St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   23-Resalet-Youhanna-1
 

شرح الكتاب المقدس - العهد الجديد - القمص أنطونيوس فكري

يوحنا الأولى 5 - تفسير رسالة يوحنا الأولى

 

اضغط هنا لإظهار الفهرس

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الرسول يُركِّز في هذا الإصحاح أن المسيح بتجسده وفدائه أعطانا حياة جديدة لها إمكانيات جبارة، وبتلك الحياة نحن قادرين أن نغلب خطايا وإغراءات العالم. ويورد العديد من الأدلة على حصولنا على هذه الحياة القوية.

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

آية 1:- كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ فَقَدْ وُلِدَ مِنَ اللهِ. وَكُلُّ مَنْ يُحِبُّ الْوَالِدَ يُحِبُّ الْمَوْلُودَ مِنْهُ أَيْضًا.

الرسول كان يتكلم في الإصحاح السابق عن محبة الله، فمن أين أتت هذه المحبة؟

كل من يؤمن = ما الذي جعل الرسول ينتقل من الكلام عن المحبة إلى الكلام عن الإيمان؟ الرسول يريد أن يشرح أن المحبة ليست شيئًا يتمتع به الإنسان الطبيعي (غير المسيحي الذي لم تتعامل معه النعمة) بل هي عطية الروح القدس للمؤمن المعمد. هي طبيعة مكتسبة بها نحب الله والناس حتى الأعداء. وحب الأعداء هذا ليس ممكنًا للإنسان العادي الطبيعي... فقط هذا للمؤمن. المحبة التي يتكلم عنها الرسول ليست مشاعر إنسان تجاه إنسان يحبه، بل هي طبيعة جديدة وخليقة جديدة، يحيا بها المؤمن وبها يحب كل إنسان.

ولماذا ذكر الرسول الإيمان فقط دون أن يذكر المعمودية، هل الإيمان وحده دون معمودية يكفي لنحصل على هذه الطبيعة الجديدة؟

قطعًا لا. والرسول لن يناقض نفسه فهو الذي ذكر أن الولادة الثانية تكون من الماء والروح (يو3: 5) وهو ذكر موضوع المعمودية هنا في آية (6)، (8). ولكن المقصود أن الإيمان هو المدخل لهذه الطبيعة الجديدة. إذًا الإيمان الذي يتكلم عنه الرسول هنا هو إيمان حيّ عامل بالمحبة (غل5: 6).

إن يسوع هو المسيح = أن يسوع هو ابن الله الذي تجسد ليفدينا ويعطينا حياة جديدة ويعطينا التبني. الخليقة الجديدة المولودة من الله لها العين المفتوحة التي تعرف من هو المسيح. وهناك علامة أخرى للخليقة الجديدة وهي المحبة.

فقد ولد من الله = كما قلنا فالولادة من الله تستلزم الإيمان أولًا ثم المعمودية التي بها تغفر خطايانا وننال التبني. وعلامة أننا صرنا أولاد لله، أننا نحب الله أبونا. وطالما هو أبونا كلنا، فلا بُد أن نحب إخوتنا المولودين مثلنا منه = كل من يحب الوالد. يحب المولود منه أيضًا.

وبهذا فإن هذه الآية هي امتداد للآية الأخيرة من الإصحاح السابق التي فيها ينص الرسول على أن من يحب الله يحب أخاه أيضًا. وارتباط الإيمان بالمحبة نراه في أن علامة الإيمان الحي هي المحبة. أما من يقول أنا مؤمن وهو لا يحب إخوته فإيمانه ميت، كإيمان الشياطين (يع2: 19).

 

آية 2:- بِهَذَا نَعْرِفُ أَنَّنَا نُحِبُّ أَوْلاَدَ اللهِ: إِذَا أَحْبَبْنَا اللهَ وَحَفِظْنَا وَصَايَاهُ

سبق وقال أن علامة محبتنا لله هي محبتنا للإخوة (1يو4: 20-21) وهو يقول أن علامة محبتنا لأولاد الله هي محبتنا لله، فما المعنى؟ القلب الذى يوجد به محبة حقيقية هو لا يعرف أن يكره أحد. لا معنى أن يحب أحد الله ويكره إنسان، أو أن يحب إنسان ولا يحب الله. القلب المملوء محبة حقيقية هو ينبوع ينبع محبة دائماً وللكل. وهذه النوعية من المحبة لا يوجد لها مصدر سوى الروح القدس ().

قد ينخدع الإنسان المؤمن ويتصور أنه يحب الناس، ولكن تكون محبته نفسانية جسدانية أو لمنفعة ما، أو لأنه لا تكون هناك ظروف ومحكات تختبر هذه المحبة، أي لا توجد مشاكل من النوع الذي يجلب الكراهية، فيظن الإنسان نفسه أنه مملوء محبة. لذلك يحدثنا معلمنا يوحنا هنا عن المحبة الحقيقية وعلامتها أننا نحب الله. فالروح القدس يسكب محبة الله فينا أولًا ثم الإخوة. ولكن كيف نعلم أننا نحب الله؟ يجيب الرسول وحفظنا وصاياه. فحفظ الوصايا علامة محبة الله (يو14: 21، 23). وأهم وصية هي المحبة.

 

آية 3:- فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ مَحَبَّةُ اللهِ: أَنْ نَحْفَظَ وَصَايَاهُ. وَوَصَايَاهُ لَيْسَتْ ثَقِيلَةً،

وهذا تعليم الرب يسوع "اَلَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ ٱلَّذِي يُحِبُّنِي" (يو21:14).

وصاياه ليست ثقيلة = لماذا؟

1. إن كنا نحب الله سنجد وصاياه سهلة، فالمحبة تستسهل الأمور الصعبة بل سننفذ الوصايا بدون كبت. فعلامة المحبة هي الطاعة الكاملة لوصايا من تحبه، بل أن تسعى لأن تجعله مسرورًا، وهذا يُسعدك أن تراه فرحا.

St-Takla.org Image: Two Ox with yoke for the Plough صورة في موقع الأنبا تكلا: ثوران (ثور) موضوع عليهم النير، للمحراث

St-Takla.org Image: Two Ox with yoke for the Plough

صورة في موقع الأنبا تكلا: ثوران (ثور) موضوع عليهم النير، للمحراث

2. الله لا يأمر بشيء إن لم يعطِ قوة على التنفيذ، فهو يعمل بيَّ وفيَّ، هو يحمل معي مهما كان الأمر صعب. هذه مثل "احملوا نيري فهو هين" (مت29:11). ولشرح هذا... أننا نكون قادرين على حمل إنسان ثقيل بسهولة في الماء، فالماء يرفع معنا دون أن نعاني من ثقل الشخص المحمول، ومَن لا يعرف ما يفعله الماء (قوة دفع الماء) يظن أننا نقوم بعمل إعجازي إذ نحمل هذا الشخص الثقيل لأن قوة دفع الماء هي قوة خفية غير مرئية، وهكذا كل من هو خارج الإيمان يظن أن المؤمن الملتزم بوصايا الله أنه يعمل عملًا عجيبًا بينما أن الله هو الذي يعمل ويعطي المعونة، والمعونة هي النعمة وهي قوة مؤازرة للإنسان. وهي قوة خفية يشعر بها المؤمن الذي يحاول تنفيذ الوصية. بل أن من ولد من الله حقًا يجد لذته وسعادته في تنفيذ الوصايا. وصايا الله ثقيلة فعلًا على طبيعة الإنسان القديمة..مثل محبة الأعداء والطهارة وعدم اشتهاء ما في العالم... وهكذا اعتبرها تلاميذ المسيح (أع15: 10) ولكن لنسمع قول بولس الرسول "أستطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني" (فى13:4) وهذا إستجابة لقول السيد المسيح "بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو5:15).

3. كون أن وصايا المسيح ليست ثقيلة ردده القديس بولس الرسول أيضًا (عب12: 1).

4. كل ما عمله المسيح بالجسد كان لحسابنا (راجع مقالة "ماذا قدم المسيح لنا بتجسده" في نهاية تفسير رسالة كولوسي).

 

آية 4:- لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهَذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا

كيف نغلب العالم؟

1. كل من ولد = من ولد من الله، صار ابنًا لله. فيحب أبوه ويثق فيه، يثق في أن كل ما يقوله هو لمصلحته وفائدته، ويهرب من شهوات العالم التي تجذب الإنسان الطبيعي. وهكذا فعل أولاد يوناداب (بيت الركابيين) راجع (ار 35).

2. إيماننا = من يؤمن ويعتمد يحيا المسيح فيه، فالإيمان هو المدخل لحياة النعمة (غل2: 20 + فى1: 21). والمسيح الذي فينا قال "ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو16: 33). وراجع (1يو3: 9 + 1كو15: 57).. فالمسيح الذي فينا يعطينا قوة نغلب بها هي ما نسميها النعمة التي تؤازرنا في جهادنا.

3. من أحب الله اكتشف اللؤلؤة الكثيرة الثمن (مت13: 46) فاحتقر باقي اللآلئ أي العالم بما فيه (فى3: 7-8). ومن احتقر شهوات العالم يغلب. والروح القدس يسكب محبة الله فينا (رو5: 5). فمن يجاهد ليمتلئ يغلب.

4. راجع آية (3) لترى كيف أن وصايا الله ليست ثقيلة. عندئذ سنغلب شهوات العالم التي تجذبنا.

5. والمولود من الله في المعمودية يصير خليقة جديدة لها إمكانيات جديدة.

 

آية 5:- مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟

في الآية السابقة رأينا أن من يغلب العالم وشهواته الخاطئة هو من وُلِدَ من الله. إذاً كيف نولد من الله بينما نحن بشر أولاد آدم؟

كان هذا عمل الرب يسوع الذى فيه إنتصرت الطبيعة البشرية. ومن يؤمن تكون له النصرة. ولكن ما هي نوعية الإيمان المطلوب فى المسيح لكى ننتصر؟ أساس الإيمان المسيحى هو أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ. لذلك حين سأل الرب يسوع تلاميذه قائلاً "وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟ أَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللهِ ٱلْحَيِّ. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: طُوبَى لَكَ يا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لَكِنَّ أَبِي ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَاوَاتِ" (مت 16: 16-17). لقد طَوَّبَ الرب يسوع بطرس إذ أنه أعلن الإيمان الصحيح الذى تُبنى عليه المسيحية.

يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ = ويقول القديس بولس الرسول "عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد" (1تى16:3). وهذا هو الإيمان بسر التجسد. أن الله دخل إلى العالم وأعطانى حياته أحيا بها، وذلك حينما إتحد بنا جسدياً. وحياة يسوع فىَّ - هى التى تجعلنى أغلب. لذلك يقول القديس بولس الرسول "مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل20:2). ويقول أيضاً "لِأَنَّ لِيَ ٱلْحَيَاةَ هِيَ ٱلْمَسِيحُ" (فى21:1). وحياة المسيح التي فىَّ تستخدم "أعضائى كألات بر" (رو13:6). فكل بر أصنعه راجع لحياة المسيح فىَّ. ويشرح القديس بولس الرسول هذا بقوله "لأَنَّهُ جَعَلَ ٱلَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ" (2 كو 5: 21). فكل غلبة لى وكل بر أصنعه راجع لحياة المسيح التي فىَّ. وهذه الحياة حصلنا عليها بالمعمودية. لذلك نسب القديس يوحنا الرسول الغلبة التي نغلبها للرب يسوع "فَنَظَرْتُ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَٱلْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ قَوْسٌ، وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلًا، وَخَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ" (رؤ2:6). ويقول القديس بولس الرسول "وَلَكِنْ بِنِعْمَةِ ٱللهِ أَنَا مَا أَنَا، وَنِعْمَتُهُ ٱلْمُعْطَاةُ لِي لَمْ تَكُنْ بَاطِلَةً، بَلْ أَنَا تَعِبْتُ أَكْثَرَ مِنْهُمْ جَمِيعِهِمْ. وَلَكِنْ لَا أَنَا، بَلْ نِعْمَةُ ٱللهِ ٱلَّتِي مَعِي" (1كو10:15). فالأعمال العظيمة التي عملها راجعة ليست لقدراته. بل لسكنى حياة المسيح فيه، لذلك قال أيضاً "أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ ٱلَّذِي يُقَوِّينِي" (فى13:4). وهذه الحياة هي السبب في النعمة التي حصل عليها وساندته. لقد تجسد ابن الله ومات بالجسد وقام بحياة أبدية. وفى المعمودية تموت الخليقة العتيقة التي أخذناها من أبينا آدم ونأخذ حياة المسيح نسلك بها في البر. وقد لخَّص الرب يسوع هذا حين قال "مَنْ آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مر16:16).

والرب يسوع عاش كإنسان مثلى وإختبر ضعفاتى، فيستطيع أن يعيننى ويسندنى "لأنهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ ٱلْمُجَرَّبِينَ" (عب18:2). ولكن الايمان ليس ايماناً نظريا، بل قبولا للموت مع المسيح المصلوب، فنقوم معه وتكون لنا حياته التى بها نغلب أو الأدق أنه هو يغلب فينا (رؤ6: 2). وهذا يبدأ بالمعمودية التى هى موت مع المسيح وقيامة معه متحدين به (رو6)، وحتى نظل ثابتين فى حياة المسيح علينا أن نتخذ قراراً بالموت عن الخطية فتظهر فينا حياة المسيح ونغلب، فحياة المسيح تظهر فى جسدنا المائت (2كو11،10:4 + غل20:2).

والروح الذى يسكن فينا بالميرون يعيننا (رو26:8).

وكيف يُعيننا الروح؟ ذلك:- بأنه 1) يبكتنا (يو8:16). وبأنه 2) يسكب محبة الله في قلوبنا (رو5: 5). ومَن يُحِّبْ يطيع الوصايا في محبة لِمَن أحبه (يو23،21:14). 3) وعمل الروح القدس يكون بالإقناع "قدْ أَقْنَعْتَنِي يَارَبُّ فَٱقْتَنَعْتُ، وَأَلْحَحْتَ عَلَيَّ فَغَلَبْتَ" (رو20:7). وعمل الروح هو أنه يقنعنا ببطلان هذا العالم وأن الفرح الحقيقى والمجد الحقيقى هما عند الرب يسوع، الذى سكب الروح القدس محبته في قلوبنا.

والايمان هو المدخل لذلك، ثم المعمودية. لذلك يقول الرب يسوع "مَن آمن وإعتمد خلص" (مر16:16). والايمان العملى هو السلوك فى طريق المسيح الذى بدأ بالصليب فالموت فالقيامة فالمجد.

 

آية 6:- هَذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ. لاَ بِالْمَاءِ فَقَطْ، بَلْ بِالْمَاءِ وَالدَّمِ. وَالرُّوحُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ، لأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الْحَقُّ

فى الآية السابقة حدثنا الرسول عن امكانية أن نغلب العالم عن طريق التجسد. وهنا يحدثنا عن كيفية الإستفادة من سر التجسد... وكان هذا بالمعمودية، كطريق نموت به عن خطايا العالم ونقوم بحياة جديدة.

هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى = أى المسيح.

بِمَاءٍ وَدَمٍ = أى ليس بماء فقط مثل يوحنا المعمدان الذى كان يعمد للتوبة، وكان النزول فى الماء أمام يوحنا المعمدان هو رمز للتوبة. لكن المسيح أتى بماء ودم. لقد أعطى يوحنا أهمية كبيرة لخروج الدم والماء من جنب المسيح لذلك كررها فى إنجيله وفى رسالته، فهو الوحيد الذى رأى الماء والدم من جنب المسيح.

• وخروج الماء والدم من جنب المسيح إشارة لخروج الكنيسة من جنبه بصفتها حواء الجديدة. وهكذا الكنيسة عروس المسيح خرجت من جنب المسيح بالمعمودية (بالماء الذى إكتسب قوته للولادة من دم المسيح. والماء والدم خرجا من جنب المسيح). وكان المسيح على الصليب فى موته مرموزاً له بآدم النائم (أف30:5 + تك23:2). وعمل المعمودية كان مرموزاً له فى العهد القديم بالتطهير بالماء والدم (لا4:14-7). وقارن مع قول إشعياء النبى "إذَا غَسَلَ ٱلسَّيِّدُ قَذَرَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَنَقَّى دَمَ أُورُشَلِيمَ مِنْ وَسَطِهَا بِرُوحِ ٱلْقَضَاءِ وَبِرُوحِ ٱلْإِحْرَاقِ" (إش4:4). والجديد فى العهد الجديد هو عمل الروح القدس فى الماء، فالمعمودية ليست ماءً عادياً. بل ماء يعمل فيه الروح القدس بإستحقاقات الدم، (فالماء بدون قوة دم المسيح لاقيمة له). فبالمعمودية تموت الخليقة العتيقة "نحن ندفن مع المسيح بالمعمودية" (كو12:2). وهذا عمل سرى للروح القدس. ثم يقيمنا الروح القدس متحدين بحياة المسيح الأبدية (رو6). نقوم بإنسان جديد على صورة ربنا يسوع المسيح، وبإتحادنا بابن الله نصبح أولاداً لله. وبهذا يولد المعمد من الماء والروح ولادة جديدة وخليقة جديدة قادرة أن تغلب العالم ولا يكون للخطية سلطان عليها، لأننا أصبحنا تحت النعمة التى تعين أما الناموس فيدين (رو14:6). والخليقة الجديدة هى الموضوع الذى يتكلم فيه الرسول، الخليقة الجديدة التى تغلب العالم. وهذه الخليقة تكون بِمَاءٍ وَدَمٍ، يَسُوعُ الْمَسِيحُ = أى بالمعمودية. وكان نزول المسيح في الماء إثناء المعمودية إشارة لموته، وكان خروجه من الماء إشارة لقيامته. إذاً قوله هذَا هُوَ الَّذِي أَتَى بِمَاءٍ وَدَمٍ يعنى أنه أتى بموت وحياة، ليميت الحياة العتيقة التي فينا ويقيم خليقة جديدة. هذا عمل المسيح أنه يخلقنا خليقة جديدة. أما معمودية يوحنا المعمدان فكانت مجرد قرار بالتوبة لكن بدون عمل وفعل إلهى.

• هنا نرى إشارة واضحة لخطة الله لخلاص الإنسان الذى مات بالخطية. وكان السؤال: كيف تعود الحياة لجسدٍ مائت؟ وهنا رأينا الإجابة: لقد وُجِدت حياة (يشير لهذا الدم) ووُجِدَ موت (يشير لهذا الماء) في وقت واحد، في جسد المسيح الذى على الصليب. فعلى الصليب وُجِدَ فعل الحياة وفعل الموت معاً. وهذا ما سيتممه الله بعد ذلك أن توجد حياة المسيح في جسدنا المائت وذلك بواسطة المعمودية. وهذا قد تممه المسيح فعلاً حين إتحدت الحياة الأبدية بجسده المائت في القبر عند قيامته في اليوم الثالث.

وَالرُّوحُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ = المعمودية هى بالماء والروح (يو5:3). ولكن ذكر الماء والدم، يقصد به الرسول الموت والحياة اللذان حدثا لجسد المسيح على الصليب، فالماء كان يشير لموت الجسد أى إنفصال الروح الإنسانية للمسيح عن جسده الإنسانى، أما خروج دم من جسد المسيح فيشير لحياة هذا الجسد. فالدم لا يخرج من جسد ميت، فالحياة فى جسد المسيح الميت على الصليب كانت راجعة لإتحاد اللاهوت بجسده. المسيح بعد موته على الصليب صار فيه فعلين: الموت والحياة، *الموت بالجسد الإنسانى أى إنفصال الروح عن الجسد *والحياة لإتحاد اللاهوت بجسده الإنسانى. ومرة ثانية تتحد حياة أبدية بجسد المسيح الميت (بحياة آدم) في القبر. ويصير في جسد المسيح القائم من الأموات فِعْلَىْ الموت والحياة (جسد المسيح على الصليب كان فيه فعل الموت – حياة آدم التي أخذها المسيح من أمه العذراء ماتت حين مات على الصليب). ولكن كان هناك فعل حياة في جسده المائت نتيجة إتحاد جسده المائت بلاهوته. وعند القيامة إتحدت حياة أبدية بجسد المسيح المائت، هذه الحياة كانت نتيجة إتحاد لاهوته بناسوته، واللاهوت حي لا يموت. وإحتفظ المسيح بفعلى الحياة والموت في جسده. ولذلك رأى القديس يوحنا المسيح في رؤياه "خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ" (رؤ6:5) أي فيه فعلين حياة (لقوله أنه قائم) وموت (لقوله كأنه مذبوح).

ونحن بالمعمودية يصير فينا الفعلين، نموت بإنساننا العتيق، فنحيا بحياة المسيح الأبدية. والروح فى داخلنا يشهد بذلك. والمسيح في المعمودية يعطينا حياته المقامة من الأموات لتسكن فينا فنقول مع القديس بولس الرسول "لى الحياة هي المسيح" (فى21:1).

وبعد إنفصال الروح الإنسانية فلقد إنطلقت هذه الروح المتحدة بلاهوته إلى الجحيم لتفتح الأبواب الدهرية للجحيم أمام الأبرار وتنطلق بهم إلى الفردوس. وبعد ثلاثة أيام أقام لاهوت المسيح جسده الميت بحياة جديدة غير قابلة للموت مرة أخرى، هى حياة أبدية يعطينا المسيح إياها فى سر المعمودية.

والرسول تكلم عن الماء والدم أولاً (الموت والحياة). ثم تكلم عن الروح الذى يُشركنا في موت المسيح وقيامته في المعمودية = وَالرُّوحُ هُوَ الَّذِي يَشْهَدُ، فالروح فى سر المعمودية يعطينا بطريقة سرية ان نموت بالطبيعة العتيقة مع المسيح المصلوب ونقوم معه في حياة جديدة.

والروح يشهد فى داخلنا: -

1) الروح يشهد أن هذه إرادة الله أن نُخلق خليقة جديدة بالمعمودية وبهذا نصير أبناء له في المسيح. وذلك بموت المسيح وقيامته، والروح يشهد بأنه هو الذى يُشركنا في موت المسيح وقيامته.

2) ويشهد داخلنا للبنوة التى حصلنا عليها بإتحادنا بالمسيح فى المعمودية "أرسل الله روح إبنه إلى قلوبكم صارخاً يا آبا الآب" (غل6:4). فالروح لن يحل فينا ويصرخ يا آبا الآب ويشهد للبنوة التى صارت لنا، مالم يكن قد عمل فى الماء لنولد بخليقة جديدة ونصير أبناء لله فعلاً. وبهذه الطبيعة الجديدة نغلب العالم وشهواته (آيات 5،4).

3) الروح يشهد داخلنا بالطبيعة الجديدة التي حصلنا عليها وأن لها امكانيات أن تموت عن العالم بخطاياه (ففيها فعل الموت) وتحيا فى المسيح تصنع البر (لأن فيها فعل الحياة)، وبهذا تغلب العالم إذا فهم الإنسان أنه مات مع المسيح، وهذا يكون إن أراد المعمد وقرر أن يعتبر نفسه قد مات مع المسيح فيقبل الموت معه (وهذا ما يُسَمَّى بالإماتة) (2كو11،10:4)، ولاحظ قول بولس الرسول "مع المسيح صلبت فأحيا..." فحتى أختبر هذه الحياة يجب أولا أن أمارس الموت الإختيارى عن العالم وهذا ما نسميه الإماتة. ومن يفعل حينئذ يختبر القوة العاملة فيه والتى بها يغلب. والروح القدس الذى فينا هو روح الحق ويشهد للحق (يو13:16، 14).

4) إن أخطأت أو إن قصرت في عمل البر يبكتنا الروح القدس (يو8:16).

5) الروح القدس يشهد للمسيح ويخبرنا عنه "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو14:16). وحينما نعرفه نحبه لِأَنَّ مَحَبَّةَ ٱللهِ قَدِ ٱنْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ ٱلْمُعْطَى لَنَا، والمحبة تجعلنا نحفظ وصاياه "الذى عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ ٱلَّذِي يُحِبُّنِي" (يو21:14).

لأَنَّ الرُّوحَ هُوَ الْحَقُّ = الرُّوحَ هُوَ روح الله، والله هو الْحَقُّ. لذلك هو يشهد للحق. لذلك فالروح يشهد للمسيح ابن الله الحق، وعمله، ويعطينا أن نحبه وأن نختاره فهو الحق ويعطينا أن نرفض العالم الباطل، وهذه هى غلبة العالم. وعمل الروح القدس يكون بالإقناع "قدْ أَقْنَعْتَنِي يَارَبُّ فَٱقْتَنَعْتُ، وَأَلْحَحْتَ عَلَيَّ فَغَلَبْتَ" (رو20:7). وعمل الروح هو أنه يقنعنا ببطلان هذا العالم وفساده وخداعه. وأن الفرح الحقيقى والمجد الحقيقى هما عند الرب يسوع. وهو يشهد لنا بالأمجاد المعدة لنا في السماء "بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ ٱللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. فَأَعْلَنَهُ ٱللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ" (1كو10،9:2). وإذ نعرف الحق المعلن بالروح القدس نحتقر الباطل ونتحرر منه "وَتَعْرِفُونَ ٱلْحَقَّ، وَٱلْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو32:8). ويقول الرسول في (الآية20) في هذا الإصحاح "وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ الْحَقَّ". إذ أن من يكتشف الحق الجوهرة الكثيرة الثمن يبيع كل ما كان فى نظره لآلئ من شهوات العالم (فى8،7:3). وكون أن العالم باطل الأباطيل نجده فى (جا2:1). والروح يعطينا أن نميز بين الحق والباطل ويبكتنا لو إنحرفنا عن الحق. ويساعدنا أن نختار الحق لنغلب فهو يعين ضعفاتنا (رو8: 26). ويعطينا أيضا القوة (النعمة) لنختار ونستمر فى طريق الموت عن العالم فنحيا مع المسيح.

 

آية 7:- فَإِنَّ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي السَّمَاءِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الآبُ، وَالْكَلِمَةُ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ. وَهَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِد.

يشهدون = يشهدون للحياة الجديدة التى حصلنا عليها.

الثالوث فى السماء يشهد بهذه الحياة الجديدة والطريق لها لنغلب العالم فلا نهلك. ليس الروح القدس فقط هو الذى يشهد للمسيح وعمله فينا، بل إن الثالوث القدوس يشهد لتجسد الإبن وعمله الخلاصى للإنسان.

فالآبُ شهد للإبن فى يوم المعمودية وفى يوم التجلى وفى الهيكل أمام الكثيرين (مت17:3 + مت5:17 + لو35:9 + يو28:12-30). لكن يوم معمودية المسيح كانت شهادة الآب وفرحته أيضا هى إعلان أنه بالمسيح وفدائه وبهذه المعمودية التى بها يؤسس المسيح سر المعمودية لنا، نعود كأبناء للآب. ويوم التجلى كانت شهادة الآب هى "له اسمعوا" فمن ترونه الآن هو إبن الله وكلامه ووصاياه هى للحياة. ومن يسمع أقوال إبنه المسيح يحيا (تث19،18:18). فرحة الآب هنا بقوله "هذا هو إبنى الحبيب الذى به سُرِرت" هى فرحة الأب برجوعنا نحن إبنه الضال لأحضانه فى إبنه المسيح، بالمعمودية التى كان المسيح يؤسسها يوم عماده فى الأردن. أما في يوم التجلى فكانت شهادة الآب أن المسيح الموجود أمامهم هو ابن الله المتجسد، والذى له كل المجد. وعلينا أن نطيع وصاياه لكى نحيا "هَذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ ٱسْمَعُوا" (مت5:17).

والإبن شهد لنفسه بأقواله وتعاليمه ومعجزاته وقبوله للصليب وموته وقيامته (رو4:1) وصعوده أمام أعين تلاميذه. وبهذا كان المسيح يشهد لنا ويرسم لنا طريق الخلاص، فكل من يقبل الموت مثله، صالبا جسده مع الأهواء والشهوات، يقوم مع المسيح من موت الخطية الآن، فيحيا ويمتلئ بالروح ويكون له ثمار الروح (غل5: 22 – 24).

وكل وصية قالها المسيح هى للحياة. ولنذكر قول السيد المسيح " أتيت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل". شهادة الإبن للحياة الجديدة نلخصها فى بعض أقوال الرب يسوع كأمثلة:

*أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل (يو10: 10).

*"ليس لأحد حب أعظم من هذا: أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو15: 13).

*"ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو16 : 33).

*"بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئا" (يو15 : 5).

*"أعطيتكم سلطان أن تدوسوا الحيات والعقارب وكل قوة العدو" (لو10 : 19).

*"إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحرارا" (يو8 : 36).

*"أنا امضي لأعد لكم مكانا، وان مضيت واعددت لكم مكانا آتي ايضا وآخذكم اليَّ، حتى حيث اكون أنا تكونون أنتم أيضا" (يو14 : 2 ، 3).

*ولكن شهادة المسيح أيضا ظهرت يوم معموديته التى أعلن بها أنه سيموت ويقوم، وأن كل من يعتمد بنفس الأسلوب سيموت معه ويقوم معه.

*قول السيد المسيح "اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ" (يو4:15) هي شهادة أمام أعيننا يشرح فيها المسيح طريقنا للحياة الأبدية والمجد: وكيفية هذا ثباتنا في كل ما عمله المسيح. فالمسيح أخذ جسداً ومات به وقام بحياة أبدية وصعد به ليمجده. وإحتفظ المسيح في جسده بكل هذه الأربع (جسده / موته / حياته الأبدية / مجده).

1) إحتفظ المسيح بجسده الذى أخذه من العذراء مريم: وهكذا رآه القديس يوحنا بجسده في رؤياه. وكان ذلك لنصبح نحن "أعضاء جسده لِأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" أف30:5). + "أَفَآخُذُ أَعْضَاءَ ٱلْمَسِيحِ وَأَجْعَلُهَا أَعْضَاءَ زَانِيَةٍ" (1كو15:6). لقد صيَّرنا المسيح أعضاء جسده وصار هو رأساً لهذا الجسد.

2) مات المسيح بجسده: مات بحياة آدم التي أخذها من العذراء مريم، ليميت جسدنا العتيق في المعمودية "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ" (كو12:2). وعلينا أن نستمر في حياة الإماتة هذه، أي نحيا كأموات أمام الخطية لتظهر حياة يسوع فينا "كَذَلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا ٱحْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ، وَلَكِنْ أَحْيَاءً لِلهِ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (رو11:6) + "حَامِلِينَ فِي ٱلْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ ٱلرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا. لِأَنَّنَا نَحْنُ ٱلْأَحْيَاءَ نُسَلَّمُ دَائِمًا لِلْمَوْتِ مِنْ أَجْلِ يَسُوعَ، لِكَيْ تَظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا ٱلْمَائِتِ" (2كو11،10:4).

3) قام المسيح بحياة أبدية: لنتحد نحن بهذه الحياة الأبدية، ونحيا أبدياً "مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ" (غل20:2). + "فَدُفِنَّا مَعَهُ بِٱلْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ ٱلْمَسِيحُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ ٱلْآبِ، هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ ٱلْحَيَاةِ" (رو4:6).

4) صعد المسيح بجسده: وجلس عن يمين أبيه أي تمجد بجسده الإنسانى. وقد طلب من أبيه أن نكون معه في هذا المجد "وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ ٱلْمَجْدَ ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو22:17). وطلب من أبيه أن نكون معه في هذا المجد "أيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو24:17). ويقول الرب يسوع "أَنَا أَمْضِي لِأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا، وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ ٱلطَّرِيقَ".

وهكذا كان كل ذلك لحسابنا إن ثبتنا فيه.

والروح القدس شهد له فى النبوات التى أوحى بها لأنبياء العهد القديم، وبحلوله على هيئة حمامة. إشارة لعمله فينا، وأنه يعمل فى الأسرار ويبكت ويعين حتى يضمن ثباتنا فى المسيح الإبن. وكما يعود الحمام دائما إلى بيته، هكذا هو عمل الروح معنا، أنه يعيدنا للثبات فى المسيح الإبن الذى يحملنا إلى حضن الآب، وهيئة الحمامة كانت شهادة لعمل الروح، فالحمام يعود دائماً إلى بيته، وقارن مع "وبيته نحن" (عب6:3) فالروح لو أخطأنا يبكت ويعين، ليعيدنا للثبات في بيتنا الذى هو المسيح. والروح يشهد للمسيح داخلنا (يو 14:16). ويشهد لطريق المسيح وهو الموت عن العالم والخطية، فإن أخطأنا يبكت وإن أردنا وطلبنا يعين. ويشهد الروح القدس في داخلنا أننا أولاد الله "ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ ٱللهُ رُوحَ ٱبْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: يَا أَبَا ٱلْآبُ" (غل6:4). فبعد أن نحصل على البنوة بالمعمودية يسكن الروح القدس فينا بسر الميرون. والروح يشهد لنا بأننا صرنا أبناء. ويدعونا أن نخاطب الآب ونقول له "يَا أَبَا ٱلْآبُ". والبنوة لله تأتى بالمعمودية كما قال الرب يسوع لنيقوديموس "أَجَابَ يَسُوعُ: ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ ٱلْمَاءِ وَٱلرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللهِ" (يو5:3).

هُمْ وَاحِدٌ = فنحن نؤمن بإله واحد مثلث الأقانيم. خلقنا ويجدد خلقتنا فى خليقة جديدة لها امكانية الخلاص. ولكن الآب يريد وأقنومى التنفيذ هما الإبن والروح القدس:

الآب يريد أن الجميع يخلصون.

الإبن يأخذ جسداً إنسانياً ليموت به ويقوم به وله حياة أبدية. وكان هذا إتفاقاً داخل المشورة الثالوثية أن الذى يتجسد ويقدم الفداء هو الابن "تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. ٱسْمَعُوا هَذَا: لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ ٱلْبَدْءِ فِي ٱلْخَفَاءِ. مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ. وَٱلْآنَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ" (إش16:48).

والروح القدس الذى حل على المسيح يوم المعمودية يشهد بأنه سيوحدنا فى جسد المسيح فيميت طبيعتنا، الطبيعة القديمة، ليقيم فينا خليقة جديدة قادرة على غلبة العالم. العالم له إغراءاته وبها يجذب البشر للخطية، ولكن ماذا تفعل هذه الإغراءات لمن حسب نفسه ميتا عن العالم. مع ملاحظة معونة النعمة التى يعطيها لنا الروح القدس وهى "أعظم" (يع6:4).

 

ملحوظة: قال بعض الدارسين من هواة نقد الكتاب المقدس أن هذه الآية (1يو7:5) هى عدد غير أصيل ولا يوجد في أغلب المخطوطات القديمة، ولا في النص الأصلى الذى كتبه القديس يوحنا الرسول. وأنها قد أضيفت في القرن الخامس عشر لإثبات عقيدة الثالوث. وهناك دراسات وافية وواضحة وأكاديمية للرد على هذه الشُبهة، ولإثبات صحة وجود هذه الآية في النص الأصلى.

الرد على هذه الشبهة الخاطئة(1):

(الآية 7) موجودة في أغلب المخطوطات (فـ57% من النسخ اليونانية تحتوى على هذه الآية. و55% من الترجمات الإنجليزية بها هذه الآية). فالترجمات الإنجليزية الموجود بها الآية إتبعت النسخ اليونانية الكاملة.

ويضع العلماء مجموعتين من الأدلة رداً على هذه الشبهة: هما أدلة داخلية وأدلة خارجية:

الأدلة الخارجية:

هي المخطوطات والإقتباسات وأقوال الأباء والليتورجيات التي تحتوى على نص الآية:

1. هذه (الآية 7) غير موجودة في 4 نسخ يونانية فقط منهم النسخة السينائية والنسخة الفاتيكانية أما باقى النسخ اليونانية فتوجد بها هذه الآية. ولكن هناك 25000 مخطوطة سريانية ويونانية ولاتينية وغيرها يوجد بها هذه الآية. ويوجد 98% من النسخ اللاتينية بها هذه الآية. وهذا معناه ببساطة أن النسخ الأربعة التي لا يوجد بها هذه (الآية 7) هي نسخ غير دقيقة.

2. كان هناك من يكتب (ينسخ) وهناك من يُراجع. فوُجِد في النسخة السينائية بعد (الآية 6) (أن المُرَاجِعْ أضاف عبارة – يشهدون نفس الأمر). والمعنى أنه إكتشف عدم وجود (الآية 7) ولكن لم يجد مكاناً كافياً ليضيفها فكتب هذه الجملة التي تتكلم عن شهادة الثالوث موضوع (الآية 7).

3. المناطق التي وُجِد بها النسخ اليونانية التي ينقصها (الآية 7) مناطق محدودة ويتضح من هذا أن الخطأ كان محصوراً في هذه المناطق. أما آلاف النسخ الأخرى التي بها الآية فقد إنتشرت عبر كل العالم.

4. الترجمات اللاتينية التي تشمل (الآية 7) بدأت منذ منتصف القرن الثانى. فكيف يدعون أن هذه الآية أضيفت في القرن الخامس عشر. والمخطوطات اللاتينية هي أقدم من المخطوطات السينائية والفاتيكانية أو الإسكندرية التى يستشهدون بها.

5. ترجمة العالم المدقق القديس جيروم اللاتينية الموجود بها (الآية 7) هي من القرن الرابع.

6. الترجمة الأرمينية من القرن الخامس يوجد بها (الآية 7).

7. نجد في أقوال الأباء أن الكثيرين قد إستشهدوا بهذه الآية في كتاباتهم في تفسير الكتاب المقدس، ومنهم البابا أثناسيوس الرسولى والقديس أغسطينوس والقديس جيروم والعلامة ترتليان والعلامة كبريانوس والقديس غريغوريوس العجائبى والقديس إغريغوريوس النزينزى.

8. شهادة المجامع: مجمع قرطاج (القرن الخامس) وإجتمع فيه 400 أسقف. وقالوا "في وضوح أكثر من وضوح الشمس فإن لاهوت الآب والابن والروح القدس هو لاهوت واحد. وهذا مثبت بواسطة القديس يوحنا الذى كتب "هناك ثلاثة يشهدون في السماء الآب والابن والروح القدس وهؤلاء الثلاثة هم واحد" فهل يستشهد 400 أسقف بآية غير موجودة. وردد نفس الإيمان كثير من المجامع.

9. قانون الإيمان للكنيسة اليونانية ويعود للقرن الأول الميلادى "إن الله حق أزلى خالق كل الأشياء، المنظورة وغير المنظورة، وكذلك الابن والروح القدس، كلهم من جوهر واحد، فإن يوحنا الإنجيلى قال: الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب والابن والروح القدس، وهؤلاء الثلاثة هم واحد".

10. في الليتورجيات القديمة جداً في الكنيسة اللاتينية مثل صلوات عماد الأطفال، التي يعود تاريخها إلى ما قبل القرن الثالث وهى مُسْتَخْدَمَة حتى الآن.

11. إكتشف هذا الخطأ بعض الأباء منذ القديم وأشاروا إليه مثل القديس إغريغوريوس النزينزى. الذى قال بغير وجود هذه الآية يصبح المعنى غير متكامل. وهذا من ناحيتين:- *الناحية اللغوية. *وما سنشير إليه بعد قليل من لزوم وجود (الآية 7) لتترابط الآيات (4-8). بل كثير من الدارسين الآن يتعجبون أن هناك من لا يزال مخدوعاً بضلالات هؤلاء المضللين.

12. هل لو كان هناك من يريد إضافة هذه العقيدة الهامة كان ينتظر حتى الآية (1يو7:5) أي تقريبا في نهاية الإنجيل ليضعها هكذا غير واضحة. أما كان قد وضعها في أوضح مكان في الإنجيل.

الأدلة الداخلية:

1. مبدأ هام في هذه الدراسة: ما سبب الخطأ؟ البدايات المتشابهة لمقطعين متتاليين تُربك الناسخ فيُخطئ. إذ ينسخ الباراجراف الثانى أو الآية الثانية بدلاً من أن يُكمل الآية التى يكتبها. وهذا خطأ مشهور في النسخ: فنجد أن بداية (الآية 7) "فإن الذين يشهدون في..." وهى نفس بداية (الآية 8) "والذين يشهدون في..." فَمَن يقوم بالنسخ يختلط عليه الأمر فلا يُكمل (الآية 7) التي كان يكتبها بل يقفز بنظره وينتقل مباشرة (للآية 8) التي لها نفس البداية. خصوصًا أن الكتابة في اليونانية قديما ما كانت تقسم الكتابة إلى كلمات. بل تكتبها فقط بالحروف.

2. ما الداعى لإضافة (الآية 7) لإثبات عقيدة الثالوث والكتاب مملوء بهذه العقيدة. بل أن (الآيات 6،5) تشير للثالوث بوضوح: ففي (الآية 5) يقول يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ (ونرى هنا الآب والابن). وفى (الآية 6) يتكلم عن الروح. فما الداعى لإقحام (آية 7) لإثبات عقيدة الثالوث؟!

3. ماذا يؤكد أصالة (الآية 7) وضرورة وجودها: (الآيات 4-8) تترابَط ترابطًا لا ينفصل. (فالآية 4): تتكلم عن ولادتنا من الله (الآب). هذه الولادة التي نغلب بها العالم. فنحن نغلب العالم كأولاد لله. و(الآية 5): تشير لعلاقة الآب بالابن إذ يقول يسوع هو ابن الله. وكيف نصير أولاداً لله؟ هذا كان بعمل المسيح ابن الله وإتحادنا به فنصير أبناء لله لأنه هو ابن الله. و(الآية 6): تتحدث عن كيفية إتحادنا بالمسيح لنصير أبناء الله. (الآية 6): تتكلم عن ماء ودم يسوع المسيح (يسوع المسيح الذى هو ابن الله الآب) فهو بهذا ربط الماء والدم (أي المعمودية) بالإبن يسوع المسيح. وكان في (الآية 5) قد ربط الآب بالابن. الدم هو دم يسوع. والماء هو ماء المعمودية التي أخذت قوتها من دم المسيح. والروح هو الذى يشهد = الروح في المعمودية هو الذى يثبتنا في المسيح فنصير أبناء لله. وهو يشهد داخلنا بهذه البنوة. فبهذا هو يربط الثلاثة معاً الآب والابن بالروح الذى يعطينا البنوة للآب في الابن. ففي عدد6 يربط الماء والدم والروح مع الآب والابن والروح. ثم تأتى (الآية 7) لتجمع الآب والابن والروح القدس. فإرادة الثالوث هو أن نصير أبناءً لله. و(الآية 7) تُعلن شهادة الثالوث بإرادة الله وفرحته التي أعلنها يوم المعمودية برجوعنا كأولاد له إلى حضنه. ثم تأتى (الآية 8) التي تكلمنا عن جسد المسيح (كنيسته) الذى حلَّ عليه الروح القدس الذى بالمعمودية يعيدنا إلى أحضان الآب في المسيح الابن. (الآية 7) تكلمنا عن الله الواحد = وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ وإرادته في أن نكون أبناء له. و(الآية 8) تكلمنا عن الرب الواحد يسوع المسيح الذى وحدنا في جسده في المعمودية بعمل الروح القدس. فإرادة الثالوث المعلنة في آية7 تم تنفيذها في جسد المسيح الْوَاحِدِ في (الآية 8). فلو لم توجد (الآية 7) لم يكن هناك ربط كامل واضح بين عمل الآب والابن والروح مع عمل الماء والدم والروح على الأرض. (الآية 7) تكلمنا عن إرادة الثالوث (الله الواحد) أو قُل هي شهادة عن إرادة الثالوث وفرحته برجوعنا بعمل المعمودية إلى أحضان الآب كأبناء له في المسيح. ثم تأتى (الآية 8) شهادة الجسد الواحد = وَهؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ هُمْ وَاحِدٌ – الواحد هنا هو جسد المسيح – الذى نثبت فيه لنصير أولاداً لله. وهكذا تترابط الآيات 4-8. فبدون (الآية 7) يكون المعنى غير واضح أو غير مكتمل. ونرى تكامل هذه الآيات مع فكر القديس بولس الرسول "مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ ٱلرُّوحِ بِرِبَاطِ ٱلسَّلَامِ. جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ ٱلْوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، ٱلَّذِي عَلَى ٱلْكُلِّ وَبِٱلْكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ" (أف4:3-6).

4. ولاحظ أنه في (الآية 7) يشير للابن بقوله الكلمة (اللوغوس) وهذه كلمة مشهورة مميزة للقديس يوحنا. فلو كانت هذه الآية قد أضيفت فيما بعد القرن الخامس عشر لكان الكاتب قد قال الآب والابن والروح القدس كما نقولها نحن الآن. لكن القديس يوحنا كان يستخدم لفظ الكلمة للإشارة للابن.

5. نفس الأسلوب إستخدمه القديس يوحنا في حوار الرب مع نيقوديموس "إنما نتكلم بما نعلم ونشهد بما رأينا ولستم تقبلون شهادتنا" (يو11:3). صيغة الجمع هنا (في قول الرب يسوع نتكلم / نعلم / ونشهد / شهادتنا) تعود للثالوث. وكان هذا طلب الناموس أن تكون الشهادة على فم شاهدين أو ثلاثة (تث15:19). والشهادة هنا في (الآية 8) هي عن شهادة أرضية (ماء وروح ودم). مثبتة بشهادة سماوية في (الآية 7) (الثالوث). وراجع أيضا (يو5: 36-39) وفيها يرجع لشهادة الثالوث. وراجع أيضاً (يو12،11:3).

 

آية 8:- وَالَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ هُمْ ثَلاَثَةٌ: الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ

الَّذِينَ يَشْهَدُونَ فِي الأَرْضِ = في (آية 6) رأينا فِعل الموت والحياة فى المسيح على الصليب. وفى (آية 7) شهادة الثالوث. وفى (الآية 8) رأينا المعمودية - وأن المسيح يؤسس المعمودية التى على نمطها نعتمد. وهذه الآية عن المعمودية وهى تشهد أننا بها نحصل على الحياة الجديدة والميلاد الجديد بخليقة جديدة . فما تم يوم عماد المسيح في الأردن نكرره في الكنيسة مع كل معمد، والروح القدس يأخذ من استحقاقات الدم ويعطي للمعمد أن يموت بإنسانه العتيق المولود من آدم وبالتالى يُكَفِّرْ دم المسيح عن خطاياه القديمة ، ثم يقوم متحدا بالمسيح الابن كخليقة جديدة فيحصل على البنوة لله .

الآن بعد انتهاء عمل الفداء . فالآن الروح القدس لا يحل بشكل منظور (حمامة أو ألسنة نار). والآب لا يتكلم ليشهد للمسيح من السماء. والابن لا نراه بأعيننا الجسدية. كل هذا نقبله ليس بالعيان كما حدث في الأردن. بل بعين الإيمان (غل20:2) عمل الله الخلاصى يبدأ فى حياة المؤمن بالمعمودية. والمعمودية هى بـــ الرُّوحُ، وَالْمَاءُ، وَالدَّمُ. وَالثَّلاَثَةُ هُمْ فِي الْوَاحِدِ = الواحد هو جسد المسيح الذى تدفق منه الماء والدم، *والروح القدس حل على جسد المسيح لحساب الكنيسة كلها يوم عماد المسيح من المعمدان. *والروح الآن يعمل فى ماء المعمودية، وذلك بقوة دم المسيح، فتلد المعمودية أبناء لله، خليقة جديدة. وكل من شعر بقوة هذه الخليقة الجديدة وإمكانياتها يدرك عمل المسيح الخلاصى، هذه القوة التى تعطيها المعمودية لأولاد الله تشهد على أن المسيح هو مخلص العالم بدمه، وتشهد للطريق الذى حدده الله للحياة الأبدية = وهو الموت عن العالم كى نحيا لله بحياة المسيح.

والمعمودية لا معنى لها بدون وجود أحد الثلاثة عناصر (الماء والدم والروح). والولادة من الماء والروح نص عليها السيد المسيح فى (يو5:3). المعمودية ونتائجها تشهد لعمل المسيح الخلاصى وللخليقة الجديدة التى بها نغلب.

الدَّمُ = هو الثمن الذي دفعه المسيح لكي يقدم لنا الفداء "لأنكم افتديتم...بدم كريم" (1بط1: 18-19). الماء والرُّوحُ= هما إشارة للمعمودية التي هي الوسيلة التي بها ننال استحقاقات هذا الدم. فبالمعمودية نولد ولادة ثانية من الماء والروح.

 

ترتيب الآيات 1 – 8:

الآيات 1 – 5:- نحن مولودين من الله ولادة جديدة وخليقة جديدة لها إمكانيات الغلبة.

أية 6:- الروح يشهد في داخلنا بأن هذا كان نتيجة عمل صليب المسيح، موته وقيامته. والروح هو الذى أعطانا أن نموت معه بحياتنا القديمة ونقوم معه بل فيه بحياته المقامة من الأموات. والمسيح الذي مات على الصليب لم يكن إنسانا عاديا، بل هو له طبيعة فريدة، وحيد الجنس. فهو بعد أن مات على الصليب خرج منه دم وماء، الماء علامة على موته. والدم علامة على وجود حياة فى جسده لإتحاد جسده بلاهوته، فالجسم الميت لا يخرج منه دم. خروج الدم والماء من جنب المسيح يشير لولادة الكنيسة من جنبه، تموت عن العالم لكن لها حياة أبدية. ولكن العجيب هنا أننا نرى حياة في جسد ميت. وهذا يشرح خطة الله لإعادة الحياة لأجسادنا التي ماتت بالخطية.

آية 7:- هناك شهادة الثالوث. فالآب شهد يوم معمودية المسيح بأن المسيح الذي يعتمد هو إبنه، وفي ابنه هذا نعود نحن لحضن الآب كأبناء له وهذا سبب سرور الآب. والروح القدس يحل على المسيح وهو الذي يعطينا أن نموت ونقوم في المسيح. والمسيح بنزوله للماء وصعوده من الماء كان يؤسس سر المعمودية. نزوله يشير لقبوله للموت، وخروجه من الماء يرمز لقيامته. وبهذا فكل من ينزل لماء المعمودية يشركه الروح القدس في موت المسيح، وكل من يخرج من الماء يشركه الروح في قيامة المسيح.

آية 8:- المسيح جاء ليوحنا ليعتمد وذلك ليؤسس سر المعمودية. ففي المعمودية نموت مع المسيح ونقوم بحياة جديدة وبخليقة جديدة. وما أعطى لماء المعمودية قوة على الولادة الجديدة هو الروح القدس وذلك باستحقاقات دم المسيح. فالمعمودية بها نولد من الماء والروح.

والخلاصة:- نرى المسيح على الصليب وفيه فعل الموت (ماء)، وفيه فعل الحياة (الدم). وفيه فعل الحياة (الماء). والروح يشهد لنا بهذا داخلنا (آية 6). وأن هذا لكي نولد من جديد من الماء والروح، وفينا نفس الفعلين الموت والحياة. نموت بالطبيعة القديمة ونقوم بحياة جديدة بالمعمودية التي أسسها المسيح بمعموديته. وشهد الآب بفاعليتها يوم المعمودية، والروح يحل على المسيح ليشهد بالعمل الذي سيقوم به معنا في المعمودية. فالثالوث يشهد بأن هناك خليقة جديدة نحصل عليها في المعمودية فيها موت بالخليقة القديمة وحياة بالخليقة الجديدة (آية 7). ونفس الفعلين نجدهم في الإفخارستيا، فالذبيحة التي نقدمها هي ذبيحة حية أي فيها نفس الفعلين الموت والحياة. وهذا ما رآه القديس يوحنا في رؤياه "خروف قائم كأنه مذبوح" (رؤ5: 6). وما نفهمه بعد كل هذه الشهادات: شهادة داخلنا بعمل المعمودية في الولادة الجديدة (آية 6). وشهادة الثالوث في فاعلية المعمودية بأنها تجعلنا أبناء لله (آية 7). والآن بعد أن إعتمدنا فعلا من الماء والروح، فهل نؤمن ونقتنع بأننا متنا عن حياة الخطية وقمنا مع المسيح في خليقة جديدة وذلك بالمعمودية (آية 8). إذًا علينا أن نمارس حياة الإماتة لننعم بالحياة الجديدة والخليقة الجديدة التي لها إمكانية الغلبة (آية 5). إذًا نحن لنا إمكانية الغلبة وهناك شهود لذلك من داخلنا ومن الخارج، هذا لو مارسنا حياة الإماتة، أي نقف كأموات أمام الخطية (رو6: 11 + 2كو4: 10 ، 11 + كو3: 1- 5).

 

آية 9:- إِنْ كُنَّا نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ، لأَنَّ هَذِهِ هِيَ شَهَادَةُ اللهِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا عَنِ ابْنِه

نَقْبَلُ شَهَادَةَ النَّاسِ = كثيرون شهدوا لعمل المعمودية العجيب في حياتهم. وكثيرون شهدوا للمسيح إبتداء من نثنائيل (يو49:1) وحتى لونجينوس الجندي (مر39:15). وعموما في القضايا العادية نحن نقبل شهادة الناس.

فَشَهَادَةُ اللهِ أَعْظَمُ = شهادة الثالوث عن عمل المسيح، أن المسيح أتى ليعطيني حياة هي اعظم (موضوع هذا الإصحاح). وشهادة الثالوث يوم معمودية المسيح، أنه بالمعمودية نصير أبناء لله. وشهادة الروح داخلنا هي أقوى من كل كلام الناس، وفي هذا يقول بولس الرسول " ليس أحد يقدر ان يقول يسوع رب إلا بالروح القدس" (1كو12: 3). شهادة الثالوث يوم معمودية المسيح هي شهادة إلهية لطريق الخلاص، وهو الموت مع المسيح والقيامة معه. ففرحة الله يوم معمودية المسيح كانت بعودتنا كأبناء له في المسيح على نفس نمط معمودية المسيح في الأردن أي بالمعمودية الآن.

 

آية 10:- مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ فَعِنْدَهُ الشَّهَادَةُ فِي نَفْسِهِ. مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ فَقَدْ جَعَلَهُ كَاذِبًا، لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِالشَّهَادَةِ الَّتِي قَدْ شَهِدَ بِهَا اللهُ عَنِ ابْنِه

مَنْ يُؤْمِنُ بِابْنِ اللهِ = شهادة الله الأعظم هذه نشعر بها داخلنا. فالمؤمن هو إنسان معمد، حل فيه الروح القدس بالميرون، وصار مسكنًا للروح، والروح يشهد في داخله للمسيح شهادة عملية اختبارية. وأيضًا فالروح يشهد في داخلنا بمفعول المعمودية والحياة الجديدة التي حصلنا عليها. [لكن هذا لمن لم يطفئ الروح بإصراره على الخطية ومقاومة تبكيت صوت الروح القدس داخله (1تس5: 19)].

مَنْ لاَ يُصَدِّقُ اللهَ = من يقاوم شهادة الله في داخله أي صوت الروح القدس، ومن لا يصدق الكتب المقدسة الموحى بها من الله، ومن يقاوم الإيمان المُسَلَّم مرة للقديسين (يه3) والمودع في الكنيسة، يجعل الله كاذبًا.

 

آية 11:- وَهَذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهَذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِه

هذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ= الشهادة التي كان يتكلم عنها في الآيات (6 – 10) فالله يشهد لابنه ليس لأن ابنه يحتاج لهذه الشهادة، بل لنا نحن، إذ أن الابن كان هدف تجسده أن نؤمن به ونتحد به في المعمودية فيكون لنا حياة أبدية. "وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته". (يو3:17 + يو15:3). وهذه الحياة كلها غلبة على العالم. فالشهادة التي يتكلم عنها الرسول هنا هي الحياة التي نختبرها إن عشنا بحسب الإنجيل.

وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ = هذه الحياة التي أعطاها لنا الله تسرى فينا ونشعر بها كشهادة داخلنا بحسب الشروط الآتية:

1. بالإيمان. ليس الإيمان النظري بل بقبول السلوك كما سلك المسيح في حياته بالجسد. وهذا ما قال عنه القديس يعقوب الإيمان الحي (يع2) .

2. بالمعمودية (دم + ماء + روح).

3. بقبول الموت الذي حدث لنا في المعمودية ، ونستمر نحيا كأموات أمام الخطية فحينئذ تكون لنا حياة المسيح (رو6 : 1– 14 + 2كو4: 10-11 + غل2: 20 + كو3: 1 - 5). فحياة المسيح الأبدية تظهر في جسدنا المائت إذ تتحد مع هذا الجسد المائت عن الخطية. ولاحظ أن حياة المسيح الأبدية اتحدت بجسده المائت في القبر، والمعنى أننا كلما مارسنا حياة الإماتة أمام شهوات العالم، كلما ثبتت حياة المسيح فينا. وإن أخطأنا نتوب سريعا فنحيا (1يو1: 9 + أف5: 14).

4. بالتناول من جسد الرب لنثبت فيه "مَنْ يأكلني يحيا بي".

والحياة الأبدية ليس معناها أن نحيا للأبد، فالأشرار والشياطين سيوجدون أيضًا للأبد، ولكن في الظلمة الخارجية في عذاب جهنم. ولكن المقصود بالحياة الأبدية هي أن تكون لنا حياة الله ذاته، نحيا بها. وهي حياة كلها قوة وغلبة ومجد ونور وفرح وسلام ومحبة وطهارة وهي تبدأ من الآن. وما نحصل عليه الآن هو عربون المجد والفرح الذي يكون لنا هناك في السماء.

 

آية 12:-. مَنْ لَهُ الاِبْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاة

مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ = قال الرب يسوع لمرثا أخت لعازر "قَالَ لَهَا يَسُوعُ: أَنَا هُوَ ٱلْقِيَامَةُ وَٱلْحَيَاةُ مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو25:11). فَلَهُ الْحَيَاةُ = هذه الحياة الأبدية هى حياة الإبن فينا نحصل عليها بالمعمودية "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ ٱعْتَمَدَ لِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِٱلْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ ٱلْمَسِيحُ مِنَ ٱلْأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ ٱلْآبِ، هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ ٱلْحَيَاةِ؟ لِأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ" (رو6: 3-5). ومن آمن وإعتمد له أن يقول "لى الحياة هى المسيح" (فى21:1) + "المسيح يحيا فىَّ" (غل20:2). ومن له الإبن أى من يثبت فى الإبن ويملك الإبن عليه، يكون الإبن هو حياته. والإتحاد بالإبن بدأ بالمعمودية. وعلينا أن نحرص على هذا الثبات "إثبتوا فىَّ وأنا فيكم" (يو4:15) وذلك بأن نسلك فى نفس طريق المسيح أي موت وحياة. وهذه الحياة هى حياة أبدية لأن المسيح الذى يحيا فينا هو هو الحياة وهو أبدى، لذلك ستكون نهاية هذه الحياة مجد أبدى هناك. وراجع تفسير (يو5 : 26) [وراجع تفسير (يو5: 26)].

 

آية 13:- كَتَبْتُ هَذَا إِلَيْكُمْ أَنْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِاسْمِ ابْنِ اللهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا بِاسْمِ ابْنِ اللهِ

تؤمنوا باسم ابن الله = الاسم يعبر عن الشخصية، فاسم ابن الله هو تعبير عن كامل شخصيته وجبروته ومحبته التي وصلت للفداء. وراجع (أع12:4) "ليس بأحد غيره الخلاص، لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطي بين الناس به ينبغي أن نخلص" وراجع أيضًا (يو36:3) ولاحظ قوله أنتم المؤمنين ثم يقول لهم أن تؤمنوا. لذلك فقوله تؤمنوا تعني تثقوا في قدرته على أن فدائه قادر أن يعطينا الغلبة فنخلص. وهذا يتفق مع آية (14). لذلك قال مخلصنا " بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو15: 5).

كتبت هذا = كل ما شرحه عن محبة المسيح وفعل المعمودية الذي يكون لنا به حياة. لكي تؤمنوا باسم ابن الله = لكي تدركوا وتثقوا أن قوته غير المحدودة قادرة أن تعمل فيكم فتغلبوا وتثبتوا في الحياة الأبدية التي أتى بها إليكم وقارن مع (أف1: 19-20).

← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

 

آية 14:-. وَهَذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئًا حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا

طلب في الآية السابقة أن يكون لنا ثقة في الله، وهنا نجد دلالات هذه الثقة. أنه إن طلبنا شيئًا يستجيب لنا = وهذه هي الثقة التي لنا عنده = الثقة ناشئة من شهادة الروح داخلنا أننا أولاد الله المحبوبين منه حتى أنه بذل ابنه عنا. ومن هذه الثقة نصلي واثقين أنه لا بُد وأن يستجيب إن كان الطلب ليس فيه ضرر لنا.

و هناك شروط للاستجابة أي لاستجابة الصلاة وهي أن تكون:-

1. حسب مشيئته = الصلاة ليست أداة لإقناع الله بأن يغير تفكيره، بل هي طريقة لتغيير فِكْر مَنْ يصلي بأن يقبل ما يسمح به الله. بل مَنْ يصلي متجاوبًا مع روح الله، يعلمه الروح القدس ماذا يطلب (هو14: 2)، أي أن الصلاة هي استكشاف لمشيئة الله. فالإنسان قد يبدأ الصلاة بإصرار على الحصول على شيء معين قائلًا... أريد يا رب كذا وكذا... ولو خضع لصوت الروح القدس داخله، الذي يقنعه ربما بأن هذا الشيء ليس في صالحه، نجد هذا الشخص ينهي صلاته قائلًا " لتكن مشيئتك " " وليكن ليس حسب إرادتي بل حسب إرادتك "، وهكذا صلَّى المسيح في بستان جثسيماني. فالروح القدس يعطي للذي يصلي بطريقة صحيحة أن يسلم إرادته كاملًا لله، بل أن تتفق إرادته مع إرادة الله، فيطلب بحسب مشيئة الله. وهذا نسميه شفاعة الروح القدس (رو26:8، 27) فإذا كنت مسلمًا الأمر تمامًا لله، فأنا مقبول أمام الله، أما لو كنت في حالة تذمر، فأنا غير مقبول أمام الله، وهذا ما يقوم به الروح القدس أنه يقنعني في الصلاة أن أسلم الأمر بالكامل لله (أر7:20). وقد نصلي ضد مصلحتنا، ولذلك لا يستجيب الله، كما صلى بولس الرسول ثلاث مرات ليشفى والله لم يستجب لأنه خاف عليه من الكبرياء وبالتالي من الضياع (2كو7:12-9). وهذا رأيناه في مزامير داود النبي، الذي كان في بعض الأحيان يبدأ المزمور بالشكوى، ولكنه ينهي المزمور بالشكر والتسبيح إذ استمع لصوت الروح القدس الذي يعطيه الاطمئنان فيسبح " إلى متى يا رب تنساني... يبتهج قلبي.." (مزمور 13).

ومشيئة الله هي خلاص نفوسنا، فكل من يطلب طلبًا به يخلص يعطيه له الله. ونلاحظ أن السيد المسيح علمنا في الصلاة الربانية أن نقول " لتكن مشيئتك". ولكن للأسف يكون لسان حالنا كثيرًا ونحن نصليها أن يكون في قلوبنا... لتكن مشيئتك إن كانت حسب مشيئتنا، لذلك نشتكي إن لم يستجب الله ونتذمر ونقول "الله لا يسمعنا. لذلك يقول بولس الرسول "لسنا نعلم ما نصلي لأجله كما ينبغي" (رو26:8). ولكن الروح يعطينا إقناع (= يشفع فينا) بما نطلبه وبما يتفق مع مشيئة الله. ويمكن أن نقول أن الله يستجيب دائمًا، ونقولها بثقة ولكن هناك 3 حالات لهذه الاستجابة:

أ‌. أن يستجيب فورًا (كما حدث في معجزة نقل جبل المقطم، فلو لم تكن الإستجابة فورية، لهلك الشعب).

ب‌. أن يستجيب بعد فترة أي في ملء الزمان حينما يكون الزمان مناسبًا والظروف مناسبة. فأنبياء العهد القديم صرخوا ليأتى المسيح مثل إشعياء "لَيْتَكَ تَشُقُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَتَنْزِلُ" (إش1:64). ولكن حدث هذا في ملء الزمان: "وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ ٱلزَّمَانِ، أَرْسَلَ ٱللهُ ٱبْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ ٱمْرَأَةٍ" (غل4:4).

ت‌. أن لا يستجيب إن كان الطلب ضد خلاص نفوسنا. أو فيه ضرر لنا. وذلك كما حدث مع القديس بولس الرسول.

2. من شروط استجابة الصلاة أيضا أن تكون بإيمان (مر24:11). فلا يقبل أن أطلب شيئًا من الله وأنا أشك أن الله قادر على الاستجابة أو أكون في حالة شك في محبته، بل علينا أن نؤمن أن الله فى محبته لابد وسيستجيب. وإن كان إيمانك ضعيفًا فقل له "أعِن عدم إيماني" (مر9: 24).

3. والإيمان ليس شرطًا وحيدًا لقبول الصلاة، فقد أطلب ما يكون سببًا في أن أفقد خلاص نفسي، فبولس الرسول طلب من الله ثلاث مرات أن يرفع عنه شوكة مرضه والله رفض فهل نشك في قوة إيمان بولس الرسول. فالإيمان هو أحد الشروط لاستجابة الصلاة وليس هو الشرط الوحيد.

4. أن تكون الصلاة باسم يسوع (يو14:14) لذلك ننهي الصلاة الربانية قائلين "بالمسيح يسوع ربنا". وهذه تعني الثقة في قدرات المسيح اللانهائية وقوة عمله الخلاصي؛ إذ أعاد لنا دالة البنوة للآب (راجع تفسير آية 13 السابقة). نحن غير مقبولين أمام الله الآب إلا بشفاعة المسيح الكفارية "لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى ٱلْآبِ إِلَّا بِي" (يو6:14).

5. أن نكون ثابتين في المسيح (يو7:15) وذلك بحفظ وصاياه (1يو22:3، 23). وهذا يعني أن صلاة الأشرار غير مقبولة أمام الله بل هي مكرهة الرب "ذبيحة الأشرار مكرهة الرب وصلاة المستقيمين مرضاته" (أم15: 8) ، فمن يحيا في شره فهو ليس ثابتًا في المسيح "فلا شركة للنور مع الظلمة" (2كو6: 14).

6. أن نغفر لمن يسيء إلينا (مر25:11). فالله لن يغفر لنا ما لم نغفر نحن أيضًا للآخرين (مت6: 15). الله لن يقبل صلاة من يكون قلبه مملوءًا بالكراهية. فالمملوء كراهية هو ميت أمام الله "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلْإِخْوَةَ. مَنْ لَا يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ" (1يو14:3).

7. أن لا نطلب طلبة لا تتفق مع اسم المسيح، أي تكون الغاية من الصلاة إشباع شهواتنا ورغباتنا (يع3:4).

8. بل كلما يرتقي إنسان في علاقته مع الله لا يطلب سوى مجد الله، ولا يطلب ما لنفسه بقدر ما يطلب عن الآخرين (يع16:5).

 

آية 15:- وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّهُ مَهْمَا طَلَبْنَا يَسْمَعُ لَنَا، نَعْلَمُ أَنَّ لَنَا الطِّلْبَاتِ الَّتِي طَلَبْنَاهَا مِنْهُ

مَنْ يصلي لدرجة أنه يصلي بحسب مشيئة الله، أي خاضعًا تمامًا لصوت الروح القدس داخله. لا بُد أن تكون له هذه الثقة أن الله سيستجيب. هذه الثقة هي بِدَاَلَّة البَنين.

 

آية 16:- إِنْ رَأَى أَحَدٌ أَخَاهُ يُخْطِئُ خَطِيَّةً لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ، يَطْلُبُ، فَيُعْطِيهِ حَيَاةً لِلَّذِينَ يُخْطِئُونَ لَيْسَ لِلْمَوْتِ. تُوجَدُ خَطِيَّةٌ لِلْمَوْتِ. لَيْسَ لأَجْلِ هَذِهِ أَقُولُ أَنْ يُطْلَبَ

خطية للموت = الموضوع ليس في نوعية الخطية، بل في العناد والإصرار على ارتكاب الخطية. فحتى خطايا الزنا أو القتل لها غفران لو استجاب الإنسان للروح القدس ولم يقاوم وقدم توبة. والله لا يتدخل في حرية أحد بل هو يحاول أن يقنعه أن يترك الخطية، ولكن إن رفض وعاند يتركه. فحرية الإنسان هي التي تحدد هل الخطية للموت أم لا. فمن يُعاند ولا يخضع للكنيسة فليكن كالوثنى والعشار (مت18: 15-18).

والإنسان حينما يفعل الخطية لأول مرة يبكته الروح القدس، ولكن إن قاوم وعاند يعتاد عليها ولا يسمع لصوت الروح القدس، بل يبدأ يتلذذ بالخطية بل يفتخر بها وهنا يحزن الروح القدس بسبب هذا العناد (أف30:4). ومع إستمرار العناد، لا يعود المعاند لسماع صوت الروح القدس. وهذا ما نقول عنه أن "الروح ينطفئ" (1تس19:5). ومع الإستمرار في العناد لا يعود الله يتعامل مع هذا الإنسان ويرفضه، كما حدث مع شاول الملك "وَذَهَبَ رُوحُ ٱلرَّبِّ مِنْ عِنْدِ شَاوُلَ، وَبَغَتَهُ رُوحٌ رَدِيءٌ مِنْ قِبَلِ ٱلرَّبِّ" (1صم14:16). ولذلك صلَّى داود ونصلى معه دائماً "روحك القدوس لا تنزعه منى" (مز51) (وهذا ما يمكن أن نسميه التجديف على الروح القدس). فالقلب قد تقسى تمامًا رافضًا التوبة أو الاستجابة للروح القدس. ولمثل هذا الإنسان، مهما صلينا فلا فائدة فهو لن يتوب. هذه إذًا خطية للموت.

يخطئ خطية ليس للموت = أي خطايا الضعف البشري نظرًا لوجودنا في الجسد. لكنه يجاهد ويريد أن يتغير ويرضي الله. هذا نطلب له الغفران ونصلي له. ولعل هذا إشارة لسر التوبة والاعتراف وصلاة التحليل التي يصليها الكاهن على رأس المعترف.

يَطْلُبُ فَيُعْطِيهِ حَيَاةً = أي غفران يؤدي للحياة الأبدية.

ونفهم من كلمات الرسول أن خطايا الموت هي:

1. الإصرار على إنكار المسيح والهرطقة وإفساد المؤمنين. هذه هي الخطايا التي يكتب الرسول رسالته بسببها فمثل هؤلاء يفسدون الإيمان. وراجع المقدمة لترى موقف يوحنا من كيرنثوس الهرطوقي. وراجع ما قاله في رسالته الثانية عمن يأتي لنا بتعليم مختلف "لا تقبلوه في البيت، ولا تقولوا له سلام، لأن من يسلم عليه يشترك في أعماله الشريرة (2 يو 10-11). فالكنيسة تحرم من يقاوم الإيمان وتعزله (آريوس).

2. المصرون على خطايا الكراهية والبغضة. هذا هو مضمون هذه الرسالة. وراجع تعليم الرب يسوع "وان اخطأ اليك اخوك فاذهب وعاتبه بينك وبينه وحدكما. ان سمع منك فقد ربحت أخاك. وان لم يسمع فخذ معك أيضًا واحدًا أو اثنين لكي تقوم كل كلمة على فم شاهدين أو ثلاثة. وان لم يسمع منهم فقل للكنيسة. وان لم يسمع من الكنيسة فليكن عندك كالوثني والعشار. الحق أقول لكم: كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطا في السماء وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا في السماء" (مت18: 15 - 18). فمن يُصِّر على عدم الغفران فالكنيسة أعطاها الله سلطانا لكي تربطه أي تعزله عن شركتها. بل إعتبره الرسول في هذه الرسالة أنه ميت "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلْإِخْوَةَ. مَنْ لَا يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ. كُلُّ مَنْ يُبْغِضُ أَخَاهُ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسٍ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ قَاتِلِ نَفْسٍ لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ" (1يو15،14:3). فعدم الغفران هو ناتج عن عدم وجود محبة. ولاحظ أن الرسول حكم على مثل هذا الإنسان الذى بدون محبة أنه لَيْسَ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ فِيهِ.

3. خطايا إنكار المسيح ورفضه أشار لها بولس الرسول في (عب6)، إرتدوا عن الإيمان بالمسيح بعد أن تذوقوا نعمته، هم الأرض المعرضة للحريق. هؤلاء يقول عنهم بولس الرسول أنه لا يمكن إعادتهم للتوبة. هؤلاء يقول عنهم بولس الرسول أنه لا يمكن إعادتهم للتوبة. هؤلاء لا تستطيع لهم الكنيسة أن تفعل أي شيء بل تتركهم ولا تصلي لأجلهم. لا تصلي لغفران خطاياهم، بل تصلي لهدايتهم وإبعاد أذيتهم عن الكنيسة.

4. ونرى أن قساوة القلب ومهاجمة ومقاومة الكنيسة هى خطايا موت لذلك لم يُصلِ بولس الرسول لإسكندر النحاس "إِسْكَنْدَرُ ٱلنَّحَّاسُ أَظْهَرَ لِي شُرُورًا كَثِيرَةً. لِيُجَازِهِ ٱلرَّبُّ حَسَبَ أَعْمَالِهِ. فَٱحْتَفِظْ مِنْهُ أَنْتَ أَيْضًا، لِأَنَّهُ قَاوَمَ أَقْوَالَنَا جِدًّا" (2تى14:4، 15). فإسكندر هذا كان يقاوم القديس بولس وتعاليمه ويسبب عثرة للمؤمنين. ولكن يقول الرسول عمن قصَّروا في خدمته "في ٱحْتِجَاجِي ٱلْأَوَّلِ لَمْ يَحْضُرْ أَحَدٌ مَعِي، بَلِ ٱلْجَمِيعُ تَرَكُونِي. لَا يُحْسَبْ عَلَيْهِمْ" (2تى16:4) فهو إعتبر أن مقاومة الكنيسة خطية موت ولم يُصلِ لأجله بل طلب من الله أن يُجازه فلا يتسبب في إنشقاق الكنيسة، وسامح فيمن قَصَّرَ في خدمته. وعلى هذا القياس – هل كانت الكنيسة تصلى لأريوس وهو يُدمرها؟! قطعاً لا. والسيد المسيح لم يصلي عن كل العالم. بل مَن أعطاهم له الآب أي المؤمنين (يو9:17) والكنيسة لا تصلي عن المنتحرين لأنهم أصروا على يأسهم حتى النهاية.

 

آية 17:- كُلُّ إِثْمٍ هُوَ خَطِيَّةٌ، وَتُوجَدُ خَطِيَّةٌ لَيْسَتْ لِلْمَوْتِ

كلمة إِثْمٍ في اليونانية تعني إعتداء الإنسان على حق الغير (إذًا الإثم هو تعدي على حق من حقوق الله أو حقوق أي إنسان).

وكلمة خَطِيَّةٌ = تعني مخالفة إرادة الله ووصاياه. هي أن أفعل ما أريده أنا وليس ما يريده الله.

وأصل الكلمة خَطِيَّةٌ = في اليونانية "من يخطئ الهدف ولا يصيبه" . ومن يصيب الهدف فله مكافأة، ومن يفشل في إصابة الهدف فلا مكافأة له.

فهدفنا هو الحياة الأبدية في مجد الله ، فالهدف الصحيح الذي يجب أن يكون أمام أعيننا هو ماذا يريد الله لنعمله، أو ما هي وصية الله لننفذها؟ وإن فعلنا يكون الهدف صحيح. ونَرِث المجد فى السماء. ولكن إن نفذنا إرادتنا ولم نهتم بوصايا الله نفقد المكافأة. فمن يخالف إرادة الله يفقد المكافأة التي هي حياته الأبدية. ببساطة لأن الله حين أعطانا الوصية لم يكن هذا ليتحكم فينا إنما هو يعرف الصالح لنا. فكل إعتداء على حق الغير هو خطية لأنها تخالف إرادة الله. وكل انحراف عن المحبة الكاملة لله وللإخوة هو خطية. وهذا ما عبَّر عنه بولس الرسول "الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله" (رو3: 23). ويصبح المعنى أن كل خطأ يفقدني حياة المجد في الأبدية. وبهذا يصبح معنى كل إثم هو خطية = كل مخالفة لوصايا الله تفقدني المكافأة التي هي ميراث المجد.

 

آية 18:- نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ، بَلِ الْمَوْلُودُ مِنَ اللهِ يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّه

كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ لاَ يُخْطِئُ = سبق شرحها في إصحاح (3) وفي المقدمة. لكن الرسول يقول هذا هنا بعد (أية 16) ليكون المعنى أن كل من ولد من الله لن يكون قاسي القلب معاند رافض للتوبة وبهذا يخطئ خطية للموت، لكن من هو ابن لله؟ هذا تجده إن سقط يقوم سريعًا ويتوب. ولكن الرسول يطلب من أولاد الله أن كل واحد يَحْفَظُ نَفْسَهُ، وَالشِّرِّيرُ لاَ يَمَسُّهُ = أي لا يستطيع أن يجري معه اتصالًا من أي نوع. وراجع قصة القديسة يوستينة في تاريخ الكنيسة، فهذه القديسة حاول الشياطين التي كان يرسلها الكاهن الوثني أن تدخل بيتها لغوايتها، فلم تستطع الشياطين دخول بيتها لأنها كانت تصلي. فمن هو ثابت في أبيه لا يقدر عليه الشيطان، ولكن في اللحظة التي فيها ينسى بنوته لله وينحرف قليلاُ عن أبيه يسقط. لذلك يطلب الرسول هنا من كل مولود من الله أن يحفظ نفسه أي يحاول أن يظل دائمًا ملتصقًا بالله. ولنذكر سقطة داود، فنجد أن داود سقط حينما:- 1*صار لا يخرج للحرب، وهذه = عدم الجهاد في حياتنا + 2*وصار لا يصلي مزاميره، وهذه = لا صلاة ولا تسبيح في حياتنا + 3*بل كان يتمشى على سطح القصر، وهذه = الحياة في ملذات ولهو العالم بالنسبة لنا. وبهذا فقد داود النعمة الحافظة له.

ويكون معنى الآية: كل من ولد من الله لا يخطئ (خطية للموت). بل المولود من الله يحفظ نفسه (يجاهد) والشرير لا يمسه (فالذي فينا كأولاد لله أعظم). هذه الآية أتت هنا بعد أن قال أن هناك خطية للموت حتى لا يرتعب السامعين، فهو هنا يعطي طمأنينة أن كل من يريد الثبات ويجاهد، لا سلطان للشيطان عليه ولن يمسه. هذه الطمأنينة لمن تحرك قلبه وخاف، أما القلب القاسي فلن يحركه تخويف ولن يطمئنه كلام الرسول هنا.

 

آية 19:- نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ اللهِ، وَالْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي الشِّرِّيرِ.

نحن من الله = مولودين منه.

والْعَالَمَ كُلَّهُ = المقصود بكلمة العالم ليس كل الناس بل الذين أحبوا العالم وتعلقوا به.

قد وضع في الشرير = أي تحت سلطان الشيطان الشرير.

فكما يعيش أولاد الله في دائرة قوة الله فتحفظهم، يعيش أولاد العالم في دائرة قوة الشرير وإغرائه. فالشيطان يزيف كل ما هو حق ويغوي أتباعه ويضللهم فيسقطوا فيستعبدهم. وكيف يضلل الشيطان أتباعه؟ بأن يصور لهم العالم والخطية أنها متعة ولذة وهدف يسعون وراءه، ويخفي عنهم الآلام والحزن نتيجة للخطية. والعالم ملئ بالخطايا.

 

آية 20:- وَنَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً لِنَعْرِفَ الْحَقَّ. وَنَحْنُ فِي الْحَقِّ فِي ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ الإِلَهُ الْحَقُّ وَالْحَيَاةُ الأَبَدِيَّة.

في الآية السابقة رأينا العالم قد وضع في الشرير، والشيطان يضلل الناس، ولكن ما موقفنا نحن أولاد الله = أعطانا بصيرة لنعرف الحق = الله أعطى أولاده بصيرة بها يدركون تفاهة العالم (جا2:1 + فى8:3). وأيضًا يعطيهم بصيرة فتنفتح عيونهم ويدركون الأمجاد المعدة لهم في السماويات (1كو9:2- 12). ومن هذه الآيات الأخيرة من كورنثوس نفهم أن هذه البصيرة تكون بالروح القدس المعطى لنا. والحق في هذه الآية في مقابل العالم في آية (19). فالعالم هو الباطل (جا2:1). ونحن تكون لنا هذه البصيرة إن ثبتنا في المسيح = ونحن في الحق (ندرك الحق ونميز بينه وبين الباطل) في ابنه يسوع المسيح = فالمسيح هو الحق (يو6:14). وثباتنا في المسيح يملأنا من الروح القدس، روح الحق، والذي يرشد للحق (يو13:16). فثباتنا في المسيح هو ثبات لنا في الحق. وثباتنا في المسيح يأتي عن طريق حفظ وصاياه، وثباتنا في المسيح يعطينا الامتلاء من الروح الذي يفتح بصيرتنا فنعرف المسيح الحق وعمله ومحبته وما أعطاه لنا، وما أعده لنا في السماء، وهذا يجعلنا نحتقر العالم الباطل وهذا معنى قول الرب "تعرفون الحق والحق يحرركم" (يو8: 32).

هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية = بدأ الرسول رسالته بأن المسيح هو كلمة الحياة وبظهوره أظهرت الحياة (1يو1: 1-2). وهنا يسميه الحياة الأبدية. وبهذا تتفق بداية الرسالة ونهايتها. وبهذا يلخص الرسول رسالته في أن ابن الله قد أتى إلى العالم وأعطانا معرفة الإله الحق الذي لا يعرفه عبدة الأوثان ولا الهراطقة. وأعطانا أن نكون فيه بالإيمان. ومن يؤمن به تكون له حياة أبدية، ويحيا في محبة، ويغلب العالم فلا ينجذب لشهواته. فالمؤمن يفتح الله بصيرته فيعرف أن الرب يسوع هو كل الحق ويشبع به مؤمنًا أنه مصدر حياته، فيثبت فيه بأن يطيع وصاياه ولا يريد أن يفارقه. تعرفون الحق والحق يحرركم (يو 8: 32).

 

آية 21:- أَيُّهَا الأَوْلاَدُ احْفَظُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ الأَصْنَامِ. آمِينَ.

احفظوا أنفسكم من الأصنام. أيها الأولاد = أي لا يليق كأولاد لله أن تتعلقوا بالأصنام فأولاد الله لا يعطون قلوبهم لأحد سوى الله الذي فداهم وأعطاهم حياة أبدية. وقوله احفظوا أنفسكم يعني لا تقبلوا شيئًا أو أحدًا يحتل مكان الله في قلوبكم.

ولكن ما هي الأصنام؟ قد تكون الأوثان التي عبدها قديمًا عباد الأوثان. ولكن تكرار بولس الرسول أن الطمع عبادة أوثان (أف5:5 + كو5:3) تجعلنا نمتد في فهمنا للأصنام بأنها تكون الطمع أو شهوة الزنا أو الملذات المختلفة والمال والذات؛ وهذا ما يسميه القديس يوحنا "العالم" (1 يو 5: 19 + 2: 15-17)، وهذا ما قال عنه القديس يعقوب "محبة العالم عداوة لله" (يع4: 4). أي يجب أن لا نضع شيئًا في قلوبنا غير الله، ويكون الله فقط هو كل شيء في حياتي.

فالأصنام عمومًا هي أدوات عبادة الشيطان. والشيطان عرض على السيد المسيح كل ما في العالم من ممالك على أن يسجد له.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) هذا الرد مُقتبس من دراسة وافية وواضحة وأكاديمية من "برنامج الدليل للأخ وحيد الحلقة 681".

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات يوحنا الأولى: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/23-Resalet-Youhanna-1/Tafseer-Resalat-You7anna-1__01-Chapter-05.html

تقصير الرابط:
tak.la/63jsmwb