| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19

آية (1): "صَلاَةٌ لِحَبَقُّوقَ النَّبِيِّ عَلَى الشَّجَوِيَّةِ:"
صلاة لحبقوق النبي = كانت صلاة الأنبياء تعتبر نبوات تتحقق. على الشجوية وهي آلة وترية. وقد تكون مشتقة من كلمة "شجوج" العبرية بمعنى جهالة فتكون هذه الصلاة عن جهالات الشعب وبلحن شجوي أي لحن حزين. وقد لاحظنا أن النبي بدأ صلاته أو بدأ سِفره بشكوى ثم وقف على المرصد يترقب رد الله. وإذ انتصب على البرج الإلهي متحصنًا تهللت نفسه داخله بالرغم من كل الظروف القاسية المحيطة به. فهو رأى نهاية بابل الدولة التي ظلمت شعبه، بل من خلال هذه الرؤيا كشف الله له خلال الرموز خطته الخلاصية التي تمت بالصليب.
آية (2): "يَا رَبُّ، قَدْ سَمِعْتُ خَبَرَكَ فَجَزِعْتُ. يَا رَبُّ، عَمَلَكَ فِي وَسَطِ السِّنِينَ أَحْيِهِ. فِي وَسَطِ السِّنِينَ عَرِّفْ. فِي الْغَضَبِ اذْكُرِ الرَّحْمَةَ."
سمعت خبرك فجزعت = حين عرف ما سيفعله البابليون جزع. ثم تأتي صلاة النبي وشفاعته عن شعبه. عملك في وسط السنين أحيه = هو نظر إلى أعمال الله العظيمة في الماضي، والله قد أراه المستقبل وخطته للخلاص. ولكن الآن وسط هاتين الحقبتين، وها نحن مقبلون على التأديب أحيي يا رب عملك وأظهر مجدك في وسط سنين الضيق التي ستأتي علينا. في وسط السنين عرف = = في وسط سنين الضيق أظهر قوتك ليعرفك شعبك. يا رب لقد صنعت أعمالاً عجيبة لشعبك في الماضى. لقد أنقذتنا من عبودية فرعون بأعمال عجيبة. وجعلت من شعبك أمة عظيمة. يا رب فلتكرر أعمالك العجيبة = أحيى يا رب عملك أي كرر يا رب ما عملته مع شعبك في الآيام القديمة. وأعدنا شعبا مقدساً لك. وإفتح عيون شعبك ليدركوا عملك ويمجدوك = فِي وَسَطِ السِّنِينَ عَرِّفْ.
آية (3): "اَللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ. سِلاَهْ. جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ، وَالأَرْضُ امْتَلأَتْ مِنْ تَسْبِيحِهِ."
طلب النبى من الله أن يكرر أعماله العجيبة السابقة مع شعبه والتي تمجد بها وعَمِلَ منهم أمة عظيمة. والنبى يقول هنا وكأنه يتذكر أعمال الله مع شعبه في الماضى اَللهُ جَاءَ مِنْ تِيمَانَ، وَالْقُدُّوسُ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ = فهل كانت هذه ذكريات النبى أم أن الروح القدس هو الذى كان يذكره بأعمال الله السابقة. كان الروح القدس هنا يُذَكِّرْ حبقوق النبى بتسبحة موسى النبى التي سبَّح فيها موسى الرب على عمله مع شعبه "فَقَالَ: جَاءَ ٱلرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلَأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ" (تث2:33). وفي الحقيقة أن من يُصَلِّى تاركاً أذنه لصوت الروح القدس يعطيه الله ما يتكلم به، ويُذكره بأعمال الله كما جاء في هوشع النبى "خُذُوا مَعَكُمْ كَلَامًا وَٱرْجِعُوا إِلَى ٱلرَّبِّ. قُولُوا لَهُ: ٱرْفَعْ كُلَّ إِثْمٍ وَٱقْبَلْ حَسَنًا" (هو2:1). وحينما يحدث هذا، تحدث حالة من الحوار بين الله وبين من يصلى. وفى الآيات التالية سنجد النبى يذكر أعمال الله الماضية التي تمجد بها مع شعبه. قد يكون النبى هو الذى يتذكرها أو يكون الروح القدس هو الذى يشرحها له مظهراً قدرات الله ومحبة الله لشعبه إذ عمِل كل هذا لهم. ومن يفتح الروح القدس قلبه وذهنه ليفهم إحسانات الله التي أنعم بها الله عليه، يصرخ من أعماق قلبه شاكراً الله على عظمة أعماله وعلى محبته لشعبه. بل سنجد أن الروح القدس يفتح عينى النبى ليَرَى خلاص المسيح القادم. وبهذا يستجيب الروح القدس لصلاة النبى الذى طلب من الله قائلاً أحيي يا رب عملك ويُعلن له أن الله سوف يُحيى عمله. ويقيم مملكة المسيح إبن داود كما أقام من قَبْلْ مملكة داود، "يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ هُوَ هُوَ أَمْسًا وَٱلْيَوْمَ وَإِلَى ٱلْأَبَدِ" (عب8:13). عجيب هو عمل الروح القدس في الصلاة، فهو يقودنا في الصلاة: ويعطينا ما نتكلم به. ويفتح أعيننا على عمل الله في حياتنا، فتخرج كلمات الشكر والتسبيح من الأعماق وليس من الشفتين. بل يفتح الأعين عن أشياء سوف تحدث في المستقبل كم يحدث مع الأنبياء، وكما هو واضح هنا. وهذا كما قال الرب يسوع "وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ ٱلْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ ٱلْحَقِّ، لِأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ" (يو13:16).
إبتداء من هذه الآية نجد رؤيا النبي والتي ظهر فيها إستجابة الله لصلاته. وكأننا نرى النبي هنا يتذكر الأمجاد السابقة في سيناء أو أن الله يريه أن هذه الأمجاد سوف تتكرر ثانية وأنه سوف يخلص شعبه [راجع خر20:19؛ 17:24؛ تث2:33]. هذه الآيات تشير لظهور الله في مجده أمام الشعب: و"كما كان فهكذا يكون من جيل إلى جيل". وحين يأتي الله تمتلئ السموات من جلاله (جَلاَلُهُ غَطَّى السَّمَاوَاتِ) فهو ساكن في السموات، والسموات تشير للنفس البشرية التي التصقت بالله فتحولت لسماء. والأرض امتلأت من تسبيحه = هذا هو الجسد الذي يسبح الله. تيمان في أدوم وفاران في سيناء وقوله الله جاء من تيمان = أي ظهر وتجلَّى مجده في تيمان. ثم يقول والقدوس من جبل فاران. وحينما نعود لأصل الآية في كلمات موسى (تث2:33) نجدها معكوسة، فموسى يقول: "جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ (حيث ظهر في مجده) وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ"، فموسى يقصد أن مجد الرب سيظهر أولًا للشعب اليهودي في سيناء ثم يظهر بعد ذلك لسعير (رمز انتشار معرفة الله في الأمم. أما حبقوق فيبدأ بسعير رمز لدخول المسيحية للأمم ثم جبل فاران حيث كان الشعب اليهودي تائهًا وذلك رمزًا لإيمان اليهود في أواخر الأيام. والأرض امتلأت من تسبيحه = إشارة للكنيسة الممتدة في العالم.
بالنسبة للشعب اليهودى الواقع تحت تأديب بابل. فسوف يخرج شعب جديد بدون وثنية، وقد تحقق هذا فعلاً ولم يعد اليهود للوثنية أبداً. أما بالمسيح فستكون الكنيسة التي ستخرج من الأمم واليهود الذين يؤمنون بالمسيح خليقة جديدة تماما "إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2كو17:5). وفى نهاية الأيام سينضم الكثير من اليهود للإيمان بالمسيح، هؤلاء الذين قال عنهم إشعياء النبى "البقية" وأخذها عنه القديس بولس الرسول "وَإِشَعْيَاءُ يَصْرُخُ مِنْ جِهَةِ إِسْرَائِيلَ: «وَإِنْ كَانَ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ ٱلْبَحْرِ، فَٱلْبَقِيَّةُ سَتَخْلُصُ" (رو27:9).
آية (4): "وَكَانَ لَمَعَانٌ كَالنُّورِ. لَهُ مِنْ يَدِهِ شُعَاعٌ، وَهُنَاكَ اسْتِتَارُ قُدْرَتِهِ."
بحسب نبوة حبقوق في (الآية 3) فإن الله سيتمجد (بالمسيح) وسط الأمم أولاً وفى نهاية الأيام يضم "البقية" اليهود الذين سيؤمنون في نهاية الأيام إلى كنيسته (مت39:23 + رو15:11). وسوف يبدأ هذا المجد بتجسد المسيح وهذا ما سنراه في هذه الآية.
كان لمعان كالنور = الله نور، بل موسى حين رأى على قدر ما يحتمل من مجد الله إستنار وجهه، ولمع جلد وجهه. ونور الله يكشف الظلمة، وهكذا شريعة الله التي أخذوها على جبل سيناء، وحين ظهر لهم الله رأوا نورًا (خر10:24، 17). وكأن النبي يريد أن يقول "حين سمعت بخبر الكلدانيين تصورت أن أمورنا في يدهم وهم خارجين عن سلطانك، وهذا كان قول النبى "يا رب قد سمعت بخبرك فجزعت" (آية 2). لكن الآن قد علمت أنك تعلم كل شيء نورك يفضح هؤلاء السالكين في الظلمة. له من يده شعاع = هو البرق الذي يصاحب العاصفة، فالله على أعدائه يكون كعاصفة تدمرهم، وبرق يصعقهم. وهناك إستتار قوته = إن الله لا يتعامل مع أعداء شعبه كما نتصور نحن البشر أو نتمنى، فهو لا ينتقم منهم فورًا، بل يعطيهم فرصة [1] لعلهم يتوبون [2] يتم عمل التأديب فينا.
وحينئذ سيدرك الكل قوة الله التي كانت مستترة إلى حين. لكن هذه الآية تشير لتجسد المسيح الذي هو نور من نور هو شعاع (نور) في يد الله، فيد الله أو ذراع الله إشارة للمسيح (إش5:51 + إش9:51). لكن حين تجسد المسيح إستتر نور مجد لاهوته في جسده. وهو أيضًا كان مستترًا في نبوات العهد القديم. ومجد الله ظهر في المسيح لكن على قدر ما نحتمل.
آية (5): "قُدَّامَهُ ذَهَبَ الْوَبَأُ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْحُمَّى."
قدامه ذهب الوبأ = أي هو ضرب فرعون بالوبأ. والمسيح بظهوره طرد وباء الشر وهزم وباء الموت (هو14:13 + 1كو54:15، 55). وعند رجليه = فالمسيح بموته داس الشيطان والموت والخطية، فهو له سلطان. خرجت الحمى = هرب الموت من قدامه وبالنسبة لضربات فرعون فالحمى قد تشير لجمر نار أي ضربة النار والبرد.
آية (6): "وَقَفَ وَقَاسَ الأَرْضَ. نَظَرَ فَرَجَفَ الأُمَمُ وَدُكَّتِ الْجِبَالُ الدَّهْرِيَّةُ وَخَسَفَتْ آكَامُ الْقِدَمِ. مَسَالِكُ الأَزَلِ لَهُ."
وَقَفَ وَقَاسَ الأَرْضَ = حين قسمها لشعبه على يد يشوع. ولاحظ أن قوله قَاسَ الأَرْضَ تقال عند تقسيم وتوزيع الميراث. وقارن مع قول المزمور "ٱلرَّبُّ نَصِيبُ قِسْمَتِي وَكَأْسِي. أَنْتَ قَابِضُ قُرْعَتِي. حِبَالٌ وَقَعَتْ لِي فِي ٱلنُّعَمَاءِ، فَٱلْمِيرَاثُ حَسَنٌ عِنْدِي" (مز 16: 5-6). فالحبال تستخدم في قياس وتقسيم الأرض لتحديد النصيب في الميراث. لقد صرنا ميراث الرب. وبوضع الآيات السابقة بجانب هذا المعنى نفهم أن المسيح سيؤسس كنيسته التي يعتبرها ميراثه فهى غالية عليه، ويعرفها بالإسم واحداً واحداً. وهذا معنى القياس. وصار مجد السماء ميراثاً لنا، فقوله قاس الأرض تعنى أيضاً أننا سنرث نصيباً في السماء كما قسَّم يشوع الأرض على شعب إسرائيل. وَدُكَّتِ الْجِبَالُ الدَّهْرِيَّةُ = هو الشيطان الذى ربطه الرب يسوع وخطفنا من يده وصرنا ميراثه "أمْ كَيْفَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَ ٱلْقَوِيِّ وَيَنْهَبَ أَمْتِعَتَهُ، إِنْ لَمْ يَرْبِطِ ٱلْقَوِيَّ أَوَّلًا، وَحِينَئِذٍ يَنْهَبُ بَيْتَهُ" (مت29:12).
نَظَرَ فَرَجَفَ الأُمَمُ = الكل رجفوا من شعب الله مثل الكنعانيين والموآبيين. وَدُكَّتِ الجبال الدهرية= الله له القدرة على دك الجبال، وقد تعني الأمم المتكبرة أو ملوك هذه الأمم أو تعني الشياطين فهم أول المتكبرين. والله القادر على دك الجبال قادر على دك خطايانا وعاداتنا الرديئة. والمعنى وراء هذه الآية أن الله أرعب الشياطين ودكهم وقسم الأرض (أي السماء) لشعبه الذي سيرث الله، يرث مع المسيح. مسالك الأزل له = كل طرق الله متفقة مع مشورته الأزلية، وكما عمل في القديم في جبل سيناء، هكذا سيعمل في تأديب شعبه وإهلاك أعدائهم بعد أن يؤدبوا شعبه = "يسوع المسيح هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد" (عب13: 8).
تأمل:- يقول القديس يوحنا في رؤياه "ثُمَّ أُعْطِيتُ قَصَبَةً شِبْهَ عَصًا، وَوَقَفَ ٱلْمَلَاكُ قَائِلًا لِي: قُمْ وَقِسْ هَيْكَلَ ٱللهِ وَٱلْمَذْبَحَ وَٱلسَّاجِدِينَ فِيهِ. وَأَمَّا ٱلدَّارُ ٱلَّتِي هِيَ خَارِجَ ٱلْهَيْكَلِ، فَٱطْرَحْهَا خَارِجًا وَلَا تَقِسْهَا، لِأَنَّهَا قَدْ أُعْطِيَتْ لِلْأُمَمِ، وَسَيَدُوسُونَ ٱلْمَدِينَةَ ٱلْمُقَدَّسَةَ ٱثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ شَهْرًا" (رؤ 11: 1-2). نجد هنا أن المسيح يحدد خاصته (وَقِسْ هَيْكَلَ ٱللهِ وَٱلْمَذْبَحَ وَٱلسَّاجِدِينَ فِيهِ = من هم في الكنيسة) فهو يعرفهم بالواحد وبالإسم. أما الأشرار فلا يقسهم. هذه الآية الجميلة الخاصة بالميراث لها معنيين:-
الأول: كما قسم يشوع أرض الميعاد على الأسباط، وأعطى لكل سبط نصيبه من ميراث الأرض، هكذا سيعطى ربنا يسوع كل واحد منا نصيباً في ميراث المجد السماوى. كلٌ بحسب درجته "لِأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي ٱلْمَجْدِ" (1كو41:15).
الثانى: يعتبرنا الرب يسوع ميراثه، كما يقول القديس بولس الرسول " مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي ٱلْقِدِّيسِينَ" (أف18:1). وهذا يُظهر مدى قيمتنا عند الرب يسوع، فالناس تتصارع لتحصل على نصيبها في الميراث، أما السيد المسيح فمات على الصليب ليضمنا إليه كميراث عزيز لديه.
آية (7): "رَأَيْتُ خِيَامَ كُوشَانَ تَحْتَ بَلِيَّةٍ. رَجَفَتْ شُقَقُ أَرْضِ مِدْيَانَ."
كُوشَانَ = هذا الاسم لم يَرِد إلا هنا وقد يكون اسمًا قديمًا لمديان. والمعنى من الآية أن كل الممالك المجاورة قد انزعجت (قض8:3). هكذا ترتجف الشياطين أمام أولاد الله. كأن النبي رأى عمل الله القادم على الصليب وانزعاج الشياطين من خلال رعب الموآبيين. وقد يكون كوشان = ما يختص بكوش (قاموس الكتاب). وماذا يختص بكوش إلا اللون الأسود، لون الخطية (أر23:13). فتصبح خيام كوشان إشارة للجحيم مسكن الشياطين، وهؤلاء أرعبهم المسيح. رَجَفَتْ شُقَقُ.. مِدْيَانَ = سمح الله لمديان أن تذل شعب الله فترة بسبب خطية الشعب، وعاد الله وأرسل لهم جدعون، وكان جدعون رعبًا لأهل مديان، بل حطمهم، وهذا رمز لعمل المسيح الذي حطم إبليس، المملكة التي استعبدت البشر فترة من الزمان.
آية (8): "هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ حَمِيَ يَا رَبُّ؟ هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ غَضَبُكَ؟ أَوْ عَلَى الْبَحْرِ سَخَطُكَ حَتَّى إِنَّكَ رَكِبْتَ خَيْلَكَ، مَرْكَبَاتِكَ مَرْكَبَاتِ الْخَلاَصِ؟"
هنا تساؤل من النبي: هل حمى غضب الرب على الأنهار والبحار؟ (هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ حَمِيَ يَا رَبُّ؟ هَلْ عَلَى الأَنْهَارِ غَضَبُكَ؟ أَوْ عَلَى الْبَحْرِ) = والأنهار تشير لشعب الله والبحار تشير للشعوب الوثنية. ولقد حَمِيَ غضب الله عليهم جميعًا إذ أن الجميع زاغوا وفسدوا وأعوزهم مجد الله (رو3). ولقد كان المتصور أن الله يبيد الجميع ولكن العجب أن الله ركب مركباته وأتى للخلاص (إِنَّكَ رَكِبْتَ خَيْلَكَ، مَرْكَبَاتِكَ مَرْكَبَاتِ الْخَلاَصِ) = وكل ما حدث أن الله استخدم الأمم الوثنية ضد شعبه ليؤدبهم، بل استخدم الأمم الوثنية ضد بعضها البعض ليؤدب الجميع.
الآيات (9-13): "عُرِّيَتْ قَوْسُكَ تَعْرِيَةً. سُبَاعِيَّاتُ سِهَامٍ كَلِمَتُكَ. سِلاَهْ. شَقَّقْتَ الأَرْضَ أَنْهَارًا. أَبْصَرَتْكَ فَفَزِعَتِ الْجِبَالُ. سَيْلُ الْمِيَاهِ طَمَا. أَعْطَتِ اللُّجَّةُ صَوْتَهَا. رَفَعَتْ يَدَيْهَا إِلَى الْعَلاَءِ. اَلشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَقَفَا فِي بُرُوجِهِمَا لِنُورِ سِهَامِكَ الطَّائِرَةِ، لِلَمَعَانِ بَرْقِ مَجْدِكَ. بِغَضَبٍ خَطَرْتَ فِي الأَرْضِ، بِسَخَطٍ دُسْتَ الأُمَمَ. خَرَجْتَ لِخَلاَصِ شَعْبِكَ، لِخَلاَصِ مَسِيحِكَ. سَحَقْتَ رَأْسَ بَيْتِ الشِّرِّيرِ مُعَرِّيًا الأَسَاسَ حَتَّى الْعُنُقِ. سِلاَهْ."
هنا في آية (9) نرى الرب كجبار يخرج قوسه (عُرِّيَتْ قَوْسُكَ) ويظهره ويوجه سُبَاعِيَّاتُ سِهَامٍ كَلِمَتُكَ ضد أعداء شعبه. فالله أظهر قوته في غزو كنعان بحسب وعده لشعبه في كلمته للآباء بأنهم يرثون الأرض (وكلمة الله كاملة فرقم 7 رقم كامل والمعنى أن وعود الله لا يسقط منها حرف). شَقَّقْتَ الأَرْضَ أَنْهَارًا = حين إنشقت الصخرة وخرج منها أنهار ماء تروي الشعب في البرية سَيْلُ الْمِيَاهِ طَمَا = في ترجمات أخرى توقف فيضان النهر إشارة لشق نهر الأردن ، وذلك بقوة جبارة أوقفته. فَـ:أَعْطَتِ اللُّجَّةُ صَوْتَهَا = كأن المياه زمجرت أمام هذه القوة التي صدتها عن المسير. رفعت يديها إلى العلاء = هذا يشير إلى أنها أي المياه أمام قوة جبارة لا تستطيع أي شيء أمامها. وفي (11) إشارة لحادثة وقوف الشمس والقمر مع يشوع حتى يكتمل انتصاره على أعدائه. وذلك حتى يكون هناك نور للسهام الطائرة من شعب الله إلى الأعداء. ولاحظ أن السهام هي سهام الله، وفي هذه المعجزة الجبارة ظهر مجد الله كالبرق اللامع. وفي الآيات (12، 13). هنا يتضح أن الله هو الذي داس الأمم الكنعانية أمام شعبه، وهو الذي خرج أمام شعبه، لخلاص مسحائه أي ملوك شعبه، وملوك يهوذا الأتقياء بالذات. على أن هذه الآيات فيها نبوات واضحة عن الخلاص بالمسيح:- عُرِّيَتْ قَوْسُكَ = تشير للتجسد الإلهي الذي به كشف المسيح عن قوته في حربه ضد إبليس. وبالتجسد تمتعنا بكلمة الله كسهم يحطم الشر الذي تملك في داخلنا. ويحل كلمة الله فينا كسهم حقيقي يجرح قلوبنا ويوقظ ضمائرنا لينزع عنا كل فساد خبيث. وعمل كلمة الله في داخلنا عمل كامل = سباعيات سهام كلمتك ورقم 7 يشير للكمال. وكلام الرب نقي كفضة محماة سبع مرات (مز6:12) ونلاحظ أن المسيح على الصليب نطق 7 كلمات (مت 27: 46؛ لو 23: 34، 43، 46؛ يو 19: 26-27، 28، 30). شققت الأرض أنهارًا = هذا رمز لفيض الروح القدس (الأنهار) (يو37:7-39) الذي تفجر بعد صلب المسيح (الصخرة) وحين امتلأ المؤمنون رفعوا أيديهم إلى العلاء (رَفَعَتْ يَدَيْهَا إِلَى الْعَلاَءِ). لكي يسبحوا = فَـ:أَعْطَتِ اللُّجَّةُ صَوْتَهَا. الأرض التي شقها الله هي أنا وأنت. وَشَقَّقْتَ = تذكرنا بأن الحيوانات الطاهرة تكون مشقوقة الظلف = وهذا يشير لأن الإنسان الطاهر هو من قدم جسده ذبيحة حية. والروح القدس يبدأ معنا هذا في المعمودية التي فيها ندفن مع المسيح . ثم يأتي سر الميرون ويسكن فينا الروح القدس. فبعد أن كنا أرضًا بورًا جاء المسيح وآمنا به وأرسل لنا الروح القدس فجرى من بطننا (أرضنا) أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ (يو 7: 38). أبصرتك ففزعت الجبال= تشير الجبال للملوك الجبابرة الذين فزعوا من شعب الله. وتشير للشياطين المتكبرين، وللخطايا التي كانت تجثم على قلوبنا. هم أبصروا عمل المسيح ففزعوا، وبهذا استطعنا أن نرفع أيدينا بالتسبيح وبينما المسيح معلق على الصليب ارتجَّت الأرض وخرج كثيرين من الذين ماتوا. وأظلمت الشمس = الشمس والقمر وقفا. وفي هذه اللحظات كان المسيح يقبض على الشيطان ليقيده = نور سهامك الطائرة الموجهة ضد إبليس = المسيح بدأ بصليبه ضرب إبليس ثم ترك هذه المهمة لكنيسته التي هي سِهَامِه الطَّائِرَةِ *لتكمل العمل وتضرب إبليس: 1) برفضها إغراءاته. 2) بصلواتها وتسابيحها. *وأعطى كنيسته قوة ضد عدوها إبليس "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا ٱلْحَيَّاتِ وَٱلْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ ٱلْعَدُوِّ، وَلَا يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو19:10). *وأعطاها أيضاً وعداً بالإنتصار "وَعَلَى هَذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت18:16). ولاحظ جمال التشبيه هنا، إذ قيل عن المسيح عُرِّيَتْ قَوْسُكَ وقيل عن المؤمنين سهامك الطائرة. والسهام تُطلق من القوس = المسيح القوس أرسل المؤمنين كسهام ليدمروا مملكة الشياطين. وهو نفس التشبيه الذى إستخدم في "لِأَنِّي أَوْتَرْتُ يَهُوذَا لِنَفْسِي، وَمَلَأْتُ ٱلْقَوْسَ أَفْرَايِمَ، وَأَنْهَضْتُ أَبْنَاءَكِ يَا صِهْيَوْنُ عَلَى بَنِيكِ يَا يَاوَانُ، وَجَعَلْتُكِ كَسَيْفِ جَبَّارٍ" (زك13:9).
سَيْلُ الْمِيَاهِ طَمَا = في ترجمات أخرى "توقف فيضان النهر" إشارة لشق نهر الأردن. إذاً فهذه إشارة لتوقف سلطان الموت. فبينما كان من يعبر النهر وسط الماء لا بُد وأن يغرق ["قد اكتنفتني مياه إلى النفس" (يون 3:2، 5)]. ونلاحظ أن رحلة خروج بني إسرائيل من مصر تشير لرحلة حياتنا على الأرض. فعبور البحر الأحمر يشير للمعمودية، وتوهان الشعب في البرية لمدة 40 سنة يشير لفترة عمر الإنسان على الأرض وجهاده، وفي النهاية فإن عبور الأردن ودخول كنعان يشير للموت ودخول الراحة السماوية. وبعد الصليب أصبحنا نقول أين شوكتك يا موت لأن المسيح بموته داس الموت والأمم الشياطين. وتوقف نهر الأردن يشير لتوقف سلطان الموت. خرجت لخلاص شعبك. لخلاص مسيحك = في ترجمات أخرى "خرجت لخلاص شعبك مع مسيحك"، وبهذا تكون الآية نبوة واضحة عن الخلاص الذي بالمسيح وفيه سَحَقْتَ رَأْسَ.. الشِّرِّيرِ = أي الشيطان، وهذا تحقيقًا لقول الله "هو يسحق رأسك" (تك15:3). معريًا الأساس حتى العنق = عنق البيت هو مكان وصلة الجدران مع السقف. والمعنى أن المسيح كشف بيت إبليس أي كل حيله وضعفه وحقارته وحقده على البشر. سلاه = وقفة تأمل وسط المزمور.
عُرِّيَتْ قَوْسُكَ تَعْرِيَةً = هذه كما ذكرنا سابقاً نبوة عن التجسد. هذه الآية تشبه قول إشعياء النبى "قَدْ شَمَّرَ ٱلرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ أَمَامَ عُيُونِ كُلِّ ٱلْأُمَمِ، فَتَرَى كُلُّ أَطْرَافِ ٱلْأَرْضِ خَلَاصَ إِلَهِنَا" (إش10:52). ولكن تُظْهِر نبوة إشعياء "شَمَّرَ ٱلرَّبُّ عَنْ ذِرَاعِ قُدْسِهِ" تجسد المسيح - يد الله - أي ظهور المسيح بالجسد. واليد تشير للعمل. فنبوة إشعياء تشير لأن إبن الله سيتجسد ليقوم بعمل الفداء. أما نبوة حبقوق هنا فتشير: -
1. أن هناك معركة، وأن هناك قتال سيحدث، فالقوس تستخدم في الحرب. والمسيح على الصليب كان فعلاً في حرب مع الشيطان والموت والخطية.
2. القوس لا تعمل وحدها. بل تحتاج لسهام. وهنا نرى أن المسيح إستخدم المؤمنين كسهام ضد الشيطان.
3. هناك قصة في العهد القديم تشرح ما حدث (2صم: 1-18). ففي حرب يوآب قائد جيش داود ضد إبشالوم، عَلَقَتْ رأس إبشالوم في شجرة كثيفة. فبدأ يوآب وضربه بسهم، وأمر رجاله، فضربه كل رجل بسهم ومات.
4. وهذا ما حدث بالصليب: فالمسيح ضرب الشيطان بالصليب (أول سهم) وطلب من كنيسته أن تكمل المهمة. فكان المؤمنين هم السهام الطائرة (آية 11) ضد الشيطان كما كانت سهام رجال يوآب ضد إبشالوم بعد أن ضربه يوآب.
5. أعطى المسيح السلطان لكنيسته أن تدوس على الشيطان "هَا أَنَا أُعْطِيكُمْ سُلْطَانًا لِتَدُوسُوا ٱلْحَيَّاتِ وَٱلْعَقَارِبَ وَكُلَّ قُوَّةِ ٱلْعَدُوِّ، وَلَا يَضُرُّكُمْ شَيْءٌ" (لو19:10). وأعطى الكنيسة وعداً بأن تنتصر على مملكة الشيطان "وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت18:16). ولكن نحتاج لعمل الروح القدس لنغلب. والروح القدس يعطى القوة التي بها نغلب (النعمة) لمن صلبوا الجسد مع الشهوات "وَأَمَّا ثَمَرُ ٱلرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ، فَرَحٌ، سَلَامٌ، طُولُ أَنَاةٍ، لُطْفٌ، صَلَاحٌ، إِيمَانٌ، وَدَاعَةٌ، تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. وَلَكِنَّ ٱلَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا ٱلْجَسَدَ مَعَ ٱلْأَهْوَاءِ وَٱلشَّهَوَاتِ" (غل5 :22-24). وصلب الجسد مع الأهواء والشهوات = شَقَّقْتَ الأَرْضَ أَنْهَارًا.
← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.
آية (14): "ثَقَبْتَ بِسِهَامِهِ رَأْسَ قَبَائِلِهِ. عَصَفُوا لِتَشْتِيتِي. ابْتِهَاجُهُمْ كَمَا لأَكْلِ الْمِسْكِينِ فِي الْخُفْيَةِ."
تسبحة النبي على هذا الخلاص ثقبت بسهامه رأس قبائله = تشير هذه لما حدث مع المديانيين، فقد أثار الرب ارتباكًا في صفوفهم أمام جدعون "جعل الرب سيف كل واحد بصاحبه" (قض22:7) والمعنى أن الله بعدما كشف إبليس وحيله، فحينما يوجه إبليس سهامه ضد شعب الله ترتد هذه السهام وتحطمه فهو لا سلطان له علينا. ولقد دبر إبليس مؤامرة الصليب ليهلك المسيح، فارتد هذا العمل ضده، وصار الصليب يحرقه. ولقد سمعنا كثيرًا في قصص القديسين أنهم حين يصرخون لله ويرسمون علامة الصليب أن الشيطان يحترق ويتحول إلى دخان. عصفوا لتشتيتي = هنا النبي يتكلم باسم شعب الله ويرى الأعداء كالعاصفة يقومون ضده ليشتتوه بعيدًا عن أرضه وهدفه (هذا ما فعله فرعون مثلًا في خروجه وراء الشعب) ابتهاجهم كما لأكل المسكين في الخفية = هم يسرون بالظلم أما الصالحون فيسرون بالرب.
آية (15): "سَلَكْتَ الْبَحْرَ بِخَيْلِكَ، كُوَمَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ."
إشارة إلى هلاك المصريين في البحر. والمعنى أنه كما خلص الرب شعبه من مصر، هكذا بالتأكيد سيخلصهم من يد بابل ومن كل أعدائهم. وهنا يصور النبي كأن الله في المعركة يقود شعبه (خيله) فهو الذي يركب على الفرس الأبيض، "وَخَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ" (رؤ2:6) وهو قاد شعبه للنجاة وسط كوم المياه الكثيرة = أكوام المياه.
سَلَكْتَ الْبَحْرَ = البحر يشير لهذا العالم الذى نحيا فيه. والله لا يتركنا وحدنا وسط هذا العالم، لكنه يسلك معنا ليحارب إبليس عدونا. هذا يذكرنا بوعد الله ليعقوب قبل أن ينزل إلى مصر، ومصر كانت ترمز لأرض العبودية في قصة الخلاص الذى بالمسيح. وكان فرعون يرمز للشيطان. ولاحظ وعد الله ليعقوب، وهذا الوعد هو لنا أيضاً، فنحن أولاد يعقوب بالإيمان "فَكَلَّمَ ٱللهُ إِسْرَائِيلَ فِي رُؤَى ٱللَّيْلِ وَقَالَ: «يَعْقُوبُ، يَعْقُوبُ!». فَقَالَ: «هَأَنَذَا. فَقَالَ: «أَنَا ٱللهُ، إِلَهُ أَبِيكَ. لَا تَخَفْ مِنَ ٱلنُّزُولِ إِلَى مِصْرَ، لِأَنِّي أَجْعَلُكَ أُمَّةً عَظِيمَةً هُنَاكَ. أَنَا أَنْزِلُ مَعَكَ إِلَى مِصْرَ، وَأَنَا أُصْعِدُكَ أَيْضًا" (تك46 :2-4). فالله معنا في أرض ضيقتنا وسيصعدنا إلى مجده. وهذا ما قاله الرب يسوع "أَنَا أَمْضِي لِأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو 14: 2-3).
كُوَمَ الْمِيَاهِ الْكَثِيرَةِ = مياه البحر هي مياه مالحة قاتلة إشارة لشهوات وملذات هذا العالم التي هي أسلحة الشيطان. هذه التي قال عنها الرب للسامرية "كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا ٱلْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضًا" (يو13:4). الله يعطى المعونة تساندنا "الروح يعين ضعفاتنا" (رو26:8).
آية (16): "سَمِعْتُ فَارْتَعَدَتْ أَحْشَائِي. مِنَ الصَّوْتِ رَجَفَتْ شَفَتَايَ. دَخَلَ النَّخْرُ فِي عِظَامِي، وَارْتَعَدْتُ فِي مَكَانِي لأَسْتَرِيحَ فِي يَوْمِ الضِّيقِ، عِنْدَ صُعُودِ الشَّعْبِ الَّذِي يَزْحَمُنَا."
حينما نظر أولاً لضعف الشعب وقوة العدو إرتعد، إرتعد إذ رأى شعب الكلدانيين أتى ليزحم أي ليهاجم بكثافة، بجنوده شعب الله، وهو عرف قوة الكلدانيين وجبروتهم. ولكنه لجأ إلى الله فهو ما زال على المرصد معانقاً الله، ينتظر سماع صوته. وهو فهم أن الله يحارب مع شعبه وسيخلصهم من بابل عدوهم (الآية السابقة). وَارْتَعَدْتُ فِي مَكَانِي = في ترجمات أخرى "بهدوء إنتظرت يوم الضيق. إذ يأتي هذا الضيق على أعدائنا" وهذه الترجمة متمشية مع باقى النص. بل تحول ارتعاده إلى فرح وإبتهاج (آية18)، إذ أعلن له الله، أن هذا الضيق هدفه التأديب، وأن الله نفسه ضد أعداء شعبه وستكون نهايتهم بعد أن ينتهوا من تأديب شعب الله. وأن كل الأمور تعمل معاً للخير لمن يحبون الله. ولنفهم أن الخوف والرعدة يكونان سبباً في النجاة بشرط أن نظل في حالة صلاة مثل حبقوق النبى الذى إستمر على المرصد معانقاً الله = وَارْتَعَدْتُ فِي مَكَانِي. وإستمراره في صلاته وإرتعاده كانا بثقة في وعود الله التي سمعها على مرصده. لم يعتمد على الوعود وكف عن الصلاة، ولم ييأس مع أن الوعود كانت ما زالت لم تتحقق. بل إستمر في صلاته برجاء أن يسْتَرِيحَ فِي يَوْمِ الضِّيقِ حينما تثمر التوبة وينجو شعبه من عدوهم. ولاحظ قوله وَارْتَعَدْتُ فنوح حينما خاف من الطوفان صنع فلكاً فنجا، والذين لم يخافوا بل إستهتروا هلكوا. وإبليس قوته مرعبة ولو عرفناها نرتعب، وعلينا أن نرتعب من الخطية ونتائجها. والقديس بولس الرسول يقول "تَمِّمُوا خَلَاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ" (فى12:2). ولكن فلنكن كحبقوق ملتصقين ومعانقين مسيحنا، ثابتين فيه فلا نخاف خوفاً مرضياً، بل خوف مملوء رجاء ثقة في محبته. نرتعب، لكن بالمسيح إذ نلجأ ونتمسك به نطمئن ونهزمه فنفرح.
آية (17): "فَمَعَ أَنَّهُ لاَ يُزْهِرُ التِّينُ، وَلاَ يَكُونُ حَمْلٌ فِي الْكُرُومِ. يَكْذِبُ عَمَلُ الزَّيْتُونَةِ، وَالْحُقُولُ لاَ تَصْنَعُ طَعَامًا. يَنْقَطِعُ الْغَنَمُ مِنَ الْحَظِيرَةِ، وَلاَ بَقَرَ فِي الْمَذَاوِدِ"
هو رأى هذا العدو يأتي ليخرب الأرض من ثمارها (التين والكروم) بل من بهائمها. والنبي يقول في (آية 18) أنه يبتهج مع أن العدو أزال كل الخيرات فلماذا يبتهج؟ هو فهم أن كل تأديب سيأتي بنتيجة وتوبة للشعب (عب11:12) وطالما قدم الشعب التوبة فهو واثق أن الثمار ستظهر ثانية لذلك يبتهج. ألم يضاعف الله بركات أيوب بعد أن إنتهى التأديب. لقد إمتد بصره لبعيد ليرى الخلاص العتيد، فلم يحزن بسبب الخسائر الحالية. ولنلاحظ أن الخيرات العالمية يفرح بها العالميون، أما نحن فنبحث أولاً عن رضا الله، وهذا يأتي بالتوبة، وإذا قدمنا توبة لابد وستأتي بركات الله ثانية بعد أن ضاعت منا بسبب الخطية (وهذا ما حدث للإبن الضال).
آية (18): "فَإِنِّي أَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ وَأَفْرَحُ بِإِلهِ خَلاَصِي."
بالرغم من الآلام فإن فرحة النبي لأنه رأى الخلاص، وبروح النبوة رأى خلاص المسيح. ولاحظ لقد بدأ سفره بالحزن، لكن من يستطيع أن يصلي في حزنه ويلجأ لله سيحول الله حزنه إلى فرح. (يو22:16).
آية (19): "اَلرَّبُّ السَّيِّدُ قُوَّتِي، وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ، وَيُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي."
سر الفرح أن إلهه قوته، يمشيني في مرتفعاتي (اَلرَّبُّ.. قُوَّتِي.. يُمَشِّينِي عَلَى مُرْتَفَعَاتِي) = يقودني للسماويات. كالأيائل أي بسرعة.
وَيَجْعَلُ قَدَمَيَّ كَالأَيَائِلِ = الأيائل لها خاصية عجيبة. فهى تذهب لجحور الثعابين وتنفخ فيها. فيخرج الثعبان فتتعارك معه وتدوسه بقدميها حتى تنتصر. ولكن خلال معركتها تعطش فتجرى لبحيرة الماء لتشرب. وهذا ما ردده داود النبى "كَمَا يَشْتَاقُ ٱلْإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ ٱلْمِيَاهِ، هَكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا ٱللهُ" (مز1:42). والماء كما نعرف يشير للروح القدس (يو7: 37-39 ، إش 44: 3-4). فالمرنم يشتاق للإنتصار على الشيطان (الحية) ليمتلئ من الروح القدس. وهكذا بالنسبة للرب يسوع إذ بعد أن إنتصر على الشيطان في التجربة على الجبل قيل إنه "وَرَجَعَ يَسُوعُ بِقُوَّةِ ٱلرُّوحِ إِلَى ٱلْجَلِيلِ" (لو14:4). وكان ذلك لحسابنا، فحين نرفض إغراءات الشيطان ونتمسك بالله في الصلاة نمتلئ بقوة الروح.
وكيف نغلب الشيطان؟ علمنا المسيح الطريقة: الصوم والصلاة (مت21:17). الصوم = رفض الملذات العالمية أي حرمان الشيطان من سلاحه. الصلاة = الإلتصاق بالله، وهو الذى سيحاربه. وفى ذلك رأى القديس يوحنا الرسول في رؤياه "فَنَظَرْتُ، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ، وَٱلْجَالِسُ عَلَيْهِ مَعَهُ قَوْسٌ، وَقَدْ أُعْطِيَ إِكْلِيلًا، وَخَرَجَ غَالِبًا وَلِكَيْ يَغْلِبَ" فأنا هو الفرس الأبيض الذى يقوده الفارس الذى خرج غالباً ولكى يغلب (رؤ2:6).

1. الخاطئ المستمر في خطيته تضيع منه بركاته. وحين يتوب قد تتأخر هذه البركات لبعض الوقت، ولكن في ثقة نستطيع أن نقول أن البركات ستعود ثانية = فمع أنه لا يزهر التين.. فإني أبتهج لثقتي في رحمة الله وأن البركات ستعود طالما هناك توبة.
2. عمومًا المؤمن يبتهج ويفرح بالمسيح حتى مع أنه لا يزهر التين = أي أنه لا توجد بركات مادية، لأن المؤمن الحقيقي لا يفرح بالماديات، لأنه يؤمن أنه سيفرح في النهاية في الأبدية، حتى لو هناك ضيقات الآن.
3. قد تشير هذه الآيات لنهاية الأيام والضيق العتيد أن يحدث (آية 16) سمعت فإرتعدت (دا 1:12 + مت21:24). وعن هذه الأيام يقول السيد المسيح "لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين" ويقول [حين يأتي ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟!] (لو 18: 8)، ويشير لهذا آية (17) فالتين إشارة للأمة اليهودية التي لعنها المسيح، أو هي تشير للمحبة التي كادت أن تنعدم في تلك الأيام (أيامنا الحالية). والكرمة تشير للكنيسة التي تشتتت لمئات الطوائف الضعيفة وتشير للفرح الروحي الذي كاد أن يختفي. والزيتونة التي تكذب تشير للعذارى الجاهلات اللواتي بلا زيت في آنيتهن. ولا بقر في المذاود = أي لا مؤمنين في الكنائس لأنه لا يوجد طعام روحي. ومع هذه الصورة القاتمة فالمؤمن الحقيقي في فرح (18).

← تفاسير أصحاحات حبقوق: مقدمة | 1 | 2 | 3
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
دراسة في كتاب حبقوق![]() |
قسم
تفاسير العهد القديم القمص أنطونيوس فكري |
تفسير حبقوق 2![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/f764rcs