| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27 - 28 - 29 - 30 - 31 - 32 - 33 - 34 - 35 - 36 - 37 - 38 - 39

الرسول مستمر في منهجه للعبرانيين ليثبت لهم أن ما حرموا منه ما هو إلا ظلال لا تقارن بما حصلوا عليه في المسيحية.
آية 1: "لأَنَّ النَّامُوسَ، إِذْ لَهُ ظِلُّ الْخَيْرَاتِ الْعَتِيدَةِ لاَ نَفْسُ صُورَةِ الأَشْيَاءِ، لاَ يَقْدِرُ أَبَدًا بِنَفْسِ الذَّبَائِحِ كُلَّ سَنَةٍ، الَّتِي يُقَدِّمُونَهَا عَلَى الدَّوَامِ، أَنْ يُكَمِّلَ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ."
كان الناموس ليمهد فقط. ولكن ليس له نفس الخيرات التي أسماها قبلًا السماويات والناموس لا يستطيع أن يهب الكمال لمن يتقدم به، إذ لا يطهر الضمائر ولا يحول النفس إلى سماء وملكوت لله. يقول ذهبي الفم أن العهد القديم مثل رسام رسم الخطوط الأولى لصورته والعهد الجديد هو وضع الألوان الزاهية لهذه الصورة. لذلك لم تكن ملامح العهد القديم جذابة. فذبائح العهد القديم أشارت للطريق أما ذبيحة العهد الجديد دخلت بنا إلى الطريق عينه لنبلغ الكمال السماوي. بل أن كثرة ذبائح العهد القديم تشير أنها لا تستطيع أن تكمل أحد، فإذا كانت تكمل فلماذا التكرار.
آية 2: "وَإِلاَّ، أَفَمَا زَالَتْ تُقَدَّمُ؟ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْخَادِمِينَ، وَهُمْ مُطَهَّرُونَ مَرَّةً، لاَ يَكُونُ لَهُمْ أَيْضًا ضَمِيرُ خَطَايَا."
لنفهم الآية ننظر لها فى ترجمة أخرى "الناموس لا يقدر أن يكمل الذين يتقدمون" (آية 1) وإلا أفما كان ينبغى أن يُتَوَقَّفْ عن التقديم (لو كان قد حدث تكميل غفران) لأن الخادمين (العابدين) إن هم كانوا قد تطهروا مرة لما كان لهم ضمير (إحساس) بالخطايا" (آية2).
والمعنى أنه لو كانت للذبائح القوة أن تكمل الناس فقد كان يجب أن يتوقف تكرار تقديم هذه الذبائح. إذ المفروض أن الشعب والكهنة قد حصلوا بواسطتها على التطهير والغفران، أى لا يكون لهم فيما بعد ضمائر ملوثة بالخطية لو أن هذه الذبائح الحيوانية كانت قد طهرتهم. هم كانوا يظنون أن التكرار سيأتى بالتطهير ولكن التطهير الحقيقى هو عمل داخلى يتم ليس بالأعمال الجسدية نهائياً بل من الله (أف5: 26، 27).
وَإِلاَّ، أَفَمَا زَالَتْ = أى أن هذا أكبر دليل على أن الناموس لم يستطع أن يُكَمِّلْ الذين يقدمون الذبائح. فتكرار الذبائح ليس له أثر روحى ثابت. فالخطية الساكنة فىَّ تجرح ضميرى بإستمرار وهى تصنع عداوة مع الله وإنفصالاً عنه. فمهما تطهر الإنسان من خطايا فعلها سيبقى ضميره مجروحاً بسبب الخطية التي تسكن فيه أى ميله الطبيعي للخطية.
وماذا عن ذبيحة الإفخارستيا - هل فيها تكرار؟
الإفخارستيا ليست تكراراً للذبيحة، بل الإفخارستيا هى نفسها ذبيحة الصليب. المسيح كاهن أبدي على طقس ملكى صادق "أقسم الرب ولن يندم. انت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (مز110 : 4). هو كاهن قدَّم نفسه ذبيحة دائمة على الصليب، وهذه الذبيحة مفاعيلها ممتدة. ومفاعيل الذبيحة هما موت وحياة. فالمسيح مات بحياة آدم على الصليب وإحتفظ في جسده بفعل الموت بحياة آدم، ثم قام بحياة أبدية وإحتفظ في جسده بهذا الفعل. لذلك رآه القديس يوحنا اللاهوتى في رؤياه "خروف قائم كأنه مذبوح" (رؤ6:5). كان فيه الفعلين (فعل الموت = هو ذبيحة. وفعل الحياة = هو قائم). نتحد بموته في المعمودية فتموت خطايانا، لأننا نموت معه فتموت خطيتنا وهو نفس معنى أنها غُفِرت. "لذلك يقول بولس الرسول "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ، ٱلَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ ٱللهِ، ٱلَّذِي أَقَامَهُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ" (كو12:2). وفى المعمودية أيضاً نتحد بحياته الأبدية فنأخذ حياة أبدية هي حياته المقامة من الأموات.
ولكننا نعود ونخطئ بعد المعمودية، لذلك أسس الرب سر الإفخارستيا الذى فيه: نتحد بموته فتموت خطايانا وتغفر. ونتحد بحياته في سر الإفخارستيا فنحيا أبدياً. لذلك نقول في القداس عن الإفخارستيا "يُعطى لمغفرة الخطايا وحياة أبدية لِمَنْ يتناول منه". المسيح قَدَّمَ ذاته على الصليب ذبيحة حية، أي ذبيحة مات فيها بحياة آدم لكنها حية لإتحاد اللاهوت بها. لذلك حينما طُعِنَ المسيح على الصليب خرج من جنبه دم وماء = الدم علامة الحياة في جسده وذلك لإتحاد لاهوته بجسده المائت. والماء علامة موته بالجسد أي إنفصال روحه الإنسانية التي أخذها من العذراء (أي من آدم) عن جسده. والمسيح الآن وهو في السماء قد إحتفظ في جسده بكل ما حدث له:- 1) هو إحتفظ بجسده الإنسانى. 2) إحتفظ بفعل الموت بحياة آدم في جسده. 3) إحتفظ بفعل القيامة والحياة في جسده. في سر الإفخارستيا نحن لا نكرر صلب المسيح. المسيح صُلِب مرة واحدة، وإحتفظ في جسده بفعل الموت وفعل الحياة. سر الإفخارستيا هو إمتداد للصليب وهذا معنى قول المزمور "أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى ٱلْأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ" (مز4:110). فهو كاهن قدَّم ذاته ذبيحة حية مفعولها ممتد إلى الأبد.
وفى سر الإفخارستيا، فإن الكاهن الحقيقى هو المسيح الذى قدَّمَ نفسه ذبيحة حية أبدية على الصليب وهو موجود الآن في السماء في شكل هذه الذبيحة الحية، الخروف القائم كأنه مذبوح (رؤ6:5). والذى يُحَوِّل الخبز والخمر إلى ذبيحة المسيح الحية هو الروح القدس بصلوات الكاهن فى القداس – الروح القدس يُحَوِّل الخبز والخمر إلى نفس هذه الذبيحة الحية الموجود عن يمين الآب، التي هي جسد المسيح الذى مات على الصليب وقام وصعد وجلس عن يمين الآب "كخروف قائم كأنه مذبوح". هذه الذبيحة الحية على مذبح الإفخارستيا هى نفسها جسده الذى قدمه المسيح ذبيحة على الصليب ثم قام به بحياة أبدية وصعد به وجلس عن يمين الآب. المسيح بالصليب صار ذبيحة حية، ومرة أخرى هو ذبيحة لأنه مات بالجسد أي إنفصلت روحه الإنسانية عن جسده، وهى ذبيحة حية لإتحاد لاهوته بناسوته واللاهوت حى لا يموت. وإستمر ذبيحة حية حتى الآن وهكذا رآه القديس يوحنا في رؤياه، وسيستمر هكذا للأبد. وهذا معنى أنه كاهن إلى الأبد على طقس ملكى صادق (مز4:110).
وبالإفخارستيا نثبت فى المسيح. وبالإفخارستيا نكمل:-
1. فمن ناحية فيها غفران للخطايا وحياة أبدية.
2. ومن ناحية أخرى فيها ثبات فى المسيح "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه" (يو6 : 56). ومن يثبت فى المسيح يكمل كما يقول القديس بولس الرسول "الذي ننادي به منذرين كل انسان، ومعلمين كل انسان، بكل حكمة، لكي نحضر كل انسان كاملا في المسيح يسوع" (كو28:1) وهذا الكمال لا يمكن أن يتم خارج الثبات فى المسيح.
لذلك فإن الإفخارستيا ليست تكراراً للذبيحة، بل هى سر أسسه الرب لنا للإستمرار ثابتين فى جسد المسيح. فإن الخطية تفصلنا عن المسيح لذلك نحن محتاجين دائما لهذا السر لنظل متحدين به طالما ما زلنا فى هذا الجسد. فلا يوجد من هو بلا خطية (1يو8:1)، والخطية هى موت، ولا يصح أن يستمر عضو ميت فى جسد المسيح. (فى عالم الطب يبترون العضو المصاب بالغرغرينا، أى العضو الذى إنقطع عنه الدم لفترة فمات، وبدأ فى إفراز سموم قاتلة للجسم) وقبل أن يموت الجسد كله يبترون العضو. أما فى جسد المسيح، فالله دبَّر حلاً للعضو الخاطئ وهو الإفخارستيا وبها يعود الدم أي الحياة للعضو الخاطئ، لذلك في الإفخارستيا غفران للخطية وعودة للحياة الأبدية. بها يحيا العضو الخاطئ مرة أخرى ويظل ثابتا ومتحدا فى جسد المسيح، فالله لا يشاء موت الخاطئ مثل أن يرجع ويحيا. بينما فشل الطب فى حل مشكلة العضو الذى مات (غرغرينا gangrene) فيبترونه، وجد الله لنا حلا إن أخطأنا بأن نظل ثابتين فى جسد إبنه عن طريق الإفخارستيا، ومن هو فى المسيح يُحسب كاملا لذلك يقول المسيح "مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو56:6).
آية 3: "لكِنْ فِيهَا كُلَّ سَنَةٍ ذِكْرُ خَطَايَا."
حكمة الله وقصده فى تكرار هذه الذبائح التي نكررها كُلَّ سَنَةٍ والذبيحة التي تكرر كل سنة هي ذبيحة الكفارة هذه التي كانت رمزاً لذبيحة المسيح على الصليب:
1. أن يشير لعدم كفاية الذبائح.
2. هذا ليس عيبًا في الناموس، بل له فائدة روحية أن يظل الإنسان دائمًا شاعرًا أنه مخطئ، حتى يكون هناك
اشتياق لحل كامل للفساد الداخلي، والنظر باشتياق لذاك الذي يأتي ليرفع الخطية (إش64: 1).3. التذكير الدائم للخطية هو لتأنيب الضمير وإيقاظه ليسعى نحو الكمال والكف عن الخطية
لإرضاء الله.
آية 4: "لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا."
لو كانت الذبائح ترفع الخطايا من الضمير لما صرخ داود "لأنك لا تسر بالمحرقات" ولكن الذبيحة تستمد فاعليتها مما تحمله من طاعة لمشيئة الله التي أعلنت هذه الذبائح كرموز. لذلك يرفض الله الذبائح لو قدمت بلا توبة وانسحاق، فالله لا يسر باللحوم.
آية 5: "لِذلِكَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: «ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا لَمْ تُرِدْ، وَلكِنْ هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا."
أخذ الرسول بولس يبحث في التوراة عن نص يشير للذبيحة التي ترفع الخطايا فوجده في (مز40: 6) "بذبيحة وتقدمه لم تسر. أذنيَّ فتحت" وكلمة
أذنيَّ فتحت هذه تصنع للعبد الذي في طاعة كاملة وبحرية في القرار وبمسرة كاملة يسلم نفسه وعائلته لسيده في عبودية طول العمر إذ لم يجد أحسن من بيت سيده (خر21: 5-6). والمسيح في طاعته للآب وبحريته وإرادته تجسد وأخذ شكل العبد (فى2: 7) + (أش52: 13+ 53: 11). لذلك نجد هذه الآية وقد ترجمتها السبعينية هكذا "ذبيحة وقربانًا لم يرد ولكن هيأت لي جسدًا" وبولس الرسول اقتبسها من السبعينية. وهدف إعداد الجسد الإنساني للمسيح هو لكي يقدمه لله ذبيحة مقبولة عوضًا عن الذبائح الحيوانية. ذَبِيحَةً = الذبائح الحيوانية. قُرْبَانًا = تقدمه الدقيق. لاحظ أن الذبيحة تشير لغفران الخطية، أما القربان فهو إشارة للحياة. فالقربان هو تقدمة الدقيق الذى يصنع منه الخبز الذى يعطى حياة للإنسان وشبعاً. والمسيح قدَّم نفسه ذبيحة، وبدمه تغفر خطايانا، وقدم نفسه قربانا أى خبزا حقيقيا نأكله فنحيا:- ذبيحة المسيح تغفر خطايانا = "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ ٱفْتُدِيتُمْ لَا بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ ٱلْبَاطِلَةِ ٱلَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ ٱلْآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلَا عَيْبٍ وَلَا دَنَسٍ، دَمِ ٱلْمَسِيحِ"أَنَا هُوَ ٱلْخُبْزُ ٱلْحَيُّ ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ" (1بط 1: 18-19). والمسيح هو القربان أى خبز الحياة "إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا ٱلْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى ٱلْأَبَدِ. وَٱلْخُبْزُ ٱلَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي ٱلَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ ٱلْعَالَمِ" (يو51:6). مرة أخرى نجد أن الذبيحة تعطى غفرانا للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه.عِنْدَ دُخُولِهِ = أي تجسده (عب1: 6).
هَيَّأْتَ لِي جَسَدًا = الأصل العبرى للعبارة "أذنىَّ فتحت" ومعناها صرت عبداً بكامل حريتى. فالمسيح إبن الله صار إنسانا وعبداً بكامل حريته. ولاحظ أن الترجمة السبعينية بإرشاد الروح القدس ترجمتها "هيأت لى جسداً". وتعتبر هذه الترجمة نبوة عن تجسد المسيح أوحى بها الله للمترجم. فإبن الله يتجسد ويصير إنساناً ليقدم جسده ذبيحة. ولذلك فكنيستنا الأرثوذكسية تعترف بالترجمة السبعينية وأنها من الله:-
1. بها نبوات مثل هذه النبوة وغيرها، (وراجع مقدمة الأسفار المحذوفة).
2. الإنجيليين إقتبسوا منها وبالتالي هم بذلك إعتمدوها.
آية 6: "بِمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُسَرَّ."
ما زال الرسول يقتبس من (المزمور 40). هنَذَا
= هنا نرى استجابة المسيح لإرادة الله الآب وهي خلاص البشرية. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي = فالعهد القديم كله تنبأ عن المسيح وعمله الفدائي. لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ = المسيح أتى لهذا. درج = الكتاب كان عبارة عن رول ملفوف، يُكتب على ورقة ثم يُلصق بها ورقة أخرى ثم ثالثة وهكذا، ثم يلفون الورق على هيئة رول.
آية 7: "ثُمَّ قُلْتُ: هنَذَا أَجِيءُ. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي، لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ»."
ا زال الرسول يقتبس من (المزمور 40). هنَذَا = هنا نرى إستجابة المسيح لإرادة الله الآب وهى خلاص البشرية. فِي دَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي = فالعهد القديم كله تنبأ عن المسيح وعمله الفدائى. لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ = المسيح أتى لهذا، وكان المسيح مرسلٌ من الآب والروح القدس، ليتمم الفداء ويخلص البشر. ويقول الإبن يهوه "مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ، وَٱلْآنَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ" (إش16:48). فالإبن والروح القدس أقنومى تنفيذ مشيئة الآب. دَرْجْ = الكتاب كان عبارة عن رول ملفوف ، يُكتب على ورقة ثم يُلصق بها ورقة أخرى ثم ثالثة وهكذا، ثم يلفون الورق على هيئة رول.
الآيات 8، 9: "إِذْ يَقُولُ آنِفًا:«إِنَّكَ ذَبِيحَةً وَقُرْبَانًا وَمُحْرَقَاتٍ وَذَبَائِحَ لِلْخَطِيَّةِ لَمْ تُرِدْ وَلاَ سُرِرْتَ بِهَا». الَّتِي تُقَدَّمُ حَسَبَ النَّامُوسِ. 9ثُمَّ قَالَ:«هنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللهُ». يَنْزِعُ الأَوَّلَ لِكَيْ يُثَبِّتَ الثَّانِيَ."
الله سمح بالذبائح في العهد القديم لتهذيب الإنسان وتوجيه فكره وعقيدته، في أن حيوانًا بريئًا يموت نيابة عنه ليكون هو طاهرًا وليعرف أن الخطية عقوبتها الموت. وأيضًا فهذه الذبائح تشير للمسيح الذي فيه حقيقة مسرة الله، وبه حقيقة خلاص البشر.وطالما جاء المسيح المرموز إليه يبطل الرمز.
آية 10: "فَبِهذِهِ الْمَشِيئَةِ نَحْنُ مُقَدَّسُونَ بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً."
قارن مع "ٱلَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ ٱلَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ" (أف1: 5، 11). واضح أن مشيئة الله منذ البدء هى تقديم إبنه ذبيحة ليقدسنا، ومشيئة الله لا تتغير أبداً. فهذا ما يقوله يهوه (إبن الله الذى صار المسيح المتجسد) "لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ فِي ٱلْخَفَاءِ. مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ. وَٱلْآنَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ" (إش16:48) فهنا نرى إتفاق أزلى داخل المشورة الثالوثية وهو أن يُرسَلْ الإبن ليتمم الفداء. والإبن قدم جسده طاعة لمشيئة الآب، ولذلك وبهذه المشيئة نتقدس.
تقْدِيمِ = تشير لأنه قدم جسده ذبيحة.
نَحْنُ مُقَدَّسُونَ = ماذا يعنى قوله أننا مقدسون؟ يقول القديس بولس الرسول "أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلَّذِي فِيكُمُ، ٱلَّذِي لَكُمْ مِنَ ٱللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ؟ لِأَنَّكُمْ قَدِ ٱشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا ٱللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ ٱلَّتِي هِيَ لِلهِ" (1كو 6: 19-20). والتقديس يعنى تخصيص الشئ لله، كما يقول "وَكَلَّمَ ٱلرَّبُّ مُوسَى قَائِلًا: قَدِّسْ لِي كُلَّ بِكْرٍ، كُلَّ فَاتِحِ رَحِمٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مِنَ ٱلنَّاسِ وَمِنَ ٱلْبَهَائِمِ. إِنَّهُ لِي" (خر 13: 1-2). ويقول القديس بطرس الرسول "عَالِمِينَ أَنَّكُمُ ٱفْتُدِيتُمْ لَا بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ ٱلْبَاطِلَةِ ٱلَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ ٱلْآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلَا عَيْبٍ وَلَا دَنَسٍ، دَمِ ٱلْمَسِيحِ، مَعْرُوفًا سَابِقًا قَبْلَ تَأْسِيسِ ٱلْعَالَمِ" (1بط 1: 19-20). فنفهم من كل هذا أن التقديس يعنى أن المسيح بفدائه لنا على الصليب قد إشترانا ودفع دمه ثمناً لنا فأصبحنا ملكه، وقد خصصنا لنكون هياكل للروح القدس وأن هذا كان بحسب مشيئته الأزلية.
بِتَقْدِيمِ جَسَدِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَرَّةً وَاحِدَةً = والمسيح قد صُلب وقدَّم جسده مرة واحدة، ودفع دمه ثمنا ليشترينا، وكان دمه اللانهائى في إمكانياته قادراً على شراء كل البشر، ولكن قطعاً كان هذا لمن يقبل ويؤمن كما قال الرب يسوع لمرثا أخت لعازر "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو25:11).
آية 11: "وَكُلُّ كَاهِنٍ يَقُومُ كُلَّ يَوْمٍ يَخْدِمُ وَيُقَدِّمُ مِرَارًا كَثِيرَةً تِلْكَ الذَّبَائِحَ عَيْنَهَا، الَّتِي لاَ تَسْتَطِيعُ الْبَتَّةَ أَنْ تَنْزِعَ الْخَطِيَّةَ."
علامة عجز العهد القديم عن نزع الخطية:
1. تكرار الذبائح.
2. موت الكهنة وقيام غيرهم.
3. الذبيحة الحيوانية عاجزة عن رفع خطية الخاطئ.
لذلك ظلت الخطية بسلطانها حاملة حكم الموت على الإنسان. والمطلوب كاهن لا يموت وذبيحة واحدة تقدم مرة واحدة تواجه كل ألوان الخطايا ولها سلطان أن تسحق الخطية وتبيد الموت
وتعطي حياة أبدية وتعطي ضميرًا نقيًا.
آية 12: "وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللهِ."
هنا نجد الكاهن الذى أكمل خدمته مرة واحدة وللأبد بجلوسه عن يمين الآب كما يقول داود النبى "قَالَ ٱلرَّبُّ لِرَبِّي: ٱجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْكَ" (مز1:110).
آية 13: "مُنْتَظِرًا بَعْدَ ذلِكَ حَتَّى تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ."
ويكمل (المزمور 110) "حتى أضع أعدائك موطئاً لقدميك" الآية4. فالمسيح إنتصر على الموت والخطية وإبليس وحرر الإنسان من قيودهما وقدس الإنسان وقدمه للآب.
تُوضَعَ أَعْدَاؤُهُ مَوْطِئًا لِقَدَمَيْهِ = المسيح بصليبه قَيَّدَ إبليس (رؤ1:20 + مت29:12) هو حدَّ من سلطانه تماما لكن هو ما زال يقاوم ويحارب كنيسة الله. وعند المجئ الثانى سيُطرح في البحيرة المتقدة بالنار. وكل من كانوا يتبعونه سيكونون معه. أم شعب المسيح الذى آمن به وثبت فيه، فيأخذهم كجسده الواحد ويقدم الخضوع للآب (1كو28:15). فالمؤمنين محبى المسيح سيخضعون بالحب، أما أتباع الشيطتن فسيخضعون بالقوة بل سيكونون في البحيرة المتقدة بالنار "وَإِبْلِيسُ ٱلَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ ٱلنَّارِ وَٱلْكِبْرِيتِ، حَيْثُ ٱلْوَحْشُ وَٱلنَّبِيُّ ٱلْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ" و "وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ ٱلْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ ٱلنَّارِ" (رؤ 20: 10، 15).
← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.
آية 14: "لأنه بقربان واحد قد أكمل إلى الأبد المقدسين.
تقديسنا تم مرة واحدة وإلى الأبد. وجهادنا الآن هو الإمساك بالمسيح، لكي نثبت فيه. وأن نصدق وعد الآب. وكلمة قربان هنا تشمل حياته وذبيحته. فالمسيح بحياته وذبيحته أكمل القديسين. هذا القربان الواحد هو جسده الذي قدمه على الصليب وقام به ويقدمه لنا في ذبيحة الإفخارستيا -ذبيحة حية- نتناول منها دائما لنظل ثابتين فيه إلى النهاية وكاملين فيه.
الآيات15-18: "وَيَشْهَدُ لَنَا الرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا. لأَنَّهُ بَعْدَمَا قَالَ سَابِقًا: «هذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَعْهَدُهُ مَعَهُمْ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ، يَقُولُ الرَّبُّ، أَجْعَلُ نَوَامِيسِي فِي قُلُوبِهِمْ وَأَكْتُبُهَا فِي أَذْهَانِهِمْ وَلَنْ أَذْكُرَ خَطَايَاهُمْ وَتَعَدِّيَاتِهِمْ فِي مَا بَعْدُ». 18وَإِنَّمَا حَيْثُ تَكُونُ مَغْفِرَةٌ لِهذِهِ لاَ يَكُونُ بَعْدُ قُرْبَانٌ عَنِ الْخَطِيَّةِ."
راجع (أر31:31-34). الروح القدس يذكرنا بأقوال الله ونواميسه ويلهب قلوبنا ويهب إرادتنا القوة لكي نخضع لها وننفذها. وفي دم المسيح لا يعود الله يذكر الخطايا التي نتوب عنها ونعترف بها لأنه في ذبيحة الصليب قد دفع دين الخطية ولم يعد للخطية أن تطلب دينها مرة أخرى من البشر.. وإنما حيث تكون مغفرة لهذه لا يكون بعد قربان عن الخطية = أي إذا كانت قد حدثت مغفرة فلماذا تقدم ذبيحة ثانية وبالتالي إن كان هناك ذبيحة لها هذه القوة في غفران كل الخطايا فيجب أن يتوقف تقديم ذبائح في الهيكل. وهذا تفسير آية (14).
نتائج الخطية وعمل المسيح
1. إبليس استعبد الإنسان. ولأن الإنسان اتفق مع إبليس، بَدَّدَ كل مميزاته الطبيعية التي وهبها الله إياها، من فكر وفهم وصحة وطهارة وتمييز. والمسيح افتدانا أي دفع دمه فدية وفك أسرنا. هو لم يدفعها للشيطان، بل أنه أسر الشيطان نفسه على الصليب وكبله بسلاسل أبدية وانتزع منه سباياه (أف4: 8) لهذا يقال إن المسيح اشترانا بدمه.
2. الخطية أحدثت للإنسان حالة تغرب عن الله وعداوة، وهذه استلزمت مصالحة أكملها المسيح بطاعته وقداسته فقرب البعيدين إلى قلب الله بعد غربة وعداوة.
3. الإنسان بتعديه أصبح مديونًا أي محكوم عليه بمعنى أنه وقع تحت دينونة عدل الله وأصبح محتاجًا إلى تبرئة أي مغفرة، وهذه أكملها المسيح بأن تحمل في جسده عقوبة الدينونة وهي الموت واللعنة فاستوفى العقاب لأجلنا ووهبنا البراءة أمام عدل الله.
إلى هنا انتهى بولس الرسول من دفاعه عن المسيحية وأبرز أن المسيح أفضل من الملائكة ومن موسى ومن يشوع وأظهر أفضلية كهنوته عن كهنوت العهد القديم وسيتبع ذلك بتقديم تطبيقات عملية مبنية على ما سبق وقيل حتى الآن.
آية 19: "فَإِذْ لَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ ثِقَةٌ بِالدُّخُولِ إِلَى «الأَقْدَاسِ» بِدَمِ يَسُوعَ."
كان امتياز الدخول للأقداس لفرد واحد هو رئيس الكهنة ولمرة واحدة وكان يدخل لدقائق يخرج بعدها. أما الآن فصار لنا جميعًا هذا الامتياز لأننا متحدين برئيس الكهنة، نحن فيه ندخل لا لنخرج ثانية. وكان رئيس الكهنة يفتح الحجاب (يشقه) ليدخل.
أيها الإخوة = هم إخوة بسبب ثبوتهم كلهم في المسيح، ثبوتهم معًا فيه.
إِلَى الأَقْدَاسِ
= انفتح القدس (عبادتنا الحاضرة) على قدس الأقداس (العبادة الأبدية). كأعضاء في جسده المقدس صار لنا حق في التمتع بالسماويات. وجسده هو الحجاب الذي اختفى وراءه اللاهوت، حتى نقدر أن نلتقي به ونتعرف على أسراره الإلهية. وبعد أن ذبح المسيح انشق الحجاب وظهرت لنا الأقداس. لم يعد هناك حجاببِدَمِ يَسُوعَ = دم المسيح هو حياته، وبحياة المسيح نعبر محارس الموت والهاوية وعلينا ختم الدم. ودم المسيح المقدس نعبر به بوابات الدينونة وعلينا ختم الدم. دم يسوع يكَفِّرْ عنا أي يغطينا فنكون مقبولين من الآب إذ يرانا ثابتين في إبنه. ومن هو ثابت في إبنه هو حى بحياة إبنه "لى الحياة هي المسيح" (فى21:1). ومن هو حى لا سلطان للموت ولا للهاوية عليه.
آية 20: "طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا، بِالْحِجَابِ، أَيْ جَسَدِهِ."
الحجاب كان يمثل غضب الله على الإنسان بسبب خطيته واستحالة رؤية الإنسان لله لذلك لبس المسيح جسدنا وحمل العقوبة فيه وبموته أنشق الحجاب أمام قدس الأقداس.
طريقًا = قال المسيح عن نفسه أنا هو الطريق. لذلك يصف الرسول هذا الطريق بأنه طريقًا حيًا فهو طريق مشخص، هو ذات حية طريقًا حديثًا = أي أن عمله متجدد مع الأيام لا يأتي إلى قدم.
ونحن إذ ندخل للكنيسة ونسجد أمام الهيكل نقبل ستر الهيكل الذي يرمز لجسد المسيح (الحجاب).
ويفتح الكاهن الحجاب ممسكا بالصليب في يده، لأن المسيح بكهنوته الذي هو تقديم جسده ذبيحة على الصليب فتح أمامنا طريق السماء.حَدِيثًا
= NEW وأصل الكلمة باليونانية πρόσφατον: PROSPHATOS وتعني "مذبوح حديثًا"وهي كلمة مشتقة من فعل يعني ذبح حيوان لأكله أو لتقديمه ذبيحة دينية وذلك بحسب قاموس (strongs) الأمريكي. وتعني أيضًا أن هذه الذبيحة هي ذبيحة (fresh) أي مذبوحة حالًا وهذا أيضًا بحسب نفس القاموس.حيًا = هذه الذبيحة ليست ميتة بل هي حية، فهي جسد المسيح المتحد بلاهوته الذي لا يموت. رآه يوحنا اللاهوتي خروف قائم كأنه مذبوح (رؤ5).
هذه هي ذبيحة الإفخارستيا التي نقدمها يوميًا على مذابح كنيستنا، المسيح بنفسه وسطنا:-
بجسده المذبوح يعمل على أن تموت فينا الحياة العتيقة (الإنسان العتيق) فتُغفر خطايانا.
ولكن جسده هذا حي بلاهوته فيعطينا حياة أبدية.
وهذا ما نردده في القداس........ " يُعْطَى لغفران الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه".
آية 21: "وَكَاهِنٌ عَظِيمٌ عَلَى بَيْتِ اللهِ."
لنا في السماء محام عنا وشفيع يحمل جنسنا. وبيته نحن (عب 3:6) أي البشرية المفتداة على الأرض وفي السماء وهو رئيس كهنتنا الأعظم الذي يُقدِّم جسده يوميا على مذبح الإفخارستيا لغفران خطايانا ولنحيا أبديا. المسيح رئيس كهنتنا قدم نفسه ذبيحة حية دائمة، مفاعيلها (موت وحياة) دائمة، لذلك رآه القديس يوحنا "خروف قائم كأنه مذبوح". وهذا معنى قول المزمور أن كهنوت المسيح دائم إلى الأبد "اقسم الرب ولن يندم. أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكي صادق" (مز110: 4). لذلك فإن الآيات (18، 19، 20، 21) هي آيات إفخارستية نرى فيها تطبيق على كهنوت ملكي صادق = المسيح الذي كهنوته إلى الأبد. أما كهنة العهد الجديد فهم يستمدون كهنوتهم من كهنوت المسيح، والمعنى أنهم حين يصلون صلوات التقديس، يحول الروح القدس الخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه = ذبيحة المسيح الدائمة التي قدمها على الصليب.
آية 22: "لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ."
هذه الآية تعقيب على الآيات (19-21) أي إذ كان لنا ثقة بالدم والاعتماد على المسيح كرئيس كهنة عظيم فلنفعل كذا وكذا.. أي ما يطلبه الرسول في الآيات التالية ويورد 3 آيات (22، 23، 24) في 22 نتقدم في يقين الإيمان. وفي 23 نتمسك بإقرار الرجاء وفي 24 نلاحظ بعضنا بعضًا في المحبة وتكون لنا أعمالنا الحسنة. وها نحن ثانية نتلاقى مع ثلاثية بولس الرسول الإيمان والرجاء والمحبة.
لنتقدم بقلب صادق = القلب هو مركز الشعور والعواطف وهذا ينبغي أن ينحاز كليًا لله أي نقدم العبادة لله بالحق والخضوع والطاعة له وحده.
في يقين الإيمان = يكون الإيمان في منتهى قوته. ولنا تسليم كلي واعتماد كامل على الله، القادر أن يعين. وكل من يلقي برجائه على الله دون ارتياب ويكون قلبه صادقًا فإن الله يستجيب مهما كان الأمر صعبًا ومستحيلًا لدى الناس.
مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير = في العهد القديم كان يرش على المنجسين برشاش الدم (دم الذبائح) فيطهرون (خر24: 8). ولكن هذا الدم كان يتعامل مع الإنسان من الخارج أما دم المسيح فيتعامل مع القلوب والضمائر بطريقة غير منظورة ليطهرها ويقدسها.
ضمير شرير = أعمال الإنسان الشريرة تنعكس على ضمير الإنسان وتلوثه. والعكس فالضمير الشرير يُصوِّر الشر وينفذه بالنية. ولكن دم المسيح له قوة خارقة تتغلغل أعماق الضمير وتطهره بل تقدسه وتضيئه فلا يعود خادمًا للشر.
مغتسلة أجسادنا بماء نقي = المعمودية التي تطهر الجسد والنفس، ظاهر الإنسان وباطنه.
آية 23: "لِنَتَمَسَّكْ بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ رَاسِخًا، لأَنَّ الَّذِي وَعَدَ هُوَ أَمِينٌ."
لِنَتَمَسَّكْ = أى نمسك بشدة. بِإِقْرَارِ الرَّجَاءِ = الإعتراف الإيماني الذى يُملَى على المعمد فينطقه كلمة كلمة وراء الأسقف مثل "نؤمن بقيامة الأموات وحياة الدهر الآتي" بالإضافة لإقراره بأن يظل أميناً على ما إؤتمن عليه. لذلك جاءت هذه الآية تعقيباً مباشراً على المعمودية في الآية السابقة لترسيخ الرجاء الذى بدأ بالمعمودية. الإيمان يهبنا الدخول للطريق، والرجاء يفتح القلب لمعاينته بفرح، والمحبة هي سمة الطريق ذاته. إيماننا بدم المسيح هو الطريق الذى يهبنا الرجاء. ولكن هذا الرجاء ينبغي أن يكون ملتحماً مع ضميرنا الصالح بعيداً عن الشر مع الإلتزام بالجهاد المستمر فى حياة البر. وكأن الإيمان ليكون حيا وفعالا يلزم أن يكون ملتحما بالرجاء والمحبة. والمحبة أهم أعمال حياة البر. وبإختصار معنى الآية "لنتمسك بما نرجوه ونأمل فيه بكل ثقة ويقين لأن الله صادق وأمين أي أنه لابد وسينفذ ما وعد به".
آية 24: "وَلْنُلاَحِظْ بَعْضُنَا بَعْضًا لِلتَّحْرِيضِ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ."
عوضًا عن أن تحرضوا بعضكم على ترك الإيمان فلتحرضوا بعضكم على أعمال المحبة. والمحبة هي تاج ثالوث الفضائل المسيحية (1كو13:13). وإذا كان بالإيمان والرجاء نحلق في السماويات فالمحبة تجعلنا لا نطيق أن نحلق وحدنا بمفردنا. ونلاحظ في هذه الآية أن هناك مسئولية عامة علينا كلنا تجاه الآخرين.
آية 25: "غَيْرَ تَارِكِينَ اجْتِمَاعَنَا كَمَا لِقَوْمٍ عَادَةٌ، بَلْ وَاعِظِينَ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَبِالأَكْثَرِ عَلَى قَدْرِ مَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ يَقْرُبُ."
هنا نرى ضرورة الجهاد بروح جماعية. فروح الجماعة تسند كل عضو دون أن تفقده علاقته الشخصية مع الله. غير تاركين = الكلمة المستخدمة تشير لمن يترك ويتحاشى حضور الاجتماع ويهمله عن عمد، مثلما ترك ديماس الخدمة مع بولس الرسول.
اجْتِمَاعَنَا
= إشارة للقداسات أيضًا. وحيثما اجتمع اثنين أو ثلاثة باسمي أكون في وسطهم. إذًا أهمية الاجتماع أن المسيح في الوسط. وكلمة اجتماعنا حيث ضمير جمع المتكلم (نا) تشير لاجتماعات المسيحيين. كما لقوم عادة = الإشارة هنا لاجتماعات اليهود الذين يحضرون اجتماعاتهم لحضور التلاوات لأنهم خائفين من الرؤساء فيخرجوا كما دخلوا. المطلوب أن نأتي بشعور الاحتياج الحقيقي للمسيح فبدونه لا نقدر أن نعمل شيئًا (يو15: 5 + فى4: 13) أما من يقول أنه غير محتاج فلا يذهب يسمع قول الرب الصعب "أنا مزمع أن أتقيأك" (رؤ3: 16-17).واعظين = عزاء وتشجيع للخائفين. على قدر ما ترون اليوم يقرب = بولس الرسول أدرك بروح النبوة أن يوم خراب الهيكل قد اقترب فالعلامات التي قالها المسيح ظهرت وهذا تحذير آخر لمن يريد ترك المسيحية لليهودية. وكلمات الرسول عن اقتراب اليوم تدفعنا كما تدفع العبرانيين للجهاد لأنه إن أتى هذا اليوم فلا فائدة للتوبة لذلك فهو في آية 26 يبدأ التحذير من السقوط.
وربما تشير عبارة أن اليوم يقرب للمجيء الثاني الذي كانوا يتوقعونه أن يأتي سريعًا. وعمومًا فحين سألوا المسيح عن علامات نهاية العالم أجاب عن علامات نهاية العالم وخراب أورشليم بكلمات مشتركة (مت24) فهناك ارتباط بين نهاية العالم وخراب أورشليم فدينونة أورشليم هي رمز لإدانة الخطاة في اليوم الأخير.
أية 26: "فَإِنَّهُ إِنْ أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا بَعْدَمَا أَخَذْنَا مَعْرِفَةَ الْحَقِّ، لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا."
أَخْطَأْنَا بِاخْتِيَارِنَا
= هنا يعني المسئولية الشخصية. هنا نجد تحذير من العصيان. فالذي يخطئ لا يعطي للمسيح اعتبار. لقد صرت جسد المسيح فهل تسلم نفسك للشيطان ليطأ عليك تحت قدميه. مثل هذا الإنسان يستحق عقابًا أعظم. إن كان المسيح قد فتح باب الرجاء فلا يعني هذا أن نستهين بالمراحم الإلهية (رو2: 4–6). والله الآن يفتح طريق التوبة والاعتراف فلننتهز الفرصة. فمن يرفض ذبيحة المسيح ليعلم أنه لا توجد ذبيحة أخرى لغفران الخطايا (فالذبائح اليهودية قد بطلت بالمسيح) = لاَ تَبْقَى بَعْدُ ذَبِيحَةٌ عَنِ الْخَطَايَا. ولنلاحظ أن هذا الكلام موجه للعبرانيين الذين يفكرون في الارتداد.
آية 27: "بَلْ قُبُولُ دَيْنُونَةٍ مُخِيفٌ، وَغَيْرَةُ نَارٍ عَتِيدَةٍ أَنْ تَأْكُلَ الْمُضَادِّينَ."
غيرة نار = والغيرة تنشأ من المحبة. وهي نار لأن إلهنا نار آكلة.
آية 28: "مَنْ خَالَفَ نَامُوسَ مُوسَى فَعَلَى شَاهِدَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةِ شُهُودٍ يَمُوتُ بِدُونِ رَأْفَةٍ."
من خالف = استهان ورفض كلية. وكان بحسب ناموس موسى يعاقب تارك الإيمان وعابد الأوثان بالرجم (تث17: 2-7 +13: 6-10).
آية 29: "فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللهِ، وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا، وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَةِ؟"
من داس ابن الله = استهان بالمسيح والإيمان بالمسيح ووضع المسيح موضع الكراهية والاحتقار. هذا الإنسان استولى الشيطان على عقله وقلبه وتفكيره.
الَّذِي قُدِّسَ بِهِ
= أي اعتمد وحل عليه الروح القدس. دَنِسًا = أي غير مخصص لله أي أن معموديته فقدت تأثيرها، أو هو صار لا يفهم أن المعمودية صيرته مقدسًا ومكرسًا لله.دنسا = أي ظن أن دم المسيح مثل دم أي إنسان عادي فكل إنسان عدا المسيح هو خاطئ دنس أي دم المسيح الذي تقدسنا به ليس دم إنسان عادي بل هو دم يُقَدِّس.
بروح النعمة = الروح الذي أذاقه النعمة يومًا ما. والنعمة هي عمل وقوة تجديد الروح القدس فينا.
الآيات30، 31: "فَإِنَّنَا نَعْرِفُ الَّذِي قَالَ: «لِيَ الانْتِقَامُ، أَنَا أُجَازِي، يَقُولُ الرَّبُّ». وَأَيْضًا: «الرَّبُّ يَدِينُ شَعْبَهُ». 31مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللهِ الْحَيِّ!"
راجع (تث32: 35، 36). فإننا نعرف = نعرف أنه الحي إلى الأبد الذي لا يخفى عليه شيء وهو حين يقول يفعل. مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي = هذا أمر تسلمناه أبًا عن جد وكلنا اختبرناه فالله رحوم ولكنه أيضًا مخيف لمن يستهين به.
آية 32: "وَلكِنْ تَذَكَّرُوا الأَيَّامَ السَّالِفَةَ الَّتِي فِيهَا بَعْدَمَا أُنِرْتُمْ صَبَرْتُمْ عَلَى مُجَاهَدَةِ آلاَمٍ كَثِيرَةٍ."
بعد الإنذارات السابقة المخيفة يعود الرسول بروح العطف ويشجعهم حتى لا ييأسوا ويخوروا. وهو يذكرهم بأنهم احتملوا بعد معموديتهم مباشرة آلام كثيرة = بعدما أنرتم صبرتم = فالمعمودية يطلق عليها استنارة. ونلاحظ هياج الشيطان على كل نعمة نحصل عليها. فبعد معموديتهم أهاج اليهود عليهم. وصبرهم كان راجعًا لثقتهم في أن هناك مكافأة سماوية وكان هذا سر فرحهم خلال الضيق والاضطهاد والظلم.
آية 33: "مِنْ جِهَةٍ مَشْهُورِينَ بِتَعْيِيرَاتٍ وَضِيقَاتٍ، وَمِنْ جِهَةٍ صَائِرِينَ شُرَكَاءَ الَّذِينَ تُصُرِّفَ فِيهِمْ هكَذَا."
مشهورين = أي شُهِّر بكم وصرتم منظرًا للسخرية. شركاء = لم يتنصلوا من الذين كانوا مضطهدين. وهذه تحسب لهم شجاعة فهم احتملوا آلام شخصية من الاضطهاد بل شاركوا باقي المضطهدين.
آية 34: "لأَنَّكُمْ رَثَيْتُمْ لِقُيُودِي أَيْضًا، وَقَبِلْتُمْ سَلْبَ أَمْوَالِكُمْ بِفَرَحٍ، عَالِمِينَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنَّ لَكُمْ مَالًا أَفْضَلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَبَاقِيًا."
كان الروح القدس يعزيهم لذلك فرحوا في الضيقات، لأن لهم كنزًا في السماء. رثيتم لقيودي= في محبة يذكرهم بمحبتهم له.
آية 35: "فَلاَ تَطْرَحُوا ثِقَتَكُمُ الَّتِي لَهَا مُجَازَاةٌ عَظِيمَةٌ."
فلا تطرحوا = المعنى تطرحوا بإهمال. هنا يكونون كمن يلقي سلاحه في المعركة. (2كو17:4). لتحذروا أن تفقدوا إيمانكم وثقتكم القوية ليكون لكم جزاء عظيم.
آية 36: "لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ، حَتَّى إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ تَنَالُونَ الْمَوْعِدَ."
إِذَا صَنَعْتُمْ مَشِيئَةَ اللهِ
= من مشيئة الله أن تتحملوا بعض الآلام لبعض الوقت فاحتملوها بصبر ولا ترفضوا مشيئته. لأَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الصَّبْرِ = هذه كقول الرب "الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مت24: 13).
آية 37: "لأَنَّهُ بَعْدَ قَلِيل جِدًّا «سَيَأْتِي الآتِي وَلاَ يُبْطِئُ."
عليكم أن تصبروا لأن الرب الذي تنتظرونه سوف يأتي ولا يتأخر. وقد اقتبس هذا القول من (حب 2:2-4). وقوله قليل اقتبسه من (إش26: 20). ولنعلم أن أعظم تعزية نقدمها للمتضايق أن الرب آتٍ سريعًا للنجدة والخلاص.
آية 38: "أَمَّا الْبَارُّ فَبِالإِيمَانِ يَحْيَا، وَإِنِ ارْتَدَّ لاَ تُسَرُّ بِهِ نَفْسِي»."
هي دعوة ليثبتوا في الإيمان. وإن ارتد = هذا يشابه حال العبرانيين والمقصود أن الإيمان يقوي صاحبه على احتمال الآلام والشدائد والاضطهادات وما زال الاقتباس من (حب2:2-4).
آية 39: "وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا مِنَ الارْتِدَادِ لِلْهَلاَكِ، بَلْ مِنَ الإِيمَانِ لاقْتِنَاءِ النَّفْسِ."
هذه للتشجيع إذ أنهم ليسوا للارتداد. وهنا نجد أن الارتداد في مقابل اقتناء النفس لذلك من يرتد يخسر نفسه.

← تفاسير أصحاحات عبرانيين: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
تفسير عبرانيين 11![]() |
قسم
تفاسير العهد الجديد القمص أنطونيوس فكري |
تفسير عبرانيين 9![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/tk82jgd