St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-of-antioch
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب البطريرك القديس أنبا ساويرس الأنطاكي - يوسف حبيب

7- الفصل الخامس: رهبنته

 

محتويات: (إظهار/إخفاء)

أ- رؤَى بشأن القديس
(1) رؤية ساويرس للشهيد لاونديوس عن رهبنته
(2) رؤيا أحد المتوحدين عنه

ب - رؤيا أخرى عن القديس
* رهبنة القديس
* ذهابه إلى دير الشهيد لاونديوس
* توحد القديس في صحراء ايلوتيروبليس
* انطلاقه إلى دير رومانوس الشهير
* رؤيا رومانوس
* رؤيا راهب عن الأب ساويرس
* رهبنة بعض أصدقاء أنبا ساويرس
* القديس ساويرس يشيد ديرًا قرب غزة

* أ- رؤَى بشأن القديس:

(1) رؤية ساويرس للشهيد لاونديوس عن رهبنته(1)

إنَّ القديس ساويرس بينما كان يقرأ في كتب الفلسفة ظهر له الشهيد لاونديوس وقال له: "حسبك هذه القراءة، هلم اتبعني لكي تتعمق في دراسة قوانين الله التي كان يقرأها الآباء حتى أيام نياحتهم، انهض يا ساويرس وأعد نفسك للعمل الجدى في الكنيسة واسلك في الرهبنة لتعرف الجهاد بقوة واحمل ترس الإيمان الذي به تقدر أنْ تطفئ جميع سهام الشرير الملتهبة وخذ خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله (أفسس 17،16:6)، وعند ذلك تطفئ نار الهراطقة وتقاوم الأرواح النجسة، إنَّك سوف تمضي إلى أنطاكية وتصرخ مثل أسد زائر وتهرب من أمام وجهك الجموع المقاومة للإيمان...

وعليك الآن بالاهتمام بدراسة كتابات القديسين باسيليوس وغريغوريوس ويوليانوس وأغناطيوس وأثناسيوس الرسولي والكسندروس وأبيفانيوس وكيرلس الحكيم وديسقورس العظيم "، وبعد أنْ خاطبه لاونديوس الشهيد بهذا الكلام انصرف عنه.

 

(2) رؤيا أحد المتوحدين عنه(2)

أ- ويهمنا أنْ نذكر الرؤيا الإلهية التي رآها أحد النساك بخصوصه في بيروت، وذلك أنَّ أحد المتوحدين الذي يسكن خارج المدينة وكان مشهورًا بعلمه للمستقبل وبنسكه، رآه في حلم ممسكًا " كوريكا " في يده وينظف نافورة مملوءة بالطين والنتن، وكان ساويرس قد أتى إليه لكي يُصلي، فعرفه حالما رآه بسبب الرؤيا التي كان قد رآها وقال للذين كانوا معه: "هذا سوف يصير عظيمًا بين الحكماء شهيرًا بين الأساقفة، سوف يُطهر الأرض من الهراطقة ".

 

ب - رؤيا أخرى عن القديس:

إنَّ الروح القدس أيضًا أعطى العلمانيين موهبة التنبؤ عنه فحينما كان لا يزال يتردد على مدرسة الإسكندرية حدث أنَّ رجلًا مشهورًا بين كل الناس بطهارة سيرته وقوة إيمانه وكرم طبعه ومحبته للعفة وللفقراء، وبالاختصار كان مسيحيًا بالعمل والحق وكان يدعى ميناس، هذا لما رأى ساويرس تعجب وقال لبعض أصدقائه: "هذا سوف يرتفع مثل السحاب فوق كل الأرض وسوف يتألق نوره بين الأساقفة وسوف يسقى جميع الناس مياه المعرفة مثل الكبير يوحنا ذهبي الفم بطريرك القسطنطينية...

وقد تأكدت هذه النبوات وغيرها التي قيلت بشأنه.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* رهبنة القديس:

قليلًا قليلًا رفعته النعمة الإلهية وارتقى في السيرة الطاهرة الملائكية وقرر العزم على الرهبنة والانطلاق إلى إحدى الديارات للإقامة فيها.

كان يُصلي إلى الله ليُعينه على خلاص نفسه وكان يداوم ليل نهار على ذلك كما كان يطالع الكتاب المقدس بلا انقطاع متذكرًا أنَّ مخلصنا لم يسمح لأحد تلاميذه أنْ يدفن أباه وقد دعا الذين يحيون للعالم أمواتًا لأنَّهم لا يشتركون في حياتهم الحقيقية، قرر أنْ يخرج من العالم واتخذ طريقه إلى دير الشهيد لاونديوس.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Saint Pope Severus of Antioch, modern Coptic icon, by Bedour Latif and Youssef Nassief. صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس الأنبا البابا ساويرس بطريرك أنطاكية، أيقونة قبطية حديثة، رسم بدور لطيف، ويوسف نصيف.

St-Takla.org Image: Saint Pope Severus of Antioch, modern Coptic icon, by Bedour Latif and Youssef Nassief.

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديس الأنبا البابا ساويرس بطريرك أنطاكية، أيقونة قبطية حديثة، رسم بدور لطيف، ويوسف نصيف.

* ذهابه إلى دير الشهيد لاونديوس:

انطلق إلى دير الشهيد لاونديوس بفلسطين -بالقرب من طرابلس الشام سنة 488 م- الذي كان مشتاقًا للخروج إليه خصوصًا بعد الرؤيا التي ظهرت له، كما انضم إليه في هذا الدير بعض أصدقائه ممَنْ كانوا يتعلمون معه الفلسفة، وسرعان ما تقدم في ميدان الحرب الروحية كما تقدم في القديم داود - كلاهما بيده سيف: داود بالمقلاع والحجر تمكن من ضرب الفلسطيني وقتله، وساويرس في شدة مقاومته للهراطقة، كان الله معه وبقوة رسالة الإنجيل قاوم اضطهاداتهم.

وهكذا ترك المحاماة واختار الأعمال الرهبانية والفلسفة الروحية، وكما كان متضلعًا في البيان وعلوم اللغة ومتبحرًا في الفقه والمحاماة، كان يتعمق في بحث الأسفار المقدسة ويمعن في التنقيب في كتب الآباء القديسين.

وبعد أنْ مكث زمانًا في دير الشهيد لاونديوس التهبت روحه واشتاقت نفسه للتوغل في حياة البر والقداسة فاختار طريق التوحد في الصحراء كما اختاره أعاظم القديسين - أولئك الذين سكنوا الجبال والمغائر وشقوق الأرض من أجل عِظَم محبتهم في السيد المسيح.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* توحد القديس في صحراء ايلوتيروبليس:

ذكرت النصوص اليونانية المتعلقة بالقديس في:

" Patrologia Orientalis, Tome III fasc. I&III "

والمترجمة للفرنسية عن توحده:

وأمَّا ساويرس فبعد أنْ احتمل بشجاعة الفلسفة الإلهية لمدة ما في دير الشهيد لاونديوس، اجتذبه حب الأماكن المقفرة وحياة التوحد التي أنشأها أنطونيوس الكبير (أو آخر يشبهه في الفضيلة) فترك مقر الحياة المشتركة وذهب إلى صحارى ايلوتيروبليس (Eleutheropolis) وكان يصحبه أثناسيوس الذي من الرها، والذي كانت له ذات الحمية وذات الحماس، وتحمل شظف العيش زمانًا قام فيه بأعمال تقوية للغاية وتقشف تقشفًا زائدًا، وأحب هذه الحياة الصعبة والشاقة وهي عنده من أجل السيد المسيح هينة ميسورة.

وروى القمص يوحنا رئيس دير أفتونيا عن توحده ونسكه قال:

" رغبة من القديس في النسك الزائد وفي الهدوء الذي هو باب التأمل ومنه نشاط الروح الذي به يرتبط الإنسان بالله، ترك ديره وانطلق إلى الصحراء القريبة من ايلوتيروبليس، وهناك حقق رغبته وتوسع في نسكه، وكان يُتعب جسده بالصوم والسهر ودراسة الكتب المقدسة وبالعمل حتى مرض، وكان شعلة حماس وغيرة حتى إبان مرضه وكان يكتب أقوالًا رسولية في شرح مستفيض، منها:

(أ) بقدر ما يفسد إنساننا الخارجي بقدر ما يتجدد الإنسان الداخلي.

(ب) المسيح هو حياتي والأفضل أنْ أموت.

(ح) حينما أكون ضعيفًا فحينئذ أكون قويًا.

(د) إنَّ الذين وجب عليهم أنْ يخوضوا الحرب يحتاجون أنْ يكونوا أقوياء وأصحاء، فكم يكون على الذين ليس عليهم أنْ يجاهدوا ضد الدم وضد الجسد فحسب، بل ضد الأرواح الشريرة أنْ يُقمعوا جسدهم لأنَّه يعمل أكثر من الشياطين ضد النفس، وهو سلاح في يد الشياطين ضد الروح إذا لم يُقمع ".

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* انطلاقه إلى دير رومانوس الشهير:

وبعد أنْ توحد في البرية فترة من الزمن ومارس تقشفات عنيفة هزل جسمه وانتابته الأمراض فمضى إلى دير رومانوس حيث مجمع الإخوة القديسين وهناك أخبر بواب الدير الآباء رومانوس وملخيلوس ويوحنا وقال لهم بالباب فيلسوف يُدعى ساويرس يريد أنْ يُقيم معكم، فلما سمع رومانوس اسم ساويرس الفيلسوف قام مسرعًا وكل مَنْ معه وخرجوا للقائه، وما أنْ وقع بصره عليه حتى ابتدره قائلًا:

" افرح يا راعي الأنفس ومدبر الأجساد، أنت دعامة للحق، أنت ايلياس الذي هدم صنم البعل... تقوّ يا ساويرس الرب معك... وأنَّ الذي أنت عبد له قد أظهر لي عملك وعلمك في هذه الليلة ومقدار كرامتك ".

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* رؤيا رومانوس

أمَّا رؤيا رومانوس فرأى كأنَّه في صحراء لا زرع فيها ولا حرث مملوءة شوكًا وحسكًا وما لبث أنْ رأى امرأة جميلة كانت دموعها تجري على خديها وحررها، وثيابها مهلهلة وممزقة وهي حزينة باكية، وبينما كان واقفًا كان اضطراب عظيم وسمع مَنْ يقول لرفيقه هوذا يأتي ساويرس ليقتلع الشوك من هذه الأرض ويقدس كرمًا للرب الصباؤوت وخاطبوا المرأة قائلين:

" لا تخافى أيَّتها المدينة أنطاكية هوذا سيأتي ساويرس رجل مستقيم وسيبني على أساس المجامع المقدسة ".

وسألت المرأة مَنْ كانوا يحدثونها ومتى يأتي ساويرس، قالوا لها إلى الآن لم تشبه خطايا مجمع خلقيدونية وسيأتي بعده.

هذه هي رؤية رومانوس وسيشرق ساويرس مثل الشمس فينير مصباح الإيمان الأرثوذكسى ويضيء علينا، ولن يضطرب من اضطهادات الحكام ولا يبالي بمجمع خلقيدونية وسيكون كل أضداده أمامه كلا شيء...

وكان المغبوط ساويرس حزين القلب لما يسمعه وقال لهم: "إنَّ كلامكم قد أقلقنى لأنَّ الإنسان يجب أنْ يحزن إذا أُكرم أكثر ممَّا يستحق وأنَّ الله عارف بذنوبى، إنِّي بائس أكثر من الكل، وقد ظهرت أمامكم هكذا بسبب المعمودية التي نلتها ولولا ذلك لما قدرتم أنْ تنظروا إليَّ لكثرة أعمالي الرديئة"(3).

" تعلمون أنَّه لم يولد إنسان في هذا العالم بلا خطية غير الكلمة الذي تجسد وصار إنسانًا لأنَّه هو الله وهو الإنسان معًا وهو واحد لا اثنيْن، فأمَّا أنا فرجل خاطئ أكثر من جميع الناس ".

فلما سمعوا كلام القديس المتواضع قبلوه بفرح كمَنْ وجد كنزًا في حقل...

واندمج الأب ساويرس في سلك الرهبنة ورأى عمل الأخوة وفرح جدًا وكان ينفرد للعبادة والصلاة.

أمَّا عن استقبال رئيس الدير رومانوس له فكان كما يستقبل الأب ابنًا عزيزًا وكما استقبل إيليا أليشع (1ملوك 19: 19-21)، وكما استقبل بولس تيموثاوس (أع 3:16) وابتدأ يرشده إلى العمل والصلاة، بيد أنَّه كان من الصعب على ساويرس أنْ يباشر عمل الرهبان المعتاد هناك لأنَّه كان رقيق الجسم... وكانت حياة الرهبنة وقتئذ صعبة، فكان الرهبان يقضون كل وقتهم تقريبًا في الصوم وينامون على الأرض ويسهرون طوال الليل ويصلون بمداومة ويواظبون على حضور القداسات، إلى جانب ذلك كان هناك العمل اليدوي ليعولوا أنفسهم ويساعدوا الفقراء، وكان كل منهم يتأمل في الكتب المقدسة، وكانت طهارتهم عظيمة.

كان ساويرس منهوك القوَى بسبب حياة الوحدة القاسية التي كان يحياها، فنصحه الإيغومانوس رومانوس رئيس الدير أنْ يخفف من نسكه وتقشفه ويهتم بجسده حتى يستطيع أنْ يمارس الفضائل وأقنعه باتباع هذه الطريقة.

وكان القديس ساويرس رغم مرضه يعمل باجتهاد حسب طاقته ولم يكن يحتقر العمل اليدوي بل يوجه إليه عنايته لكي يوفر الضرورى للفقراء والغرباء الذين يفدون إلى الدير، وكان ينصح الإخوة الرهبان بالمثابرة على العمل وأنْ يتشبهوا ببولس الرسول الذي كان يقول لتلاميذه إنَّ حاجاتى وحاجات الذين معي خدمتها هاتان اليدان.

كان يعمل ويخاطب ذاته وهو يعمل قائلًا: "ما أنت إلاَّ تراب وعما قليل سوف تسكن القبر، فدَع عنك الكسل فهو يؤدي بنفوس كثيرة إلى الجحيم، وجيد أنْ تكون نشطًا مجاهدًا لأجل السيد المسيح لكي ترث ملكوت السموات".

وكان ينمو كل يوم كما كان صموئيل النبي، كمثل شجر لبنان، وكان نشطًا في جميع أعماله، لم يهمل في أمر ما البتة، وكان محبوبًا جدًا من إخوة الدير حتى أنَّهم كانوا يدعونه الأب ساويرس.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* رؤيا راهب عن الأب ساويرس:

قيل أنَّه عندما كان الأب ساويرس في الدير مع الإخوة كان هناك راهب يثابر على فعل الخير في غير توانٍ ويقيم صلواته نهارًا وليلًا وكان قوي الحفظ، فبينما هو قائم يصلي مرة ظهر له ملاك الرب وقال له: "انظر إلى هذه الأرض وتأمل ساحة الدير ترَ ما فيه "، عندئذ رأى الراهب رجليْن يمشيان نحو ساويرس، لا يقدر أحد أنْ ينطق بكرامتهما وإشراق وجهيهما فكانت تلمع مثل الضوء الساطع، ورآهما يتحدثان مع ساويرس ويعلنان سر الأمانة الأرثوذكسية وكل كلمة قالاها كان ساويرس يقبلها باتضاع ويشكرهما لإرشادهما إيَّاه إلى الأمانة الأرثوذكسية.

هذا ما نظره الأخ الراهب وقد قال للملاك الذي أطلعه على هذه الرؤيا " يا سيدي. مَنْ هما هذان الحكيمان اللذان يخاطبان الأخ ساويرس وهو متضع لهما؟ " قال له الملاك: "إنَّ أحدهما هو باسيليوس الكبير والآخر هو إغريغوريوس الناطق بالإلهيات وأنَّهما يرشدان ساويرس إلى قواعد الإيمان لأنَّه سوف يكون حارسًا للإيمان المستقيم وبعد زمان يرعَى شعب عظيم في أنطاكية وفي المسكونة كلها... ".

وذاع صيته مثل سحابة في الشرق والغرب، وهذا شأن الفضيلة تتبعها الشهرة بأعمالها الجميلة، فكان كثيرون من رجال الدين والرهبان يعرضون عليه المسائل في تفسير الكتب والعقيدة، بخطابات أو بأنفسهم، وكان يعطي الجميع دون صعوبات الحل الذي يتفق وما يطلبون.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* رهبنة بعض أصدقاء أنبا ساويرس

ولما علم الكثيرون من أصدقاء القديس ساويرس بقصته، تركوا العالم ولحقوا بالدير ليتعلموا الفلسفة الإلهية، فقد ذُكر أنَّ ستة من زملاء القديس قد مضوا إلى الدير حيث لبسوا الرداء الرهباني واحتملوا أتعابًا كثيرة وأتقنوا الفضائل(4).

وذُكر أنَّ شابًا من قيصرية فلسطين يدعى بطرس من عائلة معروفة وكان ضليعًا في البلاغة والبيان، انطلق إلى الأب ساويرس راجيًا أنْ يقبله تحت طاعته ولكن ساويرس أشفق عليه ونصحه أنْ يعود إلى أهله، ولكن الشاب في تصميم كامل عزم على دخول الدير، فتعجب القديس ساويرس جدًا من قوة عزيمته وحماسه وتشاور بشأنه مع الآباء الرؤساء يوحنا الملقب بالكانوبى (نسبة إلى "أبو قير الحالية") وتيودور الكبير، ويوحنا الذي هرب من أنطاكية لكي لا يصبح فيها أسقفًا... فأوصاه هؤلاء(5) بأنْ لا يرفض النفوس التي قدمت ذواتها لله بهذا الفرح.

وليس هؤلاء فقط بل أقبل آخرون من مدن أخرى طالبين حَمْل نير الرهبنة، وهكذا ذاع صيت أنبا ساويرس في القداسة وجذب نفوسًا كثيرة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* القديس ساويرس يشيد ديرًا قرب غزة

بعد ما استقر زمانًا طويلًا في دير الشهيد رومانوس وبعد الإبلال من مرضه اشتاق إلى الهدوء الذي كان ينشده، ذلك هو الخير للرهبان، وإذ كان قد اقتسم مع أخوته ثروة والديه الكبيرة وزّع جزءًا منها على الفقراء وشيد بما تبقى ديرًا بالقرب من دير آبائه بجهة مايوما Maiouma قرب غزة - وبنَى قلالى لاستقبال الغرباء، وكان كثيرون يأتون إليه للاستفادة من تعاليمه ومن كلمات النعمة التي كان موهوبًا بها، وعاش كثيرون في طاعته، وممَّا لا شك فيه إنَّ كثيرين من أصدقائه انضموا إليه إذ جذبتهم سيرته الطاهرة وفصاحته النادرة وقد ذاعت في جميع بقاع فلسطين.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) من النسخة الحبشية الإنجليزية.

(2)  عن سيرة القديس للأب يوحنا القمص.

(3)  المخطوطة القبطية Paris Ms. Copte 129.

(4) Patr. Orientalis Tome II fasc. I & 98.

(5) ذكر كاتب سيرة القديس ساويرس القمص يوحنا من بيت أفتونيا عن هؤلاء ما يلي:

"سامحنى يا رجل الله دوماديوس إذا كنت أخرج هنا عن الموضوع قليلًا وإذا كنت أرغب في أنْ أروى القليل عن هؤلاء الرجال الجديرين بالإعجاب.

إنَّ تيودور كان قد ترك هذه الحياة قبل وصولى بوقت قليل، أمَّا يوحنا الأنطاكي فكان في مركز حرج للغاية، وقد عرفت أيضًا رؤساء الدير أليشع وإسطفانوس وفيلبس، وكانوا فصحاء متضلعين في العلوم، وقد امتازوا باهتمامهم بالحقوق، وفي هذا الوقت نالوا شرف الكهنوت، ومرض أحدهم وهو إسطفانوس مرضًا خطيرًا وترجَّى الأب يوحنا الكانوبى أنْ يصلي ليخلصه الرب من جسده، ليس ليأسه من الشفاء لكن لأنَّه كان متعجلًا في ذهابه إلى يسوع الذي يحبه، فحزن الشيخ جدًا لهذا الطلب وقال له إنَّ إخوته لا يزالون يحتاجون إلى وجوده ومساعدته لا سيما وأنَّهم كانوا في أشد الاضطهاد.

ولما كان يطلب إليه كثيرًا قال له يوحنا: "لماذا تتعجل أن تتركنا يا ولدى؟ " فرد عليه إسطفانوس: "إنَّه يليق أنْ أذهب وأكون مع المسيح". فقال له يوحنا مرة أخرى: "ألك حياة حسنة؟ أأنت مستعد للرحيل؟ ألا تخشى الذين يقابلون الأموات ويحاولون أنْ يأخذوهم؟" ولما أجاب إسطفانوس على كل الأسئلة بأنَّ له ثقة، كانت صلاة واحدة كافية لكي ينال الخلاص.

ولما استعلمنا بخصوص الأحداث الخاصة بتيودور العظيم، روى لنا الآباء الذين شاخوا روايات كثيرة، ولن أذكر منها سوى واحدة لكي لا أطيل الحديث كثيرًا.

في ذات يوم كان يمر بجانب قلاية أخ ناسك محب لله فاشتم رائحة لذيذة، فنادى في الحال هذا الأخ إليه وقال له: "لماذا تعطر هكذا قلايتك وتصنع مثل هذه الروائح التي لا تليق بسلوك الرهبان؟ "، ففي تواضع عظيم قال الأخ أنَّه أخطأ وانطرح على وجهه أمام رجلىْ القديس، أمَّا هذا فلم يتركه دون عقاب، ولكنه حكم عليه بأنْ يبقى أسبوعًا كاملًا دون طعام مع السهر طول الليل.

فأخذ الأخ هذا التأديب كأنَّه أمر أبوي، ولكن الله الذي يريد أنْ تبقى فضائل عبيده المستترة مجهولة، أعلن للشيخ سر هذه الرائحة الذكية، فأحضر من جديد الأخ إليه وأرغمه أنْ يقول له ما خبأه عنه، فردَّ الأخ: "لم أُعطر قلايتى أبدًا كما افتكرت أيها الأب المبجل، ولكن في وقت مرورك كان بطرس الكبير قد حضر إليَّ مادحًا أعمالي وأتعاب حياتي".

هذه إحدى الروايات العديدة التي يروونها عن تيودور الكبير، وأيضًا كان تواضع أليشع يفوق كل ما يمكن أنْ يقال، فالكلام فعلًا يقصر عن مدح مَنْ تزين بالتواضع.

رآه أحد الأتقياء مرة وتعجب من حلاوة طبعه فقال مشيرًا إليه أمام الحاضرين: "هذا هو آدم قبل الخطية".


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-of-antioch/monastic-life.html

تقصير الرابط:
tak.la/44wzpyv