St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   19-Resalet-3ebranieen
 

شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص أنطونيوس فكري

عبرانيين 4 - تفسير رسالة العبرانيين

 

اضغط هنا لإظهار الفهرس

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

آية 1: "فَلْنَخَفْ، أَنَّهُ مَعَ بَقَاءِ وَعْدٍ بِالدُّخُولِ إِلَى رَاحَتِهِ، يُرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنَّهُ قَدْ خَابَ مِنْهُ!"

إلى راحته = هناك 3 أنواع من الراحة:

1. راحة الله يوم السبت، وهي راحة الله حين تمم الخلاص للإنسان في منتصف اليوم السابع للخليقة. وبها حصلت الراحة الأبدية التي نالها البشر بالفداء وكعربون لها التعزيات والفرح والسلام الذي يعطيه الله بروحه القدوس لنا الآن على الأرض.

2. دخول الشعب إلى أرض الراحة تحت قيادة يشوع وهذه راحة أرضية رمزًا للراحة السماوية في كنعان السماوية.

3. دخولنا إلى الراحة الأبدية في المسيح يسوع سر راحتنا وكرمز لها دخولهم كنعان.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الراحة في المسيح

هذه تتم على 3 مراحل:

1. ونحن على الأرض يعطينا الروح القدس تعزيات تكون كندى ينزل على أوراق الشجر وسط حرارة الشمس الحارقة (التجارب وآلام هذا العالم) فلا تحترق الأوراق (راجع إش18: 4).

2. بعد الانتقال تبدأ راحة حقيقية في الفردوس للروح والنفس والجسد.

 أ‌. راحة الجسد = فلا أمراض ولا آلام في الجسد.

 ب‌. راحة النفس = فلا قلق ولا حزن ولا هم ولا اكتئاب.

 ت‌. راحة الروح = وهذا في قربها من الله لانعدام فرص الخطية فما كان يبعد الإنسان عن الله هو الخطية الناشئة عن ضعف الجسد.

 3. الراحة في المجد حين يلبس الإنسان الجسد الممجد بعد المجيء الثاني.

فالمسيح هو سر الراحة الحقيقية فيه يستريح الآب ونستريح نحن أيضًا. في راحته نجد راحتنا بأن نستقر في أحضان الآب السماوي. والآب إرتاح في الابن لطاعته. وكإشارة لراحة الآب بسبب طاعة الابن الذي قدَّم نفسه ذبيحة فأعادنا إلى أحضان الآب نسمع:- 1- عند تقديم ذبائح المحرقات (لا1) يقول عنها "وقود رائحة سرور للرب". وعند تقديم نوح لمحرقته "تنسم الرب رائحة الرضا" (تك8: 21). فتقديم المسيح نفسه كمحرقة على الصليب في طاعة كاملة نُحسب فيه طائعين.

2- عند معمودية المسيح في الأردن، وبها نعود لأحضان الآب يقول الآب "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت".

فكانت طاعة المسيح هي بداية عودتنا لأحضان الآب ودخولنا للراحة، لكن يلزمنا الاجتهاد حتى لا تفلت منا هذه الراحة = يرى أحد منكم أنه قد خاب منه كما حدث مع اليهود وحرموا من دخول أرض الميعاد. ولنلاحظ أن كل وعد بالراحة في العهد القديم كان يرمز للراحة في المسيح التي ستكمل في الأبدية. لأن راحة السبت أو راحة كنعان لم تحقق الراحة الكاملة للشعب. لكن هذه الراحة ستكمل في المسيح الذي يكمل كل أعواز الإنسان من جهة محبة الله ومقاصده الحلوة لنا. فلنخف = هو يكلم العبرانيين حتى يخافوا من ارتدادهم عن الإيمان.

ونلاحظ أن الرسول بعد ما قارن بين المسيح وموسى نجده هنا يقارن بين المسيح ويشوع، فيشوع أدخلهم للراحة الزمنية في كنعان. ولكن هذه الراحة الزمنية ليست هي كل قصد الله لشعبه، بل الله يُعِّد لهم راحة أبدية.

نحن نحسب كاملين وبلا لوم وبلا دينونة، إن ثبتنا في المسيح الكامل (كو1: 28 + أف1: 4 + رو8: 1). وبنفس المفهوم نحن في المسيح نحسب طائعين. ونحن نصبح ثابتين في جسد المسيح إن سلكنا حسب الروح ولا نسلك بحسب شهوات الجسد الخاطئة (رو8: 1). والروح القدس يعطي معونة هي النعمة لنسلك بحسب الروح وليس بحسب الجسد، وهذا لمن يجاهد أي يغصب نفسه (مت11: 12) على السلوك بالروح وليس بالجسد. والآن بالمعمودية نصير أعضاء في جسد المسيح، الكنيسة كلها تصبح جسد المسيح، والمسيح رأس الكنيسة جسده، ويأتي بها للآب في حالة طاعة وخضوع كما أرادها الآب من البدء (1كو15: 28). وهذا هو السبب في فرحة الآب يوم معمودية المسيح، يوم أسس المسيح بمعموديته سر المعمودية الذي به نصير أعضاء في جسده فنعود إلى حضن الآب كأبناء للآب في ابنه المسيح.

 

آية 2: "لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا قَدْ بُشِّرْنَا كَمَا أُولئِكَ، لكِنْ لَمْ تَنْفَعْ كَلِمَةُ الْخَبَرِ أُولئِكَ. إِذْ لَمْ تَكُنْ مُمْتَزِجَةً بِالإِيمَانِ فِي الَّذِينَ سَمِعُوا."

قَدْ بُشِّرْنَا = بالأخبار السارة أي الوعد بالراحة في السماء. كما أولئك = الله بشر شعب إسرائيل بأنه سيعطيهم الراحة في أرض كنعان. كَلِمَةُ الْخَبَرِ = الإنجيل لنا والوعد بكنعان لهم. وكلمة الله قوية جدًا (آية 12) ولكن هذه القوة تعمل فيمن له إيمان = مُمْتَزِجَةً بِالإِيمَانِ. فلنحذر إذن أن نقابل كلمة الموعد بعدم إيمان. لم تنفع = هلك الكثيرين من شعب إسرائيل في برية سيناء مع أنهم سمعوا وعود الله.

 

آية 3: "لأَنَّنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ نَدْخُلُ الرَّاحَةَ، كَمَا قَالَ:«حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي» مَعَ كَوْنِ الأَعْمَالِ قَدْ أُكْمِلَتْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ."

نص المزمور 95: هلم نسجد ونركع ونجثو أمام الرب خالقنا.. لأنه هو إلهنا ونحن شعب مرعاه وغنم يده. اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم كما في مريبة مثل يوم مسة في البرية، حيث جربني آباؤكم. اختبروني. أبصروا أيضًا فعلي. أربعين سنة مقت ذلك الجيل وقلت هم شعب ضال قلبهم وهم لم يعرفوا سبلي. فأقسمت في غضبي لا يدخلون راحتي.

داود هنا يحذر شعبه أن لا يُقَسُّوا قلوبهم في الخطية بل يتوبوا حتى لا تضيع منهم الراحة.

نَدْخُلُ الرَّاحَةَ = نفهم من المزمور أن هناك راحة موعود بها ندخلها. ومن يؤمن بالمسيح يبدأ طريق الراحة، حقًا هي راحة يشوبها الآن آلام هذا العالم ولكنها بداية ثم تكمل بعد نهاية هذا العالم في راحة بلا ألم حيث يمسح الله كل دمعة من العيون (رؤ7: 17).

حَتَّى أَقْسَمْتُ فِي غَضَبِي: لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي = (مز95: 11) يقصد بولس الرسول أن يقول لولا أن الله قد هيأ لشعبه راحة ما كان يقسم بأنه سوف يحرمهم منها. ويتساءل الرسول هنا عن ما هي الراحة التي يتكلم عنها داود في المزمور 95 هل هي راحة السبت؟ ويجيب الرسول ويقول... لا قطعا... فالراحة التي استراحها الله بعد أن أكمل الخليقة انتهى موضوعها بنهاية الخلقة. هذه الراحة التي يعد بها الله ليست راحة يوم السبت. فالله أكمل خلقة العالم منذ زمان = الأَعْمَالِ قَدْ أُكْمِلَتْ.

 

آية 4: "لأَنَّهُ قَالَ فِي مَوْضِعٍ عَنِ السَّابعِ هكَذَا: «وَاسْتَرَاحَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابعِ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ»."

كما استراح الله بعد أن أنهى كل أعماله الخاصة بالخلقة، هكذا سيحدث للبشر، فبعد أن ننهي الأعمال التي خلقنا الله لنعملها (أف2: 10) سندخل إلى الراحة التي أعدها الله لنا.. والله لم يتعب إذ خلق العالم فقرر أن يستريح في اليوم السابع. لكننا نحيا الآن في اليوم السابع للخليقة، والله استراح فيه بأن تمم الفداء، وبه عادت لأبنائه الحياة الأبدية معه.

والله لا يرتاح إذ أنه لا يتعب. ولكنه استراح بكمال خلاصنا وفدائنا الذي تم بالصليب وكان هذا في اليوم السابع. والله مازال يعمل حتى الآن (يو5: 17). فموضوع السبت انتهى ونحن نحفظ السبت لنذكر السماء التي نذهب إليها والتي أعادنا لها المسيح بفدائه بعد أيام غربتنا هنا على الأرض. فنحن نرتاح يوم السبت ونسبح ونفرح بخلاصنا كما فرح الله بعودتنا له بالصليب. والنتيجة التي توصل لها الرسول أن الراحة التي يتكلم عنها داود ليست هي راحة السبت، فمنذ دخول اليهود لأرض الميعاد وهم كل أسبوع يرتاحون كل يوم سبت، إذًا إن كان هناك وعد براحة فهي قطعًا غير يوم السبت.

 

آية 5: "وَفِي هذَا أَيْضًا:«لَنْ يَدْخُلُوا رَاحَتِي»."

ما زال الرسول في بحثه عن الراحة التي يتكلم عنها داود. ويتساءل هل هي أرض كنعان. فالله هيأ الراحة لشعبه في كنعان ودعاهم إليها ولكن هناك من فشل في الوصول إليها، وذلك بسبب عدم الإيمان. والله أعد لنا راحة في السماء فلنحذر حتى لا نفشل وتضيع منا.

 

الآيات 6، 7: "فَإِذْ بَقِيَ أَنَّ قَوْمًا يَدْخُلُونَهَا، وَالَّذِينَ بُشِّرُوا أَوَّلًا لَمْ يَدْخُلُوا لِسَبَبِ الْعِصْيَانِ، 7يُعَيِّنُ أَيْضًا يَوْمًا قَائِلًا فِي دَاوُدَ:«الْيَوْمَ» بَعْدَ زَمَانٍ هذَا مِقْدَارُهُ، كَمَا قِيلَ:«الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ»."

سبق الرسول وقال إن الراحة المقصودة في مز 95 ليست هي السبت.

والرسول هنا يريد أن يثبت أن المقصود في المزمور ليست الراحة الأرضية في كنعان. وأن الراحة المقصودة هي راحة ما بعد الزمان. ودليله في هذا أن داود يكلم شعبه أن لا يقسوا قلوبهم فيخسروا الراحة، فأي راحة يتكلم عنها داود وهم في أرض كنعان فعلًا، أرض الراحة، إن لم تكن راحة ما بعد الزمان. فَإِذْ بَقِيَ أَنَّ قَوْمًا يَدْخُلُونَهَا فهذا يعني أن من لا يتقسَّى قلبه سيدخل، كل من يسمع داود في (مز8:95-11) ولا يقسي قلبه سوف يدخل سواء من شعب داود أو من المسيحيين فكلام داود هو لنا أيضًا. فإن ضاعت من بني إسرائيل الراحة بسبب العصيان، تكلم الله على لسان داود بوعد براحة أخرى ما زال أمامنا فرصة لدخولها.

← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

 

آية 8: "لأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَشُوعُ قَدْ أَرَاحَهُمْ لَمَا تَكَلَّمَ بَعْدَ ذلِكَ عَنْ يَوْمٍ آخَرَ."

لو كانت أرض كنعان هي الراحة الحقيقية لما قال داود ما قاله في مزمور 95.

 

آية 9: "إِذًا بَقِيَتْ رَاحَةٌ لِشَعْبِ اللهِ!"

هناك راحة أبدية محفوظة لشعب المسيح في الأبدية.

راحة = استخدم بولس الرسول هنا ولأول مرة كلمة جديدة للراحة وهي σαββατισμός سباتزموس وهي كلمة مركبة من اليهودية العبرية (سبت) ومضاف لها مقطع يوناني. والكلمة تشير للراحة السبتية إشارة للراحة الأبدية. وكان اليهود لو أتى عيد الفصح يوم سبت يطلقون عليه السبت العظيم وهم لا يدرون أنهم في المستقبل سوف يكون هنا يوم سبت عظيم (يو19: 31) فيه سيموت المخلص. فالسبت يعني راحة، وموت المسيح بداية الراحة الحقيقية. وراحتنا الحقيقية هي في السبت الأبدي حصلنا عليها بموت المسيح وندخلها بعد انتهاء أعمالنا الأرضية.

 

آية 10: "لأَنَّ الَّذِي دَخَلَ رَاحَتَهُ اسْتَرَاحَ هُوَ أَيْضًا مِنْ أَعْمَالِهِ، كَمَا اللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ."

لأن الذي دخل راحته = كلمة راحة هنا سباتزموس أيضًا ولم تذكر ثانية في أي مكان. والمقصود أن أول من أكمل عمله كان هو المسيح وكان عمله الفداء والصليب وبعدهما دخل لهذه الراحة كباكورة. ونحن نبدأ في دخول هذه الراحة لحظة إيماننا بالمسيح وستكمل في الأبدية. وكما استراح الله بعد الخلقة استراح الابن بعد تجديد الخلقة بالفداء. كَمَا اللهُ مِنْ أَعْمَالِهِ = وهذه الآية تشير للتساوي التام بين الآب والإبن.

 

آية 11: "فَلْنَجْتَهِدْ أَنْ نَدْخُلَ تِلْكَ الرَّاحَةَ، لِئَلاَّ يَسْقُطَ أَحَدٌ فِي عِبْرَةِ الْعِصْيَانِ هذِهِ عَيْنِهَا."

فلنجتهد = الرسول هنا يوجه الدعوة لنعمل كل الجهد حتى لا تضيع منا الراحة واضعين أمام أعيننا صورتين:

 1. صوت عويل من مات في البرية وهذا للتخويف.

 2. صوت تهليل وتسبيح سحابة القديسين (عب12: 1) وهذا للتشجيع.

والاجتهاد المستمر يعني ثبوتنا في الراحة الأبدية. الإيمان وحده لا يكفي، بل علينا أن نعمل كل الجهد لكي نسلك في الفضيلة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

كلمة ختامية عن الراحة

هناك راحة معدة لنا يحذرنا أن لا نفقدها وهذه الراحة الموعودة في مز 95 ليست هي راحة السبت التي ارتاحها الله وليست هي راحة دخولهم كنعان بل هي راحة ما بعد الزمان والدليل الذي يسوقه بولس الرسول كما رأينا:

 1. ليست هي راحة السبت:- لأن داود يتكلم عنها بعد أن أنهى الله أعماله راجع آية 3 مع كون الأعمال قد أكملت منذ تأسيس العالم.

 2. ليست هي راحة كنعان:- فداود يتكلم عنها وهم في كنعان (مز95).

 

St-Takla.org Image: Color the Arabic Holy Bible, with the verse: "For the word of God is living and powerful, and sharper than any two-edged sword.. All Scripture is given by inspiration of God, and is profitable for doctrine, for reproof, for correction, for instruction in righteousness" (Hebrews 4:12; 2 Timothy 3:16) - Courtesy of "Encyclopedia of the Coptic Ornaments Colouring Images" صورة في موقع الأنبا تكلا: تلوين صورة الإنجيل، مع آية: "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين.. كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر" (عبرانيين 4: 12؛ تيموثاوس الثانية 3: 16) - موضوعة بإذن: موسوعة الزخارف القبطية للتلوين

St-Takla.org Image: Color the Arabic Holy Bible, with the verse: "For the word of God is living and powerful, and sharper than any two-edged sword.. All Scripture is given by inspiration of God, and is profitable for doctrine, for reproof, for correction, for instruction in righteousness" (Hebrews 4:12; 2 Timothy 3:16) - Courtesy of "Encyclopedia of the Coptic Ornaments Colouring Images"

صورة في موقع الأنبا تكلا: تلوين صورة الإنجيل، مع آية: "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين.. كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي في البر" (عبرانيين 4: 12؛ تيموثاوس الثانية 3: 16) - موضوعة بإذن: موسوعة الزخارف القبطية للتلوين

آية 12: "لأَنَّ كَلِمَةَ اللهِ حَيَّةٌ وَفَعَّالَةٌ وَأَمْضَى مِنْ كُلِّ سَيْفٍ ذِي حَدَّيْنِ، وَخَارِقَةٌ إِلَى مَفْرَقِ النَّفْسِ وَالرُّوحِ وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ، وَمُمَيِّزَةٌ أَفْكَارَ الْقَلْبِ وَنِيَّاتِهِ."

فى آية (11) قال الرسول "فلنجتهد أن ندخل إلى تلك الراحة". وقد يتساءل إنسان لماذا نجتهد؟ فيجيب الرسول هنا بأن كلمة الله لها خطورتها، فهو وَعَدَ بالراحة وكلمته لها هيبتها. إذاً هناك راحة ووعده لابد وأن يتم. والعكس، فمن يهمل ولا يجتهد ستضيع منه فرصة هذه الراحة الأبدية. وكلمة الله ستكون شاهدة علينا يوم الدين. الله "فاحص القلوب والكلى" (رؤ23:2) يعلم ما بداخل كلٌ منا، وكيف إستقبلنا كلامه وكيف كان رد فعلنا تجاه كلامه. ولاحظ قول رب المجد "مَنْ رَذَلَنِي وَلَمْ يَقْبَلْ كَلَامِي فَلَهُ مَنْ يَدِينُهُ. اَلْكَلَامُ ٱلَّذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ هُوَ يَدِينُهُ فِي ٱلْيَوْمِ ٱلْأَخِيرِ" (يو12 : 48). فكلمة الله تدين أي تجاهل أو إستهتار بكلمة الله أو أى إنحراف فى المشاعر والميول. وكلمة الله لها القدرة على تمييز ما هو داخل النفس لأن كل شئ مكشوف أمامه فى الخليقة.

كلمة الله الآن هى للتعليم وللإنذار وللتقويم. ولكنها هى نفسها التى سنقف أمامها عرايا فى اليوم الأخير مكشوفى الضمائر والأفكار.

ولكن كلمة الله الآن هى سلاحنا الذى يسندنا فى جهادنا للدخول إلى الراحة سواء الكلمة المكتوبة أم الكلمة المتجسد الذى يدخل إلى حياتنا الخفية، يعمل فى القلب والحواس ويقدس كل أعضائنا مهيئاً إيانا بروحه القدوس لينطلق بنا إلى حضن أبيه، هو"الذى بدونه لا يمكن لنا أن نفعل شيء" (يو5:15). هو الكاشف أسرارنا الداخلية وعارف بأعماقنا وقادر على تجديدها. وبكلمة الله المكتوبة ندخل للقاء المسيح المختفى وراء الحروف. المسيح هو كلمة الله، والكتاب المقدس هو كلمة الله. ولذلك فمن يداوم على دراسة الكتاب المقدس يتقابل مع المسيح كلمة الله. إذاً جلوسنا أمام كلمة الله المكتوبة يجعلنا نقف أمام المسيح كلمة الله الذى يكشف لنا كل الأفكار والخداعات التي تتسبب في ضياع الراحة منا. كلمة الله المكتوبة تُظهِر لنا صورة المسيح، وتُظهر لنا أيضاً صورة لحقيقتنا التي لا نعرفها وكم هي سيئة، وعدم إمكانيتنا على أن نتغير. وتُظهر لنا من هو المسيح فنعرف أن المسيح هو القادر وحده أن يصنع التغيير فنلجأ إليه صارخين أن يُغَيِّرنا لنخلص. والراحة تبدأ هنا على الأرض بأن نحيا في "سلام الله الذى يفوق كل عقل" (فى7:4) ويكون هذا عربونا للراحة الأبدية في السماء.

لذلك قال الرسول في (عب13:3) "عظوا أنفسكم كل يوم .." بمعنى قفوا أمام كلمة الله متأملين ودارسين بأمانة. وكلمة الله ستكشف لكم الحقيقة التي في داخلكم، فالإعتماد على القلب وحده خادع فهو نجيس "اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟ أَنَا ٱلرَّبُّ فَاحِصُ ٱلْقَلْبِ مُخْتَبِرُ ٱلْكُلَى لِأُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ طُرُقِهِ، حَسَبَ ثَمَرِ أَعْمَالِهِ" (إر10،9:17)، أي أن القلب سيجد أعذارا تبدو منطقية لرفض الإيمان، بل وتشتت القلب وراء شهوات وأفكار وعقائد خاطئة فتضيع منا الراحة الأبدية. أما كلمة الله ستكشف هذا الخداع الشيطانى. قال المرنم عن كلمة الله "سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي" (مز105:119). فيالسعادة من ينقاد لكلمة الله ووصاياه ويتعلم من الإنجيل ويالشقاء من يقاوم. فلأن الله يعلم النيات فيستحيل أن يضمر الإنسان عدم طاعة لله والله لا يعلم.
فقول داود النبى عن كلمة الله أنها "سراج" فهذا يُفهم منه أن نور كلمة الله التي في الكتاب قوى جداً وهو نور قوى نرى فيه المسيح وندرك قوته، ونرى فيه خطايانا مهما كانت صغيرة فنصرخ لمسيحنا القوى فيعيننا ونتخلص من خطايانا هذه ونبدأ الراحة هنا على الأرض كعربون لراحة السماء الأبدية. في هذه الراحة نختبر "سلام الله الذى يفوق كل عقل" (فى7:4)، ونختبر الفرح الذى لا يقدر أحد أن ينزعه منا (يو22:16). نور كلمة الله داخل بولس الرسول كان قوياً لدرجة أنه رأى في داخله خطايا لا نراها نحن فقال "الخطاة الذين أولهم أنا" (1تى15:1). وتتكرر هذه العبارة في سفر حزقيال "وَهُنَاكَ تَذْكُرُونَ طُرُقَكُمْ وَكُلَّ أَعْمَالِكُمُ ٱلَّتِي تَنَجَّسْتُمْ بِهَا، وَتَمْقُتُونَ أَنْفُسَكُمْ لِجَمِيعِ ٱلشُّرُورِ ٱلَّتِي فَعَلْتُمْ" (حز43:20). حينما يعودون إلى الله سيجدوا أن كل ما فعلوه كان بغيضاً وحينئذٍ سيمقتون أنفسهم.

حَيَّةٌ = كلمة الله لها قوة الحياة حينما نسمعها. فهي حية ومحيية (يو5: 24 + 6: 68) تقيم من موت الخطية (يو5: 25) بل هي تخرج من القبور (يو28:5، 29).

فَعَّالَةٌ = لها ثمر في حياة من يسمعها، هي تكشف للإنسان طبيعته وأعماقه وتظهر ما هو رديء فيه، لذلك ارتعب فيلكس أمام كلمات بولس الرسول (أع24:24، 25) ومن ثم تقود النفس أسيرة لجلالها في طريق الفضيلة. هي فعالة، أي لها القدرة أن تفعل وتُغَيِّرْ. فماذا يعنى بهذا؟ يجيب بأن الكلمة كسيفٍ له حدين.

أمضى من كل سيف = الكلمة أمضى من كل سيف الذي هو ذو حدين.

 

لكلمة الله حدين:

الحد الأول :- يقطع به الله محبة الخطية من القلب وهذا يسميه الكتاب ختان القلب بالروح (رو 2: 29). وبهذا يولد الإنسان ولادة جديدة "مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى، بكلمة الله الحية الباقية إلى الأبد" (1بط1: 23). وهذا ما قاله السيد المسيح "وأنتم الآن أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (يو15: 3). فكلمة الله حيَّة وقادرة أن تنقي وتحيي وتَلِد. هذا الحد يشبه مشرط جراح يزيل به ورما قاتلا فيعطى حياة للإنسان.

أما الحد الثاني :- فهو حد إدانة. فمن لا يتجاوب مع كلمة الله ويولد ثانية ويتنقى تدينه كلمة الله "فتب وإلا فإنى آتيك سريعاً وأحاربهم بسيف فمى" (رؤ2: 16)، الكلام الذى تكلمت به هو يدينه فى اليوم الأخير (يو12: 48). وقد يقول قائل "إذاً لن أقرأ حتى لا أدان" ولكن من يهمل دراسة كلمة الله فهو يدفن وزنته وينطبق عليه "هلك شعبي من عدم المعرفة" (هو4: 6).

خارقة = تصل لكل ما هو خفي داخل النفس. إلى مفرق النفس والروح = من الأشياء المخفية أين تلتقي النفس مع الروح وأين يفترقان. ولكن كلمة الله تصل لهذا المفرق وتفصل بينهما للتطهير لتعد الإنسان للراحة العليا. فالإنسان لا يسهل عليه أن يفرق بين ما هو للنفس وما هو للروح أما كلمة الله فتميز أفكار الإنسان بسهولة وتكشفها له. فهناك أشياء تبدو لنا أنها روحية ولكنها هي أصوات رغباتنا داخلنا. والجلوس أمام كلمة الله يكشف لنا هذا من ذاك.  ولاحظ أنه في خلال الجلوس أمام الله ودراسة كلمته يقوم الروح القدس بدور المعلم "هو يعلمكم كل شيء" (يو26:14) + "أقنعتنى يا رب فإقتنعت" (إر7:20).

وَالْمَفَاصِلِ وَالْمِخَاخِ = أى ما هو ظاهر = (المفاصل) وما هو خفى فى الإنسان = (المخاخ) فهناك سلوك ظاهر للإنسان، ولكن هناك أشياء باطنية خفية فيه تكشفها كلمة الله. كلمة الله نورها شديد "سراجٌ لرجلى كلامك ونورٌ لسبيلى" وقادرة أن تكشف كل ما في داخلنا حتى مما لا ندرك أو نتصوَّر وجوده، ولها القدرة على كشف خطايا صغيرة جداً ما كنا نتصور أنها خطايا. وكلما إنكشفت هذه الخطايا، نطلب فيساعدنا الروح القدس على التخلص منها، فنبدأ حياة الراحة ونحن ما زلنا هنا على الأرض، وهذه الراحة هي عربون الراحة التي سنختبرها في الأبدية.

 

آية 13: "وَلَيْسَتْ خَلِيقَةٌ غَيْرَ ظَاهِرَةٍ قُدَّامَهُ، بَلْ كُلُّ شَيْءٍ عُرْيَانٌ وَمَكْشُوفٌ لِعَيْنَيْ ذلِكَ الَّذِي مَعَهُ أَمْرُنَا."

كلمة الله لها قدرة على تمييز ما هو خفي داخل النفس. والمسيح هو كلمة الله فاحص القلوب والكلى.

 

آية 14: "فَإِذْ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ عَظِيمٌ قَدِ اجْتَازَ السَّمَاوَاتِ، يَسُوعُ ابْنُ اللهِ، فَلْنَتَمَسَّكْ بِالإِقْرَارِ."

يشوع وحده لم يكن قادرًا على عبور الأردن إلى كنعان الراحة إلا لو كان معه رئيس الكهنة والكهنة حاملي التابوت. ونحن لنا رئيس كهنة يحملنا فيه ليعبر إلى كنعان السماوية ونستقر في حضن الآب. رئيس كهنة عظيم = فهرون وباقي رؤساء الكهنة خلفاءه كانوا يجتازون الحجاب إلى داخل قدس الأقداس الأرضي فقط. أما المسيح رئيس كهنتنا فاجتاز السماء أي دخل إلى اللامنظور ودخل إلى الفائق السمو. هو دخل إلى الراحة الأبدية.

فلنتمسك بالإقرار= أي بالإيمان. لا ننكر إيماننا.

 

آية 15: "لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ."

يَرْثِيَ = يشترك بمشاعره كما بكى المسيح على قبر لعازر ويشفق علينا، بل أن بطرس الرسول يطلب منا أن نفعل هذا: "وَٱلنِّهَايَةُ، كُونُوا جَمِيعًا مُتَّحِدِي ٱلرَّأْيِ بِحِسٍّ وَاحِدٍ، ذَوِي مَحَبَّةٍ أَخَوِيَّةٍ، مُشْفِقِينَ، لُطَفَاءَ" (1بط 8:3).

فكم وكم يفعل المسيح. فلا يخطر على بالنا أن المسيح طالما هو في السماء فهو لا يهتم بنا. بل لأنه تعرض لما نتعرض له فهو شاعر بآلامنا. هو يشعر بالظلم الواقع علينا وبكل ألم نتألم به، فلم يُظلَم أحد أو تألم أحد كما ظُلِم هو وتألم. لذلك هو قادر أن يرفع هذا الظلم أو الألم وإن لم يرفعه فهو يعد لنا مكافأة سماوية إن احتملنا وعزاءً أرضيًا الآن فهو يشترك معنا بمشاعره. ولاحظ قول إشعياء النبى "في كل ضيقهم تضايق، وملاك حضرته خلصهم" (إش9:63).

بل مجرب = الإنسان يجرب من الخارج بالظلم والآلام ويجرب من الداخل من شهوته (يع14:1، 15). أما المسيح فقد جُرِّب من الخارج فقط وليس من الداخل فالخطية ليست فيه. وإبليس جربه وفشل (مر12:1، 13) ولما فشل في تجربته بالخطايا من الداخل جربه بالآلام من الخارج والخيانة (يهوذا) وإهانات وشتائم الناس.

بلا خطية = وفي هذا يختلف عن رؤساء الكهنة العاديين.

 

آية 16: "فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ."

نتقدم بثقة = كان من يتقدم ويقترب من الأقداس يُقْطَع، أما الآن فنحن نتقدم واثقين أنه حسب وعده الأمين والعادل من يعترف يطهره بدمه من كل خطية (1يو7:1-9). فلنتقدم إذا بكل ثبات وإيمان إلى عرشه الذي تنبع منه النعمة لنحصل على غفران خطايانا.

ونجد مراحمه عونا لنا حين تدهمنا التجارب = في حينه.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات عبرانيين: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/19-Resalet-3ebranieen/Tafseer-Resalat-Al-Ebranyeen__01-Chapter-04.html

تقصير الرابط:
tak.la/t6j2drj