St-Takla.org  >   books  >   fr-angelos-almaqary  >   cyprian-treatises
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب مقالات روحية: للقديس كبريانوس - القمص أنجيلوس المقاري

4- المقالة الثالثة: حث على الاستشهاد(13)

 

1- بناء على رغبتك يا صديقي العزيز جدًا فورتوناتوس، أنه منذ وضع علينا نير الاضطهادات والعذابات الثقيل ونحن نشعر أنها أزمنة "ضد المسيح" المشابهة لأواخر الأيام. لذلك سأبرز لكم بعض الآيات التي تحثكم على أن تعدّوا قلوبكم وتشجعوا نفوس الإخوة -جنود المسيح- لكي تكونوا جميعًا مستعدين للنضال السماوي الروحاني. لقد شعرت أني مُلزم بإطاعة رغبتكم الملّحة جدًا. على قدر ما تستطيع مقدرتنا أن نتجهز كما لو كان ببعض الأسلحة بمساعدة الوحي الإلهي، ونجلب دفاعات (تحصينات) من وصايا الرب للإخوة الذين على وشك أن يقاتلوا. لأنه أمر زهيد أن نثير (نوقظ) شعب الله بالنداء المدّوي لصوتنا ما لم نثّبت -بكلمات الوحي الإلهي- إيمان المؤمنين وشجاعتهم المكرسة والمخصصة لله.

 

2- لأنه أي شيء يناسب بالأكثر أو يليق جدًا برعايتنا واهتمامنا أكثر من إعداد الشعب الذي ائتمننا عليه الله ليكونوا كجيش في المعسكر السماوي ليواجهوا سهام وأسلحة الشيطان؟ لأنه لا يمكن لمن لم يتمرن على القتال أن يكون جنديًا صالحًا للرب أو أن يفوز بإكليل الجهاد.

إنه عدونا القديم ذاك الذي نصارع ضده، فمنذ نحو ستة آلاف سنة هاجم إبليس الإنسان لأول مرة، وفي هذه المدة تحنّك واختبر كل فنون وفخاخ التجارب التي يلقيها علينا، وإذا وجد جندي المسيح غير مُعدّ وغير محنّك وغير مبالي أو غير ساهر بكل قلبه فهو يطّوقه ويخدعه في جهالته وغفلته. أما الإنسان الذي يحتفظ بوصايا الرب في سلوكه ويظل ملتصقًا بالمسيح بشجاعة فلابد أن يغلب عدوه، لأن المسيح الذي يحيا في المؤمن المعترف به لا يُقهر.

 

St-Takla.org Image: Spiritual discipleship, Christian religious studies, spiritual and theological education with teacher and students (Image 5) - AI art, idea by Michael Ghaly for St-Takla.org, 30 November 2024. صورة في موقع الأنبا تكلا: التلمذة الروحية، الدراسات الدينية المسيحية، التعليم الروحي واللاهوتي، الطلاب والمعلم (صورة 5) - فن بالذكاء الاصطناعي، فكرة مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 30 نوفمبر 2024 م.

St-Takla.org Image: Spiritual discipleship, Christian religious studies, spiritual and theological education with teacher and students (Image 5) - AI art, idea by Michael Ghaly for St-Takla.org, 30 November 2024.

صورة في موقع الأنبا تكلا: التلمذة الروحية، الدراسات الدينية المسيحية، التعليم الروحي واللاهوتي، الطلاب والمعلم (صورة 5) - فن بالذكاء الاصطناعي، فكرة مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 30 نوفمبر 2024 م.

3- ولكي لا أطيل في حديثي أيها الأخ العزيز ولا أُتعب السامع أو القارئ بأسلوب مُفصل، عملت تلخيص لكي بعد تقديم العناوين الرئيسية أولًا والتي ينبغي لكل واحد أن يعرفها ويحفظها، أضيف بعض نصوص من كلمات الرب الإله وبذلك أبدو وكأني أرسلت مادة مهيأة لكتابة مقالات لهذا الموضوع أكثر مما هي تكون مقالة لي. هذه الخطة مفيدة أكثر للأفراد على مستوى التنفيذ. لأنه لو أرسلت ثوب مجهز ومُعدّ سيكون ثوبي الذي سيستخدمه آخر، وربما الثوب الذي صُنع على مقاس جسد شخص آخر قد يعتبره هو ثوب قليل الملائمة له. لكن ها أنا أرسل لكم الآن ثوب الأرجوان الذي للحمل الحقيقي الذي فدانا وأحيانا، وعندما تأخذونه تجعلونه ثوب على حسب رغبتكم وستبتهجوا به بالأكثر كأنه ثوب خاص وشخصي لكم وستجعلون آخرين يروا ما أرسلنا لكي يمكنهم هم أيضًا أن يصنعوا ثيابًا بحسب رأيهم، بذلك نغطي ذلك العري القديم بثياب المسيح: ثياب تقديس النعمة السماوية.

 

4-(14) اتركوا عنكم كل معوقات ومناقشات ولا تتباطأوا في العمل بكلام المسيح الذي يحثكم على قبول الاستشهاد واجعلوه دافعًا لكم على الاستجابة لبوق الحرب، بل اجعلوا كلام الرب بمثابة نفخة البوق للمحاربين المستعدين لاحتمال الآلام بالنفس والجسد بشجاعة. لقد أخذنا -بتدبير الرب- المعمودية الأولى، فليكن كل واحد منا مستعدًا للمعمودية الثانية أيضًا، متيقنين أن نعمتها أعمق وقوتها أعظم وكرامتها أثمن من الأولى، إنها تلك التي يعمّد بها الملائكة الشهداء: معمودية الدم التي يتمجد بها الله ومسيحه، المعمودية التي لا يخطئ بعدها أحد، المعمودية التي تكمّل إيماننا، المعمودية التي إذ ننسلخ فيها من العالم نتحد بالله. في معمودية الماء ننال غفران الخطايا، أما في معمودية الدم فننال إكليل كل الفضائل، هذا الذي نحتاج أن نتوسل طالبين إياه في كل تضرعاتنا حتى نصير نحن -خدام الله- أحباء الله.

 

5- لذلك إذ نحث إخوتنا ونُعدّهم وفي تسليحهم بقوة الفضيلة والإيمان لأجل مجاهرتهم باعترافهم بالرب ولأجل معركة الاضطهاد والمعاناة يلزم أن يُقال في المقام الأول:

(1) إن الآلهة التي يصنعها الإنسان لنفسه ليس هي آلهة، ولا الأشياء المصنوعة هي أعظم من صانعها ومصممها، ولا يمكن أيضًا لهذه الأوثان أن تحمي أو تخلص أحد، والتي هي ذاتها تهلك مع هياكلها ما لم ينقذها الإنسان، بل وليس لنا أن نعبد العناصر التي تخدم الإنسان بحسب مشيئة ووصايا الله.

(2) أنه بعد تلاشي الأوثان وإثبات قصد (الله من جهة) العناصر، يلزم إظهار أن الله فقط هو الذي يحق له العبادة.

(3) أنه يلزم بعد ذلك أن نضيف تهديد الله (الموجّه) ضد من يذبحون للأوثان.

(4) أنه ينبغي بالإضافة إلى هذا أن نتعلّم أن الله لا يغفر بسهولة لعابدي الأوثان.

(5) وأن الله غاضب جدًا من عبادة الأوثان حتى أنه أمر أيضًا بقتل من يتم إقناعهم بالذبح للأوثان وبخدمتها.

(6) ويلزم بعد هذا أن نضيف أننا نحن الذين اُفتدينا وأُنعشنا بدم المسيح، ينبغي لنا ألا نفضّل شيء على المسيح، لأنه لم يفضّل شيء علينا ولأجلنا فضّل الشرور على الخيرات... الفقر على الغنى، العبودية على السيادة، الموت على الخلود، وأننا من الناحية الأخرى في آلامنا نفضّل أفراح وغنى الفردوس على فقر هذا العالم، السيادة الأبدية على عبودية الزمن، الخلود على الموت، الله والمسيح على إبليس وضد المسيح.

(7) إنه يلزمنا أيضًا الإلحاح على أنه بعد انتشالنا من فكي إبليس وتحررنا من فخاخ العالم، لو بدأنا نكون من جديد في ظروف ضاغطة ومتاعب (تجرنا للخلف) لا نرغب في العودة من جديد إلى العالم ونخسر منفعة كوننا أفلتنا منه.

(8) إنه يلزم أن نحث المؤمنين أيضًا على الثبات في الإيمان والفضيلة وفي كمال النعمة السماوية الروحية لكي يصلوا إلى الإكليل والانتصار.

(9) إن المصاعب والاضطهادات تحدث لكيما نُختبر.

(10) إنه ليس لنا أن نخاف إهانات وإذلالات الاضطهادات لأن الرب في الحماية أعظم من إبليس في الهجوم.

(11) ولئلا يصير أي شخص خائف ومضطرب من المصاعب والاضطهادات التي نعانيها في هذا العالم، يلزم البرهنة أنه سبق التنبؤ أن العالم سيبغضنا وسيثير الاضطهادات ضدنا، لذلك من ذات حقيقة أن هذه الأمور تحدث، يظهر الإيمان بالوعد الإلهي في المنافع والمكافآت التي ستلي فيما بعد، وأنه ليس من شيء جديد مما يحدث للمسيحيين، إذ من بدء العالم يشقى الصالح ويُقاوم البار ويذبحه الظالم (الأثيم).

(12) إنه في الجزء الأخير يلزم أن نقدم هناك أي رجاء وأي امتياز ينتظران البار والشهداء بعد صراعات وضيقات هذا الدهر.

(13) وإن ما نناله كمكافأة لأتعابنا أكثر من المعاناة ذاتها التي نكابدها هنا(15).

(1) إن الأوثان(16) ليست آلهة وليس لنا أن نعبد العناصر elements على أنها آلهة.

جاء في المزمور "أصنام الأمم فضة وذهب عمل أيدي الناس. لها أفواه ولا تتكلم، لها أعين ولا تبصر، لها آذان ولا تسمع، كذلك ليس في أفواهها نفس. مثلها يكون صانعوها وكل من يتكل عليها" (مز 135: 15-18). بالمثل في حكمة سليمان جاء "لأنهم احتسبوا جميع أصنام الأمم آلهة تلك التي لا يمكنها استعمال أعينها في النظر ولا أنفها في استنشاق الهواء ولا آذانها في السمع ولا أصابع يديها في اللمس وأرجلها عاجزة عن المشي. لأن الإنسان عملها والروح المُقترض جبلها ولن يقدر إنسان أن يخلق مثاله إلهًا. فيما أنه مائت يعمل ميتًا بيد أثيمة، لأنه أفضل من معبوداته فهو قد عاش إذ كان مائتًا وأما تلك فلم تعش قط" (حك 15: 15-17). بالمثل في سفر الخروج "لا تصنع لك تمثالًا منحوتًا ولا صورة ما" (خر 20: 4). كذلك أيضًا في حكمة سليمان "من الصالحات المنظورة ما استطاعوا أن يعرفوا الكائن ولا انتبهوا إلى الأعمال فعرفوا الصانع. لكنهم ظنوا النار أو الروح أو الريح السريعة أو دائرة النجوم أو الماء الراكد أو نوري السماء هي التي تخدم سياسة العالم فاعتقدوها آلهة. هذه الأشياء التي إن كان أعجبهم جمالها فاتخذوها آلهة. فليعرفوا -كم هو سيد هذه- أفضل حُسنًا منها. وإن أذهلتهم قوتها وفعلها، فتفهموا من هذه كم هو الذي خلقها أعظم قوة منها" (حك 13: 1-4).

 

(2) الله فقط هو الذي يحق له العبادة.

كما هو مكتوب "الرب إلهك تتقي وإياه تعبد" (تث 6: 13). بالمثل في الخروج "لا يكن لك آلهة أخرى أمامي" (خر 20: 3). كذلك في سفر التثنية "انظروا الآن أنا، أنا هو وليس إله معي. أنا أميت وأحيي. سحقت وأني أشفي وليس من يدي مخلص" (تث 32: 39). أيضًا في سفر الرؤيا "ثم رأيت ملاكًا آخر طائرًا في وسط السماء معه بشارة أبدية ليبشر الساكنين على الأرض وكل أمة وقبيلة ولسان وشعب قائلًا بصوت عظيم خافوا الله وأعطوه مجدًا لأنه قد جاءت ساعة دينونته واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه" (رؤ 14: 6-7). لذلك أيضًا يذكر الرب في الإنجيل الوصية الأولى والثانية قائلًا "اسمع يا إسرائيل الرب إلهنا رب واحد وتحب الرب إلهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك ومن كل قدرتك. هذه هي الوصية الأولى. وثانيها مثلها هي تحب قريبك كنفسك. بهاتين الوصيتين يتعلق الناموس كله والأنبياء" (انظر مر 12: 29-31؛ مت 22: 37-40). وأيضًا "هذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته" (يو 17: 3).

 

(4) ما هو تهديد الله ضد من يذبحوا للأوثان؟(17)

جاء في سفر الخروج "من ذبح لآلهة غير الرب وحده يهلك" (خر 22: 20). بالمثل في سفر التثنية "ذبحوا للشياطين وليس لله" (تث 32: 17). أيضًا في إشعياء "يسجدون لعمل أيديهم لما صنعته أصابعهم وينخفض الإنسان (أي يسجد لها) وينطرح الرجل فلن أغفر لهم" (إش 2: 8-9). وأيضًا يقول الرب بفم إشعياء "لتلك (الأوثان) سكبت سكيبًا وأصعدت تقدمة. أفلن أغضب لهذه الأشياء؟" [(إش 57: 6) بحسب النص]. كذلك بفم إرميا يقول "ولا تسلكوا وراء آلهة أخرى لتعبدوها وتسجدوا لها ولا تغيظوني بعمل أيديكم، فلا أسيئ إليكم" (إر 25: 6). كما ورد في سفر الرؤيا "إن كان أحد يسجد للوحش ولصورته ويقبل سمته على جبهته أو على يده فهو أيضًا سيشرب من خمر غضب الله المصبوب صرفًا في كأس غضبه ويعذّب بنار وكبريت أمام الملائكة القديسين وأمام الخروف ويصعد دخان عذابهم إلى أبد الآبدين ولا تكون راحة نهارًا وليلًا للذين يسجدون للوحش ولصورته ولكل من يقبل سمة اسمه" (رؤ 14: 9-11).

 

(4) ليس من السهل أن يغفر الله لعابدي الأوثان.

جاء في سفر الخروج أن موسى النبي صلّى لأجل الشعب ولم ينل طلبته وهو يقول "آه قد أخطأ هذا الشعب خطية عظيمة وصنعوا لأنفسهم آلهة من ذهب. والآن إن غفرت خطيتهم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت. فقال الرب لموسى: من أخطأ إليّ امحوه من كتابي" (خر 32: 31-33). بالمثل عندما تشفع إرميا لأجل الشعب، كلّمه الرب قائلًا "وأنت فلا تصلّ لأجل هذا الشعب ولا ترفع لأجلهم دعاءً ولا صلاة لأني لا أسمع في وقت صراخهم إليّ من قبل بليتهم" (إر 11: 14). أيضًا حزقيال النبي يعلن هذا الغضب الإلهي على من أخطأوا ضد الله فيقول"وكانت إليّ كلمة الرب قائلة: يا ابن آدم إن أخطأت إليّ أرض وخانت خيانة فمددت يدي عليها وكسرت لها قوام الخبز وأرسلت عليها الجوع وقطعت منها الإنسان والحيوان. وفي وسطها هؤلاء الثلاثة الرجال فحي أنا يقول السيد الرب أنهم لا يخلصون بنين ولا بنات، هم وحدهم يخلصون" (حز 14: 12-13، 16). كذلك جاء في سفر صموئيل "إذا أخطأ إنسان إلى إنسان يدينه الله، فإن أخطأ إنسان إلى الرب فمن يصلي من أجله؟" (1صم 2: 25).

 

(5) إن الله غاضب جدًا من عبادة الأوثان حتى أنه أمر أيضًا بقتل من يتم إقناعهم بالذبح للأوثان وبخدمتها.

جاء في سفر التثنية "إذا أغواك سرًا أخوك ابن أمك أو ابنك أو ابنتك أو امرأة حضنك أو صاحبك الذي مثل نفسك قائلًا نذهب ونعبد آلهة أخرى لم تعرفها أنت ولا آباؤك من آلهة الشعوب الذين حولك القريبين منك أو البعيدين عنك من أقصاء الأرض إلى أقصائها فلا ترض عنه ولا تسمع له ولا تشفق عينيك عليه ولا ترقّ له ولا تستره بل قتلًا تقتله(18)، يدك تكون عليه أولًا لقتله حتى يموت لأنه التمس أن يطوّحك عن الرب إلهك" (تث 13: 6-10). ونفس الأمر ينطبق على سكان مدينة بأكملها لو تصرفوا هكذا (انظر تث 13: 12-18)(19) ومتاثيا لانتباهه لهذه الوصية وقوتها غار واضطربت عروقه واغتاظ حسب قضاء الشريعة فسارع إلى الرجل الذي تقدم ليبخر على مذبح الأوثان وذبحه على المذبح (انظر 1مك 2: 24). لكن إن كان قبل مجيء المسيح كانت هذه الوصايا تُحفظ من جهة عبادة الله والازدراء بالأوثان فكم بالأولى ينبغي أن نزدري بها بالأكثر بعد مجيء المسيح إذ أنه جاء وحضّنا ليس بكلمات بل بأفعال وتألم أيضًا وصلب بعد كل ما لحقه من إهانات وإساءات، لكيما بمثاله يعلّمنا أن نتألم ونموت ولكيما لا يكون للإنسان أن لا يتألم لأجله، إذ أنه تألم لأجلنا وأن من حيث أنه تألم لأجل خطايا الآخرين، كم ينبغي لكل واحد منا أن يتألم لأجل خطاياه هو ذاته.

إن الرب يسوع يحذرنا قائلًا "كل من يعترف بي قدام الناس اعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السموات ولكن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضًا قدام أبي الذي في السموات" (مت 10: 32-33). والرسول بولس يقول "إن كنا نموت معه فسنحيا أيضًا معه. إن كنا نحتمل فسنملك أيضًا معه. إن كنا ننكره فهو أيضًا سينكرنا" (2تي 2: 11-12)، ويقول يوحنا الرسول "كل من ينكر الابن ليس له الآب أيضًا ومن يعترف بالابن فله الآب أيضًا" (1يو 2: 23). كما أن الرب يحثنا ويشجعنا ألا نهاب الموت قائلًا "لا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا من الذي يقدر أن يُهلك النفس والجسد كليهما في جهنم" (مت 10: 28). وأيضًا "من يحب نفسه يهلكها، ومن يبغض نفسه في هذا العالم يحفظها إلى حياة أبدية" (يو 12: 25).

 

(6) الذي اُفتدي وأُنعش بدم المسيح لا ينبغي له أن يفضّل شيء على المسيح.

يتكلم الرب في الإنجيل فيقول "من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني. ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني. ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (مت 10: 37؛ لو 14: 26). كما هو مكتوب في سفر التثنية "الذين قالوا عن آبائهم وأمهاتهم "لا أعرفكما" وأولادهم لم يعرفون، هم الذين حفظوا كلامك وصانوا عهدك" (انظر تث 33: 9). بالمثل يقول بولس الرسول "من سيفصلنا عن محبة المسيح، أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عُري أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب "إننا من أجلك نُمات كل النهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح، ولكننا في هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذي أحبنا" (رو 8: 35-37). وأيضًا "إنكم لستم لأنفسكم لأنكم قد اُشتريتم بثمن، فمجّدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله" (1كو 6: 19-20). وأيضًا "وهو مات لأجل الجميع لكي يعيش الأحياء فيما بعد لا لأنفسهم بل للذي مات لأجلهم وقام" (2كو 5: 15).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

(7) الذين تم انتشالهم من بين فكي إبليس وتحرروا من فخاخ العالم ليس لهم أن يعودوا من جديد إلى العالم لئلا يفقدوا امتياز كونهم أفلتوا منه.

سبق الشعب اليهودي -في سفر الخروج- أن تمثّل بصورتنا وظلنا عندما بمعونة الله كحارس ومنتقم لهم أفلتوا من العبودية المرّة ذاتها لفرعون ومصر أي من إبليس والعالم، وهم بجحود وعدم شكر تجاه الله تطلعوا إلى الخلف على أتعاب الصحراء وكدّهم فتذمروا أيضًا ضد موسى ولم يدركوا الإحسانات الإلهية بالحرية والخلاص فسعوا أيضًا إلى الرجوع لعبودية مصر أي إلى عبودية العالم الذي منه تم انتشالهم بينما كان ينبغي بالأولى أن يكون لهم إيمان وتصديق بالله إذ أن الذي حرر شعبه من إبليس والعالم يحميه عقب تحرره. فقال الشعب لموسى "ماذا صنعت بنا حتى أخرجتنا من مصر؟ كان خير لنا أن نخدم المصريين من أن نموت في البرية. فقال موسى للشعب: لا تخافوا، قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون" (خر 14: 11-14).

يحذرنا الرب يسوع من هذا في إنجيله لئلا نعود ثانية إلى الشيطان وإلى العالم الذي جحدناه والذي أفلتنا منه فيقول "ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله" (لو 9: 62)، وأيضًا "الذي في الحقل لا يرجع إلى الوراء، اذكروا امرأة لوط" (لو 17: 31-32). ولئلا يتعوق أي واحد منكم -بأي شهوة دنيوية أو جاذبية أقربائه أو أحبائه- عن تبعية السيد المسيح أضاف الرب قوله "كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا" (لو 14: 33).

 

(8) يلزم أن نحث المؤمنين على الثبات في الإيمان والفضيلة وفي كمال النعمة السماوية والروحية لكيما نصل إلى الانتصار والإكليل (الذي لا يفني).

جاء في سفر أخبار الأيام الثاني "الرب معكم ما كنتم معه، وإن طلبتموه يوجد لكم وإن تركتموه يترككم" (2أخ 15: 2). وبالمثل جاء في سفر حزقيال "إن برّ البار لا ينجيه في يوم معصيته" (حز 33: 12). وأيضًا يتكلم الرب في الإنجيل فيقول "الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مت 10: 22). وأيضًا "إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق والحق يحرركم" (يو 8: 31-32). كذلك سبق الرب فحذرنا من أنه ينبغي لنا أن نكون دائمًا مستعدين ونقف بثبات مُجهّزين للجهاد فأضاف قوله "لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة. وأنتم مثل أُناس ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت. طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين" (لو 12: 35-37). كذلك لكي يفلح إيماننا ويزداد ويدرك أقصاه يحضنا الطوباوي بولس الرسول فيقول "ألستم تعلمون أن الذين يركضون في الميدان جميعهم يركضون ولكن واحدًا يأخذ الجعالة. هكذا اركضوا لكي تنالوا... أما أولئك فلكي يأخذوا إكليلًا يفنى وأما نحن فإكليلًا لا يفنى" (1كو 9: 24-25). وأيضًا "ليس أحد وهو يتجند يرتبك بأعمال الحياة لكي يرضي من جنده. وأيضًا إن كان أحد يجاهد لا يُكلل إن لم يجاهد قانونيًا" (2تي 2: 4-5). وأيضًا "اطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حيّة مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة" (رو 12: 1-2). وأيضًا "إننا أولاد الله، فإن كنا أولادًا فإننا ورثة أيضًا، ورثة الله ووارثون مع المسيح. إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه" (رو 8: 16-17). ويحثنا الرب قائلًا "تمسك بما عندك لئلا يأخذ أحد إكليلك" (رؤ 3: 11).

هذا المثال للمثابرة والثبات يظهر في سفر الخروج حيث رفع موسى يديه في وضع الصلاة على هيئة صليب لكي يغلب عماليق الذي كان يجمل مثال (صورة) الشيطان ولم يستطع التغلب على عدوه إلا بعد المثابرة بثبات ويديه مرفوعة باستمرار في هذا الوضع والسفر يقول "وكان إذا رفع موسى يده أن إسرائيل يغلب وإذا خفض يده أن عماليق يغلب. فلما صارت يدا موسى ثقيلتين أخذا حجرًا ووضعاه تحته فجلس عليه ودعم هارون وحور يديه، الواحد من هنا والآخر من هناك فكانت يداه ثابتتين إلى غروب الشمس. فهزم يشوع عماليق وقومه بحد السيف. فقال الرب لموسى اكتب هذا تذكارًا في الكتاب وضعه في مسامع يشوع فإني سوف أمحو ذكر عماليق من تحت السماء" (خر 17: 11-14).

 

(9) تحدث المصاعب والاضطهادات بقصد أن نُختبر.

يقول الرب في سفر التثنية "إن الرب إلهكم يمتحنكم لكي يعلم هل تحبون الرب إلهكم من كل قلوبكم ومن كل أنفسكم" (تث 13: 3). ويقول أيضًا "تمتحن الفرن أواني الخزّاف، والأبرار تمتحنهم البلايا" (سيراخ 2: 5)، وقد اختبر بولس الرسول ذلك وقال "نفتخر على رجاء مجد الله، وليس ذلك فقط بل نفتخر أيضًا في الضيقات عالمين أن الضيق ينشئ صبرًا والصبر تزكية والتزكية رجاء، والرجاء لا يُخزى لأن محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا" (رو 5: 2-5). وبطرس الرسول يوضح ذلك قائلًا "أيها الأحباء لا تستغربوا البلوى المحرقة التي بينكم حادثة لأجل امتحانكم كأنه أصابكم أمر غريب، بل كما اشتركتم في آلام المسيح افرحوا لكي تفرحوا في استعلان مجده أيضًا مبتهجين إن عُيّرتم باسم المسيح فطوبى لكم لأن روح المجد والله يحل عليكم، أما من جهتهم فُيجدّف عليه وأما من جهتكم فيُمجدّ" (1بط 4: 12-14).

 

(10) ليس لنا أن نخاف إهانات وإذلالات الاضطهادات، لأن الرب في الحماية أعظم (وأقوى) من إبليس في الهجوم (أي عناية الله بنا أعظم من هجمات العدو).

يبرهن يوحنا الرسول ذلك في رسالته قائلًا "الذي فيكم أعظم من الذي في العالم" (1يو 4: 4). كذلك في المزمور "الرب عوني فلا أخشى ماذا يصنع بي الإنسان" [(مز 118: 6-7) بحسب النص]. وأيضًا "هؤلاء بمركبات وهؤلاء بخيل ونحن باسم الرب إلهنا ننمو. هم عثروا وسقطوا ونحن قمنا وانتصبنا" [(مز 20: 7-8) بحسب النص]. بل إن الروح القدس يعلّمنا أن جيش الشيطان لا ينبغي أن نخاف منه، وأن رجاءنا هو في إعلاننا الحرب ضده، لأن شدائد هذه الحرب هي التي يبلغ بها البار إلى جزاء السكنى الإلهية والخلاص الأبدي، فيقول في المزمور "إن يحاربني جيش فلن يخاف قلبي وإن قام عليّ قتال ففي هذا أنا أطمئن. واحدة سألت من الرب وإياها ألتمس أن أسكن في بيت الرب كل أيام حياتي" [(مز 27: 3-4) بحسب النص]. ويعبّر موسى النبي عن نمونا وازدهارنا في الضيقات قائلًا "ولكن بحسبما أذلوهم هكذا نموا وامتدوا" (خر 1: 12). ويعدنا الله في سفر الرؤيا بالحماية الإلهية في ضيقاتنا فيقول "لا تخف البتة مما أنت عتيد أن تتألم به" (رؤ 2: 10).

ولا يوجد أعظم من وعد الرب لنا بالأمان والحماية إذ يتكلم بفم إشعياء قائلًا "لا تخف لأني فديتك، دعوتك باسمك، أنت لي، إذا اجتزت في المياه فأنا معك وفي الأنهار فلا تغمرك، إذ مشيت في النار فلا تُلدغ واللهيب لا يحرقك، لأني أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل الذي سينقذك" (إش 43: 1-3)، والرب يعد أيضًا في الإنجيل بأن المعونة الإلهية لن تعوز خدام الله في الاضطهادات قائلًا "فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، لأنكم تُعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمون بل روح أبيكم الذي يتكلم فيكم" (مت 10: 19-20). وأيضًا "فضعوا في قلوبكم أن لا تهتموا من قبل لكي تحتجوا لأني أنا أعطيكم فمًا وحكمة لا يقدر جميع معانديكم أن يقاوموها أو يناقضوها" (لو 21: 14-15).

كما أن الله في سفر الخروج كلّم موسى عندما تباطئ وخاف من أن يمضي إلى الشعب فقال له "من صنع للإنسان فمًا أو من يصنع أخرس أو أصم أو بصير أو أعمى، أما هو أنا الرب؟ فالآن اذهب وأنا أكون مع فمك وأعلمك ما تتكلم به" (خر 4: 11-12). فإنه ليس عسير على الله أن يفتح فم إنسان مُخلص له ويُلهم ثبات وثقة في كلام من يعترف به إذ هو الذي في سفر العدد جعل أتان تتكلم ضد بلعام النبي. لذلك ليت لا أحد يعتد في الاضطهادات بأية أخطار يجلبها الشيطان بل بالأحرى ليتفكر أية معونة يقدمها الله ولا يدع تشويشات البشر تزعزعه بل لتقوّي الحماية الإلهية إيمانه إذ أن كل واحد ينال الكثير من معونة الله على حسب وعود الرب واستحقاقات إيمانه فكما يعتقد هكذا ينال إذ لا يوجد شيء لا يمكن للقدير أن يمنحه إلا لو كان إيمان الآخذ recipient هش وناقص.

 

(11) لا جديد تحت الشمس، فالصالحون يُضطهدون منذ تأسيس العالم.

حذرنا الرب وأنبأ قائلًا "إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم، لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم. اذكروا الكلام الذي قلته لكم: ليس عبد أعظم من سيده، إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم" (يو 15: 18-20). وأيضًا "تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله، وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني. لكن قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم" (يو 16: 2-4). وأيضًا "الحق، الحق أقول لكم: إنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح. أنتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح" (يو 16: 20)، وأيضًا "قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم" (يو 16: 33). عندما سأله تلاميذه عن علامة مجيئه وانقضاء العالم أجاب قائلًا "انظروا لا يضلكم أحد. فإن كثيرين سيأتون باسمي قائلين أنا هو المسيح ويضلون كثيرين. وسوف تسمعون بحروب وأخبار حروب. انظروا لا ترتاعوا لأنه لابد أن تكون هذه كلها ولكن ليس المنتهى بعد. لأنه تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة وتكون مجاعات وأوبئة وزلازل في أماكن. ولكن هذه كلها مبتدأ الأوجاع. حينئذ يسلمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مُبغضين من جميع الأمم لأجل اسمي. وحينئذ يعثر كثيرون ويسلمون بعضهم بعضًا ويبغضون بعضهم بعضًا. ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويضلون كثيرين، ولكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص. ويُكرز ببشارة الملكوت هذه في كل المسكونة شهادة لجميع الأمم ثم يأتي المنتهي.

فمتى نظرتم رجسة الخراب التي قال عنها دانيال النبي قائمة في المكان المقدس ليفهم القارئ. فحينئذ ليهرب الذين في اليهودية إلى الجبال. والذي على السطح فلا ينزل ليأخذ من بيته شيئًا. والذي في الحقل فلا يرجع إلى ورائه ليأخذ ثيابه. وويل للحبالى والمرضعات في تلك الأيام. وصلّوا لكي لا يكون هربكم في شتاء ولا في سبت. لأنه يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم إلى الآن ولن يكون. ولو لم تقصر تلك الأيام لم يخلص جسد ولكن لأجل المختارين تقصر تلك الأيام. حينئذ إن قال لكم أحد هوذا المسيح هنا أو هناك فلا تصدقوا. لأنه سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة ويعطون آيات عظيمة وعجائب حتى يضلوا لو أمكن المختارين أيضًا. ها أنا قد سبقت وأخبرتكم. فإن قالوا لكم ها هو في البرية فلا تخرجوا ها هو في المخادع فلا تصدقوا. لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب هكذا يكون أيضًا مجيء ابن الإنسان. لأنه حيثما تكن الجثة فهناك تجتمع النسور. وللوقت بعد ضيق تلك الأيام تظلم الشمس والقمر لا يعطي ضوءه والنجوم تسقط من السماء وقوات السماوات تتزعزع. وحينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء وحينئذ تنوح جميع قبائل الأرض ويبصرون ابن الإنسان آتيًا على سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصاء السماوات إلى أقصائها" (مت 24: 4-31).

إن ما يصيبنا نحن المسيحيين الآن ليس أمر جديد أو مفاجئ، فالصالحون والأبرار والمكرسون لله تنمو حياتهم ويزدهرون روحيًا في الضيقات والآلام القاسية والمضاعفة ومشقات الباب الضيق والطريق الكرب.

لذلك من بدء العالم ذاته صار أن هابيل كان أول من استشهد في العالم على يد أخيه، ويعقوب هرب من وجه أخيه وبيع يوسف الصديق واضطهد الملك شاول داود الرحيم، وكان آخاب الملك يضطهد إيليا النبي، كما تسبب في قتل نابوت اليزرعيلي ظلمًا وصيّره شهيدًا، وزكريا الكاهن ذُبح بين الهيكل والمذبح فصار ذبيحة في الموضع الذي قدم فيه ذبائح عديدة لله، وهكذا نحن نحتفل بتذكارات استشهاد لقديسين لا حصر لهم لكي توضع أمثلة إيمانهم أمام الأجيال اللاحقة!

والثلاثة فتية حنانيا وعزاريا وميصائيل بإصرارهم على ألا يسجدوا لغير الله إلههم الحقيقي قالوا للملك "يا نبوخذ نصر لا يلزمنا أن نجيبك من أتون النار المتقدة وأن ينقذنا من يدك أيها الملك. وإلا فليكن معلومًا لك أيها الملك أننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته" (دا 3: 16-18).

والمكابيون السبعة -وعددهم هو عدد الكمال في الأمور المقدسة- الذين استشهدوا مع أمهم بعد عذابات رهيبة(20). قال أحدهم قبل استشهاده للملك "إنك تسلبنا الحياة الدنيا، ولكن ملك العالمين إذا مُتنا في سبيل شريعته فسيقيمنا لحياة أبدية" (2مك 7: 9)، ويشير الرسول إليهم وإلى أمثالهم قائلًا "وآخرون عُذّبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة أفضل... رُجموا نُشروا جُرّبوا ماتوا قتلًا بالسيف" (عب 11: 35، 37).

لقد شعروا بسعادة عندما قدموا أياديهم ليقطعوها متخذين بذلك صورة آلام صليب الرب والعجيب المدهش أن أمهم شجعتهم على احتمال كل هذا، ثم تشجعت هي نفسها، وذلك لأنها كانت تنظر إلى المجازاة السماوية! ولأنها أحبت أولادها ليس حبًا جسدانيًا عاطفيًا كما تفعل معظم الأمهات، بل حبًا روحانيًا شجاعًا خالدًا، لأنها سبق أن شعرت أنها لم تنجب أولادًا للعالم بل لله!

كذلك إليعازر الطاعن في السن، المذكور في المكابيين كُتب عنه أنه "اختار أن يموت مجيدًا على أن يحيا ذميمًا، وانقاد إلى العذاب طائعًا... ولما أشرف على الموت تنهد وقال "يعلم الرب، وهو ذو العلم المقدس، أني وأنا قادر على التخلص من الموت أُكابد في جسدي عذاب الضرب الأليم، وأما في نفسي فإني احتمل ذلك مسرورًا لأجل مخافته. وهكذا مات هذا الرجل تاركًا موته قدوة شهامة وتذكار فضيلة ليس للشبان فقط بل لأمته بأسرها" (2مك 6: 19، 30-31).

فإن كنا نحيا بقلوب مكرسة حقًا لله، وإن كنا قد اخترنا أن نقتفي إثر خطوات آبائنا الأبرار المقدسة، فلنقبل أن ندخل في نفس امتحانات آلامهم وضيقاتهم التي شهدت لنعمة الرب التي فيهم، ولا ننسى أننا بذلك ندخل ضمن عداد شهداء المسيح الذين لا يُحصى عددهم حسب المكتوب "نظرت وإذا جمع كثير لم يستطع أحد أن يعدّه من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة واقفون أمام العرش وأمام الخروف متسربلين بثياب بيض وفي أيديهم سعف النخل... وأجاب واحد من الشيوخ قائلًا لي: هؤلاء المتسربلون بالثياب البيض من هم ومن أين أتوا؟ فقلت له: يا سيد أنت تعلم. فقال لي هؤلاء هم الذين أتوا من الضيقة العظيمة وقد غسلوا ثيابهم وبيّضوا ثيابهم في دم الخروف، من أجل ذلك هم أمام عرش الله ويخدموه نهارًا وليلًا في هيكله والجالس على العرش يحل فوقهم. لن يجوعوا بعد ولن يعطشوا بعد ولا تقع عليهم الشمس ولا شيء من الحر، لأن الخروف الذي في وسط العرش يرعاهم ويقتادهم إلى ينابيع ماء حية ويمسح الله كل دمعة من عيونهم" (رؤ 7: 9-17). فإذا كانت جماعة الشهداء هكذا عظيمة ولا يُحصى عددهم فلا يظن أحد أنه من الصعب أن يصير شهيدًا للمسيح!

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

(12) أي رجاء ومكافأة تنتظر البار والشهيد بعد ضيقات وأتعاب هذا الزمان.

يبيّن الروح القدس ويتنبأ بفم سليمان فيقول "ومع أنهم قد عوقبوا في عيون الناس فرجاؤهم مملوء خلودًا. وبعد تأديب يسير لهم ثواب عظيم لأن الله امتحنهم فوجدهم أهلًا له. محصهم كالذهب في البودقة وقبلهم كذبيحة محرقة. فهم في وقت افتقادهم يتلألئون ويسعون سعي الشرار بين القصب. ويدينون الأمم ويتسلطون على الشعوب ويملك ربهم إلى الأبد" (حك 3: 4-8). كما يتنبأ سفر الحكمة أيضًا عن ندامة الذين يضطهدوننا ويضايقوننا قائلًا "حينئذ يقوم الصديق بجرأة عظيمة في وجوه الذين ضايقوه وجعلوا أتعابه باطلة. فإذا رأوه يضطربون من شدة الجزع وينذهلون من خلاص لم يكونوا يظنونه. ويقولون في أنفسهم نادمين وهم ينوحون من ضيق صدرهم هذا الذي كنا حينا نتخذه سخرة ومثلًا للعار. وكنا نحن الجهال نحسب حياته جنونًا وموته هوانًا. فكيف أصبح معدودًا في بني الله وحظه بين القديسين. لقد ضللنا عن طريق الحق ولم يضئ لنا نور البر ولم تشرق علينا الشمس. أعيينا في سبل الإثم والهلاك وهمنا في متايه لا طريق فيها ولم نعلم طريق الرب. فماذا نفعتنا الكبرياء وماذا أفادنا افتخارنا بالأموال. قد مضى ذلك كله كالظل وكالخبر السائر" (حك 5: 1-9).

وتعبّر المزامير عن حزن الصراع وفرح الجزاء هكذا "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج، سيرًا كانوا يسيرون وهم باكون حاملين بذارهم ويعودون بالفرح حاملين أغمارهم" (مز 126: 5-6). وأيضًا "طوبى للكاملين طريقًا السالكين في شريعة الرب. طوبى لحافظي شهاداته. من كل قلوبهم يطلبونه" (مز 119: 1-2).

والرب في عظته على الجبل يقول "طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات" (مت 5: 10)، "طوباكم إذا أبغضكم الناس وإذا أفرزوكم وعيّروكم وأخرجوا اسمكم كشرير من أجل ابن الإنسان. افرحوا في ذلك اليوم وتهللوا، فهوذا أجركم عظيم في السماء" (لو 6: 22-23). كما أن الذي يفرزونه عن أهله ويصادرون كل أمواله وممتلكاته قال عنه الرب "الحق أقول لكم أن ليس أحد ترك بيتًا أو والدين أو إخوة أو امرأة أو أولادًا من أجل ملكوت الله إلا ويأخذ في هذا الزمان أضعافًا كثيرة وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" (لو 18: 29-30). ويؤكد لنا يوحنا الرسول أنه لما كُشف له رأى مثل هؤلاء في المجد وقال "ورأيت نفوس الذين قتلوا من أجل شهادة يسوع ومن أجل كلمة الله... فعاشوا وملكوا مع المسيح" (رؤ 20: 4).

إنه يقول إن الذين يحيون ويحكمون مع المسيح ليس فقط الذين قُتلوا بل أيضًا كل من يصمدوا في ثبات إيمانهم ومخافة الله، فلم يسجدوا لصورة الوحش ولم يرتضوا بالرضوخ لمراسيمه الدنسة القاتلة.

 

(13) ما نناله كمكافأة لأتعابنا يفوق بلا قياس آلامنا.

إن القديس بولس الذي اُختطف إلى السماء الثالثة وإلى الفردوس، والذي يشهد أنه سمع كلمات لا يُنطق بها ويفتخر بأنه رأى الرب يسوع المسيح وهو في كامل وعيه، يقول "إن آلام الزمان الحاضر لا تُقاس بالمجد العتيد أن يُستعلن فينا" (رو 8: 18). إذن، فمن ذا الذي لا يجاهد بكل قواه ليبلغ إلى مثل هذا المجد حتى يصير حبيبًا لله ويفرح مع المسيح، ولكي ينال بعد العذابات الأرضية الجعالة السماوية؟ وإذ كان رجوع جنود هذا العالم منتصرين من الحرب ضروري لكي يُمجّدوا ويُكافأوا، فكم بالحري يكون مجدنا أعظم بما لا يُقاس إذا قهرنا الشيطان ورجعنا إلى فردوسنا منتصرين إلى حيث طُرد آدم كخاطئ؟ وبعد أن نطرح عنا ذاك الذي كان قد طرح أبانا آدم، وحيث نقدم لله أعظم تقدمة مقبولة عنده: إيمانًا غير فاسد وفضيلة راسخة وقلبًا مكرسًا ومقدسًا، ولكي نرافق الرب عندما يأتي لينتقم من أعدائه ولكي نقف بجانبه عندما يجلس ليدين، ولكي نصير شركاء ميراث المسيح ونتساوى مع الملائكة والآباء والرسل والأنبياء ونفرح بامتلاكنا للملكوت السماوي!

أي اضطهاد أو عذاب يمكنه أن يهزم كل هذه الأحاسيس؟! إن الروح التي تتطلع إلى كل هذا تظل ثابتة غير متزعزعة أمام جميع مُرعبات الشيطان وتهديدات العالم، إذ تكون متشجعة بالإيمان الراسخ اليقيني ورجاء الأمور العتيدة.

في الاضطهاد تُغلق أمامنا الأرض وتُفتح أمامنا السماء، ضد المسيح يهدد ولكن المسيح يحمي، الموت يقترب منا ولكن يتبعه الخلود، حياتنا الزمنية يُقضى عليها ولكن حياتنا الأبدية تصير مضمونة!

أي مجد هذا عندما نذهب من هنا فرحين ونرحل ممجدين بين الضيقات والعذابات! ففي لحظة نغلق عيوننا التي بها نرى البشر والعالم، وفي الحال نفتحها لنتطلع إلى الله ومسيحه!

كم عظيمة هي سرعة وخفة هذا الرحيل السعيد! إنك تُنتزع فجأة من الأرض لتوضع في الملكوت السماوي.

ليتنا نتعلق بتلهف بهذه الأمور في قلوبنا ونلهج فيها نهارًا وليلًا. فإذا جاء الاضطهاد على أي جندي للمسيح وصار بفضيلته متأهبًا للمعركة فلا يمكن أن يُقهر، حيث يكون إيمانه قد أعدّه للاستشهاد فينال إكليله على الفور بحكم إلهي.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(13) هذه المقالة موجهة إلى شخص يُدعى فورتوناتوس Fortunatus، وذُكر في مجمع قرطاجنة المنعقد عام 256م أسقف لمدينة توكا Tocca يُدعى بهذا الاسم. ومما هو جدير بالذكر أن هذه المقالة ليس ترتيبها هنا في الكتاب المترجم ولكني آثرت وضعها هنا ساعيًا بهذا بوضع المقالات المتقاربة في المعنى خلف بعضها البعض.

(14) هذه الفقرة هي تلخيص أكثر منها نص حرفي.

(15) بعد سرد هذه النقاط الثلاثة عشر قام القديس كبريانوس بذكر اقتباسات من الكتاب المقدس لكل نقطة، ولذا سنسجل الاقتباسات بنفس الأرقام.

(16) كنت مزمعًا أن أتخطى النقاط الخمس الأولى لأنها تتحدث عن عبادة الأوثان وهي ديانة تقلصت، لكن لو نظرنا نظرة فاحصة نجد أن الشيطان يطور نفسه على مدى التاريخ ويأخذ أشكال متباينة بها يحارب السيد المسيح وأولاده، وما الديانات التي مصدرها غير إلهي سوى عبادة أوثان في شكل جديد ولو أن البعض منها في الظاهر قد يقرّ بوحدانية الله، وبها يضغط الشيطان ويغري ويضطهد المؤمنين ليحيدوا عن الملك المسيح. وهناك أيضًا عبادة أوثان على المستوى الشعبي وإنما بتنظيم من الشيطان، وهذه تتمثل في السجائر والجنس والمخدرات والتلفزيون والفيديو والانترنت وكرة القدم وهذه الأوثان الجديدة تكتسح في طريقها أعداد ضخمة من البشر وتجرفهم بعيدًا عن طريق الخلاص والنور وهي ذاتها أسلحة يستخدمها الشيطان لاضطهاد أولاد الله.

(17) نحن نذبح لأوثان العصر الحديث وقتنا وصحتنا ومالنا وفكرنا وضميرنا، وهذه أثمان أفدح من الثمن الذي كان يدفعه عابد الوثن قديمًا.

(18) نحن بالطبع بمقتضى ناموس العهد الجديد لا نقتل من يترك الإيمان المسيحي، بل نصلي لأجله حتى ينتشله الله من براثن الشيطان ويعيده إلى حظيرة الخراف، وما قصده الله من هذا القرار أن يظهر استيائه الشديد لمن يتصرف هكذا ليس إلا.

(19) آثرت للاختصار هنا عدم ذكر النص لأنه يحمل نفس معني النص السابق له.

(20) ذكر القديس كبريانوس عذابات السبعة وأمهم باستفاضة وآثرت الاختصار، والتفاصيل موجودة في (2مك7).


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/cyprian-treatises/exhortation-to-martyrdom.html

تقصير الرابط:
tak.la/mszt63k