St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-of-antioch
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب البطريرك القديس أنبا ساويرس الأنطاكي - يوسف حبيب

6- الفصل الرابع: القديس ساويرس الشاب وعماده

 

يستطرد الأب يوحنا فيقول عنه:

"لما كبر بنعمة الله وأصبح شابًا، درس العلوم الدنيوية التي من شأن من يعرفها الأفتخار بطبيعتها كسلاح للذين يستعملونها جيدًا، وفي الوقت نفسه سبب هلاك من يسيئون استعمالها. فهي مثل السيف الذي ليس شريرًا من ذاته ولكن منزلته في إرادة الذين يستعملونه.

وبعد أن أكمل ساويرس دراساته في العلوم الفلسفية بالإسكندرية انطلق إلى بيروت لكي يدرس فيها العلوم القانونية. وهناك كان موضع إعجاب كل زملائه من أجل صلابة طبعه والجد في الدرس ومن أجل ذكائه، وفاق الجميع بمعرفته وانطلاقه وتعمقه في دراساته. ومنذ ذلك الحين توقع الجميع ما سيكون منه وتنبأوا عن سمو شأنه في المستقبل، كما تعرف الزروع الكبيرة عندما تنبت.

ومن ذلك الحين أيضًا نمت له الكلمة المقدسة مثل لوط البار الذي كانت روحه البارة تتألم كل يوم لأجل خطايا الناس.

ولم تستطيع مسرات هذه المدينة أن تغير من سلوكه الحازم ولا أن تخطف منه طهارته".

وفي نصوص سريانية مترجمة للفرنسية ومدون عليهما ملاحظات قام بها ك. م. كوجنر دكتور في الفلسفة والآداب يتحدث زميل للدراسة في الإسكندرية عن القديس أنبا ساويرس وهو الأديب زكريا فيقول:

"لقد عرفته في فجر حياته وهو بعد شاب يافع ودرست معه بالإسكندرية قواعد اللغة والبيان والفلسفة وأنة أود أن أتكلم عن ساويرس الذي له سمعة كبيرة عند الذين يقدرون الخبر دون تحيز.

لقد كنت مع القديس ساويرس منذ شبابه الأول في الإسكندرية وفي فينيقية نسمع نفس المعلمين ونشترك في نفس الاهتمام، والذين كانوا يدرسون معنا لا يزالون على قيد الحياة وعددهم كبير يمكنهم أن يشهدوا بصحة روايتى.

St-Takla.org Image: Saint Severus of Antioch, modern Coptic art icon by Samy Hennes, Sept. 2004, at Saint Mina's Monastery Cathedral, Mariout, Alexandria, Egypt. صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة القديس الأنبا ساويرس البطريرك الأنطاكي، رسم الفنان سامي حنس، سبتمبر 2004، في كاتدرائية دير الشهيد مارمينا بصحراء مريوط، الإسكندرية، مصر، فن قبطي حديث.

St-Takla.org Image: Saint Severus of Antioch, modern Coptic art icon by Samy Hennes, Sept. 2004, at Saint Mina's Monastery Cathedral, Mariout, Alexandria, Egypt.

صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة القديس الأنبا ساويرس البطريرك الأنطاكي، رسم الفنان سامي حنس، سبتمبر 2004، في كاتدرائية دير الشهيد مارمينا بصحراء مريوط، الإسكندرية، مصر، فن قبطي حديث.

ساويرس الشهير بيسيدي الأصل (نسبة إلى بيسيديا) ولد في سوزوبوليس بآسيا الصغرى. انها البلد التي تشرفت بإقامته فيها بعد البلد الأول التي طردنا كلنا منها بعد تعدَّى آدم والتي يدعونا الرسول الإلهي أن نبحث عنها من جديد حيث يقول: "لأن ليس لنا هنا مدينة باقية (عب 13: 14)، أيضًا قوله عن المدينة التي أساساتها صانعها وبارئها الله (عب11: 10)".

قد رباه أبوان ممتازان وكانا من سلالة ساويرس الذي كان أسقفًا على مدينة سوزوبوليس التي ولد فيها في زمن مجمع أفسس الأول الذي اجتمع فيه نسطور الكافر. وبعد وفاة والده الذي كان في مجلس شيوخ المدينة أرسلته والدته التي ترملت مع أخويه اللذين كانا يكبرانه إلى الإسكندرية لكي يدرس قواعد اللغة والبيان واليونانية واللاتينية.

وفي هذا الوقت كنت أقيم أنا أيضًا في هذه البلدة لنفس السبب. ذهب الثلاثة إخوة أولًا إلى الفيلسوف يوحنا ثم إلى سوباتير الذي كان مشهودا له في علم البيان.

وحدث انى كنت أنا أيضًا أذهب لنفس المعلم في هذا الوقت أيضًا، وأيضًا إلى ميناس ذي الذكرى الطيبة المشهود له بالعلم والاستقامة والاتضاع والطهارة ومحبته للقريب ومواساته للفقراء.

وفي أثناء دراساتنا في الإسكندرية كنا نعجب لصفاء روح ساويرس ولمحبته العلم. وكنا نعجب كيف كان في عمق يتعلم ويتفوق بلباقة واجتهاد ومواظبة، وفي دراسة قوانين العلماء القدماء كان يحاول أن يقلد أسلوبهم البراق، ولم يكن يشغل تفكيره شيء غير هذا، ولا يتعزى بشئ آخر مما كان يتعزى به عادة "الشبان" فكان يكرس ذاته للدراسة ويبتعد من أجل حماسه لها عن الاهتمام بالأمور الباطلة.

ولقد كنا متألمين لأن شابًا ذكيًّا مثل هذا لم يكن قد أخذ المعمودية الإلهية بعد. وقد أبدَى ساويرس اهتمامه بدراسة مقالات الفيلسوف ليبانيوس الذي كان معجبًا به، وكذا أعمال العلماء القدماء، مقالات القديسين باسيليوس واغريغريوس الأسقفين الشهيرين..... وكنا ننصحه بأن يقبل إلى العماد حتى يصل عن طريق البيان الذي كان له إلى حكمة هؤلاء وفلسفتهم.... فلما تعلم ساويرس أن يعرف كتبهم شغف بها كلية. وسمع وهو يمدح الخطابات الموجهة من باسيليوس إلى ليبانيوس وردود ليبانيوس، وكان يعزو ما اكتسبه إلى خطابات القديس باسيليوس، وكان من نتيجة ذلك أن عكف ساويرس منذ ذلك الوقت على قراءة كتب باسيليوس الشهير وتأملاته.

 

ثم يقول واضع السيرة:

وأن ميناس صديقى الذي كان وضع إعجاب الجميع قرر في نبوة تحققت بالفعل: "إن ساويرس هذا سوف يتألق بين الأساقفة مثل القديس يوحنا ذهبي الفم الذي أؤتمن على قيادة كنيسة القسطنطينية. إن الله وحده الذي يعرف المستقبل كان يعلن هذه الأشياء عن ساويرس عندما كان لا يزال شابًا نقيًّا.

 

ثم يعود الأديب زكريا يروي عن صديقه فيقول:

"بعد هدم الأوثان بزمن قليل توفي ميناس التقى الذي كان قد تنبأ لساويرس بأنه سوف يصير عظيمًا، وانطلق نحو الذي كان يحبه مزينا بفضائل كثيرة وببتولية الروح والجسد ومحبة القريب وبالتواضع وبمحبة كاملة وبأناة كبيرة. وفي هذا الوقت كنت مريضًا وكان الوثنيون يظنون أننا نأخذ عقابنا من أجل ما فعلناه بأوثانهم في غيرتنا من أجل الديانة المسيحية ومن أجل حرقنا للأوثان فأشاعوا انى أنا أيضًا سوف أنال القصاص. وبعدما شفيت بأعجوبة من قبل رحمة ربنا يسوع المسيح كنت ألقي خطاب تأبين أمدح فيه ميناس الشهير وذكرت فيه هدم الأصنام الوثنية، ورويت فيه خبر حرقها بالنار أمام كل شعب المدينة، وكنت أشيد بفضائله ومحبته للقريب التي كانت موضع إعجاب الجميع حتى الوثنيين. وفرح ساويرس وسر كثيرًا عند سماعه الكلمات التي قلتها ضد الوثنيين وكان فرحه هكذا عظيمًا حتى أنه كان يصفق لي أكثر من كل الحاضرين.

وفي نفس الوقت كان الوثنيون الذين دعوناهم للحضور للاستماع والذين كانوا قد حضروا دون أن يعلموا ما سوف يقال كانوا يبكون على بلاياهم وصرخ أحدهم وهو مملوء غيظا "إذا كنت تريد أن تتكلم ضد الآلهة فلماذا أتيت بنا بالقرب من قبر صديقك؟" وقد إضررت أن أروى هذه الأمور مبينا طهارة سيرة ميناس وأصدقائه -هؤلاء الذين كانت لهم غيرة ومحبة وبالأخص صاحب هذه السيرة، وسنروى أيضًا خبر سفره إلى فينيقية.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ويروي الأديب زكريا ذلك فيقول:

"حينما كان ساويرس الشهير جدا على وشك أن يترك الإسكندرية ويذهب إلى فينيقية لكي يدرس القانون حتى يصير محاميا شجعنى لكي أذهب معه ولكني قلت له إني أحتاج لدراسة أوفر لمقالات الفلاسفة وأصحاب البلاغة بسبب الوثنيين الذين يمجدون أنفسهم، ويتكبرون من أجل معرفتهم إياها حتى نحاربهم أيضًا علانية في هذا المضمار. وسبقنى ساويرس إلى فينيقية بسنة واحدة. وبعد مضى هذه السنة ذهبت بدوري إلى "بيروت" لكي أدرس القانون المدنى وكنت أتوقع أن أجد بعض المتاعب وأن أتحمل ما يتحمله الطلاب الذين حديثًا إلى هذه المدينة لكي يدرسوا القانون......

دخلت أول يوم في مدينة لاونديوس بن "أودكسياس" الذي كان حينئذ يدرس القانون وكان بسمعة كبيرة عند كل الذين يهتمون به ووجدت ساويرس جاليا مع كثيرين آخرين بالقرب من المعلم لكي يستع إلى الدرس. في ذلك الوقت جال بخاطرى أنه سيكون منصرفا عني ولكني رأيت أنه كان على وفاق طيب نحوى. بادرنى بالسلا مبتسما سرورا ولذا شكرت الله لأجل هذا التعارف مضيت إلى الكنيسة المدعوة كنيسة القيامة لكي أصلي ثم ذهبت إلى كنيسة والدة الإله الموجودة بالقرب من الميناء، وبعد أن انتهيت من صلاتي أخذت أتمشَّى أمام الكنيسة. وبعد ذلك بقليل اقترب مني رجل الله ساويرس وابتدرنى بمرح قائلًا: "إن الله قد أرسلك إلى هذه المدينة بسببي. قل إذن كيف أخلص" حينئذ رفعت عيني نحو السماء فرحًا وشكرت الله الذي ألهم ساويرس هذه الفكرة وجعله يتفكر في أمر خلاصه ثم قلت له: "بما أن سؤالك يتعلق بالأمور المقدسة فهلم بنا وأمسكت بيده وأعلمته أني سأقوده إلى هيكل والدة الإله وهناك سوف أخبره بماذا علمتنا الكتب المقدسة وما علمنا إياه الآباء القديسون"، فلما سمع هذه الكلمات سألنى ساويرس إذا كانت معي كتب باسيليوس الكبير واغريغريوس الشهير والحكماء الآخرين فرددت بأنى احضرت كثيرًا من مؤلفاتهم. حينئذ جاء معي إلى هيكل والدة الإله، وبعد أن تلا معي الصلوات الواجبة سألنى نفس السؤال الذي سألنى إياه أولًا، فأظهرت له رحمة الله علينا مبتدئا من سفر التكوين وذكرت له كيف أن الله بعد أن خلق كل شيء وبعد أن أخرجنا أيضًا من العدم وضع أبوينا الأولين في الفردوس وأعطاهما بصفتهما لهما، عقل ويتحكمان في تصرفهما، شريعة الخلاص بخصوص ما يجب أن يفعلاه -فخالفا الوصية بخديعة الحية وخسرا هذه الحياة السعيدة واستبدلا الحياة الأبدية بالموت الذي توعدتهما به الشريعة سلفا.

كنت أقصد آدم وحواء وكانت صورتهما في الهيكل لابسين قمصانا من الجلد بعد طردهما من الفردوس. ثم أريته بعد ذلك كل مكر وقوة الشياطين التي أسرتنا بطاعتنا لإبليس الذي كان على رأس كل تمرد، وذكرت له رحمة الله نحونا في جوده إذ لم يسمح بأن تهلك خليقته التي لو كانت حفظت وصية الله لظلت غير فاسدة وغير خاضعة لآلام الطبيعة البشرية بعد خروجها من العدم وأخذت الحياة الأبدية.

ثم استطردت قائلًا: بعد الوصية الطبيعية أعطانا الله أيضًا الشريعة المكتوبة بواسطة موسى وأعان طبيعتنا أيضًا بواسطة أنبياء قديسين كثيرين. ولما رأى أن الجرح يحتاج إلى دواء أعظم زارنا كلمة الله الخالق بتجسده. نزل شمس البر المشرق من الأعالي إلينا نحن الجالسين في الظلمة وظلال الموت. حُبِلَ به من الروح القدس ومن مريم العذراء الطاهرة وولدته وهي عذراء. وكان ذلك البرهان الأول الذي أعطاه عن ألوهية ميلاده العجيب فائق الطبيعة بدون زرع بشر. أراد بعد ذلك أن ينتزعنا من قبضة الشيطان ذلك المتمرد الذي كنا سلمناه نفوسنا وقبل بإرادته الصليب من أجلنا. سلم جسده للموت فدية عنا وقام في اليوم الثالث بعد ما كسر قسوة إبليس والشياطين الأسرار أعوانه وكذلك شوكة الموت. وأقامنا معه وأظهر لنا الطريق الجديد للخلاص الذي يقود إلى السماء..... وأسس كنيسة واحدة جامعة على كل الأرض وعلمنا أن نتوب ونلجأ إليه بواسطة العماد الخلاصي الذي يرمز إلى القبر.

ولما قدمت أيضًا براهين أخرى كثيرة على ألوهية السيد المسيح والأناجيل مليئة بها، قلت لساويرس: "يلزم إذن يا صديقى أن يلجأ إليه كل الناس الأذكياء بواسطة العماد المحيي" فقال لى: "حسنًا تكلمت ولكن الآن يجب أن أقرر وأحدد خط سير. لأني ههنا أهتم بدراسة القوانين" فقلت له: "إذا كنت تريد أن تصدقني أو بالحري أن تصدق الكتب المقدسة وحكماء الكنيسة العالميين فاهرب أولًا من المناظر المخزية ومن سباق الخيول ومن المسارح التي تظهر فيها حيوانات نتصارع ضد فقراء بائسين. ثم احفظ جسدك طاهرًا وقدم كل يوم لله أن نتمم واجبات المساء في الكنائس المقدسة....." وعد ساويرس أن يفعل وأن يحافظ على ذلك وقال: "فقط لن تجعل مني راهبًا لأني طالب أدرس القانون وأهوى التعمق فيه" ثم قال: "والآن إذا كنت تريد شيئًا آخر فقل، وبما أنك تهتم أيضًا بالخلاص فسوف أعرض عليك شروعا به نتعلم البلاغة والفلسفة والكتب المقدسة واللاهوت دون أن يتعارض مع دراسة القوانين ودون أن يتطلب وقتًا كثيرًا".

قلت: "وما هو هذا المشروع؟ إذا كان من الممكن تنفيذه دون إهمال دراسة القوانين إذن نحصل على خيرات كثيرة وبالأخص في علم اللاهوت الذي هو سيد العلوم جميعها" قال: "اننا ندرس القوانين كما علمت طوال الأسبوع فيما عدا الأحد والسبت بعد الظهر، فيمكن بعد موافقتك أن نخصص هذا الوقت لدراسة كتب حكماء الكنيسة أثناسيوس الكبير وباسليوس واغريغوريوس ويوحنا وكيرلس..... الخ".

وابتدأنا عملنا بما كتبه الكنسيون المختلفون ضد الوثنين ثم قرأنا مؤلفات القديس باسيليوس ومقالاته ورسائله... ثم مؤلفات الثلاثة اغريغوريات اللاهوتيين ومؤلفات يوحنا وكيرلس الشهيرين.... وكنا نتردد على الكنيسة مساء كل يوم ومعنا صديقنا افاجريوس الذي كان قد تعلم في مدارس أنطاكية وكان يختلف إلى كنيسة أول الشهداء القديس اسطفانوس، وهذا كان يشتاق للرهبنة لكن والده أرغمه على الذهاب إلى فينيقية لكي يدرس القوانين في الوقت الذي ذهبت فيه أنا أيضًا. وفي نفس الوقت حضر صديقنا أليشع إلى بيروت لنفس السبب، وقد انضم الينا كثيرون أثناسيوس الذي من الرها وفيلبس الذي من بترا وأناطوليوس الإسكندري، كذلك زينودور وكان أصلًا من غزة واسطفانوس الفلسطيني الذي جاء فيما بعد أيضًا إلى بيروت.... وهكذا كنا مجموعة كبيرة اتفقنا في الرأي الواحد والعمل الواحد.

وحدث أن بعض طلاب الحقوق في بيروت اشتهروا جدًا بأعمال، السحر جورج التسالونيكي وخريسورياس من إحدى مدن آسيا واسكايبيودانوس من هليوبوليس وكان يسندهم يوحنا المشهور باسم (فولون) والذي كان أصلًا من طيبة في مصر وكانوا لا يفتأون من أن يخترعوا أمورًا شديدة..... وذاع خبر أنهم كانوا يتآمرون لكي يذبحوا أثناء الليل في السيرك عبدا اثيوبيا يملكه هذا الرجل الذي من طيبة في أعالي الصعيد - بهذه الجريمة المموتة كانوا يريدون أن يرضوا الشيطان..... اقتادوا ذلك العبد البائس وإلى السيرك في نصف الليل لتنفيذ غرضهم، لكن في الوقت الذي كانوا فيه مزمعين أن يصنعوا هذه الجريمة شفق الله على هذا العبد البائس ودبر أن أناسا يمرون من هذا المكان في ذلك الوقت ففزعوا من تجاسره الرديء، وهكذا وجد الأثيوبي فرصة للهروب والنجاة بحياته....

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

عماد القديس:

حدث في هذا الوقت أن أحد زملاء ساويرس أعطاه كتابًا من تأليف باسيليوس الكبير أسقف قيصرية الكبادوك نجم العالم أجمع. وكان باسيليوس في هذا الكتاب يرد على خطابات ليبانيوس الفيلسوف الأنطاكي.

فبعد أن قرأ ساويرس الكتاب، تألم بالروح لأنه علم ما هي الفلسفة الحقيقية حتى عرف فساد تعاليم كل الهرطقات وشرورها.

والواقع أن الحق يجذب إليه كل الذين يستحقونه أكثر من المغناطيس الذي يجذب إليه الحديد.

بعد ذلك ابتدأ يدرس الخطب الكبيرة لباسيليوس واغريغوريوس، وقرأ فيما قرأ الخطب التي ألقياها عن العماد.

وفي إحدى خطب القديس باسيليوس كان يهدد الذين لم يتعمدوا هكذا قائلًا: "أنت تتخلف، أنت تردد، أنت تتأخر منذ صباك وأنت تتعلم التعاليم المسيحية ولم تلتصق بعد بالحق. تتعلم كثيرًا ولم تبلغ بعد إلى المعرفة، تفتش في تجارب وتلاحظ امورا عن آخرين إلى أن تصير شيخا، متى تصير مسيحيا؟ متى تعترف بأنك منا؟ في العام الماضي كنت تنتظر هذه اللحظة والآن أيضًا تنتظر العام القادم. احترس إذن لئلا تفاجأ وأنت تصنع وعودا أطول من الحياة، فأنت لا تعرف ماذا سيجلبه الغد، فلا تعد بما ليس لك، فإننا ندعوك للحياة أيها الإنسان فلماذا تهرب من الدعوة؟ ندعوك إلى شركة الحياة فلماذا تفلت منك هذه الفرصة.....".

ومن ناحية أخرى قرأ في إحدى رسائل القديس اغريغوريوس ".....لكن هل تعيش في العالم وتتدنس بالأعمال العامة وتتألم لضياع رحمة الله؟". إن العلاج بسيط أهرب من الاجتماعات غير اللائقة واربط بنفسك ريش النسر، أو بعبارة أصح ريش اليمامة. ما هي الشركة بينك وبين قيصر أو أعمال قيصر؟ سوف تقف حيث لا توجد الخطية ولا يوجد السواد. حيث لا يوجد الثعبان الذي يلدغ في الطريق ويعوقك عن السير في طريق الرب. انزع روحك من هذا العالم. إهرب من سدوم إهرب من الحريق. اتخذ طريقك دون أن تنظر إلى الوراء خوفًا من أن تتحول إلى عمود ملح. أهرب على الجبل خوفًا من أن تهلك أنت أيضًا".

فلما سمع هذه الكلمات صار قلقًا للغاية لأنه لم يكن بعد قد أخذ العماد الإلهي حسب عادة بلده. وكانت هذه العادة متأصلة فيهم مثل قانون، وهي ألا يعمد أحد قبل نمو لحيته إلا إذا إضطره الموت.

وروى الأب زكريا أن صديقه إفاجريوس كان يؤنبه بشدة قائلًا: "لماذا يتأخر ساويرس هكذا عن أن يعتمد وبعد ما حصل على هذا العلم؟" وذكره إذا كان يهتم بخلاصه فيفعل بحيث ينال النعمة الإلهية فورا.

ويقول الأب زكريا:

"وبعد هذا الحديث ذهبت إلى ساويرس وابلغته بكلام التقى افاجريوس، فراقه حديثه وصمم على التنفيذ فورا وانطلق إلى كنيسة لاونديوس الشهير في طرابلس الشام حيث اعتمد وكان إفاجريوس أشبينًا له، وكان كاهن الكنيسة يُدعى القس ساويرس أيضًا.

وذهبنا أنا وايفاجريوس وأليشع وأناطولوس وزيئودور وآخرون مع ساويرس إلى كنيسة الشهيد لاونديوس.

ومن هذه اللحظة اقترب إلى الله بإيمان عظيم ومجد الناس الله بسببه.

وبعد اليوم السابع كان عليه أن يخلع الملابس البيضاء التي ترمز إلى النقاء والطهارة، حسب العادة وقتئذ.

اما الأب أثناسيوس(1) فقد روى عن قصة عماد القديس ما يلي: "ولما خرج القديس من مدينته كانت نعمة الله معه وكان هناك رجل متقدم في الروحيات قريب من تلك المدينة ويُدعى أليشع، فلما قرب إليه الأب ساويرس خرج المتوحد للقائه مسرعًا، ولما قرب منه قال له يا ساويرس يا ساويرس أفرح أفرح يا بطريرك، يا رئيس جميع الأساقفة. فلما دخل بيعة الشهيد ابتدأ يصلي ونام في وضع من البيعة وكان معه في تلك الليلة أربعة من أصدقائه تلاميذ الفلسفة، وقد صار أحدهم أسقفًا في وقت ما ثم خالف الأمانة المستقيمة ورده القديس ساويرس إليها بكتبه ورسائله.

هؤلاء الأربعة ترأوا في وقت واحد كأن لاونديوس الشهيد قائمًا أمامهم مثل أمير جبار، وكانت المنطقة التي يتمنطق بها مرصعة بالجواهر، ولما نظروا بهذا المنظر خافوا فقال لهم لا تخافوا..... وعندئذ غاب عنهم الشهيد الجليل.

وبالغداة قبل شروق الشمس دخل قس البيعة ودعاهم باسمائهم وقال تفرح يا ساويرس ويفرح الحكماء الذين معك أيضًا، أن الله سيخلص على يديك يا ساويرس نفوسا كثيرة وقد أنعم عليك بهؤلاء الثلاثة أصدقاء. وينبغي أن تنال المعمودية لتعمل بنعمة الله وتكون منبرا بالفضائل، ليس في الوصايا فقط بل وفي العلم أيضًا.... ثم قاموا وتبعوا القس واعتمدوا....

ولما قرب وقت الاعتراف بالأمانة ليدهنوا كما جرت العادة بالدهن الجليل، نظر كل القيام بإعلان يدا فوق المعمودية نازلة على رأس ساويرس، وسمع جميع الشعب صوت يقول مستحق مستحق مستحق، فتعجب الكل وقالوا ما رأينا قط لمن تعمد مثل هذه الآيات ولا مثل هذا الصوت الإلهي.... فلما اعتمدوا ولبسوا ثياب المعمودية المعدة لهم كعادة أهل الشام، وكان في ذلك الزمان لا يعتمد إلا من كان عمره 30 سنة إلا مرض قبل ذلك ويخاف عليه من الموت. فلما كملت لهم سبعة أيام بعد المعمودية انطلق كل واحد إلى سبيله".

بعد نوال ساويرس نعمة العماد تقدم في الروحيات جدًا على مثال أبيه الروحي فكان يصوم كل يوم ولا يقضي في الكنيسة وقت صلاة المساء فقط لكن يقضي فيها أيضًا معظم الليل حتى ضعف جسده، وفي نفس الوقت كان يتعمق في دراسة القانون..... ودرس الحقوق كأكثر ما يكون الدرس.

وانطلق بعدئذ إلى بلده واشتغل بالمحاماة زمانًا ثم قرر أن يمضي إلى أورشليم لزيارة الأماكن المقدسة وهناك أخذ يتعبد لله من كل قلبه وأخذت فكرة التكريس لخدمة الله تراوده بقوة وأخذ يفكر جديا في استبدال ثوب المحاماة بثوب الرهبنة المقدس.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) عن الحبشية الانجليزية وهن مخطوطة دير السريان وقسم 299 ميامر.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-of-antioch/youth-baptism.html

تقصير الرابط:
tak.la/9kybbfy