St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

677- ما هو مفهوم الألوهة واللوغوس لدى الأمم ولدى اليهود؟ وما هيَ الإضافة التي أضافها يوحنا لهذه المفاهيم في إنجيله؟ وهل فعل "كان" الذي استخدمه يوحنا (يو 1: 1) ثلاث مرات هو فعل ماضي ناقص؟ ومن أين عَلِمَ يوحنا أن الكلمة (اللوغوس) هو اللَّه ذاته؟

 

سؤال 677: ما هو مفهوم الألوهة واللوغوس لدى الأمم ولدى اليهود؟ وما هيَ الإضافة التي أضافها يوحنا لهذه المفاهيم في إنجيله؟ وهل فعل "كان" الذي استخدمه يوحنا (يو 1: 1) ثلاث مرات هو فعل ماضي ناقص؟ ومن أين عَلِمَ يوحنا أن الكلمة (اللوغوس) هو الله ذاته؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: مفهوم الألوهة لدى الأمم، واليهود وما أضافه يوحنا:

مفهوم الألوهة لدى الأمم: الاعتقاد الذي كان سائدًا بين الأمم هو تعدد الآلهة، فأفكارهم كانت بعيدة عن مبدأ الوحدانية، فتصوَّروا الآلهة في صور كائنات بشرية خارقة تتحكم في الظواهر الطبيعية وفي مقادير البشر، وتصوَّر اليونانيون أن تلك الآلهة تسكن في جبال الألب، وأن الآلهة لها نفس الطباع البشرية فتأكل وتشرب وتتصارع وتُقتل وتتزاوج وتحب وتعشق، وعرف اليونانيون λόγος "اللوغوس" على أنه كائن وسيط بين مصدر الألوهة والبشر، وقد استخدم "هوميروس" في كتاباته كلمة "لوغوس" Logos مرتين في صيغة الجمع، كمرادف لكلمة "أسطورة" Mythos وهكذا استخدم الأدب الملحمي بعد هوميروس كلمة "لوغوس" كمرادف لكلمة "أسطورة" إلى أن جاء هيراقليطس (530-470 ق.م) واستخدم تعبير "اللوغوس" على أنه القانون العام والقانون الكلي الذي يحكم كل شيء، فهو العقل الإلهي غير المشوش من المشاعر (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س669، 672, وفرلين د. فيربروج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص400، 401). ولأن تعبير "اللوغوس" كان معروفًا وواضحًا في ذهن العقلية اليونانية، يُقابله מֵימְרָא "الميمرا" في الذهن اليهودي، لذلك لم يكن يوحنا الرسول محتاجًا لوضع تعريف للوغوس (الكلمة). فلو سألت أي إنسان يوناني له قدر بسيط من الثقافة حينذاك عمن خلق العالم، والمتحكم في نظام الكون، ضابط كل شيء؟ لأجابك سريعًا أنه "اللوغوس". يقول "وليم باركلي": " وهكذا اغتنم يوحنا هذه العقيدة، وقال لليونانيين: أنكم طوال حياتكم قد تملكتكم هذه العقيدة عن اللوغوس، وأصبحتم منساقين لتأثير هذه القوة الجبارة المُسيطرة... قوة الكلمة الإلهي، قوة العقل الإلهي المسيطر. هاكم الكلمة الأزلي قد تجسَّد بشرًا سويًا في شخص ربنا يسوع المسيح. تطلعوا إليه لتروا كلمة اللَّه غير المنظور. تأملوا فيه لتشاهدوا فكر اللَّه الذي لا يُدرَك. لقد وجد يوحنا الطريق ليتحدث عن ألوهية ابن الإنسان المُتجسد الكلمة الأزلي المساوي للَّه في الجوهر، الذي جاء في ملء الزمان، وتمثل بين أحضاننا بشرًا كريمًا" (ترجمة د. عزت زكي - تفسير إنجيل يوحنا جـ 1 ص19) (20).

مفهوم الألوهة لدى اليهود: أكدت اليهودية وشددت على مبدأ الوحدانية، فاللَّه واحد لا شريك له، وعَرِفَ الآباء اللَّه على أنه "إيل" El وقال عنه يعقوب " إِلهُ بَيْتِ إِيلَ" (تك 31: 13)، وبارك ملكي صادق إبراهيم ببركة من " الله الْعَلِيُّ" (تك 14: 18-22) ودعته هاجر " إِيلُ رُئِي" الذي يُرى (تك 16: 13) وعندما ظهر اللَّه لإبراهيم قال له: " أَنَا الله الْقَدِيرُ" (تك 17: 1) وهكذا بارك إسحق يعقوب قبل أن يصرفه قائلًا: " واللَّـهُ الْقَدِيرُ يُبَارِكُكَ" (تك 28: 3)، وفي ظهور اللَّه لموسى قال له: " الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" (خر 6: 3)، وعندما غرس براهيم أثلًا في بئر سبع دعا بِاسم " الرَّبِّ الإِلهِ السَّرْمَدِيِّ" (تك 21: 33)، وعندما أقام يعقوب مذبحًا في شكيم دعاه: " إِيلَ إِلهَ إِسْرَائِيلَ" (تك 33: 20)، وعندما سأل موسى اللَّه عن اسمه أعلمه اللَّه أنه: " أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ... يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ" (خر 3: 14-15). وارتبط أسماء بعض الأشخاص بِاسم يهوه مع فعل معين، فمثلًا اسم "يهوياكين" أي "يهوه يقيم"، و"يوناثان" أي "يهوه يُعطي"، و"يشوع" أي "يهوه هو الخلاص"، وهو اسم ربنا يسوع.

وجاء في "القاموس الموسوعي للعهد الجديد": " لا يحاول العهد القديم أن يثبت وجود اللَّه، بل يفترض فحسب بأن اللَّه كائن (مثل تك 1: 1). أنه الأول والآخر... والأبدي، والقدير الحي، وخالق السماء والأرض (مثل تك 1: 1). هو الرب الذي يقود مصير الأمم ولكنه جعل إسرائيل شعب اقتناء (خر 19: 5-6)، وإسرائيل تحت حمايته. يقود يهوه ويُرشد ويُعطي إسرائيل دعواه... وهكذا إيمان إسرائيل باللَّه يتأسس في لاهوت للتاريخ. يعبر العهد القديم عن مفهوم اللَّه كشخص، وأن اللَّه مالك كل العواطف التي يمكن أن تكون لشخص مثل: المحبة، والغضب، والتعاطف، والندم. ولكن حتى وإن كانت هذه الصفات البشرية تُنسب له إلاَّ أنه ليس بالإمكان مقارنته بأي كائن بشري (هو 11: 9). اللَّه المُتسامي، الذي يسكن في النور حيث لا يمكن لأحد أن يدنو منه، عالٍ فوق الزمان والمكان، ولذلك فهو متفرد في ألوهيته لا يُوصف أو يُمركز (قارن خر 20: 4). إنه الملك الأبدي (إش 52: 7) الذي يحكم على كل ممالك الأرض (إش 37: 16). أكثر صفة أساسية لكيان اللَّه تعبر بالكلمة "الْقُدُّوسُ" إنه "الواحد القدوس" (إش 40: 25؛ هو 11: 9؛ حب 3: 3)... هذا الإله القدوس عادل في كل ما يفعل (قارن مز 7: 11). هو الديان الذي يدين الغير، بار... ولكن العهد القديم أيضًا يشهد عن نعمة اللَّه ورحمته الغافرة (مثل خر 34: 6؛ مز 103: 8)... اعترفت يهودية ما بين العهدين باللَّه الواحد، بولاء ثابت لا يتغير، وناضلت بكل العزم ضد الوثنية التي تؤمن بتعدد الآلهة..."(21).

وتحدث الفيلسوف اليهودي السكندري "فيلون" عن "اللوغوس" فهو الكائن بين اللَّه والخليقة، هو الذي خلق العالم، وربط العالم السماوي بالعالم الدنيوي، ومَلَكَ على كلا العالمين الكبير والصغير. لقد مزج "فيلون" بين التراث اليهودي والفلسفة اليونانية (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س666، وفرلين د. فيربروج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص404). وقد عرف الفكر اليهودي "اللوغوس" على أن شخص "الميمرا" ذو العقل والإرادة والعاطفة، الأزلي، الخالق، الشافي، الحافظ، قوة مجد اللَّه ... وقد سبق الحديث عن كل هذا بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - العهد الجديد جـ 8 س668. ومفهوم "اللوغوس" (الميمرا) لدى اليهود يفوق مفهومه لدى الأمم، فالميمرا يعادل لفظ الجلالة اللَّه، فمثلًا عبارة: " وَأَخْرَجَ مُوسَى الشَّعْبَ مِنَ الْمَحَلَّةِ لِمُلاَقَاةِ اللَّـهِ" (خر 19: 17) جاءت في الترجوم: " لملاقاة كلمة اللَّه (الميمرا)" فجعل الميمرا هو اللَّه.

ما أضافه يوحنا في مفهوم الألوهة: لم يضف يوحنا الحبيب شيئًا لمبدأ "الوحدانية" ولكنه شرح تلك الوحدانية الجامعة، الآب والابن والروح القدس، فإنجيل يوحنا هو أكثر الأناجيل حديثًا عن أقنوم الآب، وأقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس، وقد تحدثنا عن ذلك بالتفصيل أثناء حديثنا عن سمات إنجيل يوحنا، وأنه: 1- إنجيل اللاهوتيات، 2- إنجيل: "أنا هو"، 3- إنجيل الروح القدس، 4- إنجيل الثالوث القدوس... إلخ (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 ص635). لقد قصد يوحنا الحبيب أن يبدأ إنجيله بعقيدة اللوغوس ... لماذا؟

لأنه مع نهاية القرن الأول كانت المسيحية قد انتشرت في شتى بقاع الأرض، وصار عدد الأُمميين الذين آمنوا أضعاف أضعاف عدد اليهود الذي آمنوا، ووقفت المسيحية في مواجهة الفلسفة اليونانية، وكان لزامًا على اليوناني الذي يُريد أن يتعمق في الإيمان المسيحي أن يُحيط علمًا باليهودية ليُدرك شخصية يسوع المسيا، فالأناجيل الإزائية ركزت على يسوع المسيا، فتجد متى يبدأ إنجيله بسلسلة الأنساب، مركزًا على النبوءات المسيانية، ومارمرقس يبدأ إنجيله بالنبؤة عن يوحنا المعمدان " كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَنْبِيَاءِ" (مر 1: 2)، ولوقا الطبيب يبدأ بالبشارة لزكريا الكاهن وهو يُقدِّم البخور في الهيكل، واسطفانوس في خطابه يُقدِّم مُختصرًا لتاريخ الشعب اليهودي (أع 7: 1-50) وأبلوس السكندري: " كَانَ بِاشْتِدَادٍ يُفْحِمُ الْيَهُودَ جَهْرًا مُبَيِّنًا بِالْكُتُبِ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ " (أع 18: 28)، فكان لا بد أن يكون هناك طريق أسهل يسلكه اليوناني ليصل إلى قلب المسيحية، لذلك أرشد الروح القدس يوحنا الحبيب لحل هذه الإشكالية، فبدأ إنجيله بالحديث عن λόγος "اللوغوس" المعروف والمقبول لدى العقلية اليونانية. فقد بحث وتأمل الفلاسفة اليونانيين في طبيعة الكون، واندهشوا من دقة نظامه وانسجامه، فالليل يتعاقب مع النهار، والفصول تمر بانتظام، وحركات الأفلاك من مجرات ونجوم وكواكب في منتهى الدقة، وهكذا دورة المياه في الطبيعة... إلخ (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س656، س657، س658) فاعترف هؤلاء الفلاسفة أن هناك قوة جبارة خفية تضبط هذا الكون وتحفظه، ودعوا تلك القوة "اللوغوس". ولكنهم أساءوا فهم طبيعة اللوغوس، كونه اللَّه ذاته، فظنوه كائن وسيط بين اللَّه والخليقة، من أسمى وأرقى الكائنات الوسيطة، حتى جاء يوحنا الإنجيلي وكشف عن طبيعة اللوغوس الأزلي الواحد مع اللَّه الآب في الجوهر (يو 1: 1-3) فاندهشوا من هذه التعاليم الإنجيلية وقبلوها بفرح وسرور، إذ فتحت أمامهم باب الإيمان، وقبلوا تجسُّد اللوغوس الأمر الذي كان بعيدًا عن أذهانهم.

وأيضًا عقيدة اللوغوس كانت معروفة ومقبولة لدى العقلية اليهودية، فاللوغوس هو "الميمرا" الذي يعرفه اليهود جيدًا. وهنا براعة الوحي الإلهي على لسان يوحنا اللاهوتي، إذ بدأ بنقطة التلاقي بين اليهود واليونانيين، وهيَ عقيدة اللوغوس. يقول "وليم باركلي": " هل يلزم لليوناني الذي يريد أن يعتنق المسيحية أن يدخل في... هذه الأفكار اليهودية ومجاهيلها؟ هل يلزم له أن يدرس التاريخ اليهودي، والأدب الرمزي النبوي، الذي تحدث عن المسيا، وعلاماته حتى يصبح مسيحيًا... ألا يوجد هناك طريق سهل للوصول إلى قلب المسيحية ورسالتها، غير هذا الطريق اليهودي الطويل؟ لقد كانت العقلية اليونانية، مركز الفكر الثقافي في العالم الكائن حينذاك. تُرى هل يلزم لليوناني أن يتنكر لتراثه الفلسفي العظيم ويعتنق العقلية اليهودية...؟" (22).

كما يقول "وليم باركلي" أيضًا: " ألا يوجد مدخل فكري جديد غير المدخل اليهودي تستطيع به المسيحية أن تجتذب أصحاب الفكر الهليني إلى حظيرتها؟ أيلزم للأممي أن يتهوَّد أولًا، حتى يدرك أسرار المسيحية؟ لقد كانت المشكلة تكمن في كيف نُقدِّم المسيح والمسيحية في ثوب يستطيع اليوناني أن يُدركه ويستوعبه. ولقد استخدم الوحي الإلهي يوحنا الرسول ليقوم بحل هذا المشاكل... وهكذا تقدم ببشارته لليونانيين، واليهود على السواء، تحت عصمة الوحي الإلهي، وإرشاد الروح القدس. ولقد تمجَّد الإعلان الإلهي فيه، حينما أرشده بأن المدخل للفكر اليوناني واليهودي على السواء هو في الحديث عن "الكلمة". هنا يستطيع أن يصل إلى العقل اليهودي، ويستوعبه الفكر اليوناني. فكلتا الدائرتين، تتداخلان معًا عند هذه النقطة الفريدة" (23).

وتساءل "وليم باركلي": " إن مشكلة يوحنا لم تكن في تقديم المسيح لليهود، بقدر ما كانت في تقديم المسيح لليونانيين، تُرى هل واءمت فكرة "الكلمة" العقلية اليونانية؟" (24). ثم أجاب باركلي بالإيجاب، موضحًا أن λόγος "اللوغوس" في الفكر اليوناني هو الذي يحكم نواميس الطبيعة فيضبطها فلا تسير على غير هدى وإلاَّ عمت الفوضى الوجود، هو الذي يُسيطر على نواميس الكون فلا يسوده الارتباك والتشويش، فاللوغوس هو الذي يُسيطر على الأحداث ويجريها، وهو الذي يُعطي الإنسان التمييز بين الخير والشر، وشاع هذا الفكر لدى اليونانيين ومنهم انتقل إلى الرواقيين... ثم قال "وليم باركلي": " آتى يوحنا في بشارته وقال لليونانيين: " أنكم لأجيال طويلة كنتم تفكرون عن الكلمة، وتكتبون عن الكلمة، وتحلمون عن الكلمة، القوة الخالقة لهذا الكون، والقوة الحافظة والمسيرة لهذا الوجود، والقوة العاقلة المُفكرة في قلوب الناس، والقوة الروحية المُلهمة لكل ما هو سام، ورفيع في الحياة، وها هو اللوجوس... كلمة اللَّه، فكر اللَّه، قد تجسَّد... في شخص يسوع المسيح" (25).

ومما يُذكر أن "أثيناغوراس" مدير مدرسة إسكندرية اللاهوتية كان فيلسوفًا وثنيًا واعتنق المسيحية، وقدم دفاعه عن المسيحيين للإمبراطور "مركوس أوريليوس أنطونيوس" (120-180م) وشريكه في الحكم ابنه "كومودوس" وتحدث عن الأنبياء، وقارن بين إلهام الشعراء اليونانيين الذين يبحثون عن معرفة اللَّه بأنفسهم، وبين الأنبياء الذين عرفوا اللَّه عن طريق الوحي الإلهي، فقال: " لأن الشعراء والفلاسفة في تفكيرهم في هذا الموضوع وموضوعات أخرى، كان يقودهم الحدس والتخمين، وكان تقدمهم محكومًا بقابليتهم لتلقي الإلهام النابع من اللَّه، محاولين اكتشاف الحقيقة، ولكن لم تكن لهم القدرة الكاملة على إدراكه، لأنهم ظنوا أنفسهم قادرين أن يتلقوا المعرفة عن اللَّه، لا من اللَّه ذاته، بل من أنفسهم... أما نحن: فقد كان لنا من الأنبياء شهود لما نعرف وما نؤمن به، أولئك الرجال الذين نطقوا فيما يختص باللَّه والأشياء التي من اللَّه يرشدهم روح اللَّه... الذي حرك أفواه الأنبياء، كما تتحرك الآلات الموسيقية" (26).

ورأى الشهيد يوستين، والقديس اكليمنضس السكندري، والعلامة أوريجانوس أن اللَّه هو المصدر والينبوع لكل من الوحي الإلهي، وكل ما هو حق في الفلسفات اليونانية، ويقول "الراهب مكاري البهنساوي": " إن المسيحية إذ نشأت وترعرعت في كنف اللغة اليونانية وفي عصر ساده الاعتماد على المفاهيم الفلسفية اليونانية. فمن هنا فلقد صُبغت وتشكلت من خلال استخدام بعض الألفاظ والاصطلاحات الفلسفية في قالب مسيحي لمحاولة تقريب العقيدة إلى البشر بالطريقة التي يستوعبونها وقتها... وهكذا شرع آباء الكنيسة يُحاولون ترويض تلك المصطلحات بنفس مسمياتها لتسير في طريقها المُستقيم الذي يُعبّر عن الديانة المسيحية بكافة عقائدها وتفاصيلها وصورها، وهو ما انكب على عمله بكل نشاط العلامة أوريجينوس" (27).

وقد تحدثنا من قبل عن أن يوحنا الإنجيلي أخذ تعبير "اللوغوس" كمبنى وألبسه معاني جديدة (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س672) وتجد العلامة أوريجانوس يؤكد على أن λόγος "اللوغوس" في الفلسفات اليونانية له معاني، أمَّا في الإنجيل فله معنى مختلف، فيقول: " مما سبق نخلص أن هناك (بالعالم) العديد من الآلهة، أما بالنسبة لنا فلا يوجد سوى إله واحد هو (اللَّه) الآب. هكذا يوجد بالعالم العديد من الأرباب، ولكن لدينا نحن رب واحد وهو يسوع المسيح. هكذا هنالك (بالعالم) العدد من (القوى واللوغوس)، أما نحن فنُصلِّي لكي يكون من نصيبنا الكلمة الوحيد وهو اللوغوس الذي كان منذ البدء مع وعند اللَّه" (28).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: فعل "كان" الذي استخدمه يوحنا ثلاث مرات: في المرات الثلاث التي استخدم فيها يوحنا فعل "كان" استخدمه ليس كفعل ماضٍ ناقص، بمعنى أنه كان في الماضي ولم يعد في الحاضر، إنما استخدمه في المرات الثلاث كفعل ماضٍ تام، أي أنه حدث في الماضي واستمر بدون انقطاع للحاضر وسيظل هكذا في المستقبل وإلى الأبد، وفي الأصل اليوناني استخدم يوحنا صيغة "الفعل الماضي المتصل" أي أنه كان في الماضي، وما زال في الحاضر، وسيظل هكذا في المستقبل، " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ" فهو كائن منذ الأزل وإلى الأبد وفي كل لحظة بلا انقطاع، وبنفس المعنى " وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّـهِ"، وأيضًا " وَكَانَ الْكَلِمَةُ الله" فهو كان اللَّه، وما زال اللَّه، وسيظل هو اللَّه بلا انقطاع. يقول "القديس كيرلس الكبير": " يضيف (يوحنا) إلى كلمة "البدء" فعل "كان" لكي نُدرك أن الكلمة ليس حديثًا بل أزليًا وقبل كل الدهور. والفعل "كان" وُضِع هنا لكي يحمل كل مفكر إلى أعماق سحيقة وهيَ الميلاد الأزلي غير المُدرك الذي هو فوق الزمان. وفعل "كان" يعلو على الزمان ولا يمكن قياسه. فهو دائمًا يسبق الفكر، ومهما حاول العقل أن يتصوَّر أنه وقف عند "كان" يجد بعد ذلك أن النقطة التي توقف عندها هيَ أقل بكثير من فعل "كان"..." (29).

 

ثالثًا: من أين علم يوحنا أن الكلمة λόγος (اللوغوس) هو الله ذاته؟ علم يوحنا هذا من مصدرين:

1- من الأسفار المقدَّسة في العهد القديم، وتم الحديث عن هذا من قبل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س668.

2- من أقوال السيد المسيح الذي طالما أصغى إليها، وأيضًا تم الحديث عنها بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س635، 2- إنجيل "أنا هو".

فاللوغوس الذي افتتح به يوحنا الحبيب إنجيله لم يكن فكرة، ولم يكن شخصية خيالية، إنما هو شخص حقيقي كائن في كل زمان ومكان ولا يخلو منه زمان ولا مكان، هو اللَّه ذاته. هو كل اللاهوت مع خاصية البنوة، هو اللَّه الكلمة. لم يكن مجرد شخص يحمل السمات الإلهية، إنما هو بالحقيقة اللَّه قبل التجسد، وبعد التجسد وفي كل آن.

" لم يزل إلهًا... أتى وصار ابن بشر... لكنه هو الإله الحقيقي... آتى وخلصنا" (ثيؤطوكية الخميس).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(20) أورده د. محمد علي زهران - إنجيل يوحنا في الميزان، ص113، 114.

(21) القاموس الموسوعي للعهد الجديد - المفردات اللاهوتية، ص282، 283.

(22) ترجمة د. عزت زكي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا، جـ 1 ص16.

(23) ترجمة د. عزت زكي - تفسير العهد الجديد - بشارة يوحنا، جـ 1 ص38، 39.

(24) المرجع السابق، ص47.

(25) المرجع السابق، ص50.

(26) أورده القمص عبد المسيح بسيط - هل كتب القديس يوحنا الإنجيل الرابع؟ ص72، 73.

(27) تفسير إنجيل يوحنا للعلامة أوريجانوس، جـ 2 ص113، 114.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/677.html

تقصير الرابط:
tak.la/jqhb3v3