود وقائد جيوشه، ولكنه ارتكب جرمين كبيرين، إذ قتل أبنير بن نير وعماسا بن يثر رئيسي جيوش إسرائيل (1مل 2: 5)، وكأنه فعل هذا ولاء منه للملك داود، ولم يستطع داود أن يعاقبه، لئلا يفقد ولاء الجيش له. ولكن داود كان يعلم أنهما جريمتا قتل تستلزمان عقاب يوآب ، فأوصى سليمان أن ينفذ فيه حكم العدالة (1مل 2: 6).

أدرك يوآب أنه قد انكشف ولا يستطيع أن يحظى بعطف الشعب أو ولاء الجيش، فهرب يوآب إلى خيمة الرب وتمسك بقرون المذبح، ولكن سليمان أمر بناياهو بن يهوياداع أن يبطش به، فصدع بالأمر وقتله، ودفنه في بيته، و"جعل الملك سليمان يناياهو بن يهوياداع مكانه على الجيش، وجعل الملك صادوق الكاهن مكان أبياثار" (1مل 2: 28-35).

وسرعان ما لقي شمعي بن جيرا البنياميني – الذي سبًّ داود الملك عند هروبه من أبشالوم ابنه – نفس هذا المصير (1مل 2: 36-46).

وهكذا خلص المُلك لسليمان دون أي معارضة من كبار رجال بلاط الملك داود، وأصبح في يده أن ينظم المملكة حسبما يرى. ومن الناحية البشرية، لم يكن هناك أي قيد أو رقيب عليه في حكمه، إلا موقف الشعب منه وشرائع الله كما لخصها داود أبوه له في وصيته الأخيرة: "فتشدد وكن رجلًا. احفظ شعائر الرب إلهك إذ تسير في طرقه وتحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وشهاداته كما هو مكتوب في شريعة موسى لكي تفلح في كل ما تفعل وحيثما توجهت. لكي يقيم الرب كلامه الذي تكلم به عني قائلًا: "إذا حفظ بنوك طريقهم وسلكوا أمامي بالأمانة من كل قلوبهم وكل أنفسهم، قال لا يُعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل" (1مل 2: 2-4)، وكذلك ما تم في مقابلات سليمان الشخصية لله.

 

4. حياة سليمان الروحية كملك شاب:

حدث اختبار روحي هام في حياة سليمان بينما كان يسجد للرب في جبعون، وهي مرتفعة قديمة أقيمت عليها خيمة الاجتماع التي كان قد عملها موسى، على بعد بضعة أميال إلى الشمال الغربي من أورشليم (2أخ 1: 2-5)، فظهر الله لسليمان في حلم على شكل حوار بين الله وسليمان (1مل 3: 5-15).

وكانت المبادرة من جانب الله، إذ سأل الله سليمان ماذا يطلب منه. وكان سليمان يعبد الله ويقدم له ذبائح. وكان المجال واسعًا جدًا أمام سليمان، ولكنه سأل شيئًا واحدًا على أساس ما فعله الله لداود أبيه، وإحساس سليمان بعدم كفاءته. فبالرغم من تصرفه السريع الحاسم مع معارضيه، ونجاحه الدبلوماسي مع مصر (1مل 3: 1) واستجابة الشعب لاجتماعاته الدينية، كان مازال يشعر بأنه ليس كفئًا للمسئولية الضخمة التى يواجهها. ففي محضر الله، لمس الملك الشاب حاجته بوضوح واعترف بها، فطلب من الله أن يمنحه حكمة بها يستطيع أن يحكم شعبه حكمًا صالحًا وعادلًا.

وقد استجاب الله لطلبته، وكان سخيًا معه، فمنح سليمان حكمة، وأضاف إلى ذلك الغنى والكرامة أكثر من سائر الملوك في أيامه، بشرط أن يسلك سليمان في طريق الرب ويحفظ فرائضه ووصاياه كما فعل داود أبوه. وقد عبَّر سليمان عن شكره للرب بوقوفه أمام تابوت عهد الرب في أورشليم وإصعاده محرقات وتقديم ذبائح سلامة. كما عمل وليمة عظيمة لكل عبيده (1مل 3: 15).

 

5. تنظيمات سليمان الإدارية:

الأرجح أن الكثير من تنظيمات سليمان الإدارية كانت لها جذورها من عهد داود، والتي ترجع فى معظمها إلى التنظيمات المصرية، ولكن سليمان أضفى عليها طابعه الخاص.

كان هناك قسمان كبيران في حكومته: الرؤساء والوكلاء الإثنا عشر. ونجد بيانًا بأسماء الرؤساء في (سفر الملوك الأول 4: 2-6)، وأيضًا بأسماء الوكلاء الاثنى عشر (1مل 4: 7-19).

وكان على رأس الرؤساء عزرياهو بن صادوق الكاهن، الذي كان – على الأرجح – أقرب المستشارين للملك. وبينما كان لداود كاتب واحد، عيَّن سليمان اثنين أليحورف وأخيَّا ابني شيشا، وهو اسم يبدو مشتقًا من كلمة مصرية. ويبدو أنهما كانا مسئولين عن المراسلات الخاصة والخارجية. أما يهوشافاط ابن أخيلود المسجل، فكان مسئولًا عن السجلات القومية وحوليات المملكة وربما أيضًا عن العلاقات العامة في البلاط الملكي . وتولى بناياهو ين يهوياداع مكان يوآب قائدًا عامًا للجيش العامل. ويذكر صادوق وأبياثار باعتبارهما كاهنين، ولكن أبياثار كان قد أستُبعِد من الخدمة بأمر سليمان لاشتراكه في مؤامرة أدونيا للاستيلاء على العرش. وكان عزريا هو (وهو ابن ناثان أخي سليمان) على الوكلاء، وزابود (ابن ناثان أيضًا) مستشارًا للملك. وكان أخيشار وزير البلاط الأول، مسئولًا عن شؤون القصر ومكاتبه. وكان أدونيرام بن عبدا (وواضح أنه هو نفسه أدورام الذي كان في عهد داود – 2صم 20: 24، كما ظل أيضًا بين رجال رحبعام – 1مل 12: 18 فكأنه عاصر ثلاثة ملوك) مسئولًا عن قوة العمل.

وكان الوكلاء الاثنا عشر (1مل 4: 7-19) محافظين لولايات حددها سليمان لا تتفق مع التقسيم القديم للأسباط. كانوا أساسًا جباة ضرائب ومسئولين عن تزويد قصور الملك بالطعام، وكان كل وكيل يقوم بذلك شهرًا في السنة (1مل 4: 7و 22و 23). وكان مع كل وكيل جند ومركبات تحت اذنه، كما يبدو أنهم كانوا مسئولين أيضًا عن توريد رجال للعمل أو للجيش حسب الحاجة. كما كانوا مسئولين عن مشروعات البناء وانشاء الطرق فى مناطقهم. وكان اثنان من الوكلاء – في أقصي المناطق الشمالية – صهرين لسليمان، هما ابن أبيناداب في كل مرتفعات دور، وأخيمعص في نفتالي (1مل 4: 11و 15).

ولا يذكر في هذه القائمة سوى المناطق الشمالية، مما قد يعني أن سليمان كان يقر بالعداء بين هذه المناطق ويهوذا، حتى إن أرض يهوذا كانت لها إدارة منفصلة. وقد جاء في الترجمة السبعينية "أن أرض يهوذا كان بها وكيل واحد" (1مل 4: 19). فإذا كان على شمالي إسرائيل أن يتحملوا العبء الرئيسي من الضرائب، فلا يصعب إدراك التوتر بين الشمال والجنوب، الذي أدى إلى نقطة الانفجار في نهاية حكم سليمان.

وثمة بعض التفاصيل عن تنظيم فرق التسخير، فنجد في سفري الملوك والأخبار أنه كان هناك سبعون ألف رجل يحملون أحمالًا، وثمانون ألفًا لقطع الأحجار في الجبل، وكان عليهم ما بين 3300 إلى 3600 مشرف. وكان كل هؤلاء من غير بني إسرائيل (1مل 5: 13-18، 2أخ 2: 2و 17و 18). وكان يرأس كل هؤلاء ما بين 250-550 من الإسرائيليين الموكلين على الأعمال (انظر 1مل 9: 20-23، 2أخ 8 : 7-10). ويبدو أن ضغط العمل في تنفيذ مشروعات البناء كان شديدًا حتى إن سليمان اضطر إلى تسخير "ثلاثين ألف رجل من جميع إسرائيل، فأرسلهم إلى لبنان، عشرة آلاف في الشهر بالنوبة. ويكونون شهرًا في لبنان وشهرين فى بيوتهم" (1مل 5: 13و 14). وقد اكتسب يربعام شهرته ونفوذه لاحتجاجه ضد تسخير الإسرائيليين (1مل 12: 3و 4، 1أخ 10: 2-4).

ويفترض البعض أن التنظيمات العسكرية التي وضعها داود، ظلت كما هي في عهد سليمان مع بعض التغييرات والإضافات الطفيفة. فكان هناك الجيش النظامي العامل، وكان يتكون أساسًا من جنود محترفين مدربين، وجماعة من المرتزقة كحرس خاص للملك. وكان يوآب على رأس الجيش، ولكن بعد موته أصبح بناياهو بن يهوياداع رئيس الحرس، رئيسًا على الجيش وعلى الحرس. وكان هناك فرق من الميليشيا تتكون كل فرقة من أربعة وعشرين ألفًا، وكان على رأس كل فرقة قائد، وكان على كل فرقة أن تخدم شهرًا في السنة (1أخ 27: 1-15). ويبدو أن هذه الفرق كانت تعمل في عهد سليمان تحت اشراف الوكلاء (1مل 4: 7).

وكان لجيش داود بعض المركبات والخيل والبغال. وقد زاد عددها جدًا في عهد سليمان (1مل 4: 26، 10: 26، 2أخ 9: 25) . وكان مقر المركبات والخيل في ثلاثة حصون رئيسية، هى: حاصور ومجدو وجازر. وكان يُظن أن الاسطبلات التي كُشف عنها في مجدو هى اسطبلات سليمان، ولكن الاكتشافات الأحدث، أثبتت أنها اسطبلات أخآب الذي جاء بعد سليمان بقرن من الزمان. وكذلك الاسطبلات التي اكتشفت في فى حاصور. على أية حال، لقد كان لسليمان اسطبلات في هذه الأماكن الثلاثة التي كانت تعتبر مراكز دفاعية استراتيجية.

 

6. مشروعات سليمان في البناء:

حدثت طفرة مفاجئة في مستوى المعيشة في إسرائيل، وفى النشاط الاقتصادى. وكان سليمان ميالًا للإسراف، فلم يدخر وسعًا في جعل عاصمته المتواضعة مدينة عظيمة. وكان أول مشروع عظيم اتجه إليه هو بناء الهيكل الذي كان قد شرع في التجهيز له أبوه.

وقرر سليمان أن يكون بيت الله على أفضل ما يستطيع، وكان أبوه قد أعد له الكثير من المواد اللازمة، ولكن الحجم النهائي والطراز والزخرفة وما إلى ذلك، كان متروكًا لسليمان إلى حد بعيد. فاستحضر صنَّاعًا ماهرين من صور. كما اشترى من صور أفضل أنواع الأخشاب من أرز وسرو، فكان رجال حيرام ملك صور يقطعون الأشجار ويجعلونها أرماثًا في البحر إلى الميناء الذي يحدده لهم الملك سليمان، ومنه ينقل إلى أورشليم. ويزعم البعض أن هيكل سليمان كان يحمل – ولابد – الكثير من فن العمارة الفينيقي القديم لأن الذين قاموا بالدور الأكبر في بنائه هم العمَّال الفينيقيون الحاذقون، ولكن كل ما نعرفه عن الهيكل هو ما جاء في الوصف المفصل عنه، في سفري الملوك والأخبار (1مل 6: 2-36، 7: 13-50، 2أخ 3: 1-4: 22).

وقد بُني الهيكل أساسًا على نمط خيمة الشهادة التي أقامها موسي فى البرية حسب التخطيط الذي أمره به الرب، لكن مقاييس الهيكل كادت تكون ضعف مقاييس الخيمة . وكان داود قد أعطى "سليمان ابنه مثال الرواق وبيوته وخزائنه ومخادعه الداخلية وبيت الغطاء، ومثال كل ما كان عنده بالروح لديار بيت الرب ولجميع المخادع حواليه ولخزائن بيت الله وخزائن الأقداس" (1أخ 28: 11و 12).

وقد بدأ بناء الهيكل فى السنة الرابعة للملك سليمان، وتم البناء في سبع سنوات. وكان الهيكل يقوم فوق جبل المريا فوق قمة صخرية في بيدر أرنان اليبوسي (2أخ 3: 1و 2).وكان الهيكل يتجه إلى الشرق ويحيط به فناء واسع. وقد سبكت أكثر الأواني النحاسية في سكوت على نهر الأردن، بمعرفة صانع ماهر من صور اسمه حيرام. وكان داخل الهيكل مزينًا بكميات ضخمة من الذهب والفضة. ولم يكن الهيكل لعامة الشعب ليعبدوا فيه، بل كان مقدسًا لله لا يطأ أعتابه إلا الكهنة في أوقات وبشروط خاصة.

وبينما كان الهيكل يُبنى، أقام سليمان لنفسه قصرًا باذخًَا يشتمل على "بيت وعر لبنان"، و"رواق الأعمدة"، و"رواق الكرسي" (أو العرش) أو "رواق القضاء" (1مل 7: 1-12). وكانت جميعها على غاية من الروعة والفخامة. أما بيت الملك الخاص وبيت الملكة فكانا فى دار أخرى قريبة (1مل 7: 8).

ومن بين المشروعات الكبرى الأخرى بناء "القلعة" والسور المحيط بكل هذه الأبنية الجديدة في أورشليم . كما بنى سليمان ثلاث مدن حصينة في حاصور ومجدو وجازر. كما بنى بيت حورون السفلى وبعلة وتدمر في البرية وعددًا من مدن المخازن ومدن المركبات ومدن الفرسان (1مل 9: 15-19).

وتمتاز العمائر فأتى أقامها سليمان بأمرين، هما الطوابي فوق السور، والبوابات ذات الست حجرات، والبرجلين (انظر حز 40: 5-16). وكانت الأسوار ذات الطوابي قد عرفت منذ قرون قبل عصر سليمان، وبخاصة عند الحثيين. وفى كل مدن سليمان التي تم التنقيب عنها، وجد الأثريون هذه الطوابي.

وقد وجدت أمثلة للبوابات التي اشتهرت بها عمائر سليمان، في مجدو وحاصور، كما وجدت مؤخرًا في جازر أيضًا.

 

7. امتداد مملكة سليمان:

ورث سليمان عن داود أبيه مملكة تمتد من نهر الفرات شمالًا إلى وادى العريش في الجنوب الغربي، وكان البحر المتوسط يحدها من الغرب، والصحراء العربية في الشرق. كما كانت تمتد جنوبًا إلى الطرف الشمالي من خليج العقبة.

وقد خرجت بعض هذه المناطق من تحت الحكم المباشر لسليمان، فقد هرب شاب أدومي – عند غزو داود لأدوم – ولجأ إلى مصر. ولكنه عاد إلى بلاده بعد موت داود ويوآب، واستطاع أن يستخلص أدوم من سليمان (1مل 11: 14-22). كما أم زروق الذي هرب من عند سيده هدد عزر ملك صوبة، استطاع أيضًا أن يستولي على دمشق ويملك على أرام التى أصبحت من أقوى أعداء إسرائيل (1مل 11: 23-25).

وما لم يستطع سليمان أن يستولي عليه بالقوة الحربية، حصل عليه بسلسلة من المعاهدات والمصاهرات، فقد استولى فرعون ملك مصر على جازر في أرض فلسطين وأعطاها مهرًا لابنته امرأة سليمان (1مل 9: 16).

 

8. علاقات سليمان الدولية:

أول معاهدة عقدها سليمان كانت مع مصر، ولم تكن فى صالحه تمامًا، فقد اضطر أن يتزوج ابنة فرعون، وأن يتخلى عن منطقة فلسطين. ولم تكن جازر تعويضًا كافيًا له ولكنه استفاد كثيرًا بعد ذلك من علاقته التجارية مع مصر.

وكانت معاهدته مع حيرام ملك صور مجدية، فقد كان حيرام صديقًا لأبيه داود، وكان يحكم دولة لها قوة بحرية ضخمة، وتملك موارد طبيعية غنية وعمالًا حاذقين. وقد استفاد سليمان كثيرًا من كل هذه الموارد في مشروعاته المعمارية والتجارية والبحرية (1مل 5: 1-12، 9 : 10-14).

وبعد نهاية عشرين سنة من مُلك سليمان، أعطى حيرام ملك صور عشرين مدينة في أرض الجليل، سدادًا – كما يرى البعض – لثمن المواد التي استوردها من صور (1مل 9: 11.10)، بينما يرى البعض الآخر أنها كانت ضمانًا لعجز في الميزان التجاري حيث أن سليمان استردها مرة أخرى (2أخ 8: 1و 2).

كما عقد سليمان جملة معاهدات مع دول مختلفة (1مل 10: 24و 25، 2أخ 9: 23و 24)، ويبدو أنه أخذ الكثيرات من زوجاته ضمانًا لهذه المعاهدات. وقد ولدت له إحدى زوجاته – وكانت عمونية – ابنه رحبعام الذي خلفه على العرش (1مل 14: 21).

كما كان للاعتبارات التجارية دخل في كثير من التحالفات السياسية، فقد كان ملك إسرائيل يسيطر على موقع استراتيجي هام، يشرف على الطريق البري الرئيسي الموازي لساحل البحر المتوسط، وعلى الطريق الرئيسي شرقي نهر الأردن، الذي كان يربط الأمم الجنوبية والشمالية، وستجد المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في صفحات قاموس وتفاسير الكتاب المقدس الأخرى. ولم يكن سليمان يحصل على الضرائب والمكوس على المتاجر المارة بهذه الطرق فحسب، بل كان يعمل وسيطًا لهذه المتاجر.

وأحب سليمان تجارة الخيل بخاصة، فكان يستورد الخيل والمركبات من مصر وكوي (كيليكية) ويبيعها للأمم الأخرى ، كما كان يصدر الأخشاب لمصر (1مل 10: 28).

ولم تقتصر علاقة سليمان بحيرام ملك صور على شراء الأخشاب، واستخدام عمال صور الماهرين، بل استطاع أيضًا أن يستغل الفنون البحرية التي اشتهرت بها صور في انشاء أسطول بحري له في البحر الأحمر متخذًا من ميناء عصيون جابر (ايلات) قاعدة له. وكان هذا الأسطول ينقل المتاجر من بلاد العرب وشرقي أفريقية. كما استغل سليمان مناجم النحاس الغنية القريبة من عصيون جابر، وأنشأ المصاهر والمسابك التى اكتشفت بقاياها. وكان يصدر النحاس والبرونز لكثير من أنحاء العالم. ويبدو أن أسطول حيرام في البحر المتوسط كان يقوم بنقل وتوزيع هذه المعادن (1مل 9: 26و 28، 10: 11و 12و 22).

وقد ذاعت شهرة حكمة سليمان، حتى دفع الفضول ملكة سبأ إلى القيام بزيارتها المشهورة لسليمان، علاوة على الدوافع التجارية. وتدل الهدايا التى قدمتها لسليمان على ما كانت تتمتع به بلادها من غنى وثروة وموارد تجارية (1مل 10: 10و 13، 2أخ 9: 1-9و 12).

وعلاقات السلام مع الأمم المجاورة، والسيادة على "قنطرة" الشرق الأوسط، والسيطرة على أهم الطرق التجارية البرية، كل هذه عملت على تدفق الثروات على إسرائيل بسرعة مذهلة، ولم يعد الذهب والفضة وخشب الأرز أشياء نادرة فى أورشليم، فقد "جعل الملك الفضة فى أورشليم مثل الحجارة، وجعل الأرز مثل الجميز الذي في السهل في الكثرة" (1مل 10: 27). ولكن لاسراف سليمان الشديد، لم تسلم الميزانية – في ذلك العصر الذهبي – من العجز.

 

9. أعمال سليمان في المجال الديني:

بعد أن ظهر الله لسليمان في حلم في جبعون، شرع سليمان على الفور في بناء الهيكل. وكان تدشين الهيكل فرصة رائعة في حياة سليمان وحياة الأمة، حيث "جاء كل شيوخ إسرائيل وكل رؤوس الأسباط رؤساء الآباء لبني إسرائيل إلى أورشليم" (2أخ 5: 2). ونقل تابوت العهد من خيمة داود إلى الهيكل محمولًا على أكتاف اللاويين، يحف به الكهنة في موكب مهيب. وكان الوقت هو عيد المظال بعد الاعتدال الخريفي (2أخ 8: 13).

وبينما كانت الذبائح تقدم في أعداد كبيرة، أدخل تابوت العهد إلى قدس الأقداس في الهيكل الجديد. وقد أعلن الله مباركته للعمل، بأن "نزلت النار من السماء وأكلت المحرقة والذبائح وملأ مجد الرب البيت" (2أخ 7: 1). "وتراءى الرب لسليمان ليلًا وقال له: قد سمعت صلاتك واخترت هذا المكان لى بيت ذبيحة" (2أخ 7: 12).

وقد شهد سليمان بأنه عرف حقائق عديدة هامة عن الله الواحد الحقيقي، فهو الخالق الذي لا يمكن رؤيته، ولكنه يتنازل ليسكن بين شعبه. وقد سبق أن أعطى الله مواعيد وتممها في نجاة الشعب من مصر، وبإعطائهم داود ملكًا. كما أنه وعد داود بأن نسله سيملك بعده، وهو ما تممه فى سليمان. وقد بنى بيت الله للتابوت الذي يرمز لوجود الله بينهم.

بعد ذلك رفع سليمان صلاة مهيبة يتجلى فيها إيمانه بوحدانية الله، وأن الله لاينحصر وجوده في الهيكل ولا في العالم كله. ويجب إكرام اسم الله فى الهيكل بالسجود له. ومن خلال الهيكل والكهنة يعلن الله مشيئته لشعبه، ويستجيب لصلوات شعبه. والله يحاكم شعبه، كما أنه يغفر لهم ويمنحهم بركات روحية ومادية، بل حتى للغريب وللنزيل أيضًا امتياز التضرع أمام الله. ونجد أن من بين أهداف بناء الهيكل، جذب الشعوب الأخرى إلى الصلاة لله الواحد الحقيقي (1مل 8: 42).

وبعد أن انتهى سليمان من صلاة التدشين، اشترك مع رؤسائه فى احتفالات متصلة لمدة ثمانية أيام. وفى اليوم الأخير صرف الشعب في فرح وابتهاج. لقد كان ذلك يومًا لا يُنسي من ذاكرة الأمة.

وبعد أن انتهى سليمان من برنامج البناء، تراءى له الرب مرة أخرى وأعلن له رضاه عن الهيكل، ولكن على أساس أن الطاعة لشرائع الله شرط لازم ليتمم الله وعده لداود باستمرار نسله على العرش، ولكن العصيان يجعل الله يطرح من أمامه البيت الذي قدسه، ويدفع الشعب للسبي (2أخ 7: 12-22).

و"أوقف (سليمان) حسب قضاء داود أبيه فرق الكهنة على خدمتهم واللاويين على حراستهم... والبوابين حسب فرقهم على كل باب" (2أخ 8: 14و 15).

 

10. أعمال سليمان الثقافية:

زاد الاهتمام بالثقافة بين الإسرائيليين في عصر سليمان. ولا يوجد خارج أسفار الكتاب المقدس، سوى القليل من الإنتاج الأدبي في ذلك العصر، ولم يعثر العلماء إلا على نقش صغير يسمى "تقويم جازر".

ويسجل لنا الكتاب المقدس: "وأعطى الله سليمان حكمة وفهمًا كثيرًا جدًا ورحبة قلب... وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بنى المشرق وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس... وكان صيته في جميع الأمم حواليه. وتكلم بثلاثة آلاف مثل. وكانت نشائده ألفًا وخمسا. وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا النابت في فى الحائط. وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك. وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعوا حكمة سليمان، من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته" (1مل 4: 29-34). كما أتت إليه ملكة سبا و"كلمته بكل ما كان بقلبها، فأخبرها سليمان بكل كلامها. لم يكن أمر مخفيًا عن الملك لم يخبرها به" (1مل 10: 1-3، 2أخ 9: 1و 2).

ويُنْسَب جزء كبير من كتابات الحكمة في العهد القديم إلى سليمان ، فينسب إليه المزمور الثانى والسبعون، والمزمور المئة والسابع والعشرون. وهناك ثلاث إشارات واضحة في سفر الأمثال تنسبه إلى سليمان (أم 1: 1، 10: 1، 25: 1). كما يعتقد كثيرون أن "كلام الجامعة ابن داود الملك في أورشليم" (جا 1: 1) إنما يشير إلى سليمان. كما أن سفر نشيد الأناشيد يبدأ بالعبارة: "نشيد الأنشاد الذي لسليمان" (نش 1: 1).

وينسب كثيرون من العلماء إلى عصر سليمان جميع بعض الأسفار التاريخية مثل يشوع والقضاة وراعوث وسفري صموئيل الأول والثاني.

وتوجد بعض إشارات موجزة إلى بعض الكتب الأخرى من عصر سليمان، هي: "سفر أمور (أعمال) سليمان" (1مل 11: 41)، و"أخبار ناثان النبي"، و"نبوة أخيا الشيلوني"، و"رؤى يعدو الرائي" (2أخ 9: 29).

وجميع الكتابات التي ترجع إلى عصر سليمان تتميز بطابع واضح من التوحيد الجازم.

 

11. ملخص ما أسهم به سليمان في حياة إسرائيل القومية:

لأول مرة تستمتع إسرائيل بفترة طويلة نوعًا من السلام والازدهار، فكان هناك وئام بين مختلف طبقات الشعب، فلم تحدث خصومات بين الأسباط أو ثروات ضد العرش، وارتفع مستوى معيشة الشعب إلى درجة لم تعرف من قبل. كما أن سلسلة المعاهدات ساعدت على رواج التجارة واستتباب الأمن والسلام.

ولأول مرة أصبح للأمة مركز قومي للعبادة فى أورشليم، فكان الهيكل هو مركز الحياة الدينية لبني إسرائيل ومحور تفكيرهم، إلى أن دمره الكلدانيون في 587/586ق.م. وحتى ذلك لم يجعله يغيب عن بالهم، وأُعيد بناؤه بعد العودة من السبي، ثم أعاد بناءه ووسَّعه هيرودس الكبير، إلى أن دمره الرومان مرة أخرى في 70م.

وببناء الهيكل ازداد نفوذ الكهنة، وانتظم الاحتفال بالأعياد، كما أن وجود الهيكل في أورشليم كان سببًا فى ازدهارها حتى أصبحت تعرف باسم "مدينة الله" وأصبح الهيكل رابطة العقدة في وحدة الأمة.

ولأول مرة أيضًا فى تاريخ إسرائيل، أصبح هناك نموذج لانتقال الحكم في يسر وهدوء من الأب للابن، وكان ذلك من عوامل الاستقرار على مدى نحو أربعة قرون، توالى على الحكم فيها ملوك من نسل داود، وهى مدة يكاد ألا يكون لها نظير فى تاريخ الشرق القديم فيما بين القرنين العاشر والسادس قبل الميلاد.

ورغم ما تكلفته العمائر التي أقامها سليمان، فإنها أصبحت موضع فخر الأمة وزهوها، وعنوانًا على ما بلغته من قوة وثراء وازدهار.

لقد كان اسهام سليمان في المجال الثقافي في إسرائيل كبيرًا، ولكن أعظم ما أسهم به كان في مجال التأليف، فلم يبرع الإسرائيليون في فنون النحت والرسم، إذ نهت الشريعة عن صنع الصور والتماثيل، ولكن فن التعبير بالكلمة المنطوقة أو المكتوبة كان متاحًا لهم.

لقد كانت اللغة العبرية لغة حديثة العهد، وليدة جملة لغات، فكان تاريخها محدودًا، ولكن استطاع سليمان وأتباعه أن يُطَوعوها، ويجعلوا منها لغة تصلح لنقل آدابهم وعلومهم، بل أصبحت إحدى اللغات الهامة لنشر الحق الإلهي. وكذلك لإذاعة حكمة الإنسان التي هذبها الوحي الإلهي. لقد كان لدى بني إسرائيل من قبل أناشيد وحكم وأحاجي، ولكن الحكمة التى ظهرت في سليمان وعصره لم يكن لها مثيل في كل الكتابات الوثنية في ذلك العصر، فقد أوقد سليمان بكتاباته شعلة الاهتمام بالحق الإلهي، وما يبعثه في الإنسان من حكمة، فلم تنطفئ جذوتها في إسرائيل أبدًا.

 

12. ملخص نقائص إدارة سليمان:

لم يخلُ حكم سليمان من عيوب، رغم كل عظمته. لقد كانت حكمته باهرة، لكنها كانت تنطوي على نقائص خطيرة، فرغم كل حصافته التي بدت في الحكم بين المرأتين، واكتشاف أيهما كانت أم الولد الحي (1مل 3: 16-28)، لكنه لم يدرك أن هناك قيودًا على السلطة المطلقة، فتنفيذ حكم الموت في يوآب وأدونيا وشمعي، قد يكمن تبريره ظاهريًا، وبخاصة أمام جيله، ولكن من الواضح أنه كان قد بيَتّ النية على ذلك، ولم يعطهم فرصة الدفاع عن أنفسهم. لقد كان لسليمان سلطة بلا حدود على حياة رعاياه.

كما أن التنظيمات الإدارية في حكومة سليمان، كان ينقصها عنصر الرقابة الكافية، لحمايتها من إساءة استخدام السلطة ومركزيتها. فقد كان للحكم، سواء فى أورشليم أو في الأقاليم، سلطة رهيبة لم يكن يمكن أن يسمع معها صوت الشعب، فكان من السهل تغطية الأخطاء وإخماد كل معارضة. ولم يكن هروب يربعام إلا دليلًا على ذلك (1مل 11: 26-40).

كما لم تكن هناك رقابة مستقلة على مصروفات الحكومة، ولا مراجعة للسياسة الضريبية، ولا للسياسة التجارية، ولا للسياسة الخارجية، فلا عجب أن كان السوس ينخر في كل هذه المجالات. وتجلى هذا عند موته، إذ عَّمت الفوضي كل مكان.

حتى رجال الدين كانوا تحت سيطرة سليمان كما فعل مع أبياثار الكاهن (1مل 2: 27.26)، وبذلك صاروا آلات في يد الملك، يستخدمهم لإخضاع الشعب. كما أن صوت الأنبياء الذي كان قويًا في أيام داود أبيه، لا نجد له أثرًا واضحًا في عهد سليمان، فلم يظهر النبي القوي (مثل ناثان) الذي يستطيع أن يُلفت نظر الملك إلى أخطائه ، وينبهه إلى وجوب السير حسب وصايا الرب وشرائعه.

كما لم يحس سليمان – الإحساس الكافي – برسالته للعالم، بل بالحري سمح بالعبادات الوثنية في بلاده، بل وبالقرب من هيكل الرب في أورشليم، ولم يبذل أي جهد واضح في نشر عبادة يهوه بين الشعوب المجاورة، فضاعت منه هذه الفرصة الذهبية. والأدهى من ذلك أنه أحب "نساء غريبة كثيرة... موآبيات وعمونيات وأدوميات وصيدونيات وحثيات من الأمم الذين قال عنهم الرب لبني إسرائيل، لا تدخلون إليهم، وهم لا يدخلون إليكم لأنهم يميلون قلوبهم وراء آلهتهم". وهو ما تحقق – للأسف – لأنه في شيخوخته "أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملًا مع الرب إلهه كقلب داود أبيه... وعمل سليمان الشر في عيني الرب" وبنى مرتفعات للعديد من الأوثان "لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن، فغضب الرب على سليمان لأن قلبه مال عن الرب إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين"... مما جعل الرب يمزق المملكة عنه ويعطيها لعبده (1مل 11: 1-13)، وكان في تعدد الزوجات مثالًا سيئًا للشعب وللعالم حوله.

 

13. ملخص لحياة سليمان الشخصية:

لقد بدأ الملك سليمان حكمة وهو يملك كل شىء، فكان شابًا موهوبًا، تربى أفضل تربية في حضن أبيه داود، علاوة على ما حباه الله من حكمة وتمييز وغنى وكرامة.

وكان أعظم ما عمله سليمان هو بناء هيكل الرب، وكانت لحظة تدشينه هي الذروة في حياة سليمان. والكلمات التي نطق بها في تلك المناسبة تكتشف عن فهم روحي واسع وعميق.

وظهور الله له مرة ثانية دليل على أنه كان مازال سالكًا فى طريق الرب (2أخ 7: 12). ولكن الرب ذكّره مرة أخرى بضرورة التزامه بالسلوك حسب وصايا الرب.

ويذكر الكتاب صراحة أن سليمان في أواخر أيامه انحرف عن طريق الرب وعمل الشر في عينيه، وكان السبب وراء ذلك هو تعدد زوجاته "فكانت له سبع مئة من النساء السيدات وثلاث مئة من السراري، فأمالت نساؤه قلبه" (1مل 11: 3). لقد كان تعدد الزوجات شائعًا في ذلك العصر، والكثير من هذه الزيجات كان يتم لأغراض سياسية، ولكنه كان يتعارض تمامًا مع شريعة الرب التي كانت تأمر بألا يكثَّر الملك النساء لئلا يزيغ قلبه (تث 17: 17). وقد سمح سليمان للكثيرات من أولئك النسوة أن يعبدن آلهتهن بل بالحرى بنى لهن معابدهن، فلم يعد سليمان يبالي بالشهادة لإلهه، بينما كانت نساؤه أكثر منه اهتمامًا، كل واحدة بآلهتها ، فغضب الرب عليه، حتى إنه ظهر له مرة ثالثة ووبخه وأنذره بأنه في زمن ابنه سيمزق المملكة (1مل 11: 9-13).

وظلت هذه المعابد الوثنية التي بناها سليمان لنسائه الغريبات فخًّا لإسرائيل، إلى أن هدمها يوشيا الملك (2مل 23: 13و 14). وظلت خطية سليمان مثالًا للشر في أيام الإصلاح الذي قام به عزرا (نح 13: 26). وسُمي المكان الذي أقيمت فيه تلك المعابد "جبل الهلاك" (2مل 23: 13).

وإذا كان لنا أن نستنتج شيئًا من سفر الجامعة – باعتبار أن سليمان هو كاتبه – فإننا يمكن أن نرى أن سليمان – بعد أن جاز في فترات من الضعف والانحراف والإحباط – استطاع أن يعود إلى إيمانه بالله الواحد، وبخاصة أن جميع الكتابات المنسوبة إليه تحمل طابع التوحيد الجازم. على أيه حال لقد كانت حياته عِبرة وإنذارًا لكل الإسرائيليين في الأجيال التالية.

 

* انظر أيضًا: عبيد سليمان، رواق سليمان، برك سليمان، رحبعام ابن سليمان، نعمة العمونية زوجة سليمان، أبياثار الكاهن، جبعون، أبيشج.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books/FreeCopticBooks-002-Holy-Arabic-Bible-Dictionary/12_S/S_121.html