St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   10-Sefr-Samoel-El-Thany
 

شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص أنطونيوس فكري

صموئيل ثاني 22 - تفسير سفر صموئيل الثاني

 

محتويات:

(إظهار/إخفاء)

* تأملات في كتاب صموئيل ثانى:
تفسير سفر صموئيل الثاني: مقدمة سفر صموئيل الثاني | صموئيل ثاني 1 | صموئيل ثاني 2 | صموئيل ثاني 3 | صموئيل ثاني 4 | صموئيل ثاني 5 | صموئيل ثاني 6 | صموئيل ثاني 7 | صموئيل ثاني 8 | صموئيل ثاني 9 | صموئيل ثاني 10 | صموئيل ثاني 11 | صموئيل ثاني 12 | صموئيل ثاني 13 | صموئيل ثاني 14 | صموئيل ثاني 15 | صموئيل ثاني 16 | صموئيل ثاني 17 | صموئيل ثاني 18 | صموئيل ثاني 19 | صموئيل ثاني 20 | صموئيل ثاني 21 | صموئيل ثاني 22 | صموئيل ثاني 23 | صموئيل ثاني 24 | ملخص عام

نص سفر صموئيل الثاني: صموئيل الثاني 1 | صموئيل الثاني 2 | صموئيل الثاني 3 | صموئيل الثاني 4 | صموئيل الثاني 5 | صموئيل الثاني 6 | صموئيل الثاني 7 | صموئيل الثاني 8 | صموئيل الثاني 9 | صموئيل الثاني 10 | صموئيل الثاني 11 | صموئيل الثاني 12 | صموئيل الثاني 13 | صموئيل الثاني 14 | صموئيل الثاني 15 | صموئيل الثاني 16 | صموئيل الثاني 17 | صموئيل الثاني 18 | صموئيل الثاني 19 | صموئيل الثاني 20 | صموئيل الثاني 21 | صموئيل الثاني 22 | صموئيل الثاني 23 | صموئيل الثاني 24 | صموئيل ثاني كامل

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح

← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18 - 19 - 20 - 21 - 22 - 23 - 24 - 25 - 26 - 27 - 28 - 29 - 30 - 31 - 32 - 33 - 34 - 35 - 36 - 37 - 38 - 39 - 40 - 41 - 42 - 43 - 44 - 45 - 46 - 47 - 48 - 49 - 50 - 51

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

نشيد النصرة

هذا النشيد الذي يأتي هنا في نهاية حياة داود نجده أنه هو نفسه كلمات المزمور (18) وفي مقدمة المزمور (18) نجد أن داود كتب هذا المزمور في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كّلَ أعدائه ومن يد شاول. ونجد نفس الكلمات بعينها في آية (1) هنا. ولنلاحظ أن داود كتب مزمور (18) وهو في قمة انتصاراته ومجده قبل أن يسقط. ونجده في نهاية حياته يرتل نفس المزمور بنفس الكلمات وهذا بعد أن سقط وأخطأ وتاب. أو ليست هذه هي قصة الخلاص. فلقد خلق الله الإنسان في مجد وسقط الإنسان وجاء المسيح ليعيده للمجد. والمعنى أن توبة داود أعادته لسابق مجده، وجعلته يرتل نفس الكلمات. فالله الذي أعانهُ فقتل جليات هو نفسه الذي أعانه فتاب "توبني يا رب فأتوب" (إر31: 18). وهو الذي قبل توبته وأعاده لنفس رتبته. ألم يقل الآباء أن "التوبة تحول الزاني إلى بتول". والتوبة وقبولها وغفران الخطية اكتسبت قوتها من دم المسيح الذي يطهرنا من كل خطية (1يو7:1) ولذلك نجد في كلمات مز (18) أن داود يكلمنا عن بره وطهارة يده وحفظه طريق الرب وكماله لدى الرب. فكيف يعود في نهاية حياته بعد سقطه أوريا ويتحدث بنفس الكلمات هنا؟ السبب في التوبة التي مسحت خطاياه. ألم يقل لهُ الرب على لسان ناثان النبي الرب قد نقل عنك خطيتك. لا تموت والسؤال إلى أين نقل الرب خطية داود؟ أليس إلى المسيح الذي حمل آثامنا (أش53: 4-6) وأليس هذا هو خلاص المسيح الذي شعر بِهِ داود فرتل نفس المزمور في نهاية حياته. داود في قمة مجده كان في ثوب بر أبيض وهو في مزمور (18) يزهو بثوب بره الأبيض. وفي هذا النشيد يذكر كيف سَوّدَ ولَطّخَ هذا الثوب الأبيض بخطاياه وكيف أن المسيح بدمِهِ غسل له ثوبه وبيضه في دم الخروف (رؤ14:7). وإذا بثوبه يعود أبيضًا كالأول فعاد يزهو ببره وبثوب بره الأبيض الذي بيضّه لهُ المسيح، عاد هنا ليفتخر بما عملهُ المسيح وبقوة ذراعه وقوة خلاصه (2كو21:5). فهذا النشيد كان لا بُد أن يأتي هنا فهو يشير لعمل المسيح الخلاصي. وعلى خلاص المسيح نظل نرتل ونسبح كل العمر وإلى آخر لحظة كما يسبح داود هنا حتى آخر يوم في حياته. هذا نشيد الكنيسة المنتصرة بالمسيح قائد موكبها الغالب.

 

آية (1):-

وكلم داود الرب بكلام هذا النشيد في اليوم الذي أنقذه فيه الرب من أيدي كل أعدائه ومن يد شاول.

هي نفس مقدمة مزمور (18). من أيدي كل أعدائه= في مز (18) كان أعدائِه هم شاول والفلسطينيين وغيرهم من الشعوب. أمّا الآن فهو رأى أعداءً جُدد لم يكن يعرفهم من قبل مثل إبليس عدو الخير / الذات / الشهوة الكامنة في الأعضاء.... إلخ. والله يخلص من كل هذه.

 

الآيات (2-4):-

فقال الرب صخرتي وحصني ومنقذي. إله صخرتي به احتمي ترسي وقرن خلاصي ملجاي ومناصي مخلصي من الظلم تخلصني. أدعو الرب الحميد فأتخلص من أعدائي.

اَلرَّبُّ صَخْرَتِي = هو يدرك ضعفه ويدرك قوة الله العجيبة العاملة في ضعفه فتهبه قداسة وإنتصار على الشر. لذلك يسبح الله على ما أعطاه الله لهُ من قوة. إِلهُ صَخْرَتِي = أى إله قوتى، الله هو مصدر قوتى (ويشير للقوة على أنها صخرة قوية لا يقدر أحد أن يزحزحها) فإن كان لى قوة فالله مصدرها. الله إلهى هو صخرتى أرتفع عليه فلا تطولنى الحية التي تسعى لإبتلاعى. أعتمد عليه فهو راسخ وثابت، وفيه أحتمى من العواصف أي التجارب. فبالرغم من كل قوة داود العسكرية كان يشعر أن قوته هي في أن الله يسنده.

أَدْعُو الرَّبَّ = هو قالها بصيغة المضارع وليس بصيغة الماضى أي لم يقل دعوت، بل أدعو، فهو يدعوه بإستمرار بل وكل اليوم (مز119: 97-148-164). ويقول القديس بولس الرسول "صلوا بلا إنقطاع" (1تس17:5). ولماذا؟ لأننا فى حرب مع الشيطان بلا إنقطاع (أف6: 10-18). تُرْسِي = الترس للحماية، وهنا نجد الله هو من يحمى داود، وهذا ما قاله الله لإبراهيم تماما "لَا تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ" (تك15: 1).

وفيما يأتي نرى المسيح الذي أنقذ الإنسان من الموت، هو صخرة خلاص الإنسان ومنقذه بقوة من كل أثار الخطية. فالله حقًا ثار وغضب بسبب كسر وصاياه بالخطية لكنه أيضًا ثار بسبب موت الإنسان الذي أحبه فخلقه ليحيا أبديا، ولكن بحيلة إبليس هلك الإنسان ومات. ولنرى تسلسل أفكار المزمور وقصة الخلاص:-

الآيات 1 – 4: المسيح المخلص والمنقذ.

الآيات 5 – 7: ماذا كان حال الإنسان قبل المسيح ؟ هلاك وموت.

الآيات 8 – 16: عمل المسيح الفدائى وانتشار معرفة الرب في كل المسكونة.

الآيات 17 – 20: فرحة داود بل وفرحة كل البشر بخلاص المسيح وأنه يسندنا.

الآيات 21 – 25: المسيح تمم الخلاص وبررنا ولكنه يطلب أن نحيا في التوبة.

الآيات 26 – 28: المسيح الديان يكافئ البار التائب ويجازى الخاطئ المتكبر.

الآية 29: المسيح نور يهدى ويقود في الطريق.

الآيات 30 – 43: الجهاد ضد الخطية فنحن في حرب روحية لكن المسيح يقوينا.

الآيات 44 – 51: تسبحة للرب المخلص الذي يرفع رؤوسنا أمام أعداءنا.

 

الآيات (5-7):-

لان أمواج الموت اكتنفتني سيول الهلاك أفزعتني. حبال الهاوية أحاطت بي شرك الموت أصابتني. في ضيقي دعوت الرب وإلى الهي صرخت فسمع من هيكله صوتي وصراخي دخل أذنيه.

نجد أن الله في محبته لداود لا ينزع عنه مقاومة الأعداء لهُ، وإنما على العكس يتركهُ لتحل به الضيقات من كل جانب حتى يكاد الموت يحاصره مثل المياه حينما تحيط بشخص يغرق وكمن حاصرته الأمواج وحطمت طاقاته وكمن جرفته السيول لتنحدر به إلى هاوية بلا نهاية. وكانت المشاكل كجبال حولهُ أغلقت أمامه طرق الخلاص وصار كفريسة في شباك الصياد = شرك الموت. لكنه لم ييأس بل فِي ضِيقِي دَعَوْتُ الرَّبَّ والرب إستجاب وتجلى لهُ الله كواهب حياة وقيامة. وهذا ينطبق على:-

1- الإنسان في أي تجربة تعصف به في حياته (مرض / فشل.. .).

2- الإنسان في حروبه الروحية فهي أيضاً كجبال تحيط به.

3- الإنسان قبل خلاص المسيح وهو في حالة حُكم إلهي صادر ضده بالموت فإلى أين يذهب. لقد تلمس داود حب الله الفائق وتعرّف على الله أكثر خلال الضيقات لذلك يقول المرنم في المزمور "إدعنى في وقت الضيق أنقذك فتمجدنى" (مز50: 15) ، ويقول القديس يعقوب "افرحوا في التجارب" (2:1). والله يسمح بهذه الضيقات لتنقية الإنسان. هذه الآيات تشير للمشاكل التى واجهها داود وكاد أن يموت بسببها، لكن هذه الآيات تشير للموت والألام التى عانى منها الإنسان نتيجة خداعات إبليس = شُرُك الموت. ونرى فى هذه الآيات صورة لما عانى منه الإنسان نتيجة الخطية ، موت وضيقات وألام وفزع يصل بالإنسان للصراخ ، والله إستمع لصراخ الإنسان ، وهذا ما سنراه فيما يلى.

حبال الهاوية = تستخدم الحبال لتقسيم الأرض للميراث، ونحن كان نصيبنا الهاوية (الجحيم قبل المسيح). أما بعد المسيح فنصيبنا ميراث الحياة.

ملحوظة: من يختارهم الله ليقوموا بعمل عظيم يدخلهم فى تجارب شديدة لإعدادهم، فهل كان يصلح يوسف المدلل من أبيه ليقوم بدوره العظيم فى إنقاذ البشر من المجاعة. وأيضا داود بمروره بهذه الضيقات صار صالحا ليقود المملكة. يمكننا القول بلغة عامية "أن الله يترك الشخص فى الضيقة - علشان عضامه تنشف". أما بالنسبة لنا وللكل فالتجارب هى النيران التى تحرق أربطة الخطايا [(دا 3) قصة الثلاثة فتية فى آتون النار].

 

الآيات (8-16):-

فارتجت الأرض وارتعشت أسس السماوات ارتعدت وارتجت لأنه غضب. صعد دخان من انفه ونار من فمه أكلت جمر اشتعلت منه. طاطا السماوات ونزل وضباب تحت رجليه. ركب على كروب وطار ورئي على أجنحة

الريح. جعل الظلمة حوله مظلات مياها حاشكة وظلام الغمام. من الشعاع قدامه اشتعلت جمر نار. ارعد الرب من السماوات والعلي أعطى صوته. أرسل سهاما فشتتهم برقا فازعجهم. فظهرت أعماق البحر وانكشفت أسس المسكونة من زجر الرب من نسمة ريح انفه.

لقد رأى داود الله، ويدهُ القوية خلال التجارب، بل بروح النبوة إمتدَّ نظر داود ليرى ما حلَّ بالإنسان بحسد إبليس، ورأى نتائج غضب الله بسبب الخطية، واللعنة التي أصابت الأرض بسببها. وكان ما أغضب الله أيضا موت الإنسان الذي أحبه الله فخلقه ليحيا معه حياة أبدية. وإمتدت نظرة داود النبوية إلى عمل المسيح الفدائى لينقذ البشر من الموت، وكيف نزل الله الكلمة بذاته من السماء وتجسد ليعلن حبه النارى نحو البشر، الأمر الذي أدهش المسكونة كلها، السماء والأرض. ارْتَجَّتِ الأَرْضُ... لأَنَّهُ غَضِبَ = لقد غضب الله بسبب الخطية وغضب الله لما فعلته الخطية بحياة الإنسان وبطبيعته. ولنرى نتائج غضب الله على الخطية، فلقد غضب الله على داود بسبب خطيته فلم يفارق السيف بيته، وغضب على سدوم وعمورة فإحترقا بنار وكبريت، وغضب على محاولة عزيا إغتصاب الكهنوت فحدثت زلزلة رهيبة. لكن غضب الله على ما حدث من دمار للإنسان الذي خلقه، جعله يتجسد ويصلب لينقذ الإنسان حبا في الإنسان . وعملهُ هذا أدهش المسكونة فارْتَجَّتِ الأَرْضُ وَارْتَعَدتْ السَّمَاوَاتِ أمام هذا الحب الفائق الذي ظهر في التجسد "عظيم هو سر التقوى، الله ظهر في الجسد".

طَأْطَأَ = bow down = أحنى السموات أي أتى بالحياة السماوية على الأرض. فالمسيح جعل بنزوله على الأرض، جعل الأرض سماء. فحيثما يوجد المسيح تكون السماء. جعلها تنحنى لتتلامس مع الأرض. طَأْطَأَ السَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ = هو نزول المسيح البار القدوس إلى ضعف البشر. فصارت سيرتنا هي في السموات (فى3: 20) وسيرتنا هنا تعنى جنسيتنا أو مواطنتنا، ويقول بولس الرسول أيضاً "أقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع" (أف2: 6).

فارْتَجَّتِ الأَرْضُ = وعند الصلب نجد أن هذا قد حدث فعلاً فالأرض تزلزلت والصخور تشققت والقبور تفتحت (مت27: 51، 52). وكم من ممالك إهتزت أمام المسيحية وهاجت ضد المؤمنين، وفي النهاية سقطت هذه الممالك وسجدت للمسيح (الرومان). وإرتعدت السماوات = أولًا إرتعدت من غضب الله، ثم إرتعدت حينما رأت ما فعله البشر بإبن الله إذ رفضوه وصلبوه.

ولقد كان التجسد سر عجيب لم يستطع أحد أن يفهمه = ضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ. وكان هذا الضباب كثيفاً جدًاً في العهد القديم. ولم يستطع أحد أن يدرك سر حب الله إلاّ بعد أن أشرق نور الصليب وأشرق هو بنوره فينا. صَعِدَ دُخَانٌ مِنْ أَنْفِهِ = علامة الغضب. وَنَارٌ مِنْ فَمِهِ أَكَلَتْ = الله في غضبه يكون نار آكلة تأكل مقاوميه كما حدث في سدوم وكما خرجت نار أكلت ابني هرون (لا10: 1، 2) والنار التي أكلت الخمسين رجل مرتين أيام إيليا. الله يكون نار دينونة لإعدائه (دا7: 9-10 + رؤ20: 9-10) ولكن الله فى محبته يكون نار تحرق لنا عدو الخير وسور نار ليحمينا منهُ (زك5:2) . وهو نار تشعل قلوبنا محبة وغيرة بعد أن تحرق أشواك الخطية فينا = صَعِدَ دُخَانٌ مِنْ أَنْفِهِ، وَنَارٌ مِنْ فَمِهِ أَكَلَتْ. جَمْرٌ اشْتَعَلَتْ مِنْهُ = هذا عن الروح القدس الذى يشعل قلوب المؤمنين محبة لله.

وآية (12) مِظَلاَّتٍ = هي الظلمة. مِيَاهًا حَاشِكَةً = الغمام (السحاب) الكثير المياه فيصير مظلما . فالمرتل هنا يشرح أن الله كمن إحتجب وراء غمام ثقيل فما عدنا ندركه أو نعرفه . وهذا نفس ما ردده إشعياء "حقا أنت إله محتجب يا إله إسرائيل المخلص" (إش45: 15) لأنه في محبته يخشى لئلا نموت إذا رأيناه "لا يرانى الإنسان ويعيش" (خر33: 20).

مِنَ الشُّعَاعِ قُدَّامَهُ اشْتَعَلَ = إذا كان الله قد أحاط نفسه بضباب وسحاب حتى لا نراه خوفا علينا، لكنه هو مشتاق أن يعلن نفسه لنا، وكان التجسد الذي رأينا فيه المسيح، ومن يرى المسيح يكون قد رأى الآب (يو14: 9). فالمسيح إستعلن لنا الآب "الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبَّر" (يو1: 18). وكان المسيح هو الشعاع كان هو نور يخرج من مصدر للنور، فالشمس ترسل أشعتها للأرض، وبهذا نفهم أن المسيح ابن الله المتجسد هو الشعاع الذي رأيناه على الأرض، فأعلن لنا نور الآب، فالمسيح هو نور من نور، وإله حق من إله حق. وهكذا عبَّرَ حبقوق النبي عن المسيح وأنه شعاع خارج من يد الله "وكان لمعان كالنور. له من يده شعاع وهناك استتار قدرته" فالمسيح ظهر لنا بجسد بشرى ولكن أخفى فيه مجد لاهوته (حب3: 4).

وبعد أن أنهى المسيح عمله الفدائى صعد إلى السماء = رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ وَطَارَ، وَرُئِيَ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ.  لماذا هذا التصوير؟ المسيح سماوى، أتى من السماء وأنهى مهمته فى فداء البشر ثم صعد إلى السموات "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ ٱلْآبِ، وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَأَيْضًا أَتْرُكُ ٱلْعَالَمَ وَأَذْهَبُ إِلَى ٱلْآبِ" (يو16: 28). ورئى = أى عُرِفَ من هو وإنكشف السر للعالم كله. ولكن السؤال: من الذى يفهم عمل المسيح هذا؟ هم من تنفتح أعينهم فيعرفوا من هو المسيح مثل الكاروبيم (كاروب = ملء المعرفة). وكيف نعرف المسيح؟ هذا عمل الروح القدس المرموز له هنا بالريح (كلمتى ريح وروح هما كلمة واحدة فى العبرية واليونانية). فالمسيح بصعوده إنكشفت طبيعته السماوية، وهذه يعلنها لنا الروح القدس (يو16: 14). وتضيف هذه الصورة الرائعة أن من يعرف المسيح يرتاح المسيح فيه ويحمله لدرجات سماوية عالية. والعكس نجد أن الوحى يقول "هلك شعبى من عدم المعرفة. لأنك أنت رفضت المعرفة أرفضك أنا" (هو4: 6).

*وما أهمية المعرفة؟ من يعرف الله حقيقة سوف يحبه ويسبحه على كل أحكامه.

*ولماذا إذ عرفه يحبه. لأنه يستحق، لذلك قال المرنم "ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب".

*ومن لا يعرفه سيتصادم معه متذمرا على أحكامه كما حدث من اليهود فى سيناء.

*أما من عرفه سيدرك عظم أحكامه ويدرك حكمتها، ويدرك عمق المحبة التى وراء أحكامه. ومثل هذا يحب الله ويسبحه، وكلما إزدادت المحبة يرتفع الإنسان فى درجته السماوية. فلأن الله محبة نجد أن كل من ترتفع درجة محبته يزداد ثباتا فى الله، لذلك فمثل هذا يعلو فى درجته السماوية. لذلك نجد الكنيسة تضع الشهداء فى درجة أعلى من القديسين، فليس أعظم من بذل أحد نفسه عن المسيح حبا فى المسيح.

*المعرفة تقود لمحبة الله، ومحبة الله تقود لمعرفة حقيقية أعمق. وهذه دائرة بلا نهاية. والله محبة، لذلك كلما إزدادت المحبة إزداد الثبات فى الله والإتحاد به. وكلما إزدادت المحبة تزداد المعرفة. ومن هنا جاءت عبارة أن معرفة الله تعنى الإتحاد به (راجع تفسير يو15: 9). وهذا أشار له رب المجد بقوله "وَهَذِهِ هِيَ ٱلْحَيَاةُ ٱلْأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلْإِلَهَ ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ ٱلْمَسِيحَ ٱلَّذِي أَرْسَلْتَهُ" (يو17: 3). وأما عن المحبة فيقول القديس يوحنا الحبيب "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلْإِخْوَةَ. مَنْ لَا يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ" (1يو3: 14).

*نرى أن المحبة حياة والمعرفة حياة، فهما مرتبطان ببعضهما البعض.

*والذى يفتح أعيننا على معرفة الله (يو16: 14) وعلى محبة الله هو الروح القدس (رو5: 5) الذى أرسله الله بعد صعود المسيح، لذلك نسمع فى هذه الآية وَرُئِيَ (أى عُرِفَ) عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ (الروح القدس). وسيأتى الشرح فيما يلى.

والمسيح بعد صعوده أرسل لنا الروح القدس النارى = من الشعاع قدامه إشتعلت جمر نار . ورمزياً فالروح القدس الذى أرسلهُ لنا المسيح يُشَبَّه بالمطر الذى ينزل من السماء ، ويشبه بالنار التى تلهب القلوب حباً. وبهذا نفهم أن جمر النار هم المؤمنين الذين أشعلهم الروح القدس غيرة ومحبة لله . لذلك ففى صلاة السجدة يوم الخمسين المقدسة ، يوم حلول الروح القدس نضع إناء به فحم كثير مشتعل رمزا للمؤمنين الذين أشعلهم الروح القدس ، أما الجمر الذى فى المجمرة فى يد الكاهن فهو يشير للمسيح يسوع الذى فى بطن العذراء المتحد لاهوته مع ناسوته . والروح القدس يفتح حواسنا الروحية على أسرار السماء = فظهرت أعماق... = ظهر لنا أسرار ما كنا نعرفها .

فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْبَحْرِ، وَانْكَشَفَتْ أُسُسُ الْمَسْكُونَةِ مِنْ زَجْرِ الرَّبِّ = غضب الرب على موت الإنسان حبيبه، وكان تجسده لينقذه من الموت. وهذا التجسد كشف سر الحب الإلهى. فإذا فهمنا أن البحر يشير لموت الإنسان، فلا يوجد بشر يمكنه أن يحيا فى البحر، فيكون ظهرت أعماق البحر إشارة لشق البحر والمعنى نهاية سلطان الموت. وكان هذا بالموت مع المسيح والقيامة معه فى المعمودية، فالمعمد ينزل للماء ليموت مع المسيح، ولكنه لا يستمر فى الماء بل يخرج ليحيا فى المسيح.

فَظَهَرَتْ أَعْمَاقُ الْبَحْرِ = والآية يمكن ترجمتها هكذا   فظهرت مجارى المياه (راجع الكتاب المقدس بالشواهد) وبهذا تكمل الصورة، فبعد المعمودية يأتى سر الميرون. ولاحظ أن مجارى المياه تشير للروح القدس. ويشبه الرجل البار هكذا "كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ (مز1: 3). وبهذا نفهم أن فداء المسيح كان الطريق لسكنى الروح القدس فينا والإمتلاء من الروح. لذلك يقول الرب يسوع "من آمن بى تجرى من بطنه أنهار ماء حى" (يو7: 38). 

وَانْكَشَفَتْ أُسُسُ الْمَسْكُونَةِ = بتجسد المسيح ظهرت المحبة التى أسس الله عليها المسكونة ، المحبة التى جعلت الله يخلق العالم ويعطى حياة. وظهرت مجارى المياه أى ظهر لنا كيف نحصل على الروح القدس أى بتجسد المسيح. لقد فتح الروح القدس أعيننا فرأينا أسرار الحب الإلهى لنا .

تأمل روحى :- عمل المسيح يهز كل كياننا ويجدد طبيعتنا ويزلزلها. الجسد = (الأرض) والنفس = (السماء). فالجسد الشهوانى تجده يصلب نفسه، أهواءه وشهواته كذبيحة حية ، والنفس تتزلزل بسكنى الروح القدس فيها فنصير خليقة جديدة (2كو5 : 17) .

ورَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ لأن عرش الله على مركبة كاروبيمية (راجع حز 1). وإذا كان كاروب يعنى ملء المعرفة وهذا معنى المملوئين أعينا، فيكون المعنى أن الله يرتاح فى من يعرفه. وَرُئِيَ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ = أى كان خلاصه وعملهُ سريعاً جداً ، وأصبح عمل المسيح الفدائى معروفا فى كل العالم بسرعة وآمن به العالم ، ولكن كيف ؟ الإجابة

أرْسَلَ سِهَامًا فَشَتَّتَهُمْ، بَرْقًا فَأَزْعَجَهُمْ= أرسل التلاميذ والرسل والإنجيليين إلى العالم كله كسهام وكبروق فى قوتهم وفى العجائب التى عملوها . ولاحظ البروق هى = إشارة للوعود بالمجد للمؤمنين ، فبعد البرق يأتى المطر ، والمطر خير لكل الناس . وهذه الوعود هى التى جعلت الناس لا ينخدعون بإغراءات الخطية التى هى سلاح إبليس . أما السهام فهى سلاح هجومى للقتل، وكانت كلمات الرسل كسهام نارية تحرق الشياطين .

فإنزعجت ممالك إبليس = فأزعجهم حين دخل الإيمان للعالم كله. وبإختصار فكلمة الله يطأطئ السموات بتجسده لينزل إلينا مشرقاً كشمس البر على الجالسين فى الظلمة، أمامهُ يرتعد كل ما هو زمنى فينا ، فتتقدس سمواتنا الداخلية (نفس) وأرضنا (جسد) ويبدد ظلمة الجهل التى كانت فينا. وأعطانا معرفة فصرنا هياكل لله والروح القدس وصرنا كمركبة كاروبيمية. وهو ركب على السحاب كما على كاروب وصعد ليحملنا إليه ويجلسنا معهُ فى السماويات . فكل من كان هيكلاً لله يكون فى السماويات وكل من صار كمركبة كاروبيمية يعرف الله، صار فى السماويات. وأرسل تلاميذه ورسله كسهام وتنفذ كرازتهم الإنجيلية إلى القلوب . وتبرق فيها بنور المعرفة فيهتز كل شر فى القلوب وتتحطم مملكة الشيطان وتقوم بدلا منها مملكة الرب فى قلوب البشر . ويصبح المسيح ملكا يملك على قلوبنا بصليبه . فلنصلى "ليأتى ملكوتك" .

11رَكِبَ عَلَى كَرُوبٍ، وَطَارَ وَرُئِيَ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ = عن المركبة الكاروبيمية يُرجى مراجعة (حز 1 + دا 2 موضوع ما بين تمثال نبوخذنصر ووجوه الكاروبيم). وبإختصار فلأن الكاروبيم يعرفون الله، نجد الله يرتاح فيهم وهذا معنى ركب. ويرفعهم الله لدرجات سماوية عالية = هذا معنى وطار.

والآية تأتى فى المزمور18 "ركب على كروب وطار، وهف على أجنحة الرياح". وجاءت كلمة هَفَّ فى أصلها بمعنى "إرتفع عاليا جداً وسما". وكلمة أجنحة فى اللغات القديمة تشير للسرعة فما كانوا يعرفون سرعات أكثر من سرعة الطيور، كأن ريحا شديدة - يشبهها بطير له أجنحة - هبت فحملت جسما خفيفاً عالياً جداً على أجنحتها.

ونفهم من الآية أن الله إذ غضب بسبب الخطية وما فعلته فى الإنسان. وإختبأ الإنسان من الله (تك3: 8). وإحتجب الله عن الإنسان حتى لا يموت الإنسان، فلم يعد الإنسان يعرف الله. ولم يعد يرتاح فى الإنسان لأن الإنسان ما عاد يدرك الله وما عاد يعرفه. ولكن على العكس نجد أن الله الذى يرتاح فى الكاروبيم بسبب أنهم مملوئين معرفة، يرفعهم للسماويات عاليًا.

فهل يترك الله الإنسان الذى أحبه فخلقه فى هذه الحالة البائسة؟! لا بل تجسد ابن الله وأتى لنا بالحياة السماوية على الأرض "طأطأ السموات ونزل" كعربون لما سنحصل عليه فى السماء بعد ذلك. الآن لا نرى المجد عيانا بل كما فى لغز (1كو13: 12) = وَضَبَابٌ تَحْتَ رِجْلَيْهِ. ولكن من يتشبه بالكاروبيم فى معرفة الله وتقديس طاقاته لمجد الله يرتاح الله فيه "ركب" ويرفعه الله لدرجات سماوية عالية "هف" بعمل الروح القدس "عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ". بل نرى هنا قوله "وَرُئِيَ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ". وإذا فهمنا أن الريح* تشير لعمل الروح القدس (أع2: 2)، فالروح القدس يرفعنا لدرجات عالية سماوية ويعلن لنا ويخبرنا عن الرب يسوع فنعرفه بصورة أوضح "ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لِأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ" (يو16: 14). الروح القدس يعمل على تنقيتنا وتجديد طبيعتنا، فتنفتح عيوننا ونعاين الله (تى3: 5 + مت5: 8). ولكن "وَرُئِيَ عَلَى أَجْنِحَةِ الرِّيحِ" تحمل معنى آخر أن معرفة المسيح والإيمان به إنتشرت وإمتدت عبر العالم كله بسرعة عجيبة بل فى وسط إضهادات دموية، وهذا عمل الروح القدس فى الرسل والكارزين (راجع تفسيرملا4: 2).

*كلمة ريح وكلمة روح فى العبرية واليونانية هما كلمة واحدة.

 

الآيات (17-20):-

أرسل من العلى فأخذني نشلني من مياه كثيرة. أنقذني من عدوي القوي من مبغضي لأنهم أقوى مني. أصابوني في يوم بليتي وكان الرب سندي. أخرجني إلى الرحب خلصني لأنه سر بي.

أَرْسَلَ مِنَ الْعُلَى فَأَخَذَنِي = رأينا كيف إمتدت الكرازة بعمل الروح القدس، وماذا كان تأثير هذا على المؤمنين؟ الله بخلاصه العجيب كأنه مدّ يده من علائِهِ لينقذ داود.

وبعمل صليبه ينقذنا بعد أن أشرفنا على الموت = نَشَلَنِي مِنْ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ = كما إنتشل موسى قبل أن يموت فى الماء . فالمياه الكثيرة تشير للموت المحيط بنا (آية5) والذى إنتشلنا منه المسيح . وداود واجه أحداث مميتة فى حياته (الأسد والدب ومحاولات شاول لقتله والحروب التى حاربها ثم محاولات قتله بيد إبشالوم إبنه...) وهذا ما كان داود يشير إليه، لكن المقصود بالموت الذى إنتشلنا المسيح منه هو موت الإنفصال عن الله، أى الموت الأبدى. وكان هذا بأن ذهب المسيح بعد موته إلى الجحيم ليفتح الأبواب الدهرية، ويُخرِج أبرار العهد القديم ويذهب ليفتح أمامهم باب الفردوس، أما بعد ذلك فكان كل من ينتقل وهو ثابت فى المسيح تحمله الملائكة إلى الفردوس = أَخْرَجَنِي إِلَى الرُّحْبِ.

= لسان حال داود أن الله سُرَّ به حين إختاره وحين مسحهُ  وحين خلصه وحين جعلهُ ملكاً وحين قبل توبته. وهذا ينطبق على كل مؤمن، وبالنسبة للكنيسة التى دعاها الله من بين مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ إذ جمعها من بين الأمم والشعوب المتنوعة وخلصها من عدوها القوى الذى كان يربطها برباطات محبة العالم. وأخرجها المخلص إلى الرحب وأخرجها من ضيق الحياة الجسدانية إلى إتساع الإيمان الروحى فإنطلقت إلى حرية الروح. وخلصها من الموت الأبدى معطيا لها حياة أبدية. لأَنَّهُ سُرَّ بِي = "لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا: أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لِأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو15: 13).

 

الآيات (21-25):-

يكافئني الرب حسب بري حسب طهارة يدي يرد علي. لأني حفظت طرق الرب ولم اعص الهي. لأن جميع أحكامه أمامي وفرائضه لا أحيد عنها. وأكون كاملا لديه وأتحفظ من أثمي. فيرد الرب علي كبري وكطهارتي أمام عينيه.

فَيَرُدُّ الرَّبُّ عَلَيَّ كَبِرِّي، وَكَطَهَارَتِي أَمَامَ عَيْنَيْهِ = هذه بالنسبة لداود لها معنيان:- أ) أنا برئ من التهم التى وجهها لى أعدائى كشاول وإبشالوم. ب) أن داود كرجل من رجال العهد القديم يتكلم عن البر بمفهومه ومن وجهة نظره وأنه التزم بالوصايا. هكذا كان شعور داود في مز (18) أنه بار ملتزم بالوصايا لذلك أنقذه الله. هو حقيقة إنسان متواضع قال عن نفسه "برغوث وكلب ميت" ولكن هذا ما فهمه داود أنه إذا التزم بالناموس وبالوصايا فهو بار.

* ولكن الآن بعد أن سقط وتلوث فكيف يتكلم هكذا؟ هو فهم أن التوبة أعطته نقاوة ثانية ، وآمن بقول ناثان النبي أن الرب نقل عنه خطيته = "تغسلنى فأبيض أكثر من الثلج".

* ولكن هذا الكلام بمفهوم نبوى يتحدث عن المسيح البار الحقيقي وَحْدَهُ وداود يرمز لهُ. والآن صار لكنيسته التي هي جَسَدِهِ أن تقول أنها طاهرة فهي مغسولة بالدم. فالخلاص هو أن المسيح نزل إلى العالم ليحملنا فيه ونصير أعضاء جسده المقدس فنقف أمام الآب أولاداً له مبررين في الدم الثمين، كمن هم بلا عيب، نحمل كمال المسيح فينا. وذلك ما قاله بولس الرسول - أننا نُحسب في المسيح كاملين (كو1 : 28) ونحسب بلا لوم (أف1 : 4) ونحسب بلا دينونة (رو8 : 1). نقف في تواضع ونقول إن فعلنا كل البر فنحن عبيد بطالون، ونحن كلاب ميتة وبراغيث. لكن نحن في المسيح كاملين فالبر هو بالمسيح وفي المسيح.

هذه الآيات نرى فيها أن المسيح بررنا بدمه ، ولكننا ما زلنا في الجسد ونخطئ ، ولكن باب التوبة مفتوح ودم المسيح يكفر عن الخاطئ التائب . وفي الآيات (26 – 28) نرى الله الديان الذي يقبل توبة التائب ويعاقب المتكبر المُصِّرْ على خطيته . وفي آية (29) نجد أن الله هو الذي يقود وينير الطريق للتائب ، فالله يعين من يقبل إليه .

 

الآيات (26-28):-

مع الرحيم تكون رحيما مع الرجل الكامل تكون كاملا. مع الطاهر تكون طاهرًا ومع الأعوج تكون ملتويا. وتخلص الشعب البائس وعيناك على المترفعين فتضعهم.

مَعَ الرَّحِيمِ تَكُونُ رَحِيمًاوَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا = هذا رآه داود في حياتِهِ، فطوال فترة بر داود وكماله كان داود في مجده منتصراً على كل أعدائه. وبعد أن سقط إختلف كل شيء. حين إعوجت طرق داود إلتوت الطرق معهُ وأمامهُ، فرأى الله قاسياً معهُ، فكلمة مُلْتَوِيًا تترجم هكذا، وتترجم أيضًا قاسياً.

طبيعة الله أنه رحيم.. "وَنَادَى ٱلرَّبُّ: «ٱلرَّبُّ إِلَهٌ رَحِيمٌ وَرَؤُوفٌ، بَطِيءُ ٱلْغَضَبِ وَكَثِيرُ ٱلْإِحْسَانِ وَٱلْوَفَاء" (خر34: 6). ويحب الرب أن يسهل الطريق أمام أولاده ويحميهم فى الطريق. لذلك يصلى المرنم قائلا "يَارَبُّ، ٱهْدِنِي إِلَى بِرِّكَ بِسَبَبِ أَعْدَائِي. سَهِّلْ قُدَّامِي طَرِيقَكَ" (مز5: 8). ولكن إذا هم إنحرفوا يردهم الله بضيقات كثيرة قد تكون مؤلمة فى بعض الأحيان، كما حدث مع يونان ومع الإبن الضال. وهكذا يقول (المزمور23) عن الراعى أن له عصا وعكاز ليرد الخروف الضال الذى إنحرف للقطيع ثانية .. العكاز بها طرف مدبب يؤلم به الخروف الذى ينحرف ليعود إلى القطيع، أما العصا ليرهب بها الذئاب التى تحاول الهجوم على القطيع. وهذه القسوة ليست من طبيعة الله لكنه يلجأ لها ليؤدب أولاده فلا يضلوا "الذى يحبه الرب يؤدبه ويجلد كل إبن يقبله" (عب12: 6). وبهذا نفهم أن كلمة ملتويا هى إشارة للطريق الذى لم يعد سهلا أمام من حاول أن يبتعد عن طريق الله، وأن الذى سمح بهذا الطريق الصعب الملتوى هو الله نفسه. ولنسأل أنفسنا .. هل كانت مجاعة الإبن الضال وإبتعاد أصدقاءه عنه طريقا سهلا أم ملتويا، وهل كان طريق يونان فى جوف الحوت طريقا سهلا أم ملتويا. إلتواء الطريق هنا ضد طبيعة الله ولكنه أيضا نابعا من محبة الله ليضمن خلاص شعبه ورجوعهم إليه. إذاً إلتواء الطريق كان للتأديب ليعود الإنسان كاملاً ويعود طاهراً فيرجع الله إليه ويكون كَامِلاً وطَاهِرًا معهُ.

وَتُخَلِّصُ الشَّعْبَ الْبَائِسَ = حقيقةً الله يكون كاملاً مع الكامل، لكن المسيح جاء للعالم وهو في أشد درجات إنحطاطه وخطيته ووثنيته، فحينما إزدادت الخطية "وحيث كثرت الخطية إزدادت النعمة جدًاً" (رو20:5). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى).  فالعالم كان قد وصل لحالة من البؤس والعمى جعلته لا يعرف الله فلم يطلبه فكان أن تجسد الله ليعرفه العالم ويطلبه. وَعَيْنَاكَ عَلَى الْمُتَرَفِّعِينَ فَتَضَعُهُمْ = المترفعين أي المتكبرين وهم الشياطين وكل من يمشى وراءهم هؤلاء سينزلون إلى الهاوية. ونرى مثالاً للآية وَمَعَ الأَعْوَجِ تَكُونُ مُلْتَوِيًا في قصة أخاب حين أضله الروح الشرير (1مل20:22). ونرى الآن مفهوماً آخر للآية أن المسيح صار سر برنا وتقديسنا فإننا به وفيه ننال الطبيعة الجديدة المقدسة فنصير رحماء وكاملين وأطهاراً ومتواضعين فندخل إلى علاقة جديدة مع الآب وكأننا نقول بك صرنا رحماء فنرحم الآخرين فترحمنا أنت يا الله.

كما رأينا في الآيات السابقة المسيح المخلص، نرى في هذه الآيات المسيح الديان الذي يكافئ البار ويعاقب الشرير المتكبر.

 

آية (29):-

لأنك أنت سراجي يا رب والرب يضيء ظلمتي.

كيف نصير رحماء وكاملين ليصير الله رحيم وكامل معنا (آية 26). إن الظلمة قد حلت بالنفس، إذ صارت فى جهالة، لذا جاء المسيح كلمة الله المعلم، مشرقاً على النفس بالمعرفة الروحية المخلصة فتستنير أعماقنا الداخلية. والله يطلب التوبة والسلوك بالبر فكيف نسلك وما هو الطريق ، المسيح هو الطريق وهو نور العالم ، بحياته وتعاليمه ووصاياه . لنرى كيف كان المسيح يسلك ولنتعلم . وهذا ما قاله الله الآب يوم التجلى "هَذَا هُوَ ٱبْنِي ٱلْحَبِيبُ ٱلَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ ٱسْمَعُوا" (مت17: 5). وأيضا نجد أن الوصية الوحيدة التى قالتها العذراء "مهما قال لكم فإفعلوه" (يو2 : 5).

 

الآيات (30-43):-

St-Takla.org Image: Footprints, Footsteps, my steps صورة في موقع الأنبا تكلا: آثار أقدام تمشي على الرمال، خطواتي

St-Takla.org Image: Footprints, Footsteps, my steps

صورة في موقع الأنبا تكلا: آثار أقدام تمشي على الرمال، خطواتي

لأني بك اقتحمت جيشا بالهي تسورت أسوارا. الله طريقه كامل وقول الرب نقي ترس هو لجميع المحتمين به. لأنه من هو إله غير الرب ومن هو صخرة غير الهنا. الإله الذي يعززني بالقوة ويصير طريقي كاملا. الذي يجعل رجلي كالأيل وعلى مرتفعاتي يقيمني. الذي يعلم يدي القتال فتحنى بذراعي قوس من نحاس. وتجعل لي ترس خلاصك ولطفك يعظمني. توسع خطواتي تحتي فلم تتقلقل كعباي. الحق أعدائي فأهلكهم ولا ارجع حتى أفنيهم. أفنيهم واسحقهم فلا يقومون بل يسقطون تحت رجلي. تنطقني قوة للقتال وتصرع القائمين علي تحتي. وتعطيني اقفيه أعدائي ومبغضي فأفنيهم. يتطلعون فليس مخلص إلى الرب فلا يستجيبهم. فاسحقهم كغبار الأرض مثل طين الأسواق أدقهم وأدوسهم.

داود هنا يتكلم عن حروبه ضد الموآبيين والعمونيين. . . الخ والتى إنتهت بإنتصاراته. وهو هنا لا يفتخر بقوته بل يرجع الفضل لله. وإن كان العدو قوياً فالله هو قوة داود وهو ترس لهُ يصد جميع سهام العدو. وهو سور نار يحميه. أَقْفِيَةَ أَعْدَائِي أى يهرب أعداءهُ أمامهُ فيرى أقفيتهم.

ولكن هذه الحرب هى صورة للحروب الروحية فبعد أن فتح الله عيوننا نرى أن إبليس يحاربنا فنقوم ونحاربه ومن المؤكد ستكون لنا النصرة فالله قوتنا. وأحسن شرح لهذه الآيات وعد المسيح للكنيسة أن "عَلَى هَذِهِ ٱلصَّخْرَةِ أَبْنِي كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ ٱلْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (مت16: 18). فالكنيسة كنيسة محاربة هجومية بصلواتها وقداساتها وتسابيحها قادرة أن تهدم حصون مملكة الشيطان. وترفعنى= كما على المرتفعات العالية فلا يلحق بى أذى. فمن عاش مع المسيح فى السماويات وتذوق أنه ما أحلى أن يكون الرب لهُ قوة جبارة وأن فيه الكفاية، نجد أن مثل هذا يرفض إغراءات العالم وخطاياه.

تُوَسِّعُ خَطَوَاتِي فألحق بعدوى وأفنيه بقوة الصليب. فالله هو الذى أعطانا السلطان أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو. وفى آية (35) الَّذِي يُعَلِّمُ يَدَيَّ الْقِتَالَ فَتُحْنَى بِذِرَاعَيَّ قَوْسٌ مِنْ نُحَاسٍ = لقد تذكر داود هنا معركته مع جليات وكيف لم يستطع يومها أن يحمل الأسلحة الثقيلة فحارب بالمقلاع. والآن هو محارب جبار يجيد إستخدام كل أنواع الأسلحة وتعلم أن يضع يده داخل القوس النحاسى ويحمله ويدافع به. وكلمة تُحْنَى المقصود بها إلتفاف الذراع داخل القوس وحمله للقتال. والمعنى الروحى، أنه إذا كان الإنسان مازال فى بداياته الروحية تكون أسلحته بسيطة ، وبعد أن ينمو روحياً يدربه الله على إستخدام كل الوسائل الخاصة بالحرب الروحية (أف6: 11-18). وفى (31) قَوْلُ الرَّبِّ نَقِيٌّ. تُرْسٌ هُوَ = الله قال لإبراهيم "لا تخف أنا ترس لك" (تك15 : 1) والمعنى أن الله يحميه . وبهذا نفهم الآية أن من يلتزم بقول الرب النقى يكون فى هذا حمايته. وقوله نَقِيٌّ وطَرِيقُهُ كَامِلٌ = من يلتزم بوصايا الله سيجد أنها نقية أى تجعل حياته فى نقاء وسلام وفرح . ويكون كاملا فى طرقه أمام الله والناس . الله أمين مع أولاده ويعطيهم وصايا صالحة تقود للحياة والفرح . وقال داود فى (مز12 : 6) " كلام الرب كلام نقى كفضة.." . لذلك نفهم أن كل وعود الله سينفذها فهو أمين وكامل فى وعوده .

فى الآيات السابقة رأينا عمل المسيح الفدائى وإرسال الروح القدس وأهمية حياة التوبة ، وأنه ليس معنى الفداء أن الله سيقبل الخاطئ الرافض للتوبة بل علينا بحياة التوبة ، فالمسيح المخلص هو أيضا المسيح الديان ، والله يقود ويرشد . وفى هذه الآيات نرى أهمية الجهاد ضد الخطية وأننا فى حرب ضدها ولكن الله الذى أعان داود فى حروبه سيعين كل الملتجئين إليه وكل المجاهدين ضد الخطية .

 

الآيات (44-51):-

وتنقذني من مخاصمات شعبي وتحفظني رأسا للأمم شعب لم اعرفه يتعبد لي. بنو الغرباء يتذللون لي من سماع الأذن يسمعون لي. بنو الغرباء يبلون ويزحفون من حصونهم. حي هو الرب ومبارك صخرتي ومرتفع إله صخرة خلاصي. الإله المنتقم لي والمخضع شعوبا تحتي. والذي يخرجني من بين أعدائي ويرفعني فوق القائمين علي وينقذني من رجل الظلم. لذلك أحمدك يا رب في الأمم ولاسمك أرنم. برج خلاص لملكه والصانع رحمة لمسيحه لداود ونسله إلى الأبد.

مُخَاصَمَاتِ شَعْبِي = إشارة لمحاربات شاول ثم رفض 10 أسباط لهُ بعد ملكه ثم ثورة إبشالوم ضده. فالحروب ضدنا من خارج ومن داخل. وَتَحْفَظُنِي رَأْسًا لِلأُمَمِ = هو ساد على كل الشعوب الوثنية حولهُ. وهذا رمز لسيادة المؤمن على إبليس بالرغم من حروبه الداخلية والخارجية. مِنْ سَمَاعِ الأُذُنِ يَسْمَعُونَ لِي = هم سمعوا عنى فأحبونى والآن يسمعوا صوتى.

ولكن هذه الأيات يتكلم فيها داود بالنيابة عن المسيح الذى صار رأساً للأمم وبالكرازة آمن به العالم أى من سماع الأذن بكلمات الكرازة سمعوا للمسيح وأصبحت الشعوب التى لم تكن تعرف المسيح تتعبَّد لهُ (الأمم) = شَعْبٌ لَمْ أَعْرِفْهُ يَتَعَبَّدُ لِي. بَنُو الْغُرَبَاءِ يَبْلَوْنَ وَيَزْحَفُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ = الذين رفضوا المسيح فصاروا غرباء عنهُ وتحصنوا داخل حصونهم ليهاجموه ها هم يَبْلَوْنَ أى يخورون ويستسلمون ويخرجون من حصونهم كما حدث للدولة الرومانية التى دخلت للمسيحية. وهذه نبوة عما حدث لليهود من هوان عبر 2000 سنة عندما صلبوا المسيح. وسماهم المرنم هنا بنو الغرباء إذ أصبحوا برفضهم المسيح غرباء عن رعوية الله.

تُنْقِذُنِي مِنْ مُخَاصَمَاتِ شَعْبِي = ماذا تعنى هذه العبارة بالنسبة للمسيح؟

1.  حاول اليهود قتل المسيح مرارا والله أنقذه من يدهم، حتى يتمم مهمته وتعاليمه وإظهار صورة الآب لنا. ثم أسلمه للصلب ليكمل الفداء (لو4: 29-30 + يو5: 16-18 + يو8: 59 + يو10: 31) وكان هذا معنى قول المزمور "الرب عن يمينك" (مز110: 5) أى يحميه وينقذه بقوته.

2.    بعد صلبه أقامه الله منتصرا على الموت وعلى الشيطان وعلى الخطية، راجع تفسير (عب5: 7).

نجد هنا داود لا يفتخر بقوته فهو محارب قوى. وقد نفهم أن تحنى بذراعيه قوس من نحاس المعنى المباشر أنه فى قوته الجسدية قادر أن يحنى قوس من نحاس. لكنه لا يفتخر بقوته، بل يقول الله أعطاه هذا تطبيقاً لقول بولس الرسول "من إفتخر فليفتخر بالرب" (1كو31:1) . وعلينا أن لا نفتخر بمواهبنا بل ننسبها لمن أعطاها لنا ونشكر الله عليها بل نفهم أنها وزنات يحاسبنا الله عليها.

هنا داود يذكر عمل الله معه فيذكر أمانته معه وكيف رفعه أمام أعدائه ، ويسبح الله على كل أعماله . هذه تسبحة شكر لله المخلص .

الآيات47-51 :- هى تسبحة شكر على عمل الله الذى ينقذ الكنيسة دائما.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

← تفاسير أصحاحات صموئيل الثاني: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24

الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-01-Old-Testament/Father-Antonious-Fekry/10-Sefr-Samoel-El-Thany/Tafseer-Sefr-Samo2il-El-Thani__01-Chapter-22.html