| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
شهدت المرحلة الانتقالية ما بين المعركة التي قُتل فيها يهوذا واستعادة اليهودية لهدوئها واستقرارها: اضطرابات كثيرة وضيق وحصار وخيانة، فيما يشبه تلك الفترة التي بدأ فيها المكابيون في الشروع في تنظيم صفوفهم، وكان الفرق الوحيد هو أن الهيكل في المرة الثانية كان قد تطهّر واسُتئنفت العبادة فيه.

1 ولَمَّا سَمِعَ ديمِترِيوسُ بِأَنَّ نِكانورَ وجُيوشَه قد سَقَطوا في الحَرْب، عادَ فأَرسَلَ إِلى أَرضِ يَهوذا بَكَّيديسَ وأَلكيمُس، ومعَهما الجَناحُ الأَيمَن. 2 فسارا في طَريقِ الجَليل وعَسكَرا عِندَ مِشاكوتَ بِأَربيل، فٱستَولَيا علَيها وأَهلَكها نُفوسًا كَثيرة. 3 وفي الشَّهرِ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ المِئَةِ والثَّانِيَةِ والخَمْسين، عَسكَرا عِندَ أُورَشَليم، 4 ثُمَّ زَحَفا وٱنطَلَقا إِلى بِئرَ زَيت في عِشْرينَ أَلفَ راجِلٍ وأَلفَي فارِس. 5 وكانَ يَهوذا قد عَسكَرَ في الفاسة ومعَه ثَلاثَةُ آلافِ رَجُلٍ مُنتَخَبين. 6 فلَمَّا رَأَوا كَثرَةَ عَدَدِ الجُيوشِ خافوا خَوفًا شَديدًا، فجَعَلَ كَثيرونَ يَنسَلُّونَ مِنَ المُعَسكَر، ولَم يَبقَ مِنهم إِلاَّ ثَماني مِئَةِ رَجُل. 7 ورَأَى يَهوذا أَنَّ جَيشَه قدِ ٱنسَلَّ والحَربَ تُضايِقُه، فٱنكَسَرَ قَلبُه لأَنَّه لم يَبقَ لَه وَقتٌ لِجَمعِ رِجالِه، وٱستَرخَت عَزيمَتُه. 8 فقالَ لِمَن بَقِيَ معَه: «لِنَقُمْ ونَهجُمْ على خُصومِنا عَسى أَن نَقدِرَ على مُحارَبَتِهم». 9 فصَرَفوه عن عَزمِه قائِلينَ: «لَيسَ في طاقَتِنا اليَومَ إِلاَّ أَن نَنجُوَ بِنُفوسِنا ثُمَّ نَرجِعُ مع إِخوَتِنا ونُقاتِلُهم، فإِنَّنا عَدَدٌ قَليل». 10 فقالَ يَهوذا: «حاشَ لي أَن أَفعَلَ مِثلَ ذٰلك وأَهرُبَ مِنهم. وإِن كانَ قد دَنا أَجَلُنا، فلْنَموتَنَّ بِشَجاعةٍ عن إِخوَتِنا ولا نُبقِيَنَّ على مَجدِنا وَصمَةً».
11 وخَرَجَ جَيشُ العَدُوِّ مِنَ المُعَسكَر ووَقَفوا بإِزائِهم، وٱنقَسَمَتِ الفُرسانُ قِسمَين، وكانَ الرُّماةُ بِالمَقاليعِ والقِسِيِّ يَتَقَدَّمونَ الجَيش، وكانَت مُقَدِّمَةُ الجَيشِ كُلُّها مِن ذَوي البأس. 12 وكانَ بَكِّيديسُ في الجَناحِ الأَيمَن، وتَقَدَّمَتِ الفِرقَةُ مِنَ الجانِبَينِ وهَتَفوا بِالأَبْواق. ونَفَخَ رِجالُ يَهوذا أَيضًا في الأَبْواق، 13 فٱرتَجَّتِ الأَرضُ مِن جَلَبَةِ العَسكَرَين، وٱلتَحَمَ القِتالُ مِنَ الصُّبحِ إِلى المَساء. 14 ورَأَى يَهوذا أَنَّ بَكِّيديسَ وقُوَّةَ الجَيشِ في الجَناحِ الأَيمَن، وٱجتَمَعَ حَولَ يَهوذا كُلُّ ذي قَلبٍ ثابِت. 15 فكَسَروا الجَناحَ الأَيمَنَ وتَعَقَّبوا إِثرَهم إِلى جَبَلِ حاصورا. 16 فلَمَّا رأَى رِجالُ الجَناحِ الأَيسَرِ ٱنكِسارَ الجَناحِ الأَيمَن، اِنقَلَبوا على آثارِ يَهوذا ومَن معَه. 17 فٱشتَدَّ القِتالُ وسَقَطَ قَتْلى كَثيرونَ مِنَ الفَريقَين. 18 وسَقَطَ يَهوذا وهَرَبَ الباقون.
على الرغم من تحذير الرومان لديمتريوس من التعرض لليهود، إلا أن ذلك قد جعل ديمتريوس يحنق على اليهود، بسبب المعاهدة التي أبرموها مع الرومان، والتي سيتضح لنا أنها لم تُجد اليهود نفعًا!! فقد واصل السلوقيون الضغط على اليهود، حيث تحرّك ديمتريوس الملك بسرعة مذهلة للانتقام من اليهود عقب هزيمة الجيش ومقتل نكانور في أورشليم، فبينما حدث ذلك في 13 مارس (أذار) سنة 151 سلوقية (وهو يوازي 28 أذار سنة 160 ق.م.) فإن جيش السلوقيين بقيادة بكيديس يصحبهم ألكميس وصل إلى أورشليم في الشهر الأول من السنة التالية: نيسان (أبريل / مايو) سنة 152 سلوقية (أي 160 ق.م) أي خلال مدة لا تزيد عن شهر (وفي أكثر تقدير شهران، إذا كان هناك فرق شهرًا في التقويم) إن هذا يعني أن وصول أخبار الهزيمة إلى الملك في أنطاكية ثم تجهيز جيش جديد وبدء الزحف جنوبًا إلى الجليل، قد استغرق عدة اسابيع فقط.
أما ذلك الجيش والذي يوصف هنا بأنه "الجناح الأيمن" فهو ما يشبه عندنا في مصر "الجيش الثاني" أو الجيش الثالث أو الفرقة كذا في بعض الأنظمة العسكرية الأخرى، فقد انحدر من الشمال نحو أورشليم من جهة الجليل، والتي تأتي في بعض النسخ "الجلجال"(1). وكانت المحطة الأولى لهم والتي كانت بمثابة اختبار لقوة اليهود هي قرية مشاكوت في أربيل. وبحسب ما قاله يوسيفوس، فإن بكيديس جاء من الشمال: " خرج من أنطاكية "(2).

مشاكوت Masaloth , Mesaloth، وهي موقع غير معروف بالقرب من أربيل، ويظن العالم روبنسون أن كلمة مشاكوت قد تكون هي الكلمة العبرية التي تعني درجات السلم أو الطوابق أو شرفات، مما يحتمل معه أنها تشير إلى الحصن الموجود في المنطقة، أو المنحدر النازل من الكهوف هناك. وربما كانت صدى للكلمة العبرية mesillah الواردة في (إشعياء 11: 16) بمعنى "طريق رئيسي". وفي سفر أخبار الأيام الأول (26: 18) والثاني (9: 11) تترجم بكلمة anabaseis ومعناها (درج السلم). جاء المكان في اليوناني: Μεσσαλυθ εν Αρβηλοις وهذا المكان لم يذكره يوسيفوس ومن الصعب تحديده، ويرى الرابي كاهانا أنه مكان صغير بجانب أربيل قرب الشاطئ الغربي لبحيرة كنارة، والرابي نتاي الأربيلي كان من هناك وهو مذكور في المشنا (أبوت 1: 8) وهو معاصر للمكابيين.

أربيل: Arbela (أربيلا): وهي بيت أربئيل التي اقتحم حصونها شلمان (هوشع 10: 14) وربما كانت أول موضع يستولى عليه الأشوريين في الجليل، وتسمى أحيانا "أرباليس" ومكانها "أربد" أو "خربة أربد" وهي غير بعيدة عن الشاطئ الغربي لبحر الجليل، وقرب " قرون حطين" حيث اشتبك هناك صلاح الدين الأيوبى مع الصليبيين سنة 1187م. وربما يشير الاسم أربيلا إلى مجموعة من المغائر المستطيلة والمحصنة بحوائط سميكة، حيث استخدمت من قبل اليهود اللاجئين واللصوص والمتمردين، وتقع هذه المغائر في الجليل الأسفل بقرب بحيرة جنيسارت، ويشير يوسيفوس إلى أن تلك الكهوف والتي تقع في المنحدر، كانت تشكل الحائط الجنوبي للغور العظيم، وفي " وادي الحمام" والذي يتصل بسهل جنيسارت غربي قرية "المجدل"، وقد عاصر هو نفسه مقاومة اليهود لهيرودس بعد ذلك عندما عصف بهذه المغائر في خريف عام 39 ق.م. ليطرد اللصوص والثائرين من داخلها، وقد عاد فحصّنها من جديد عندما أقام معاهدة مع يهود الجليل.
وقد حاصر بكيديس المنطقة وأسر من كانوا مختبئين في الكهوف، لأن كثيرًا من الشعب هربوا ليختبؤا فيها من وجهه. وتسمى حاليًا "حزبة أربد" وتقع على مسافة 4 كم غرب الجليل، وقد اكتشف حديثًا هناك معبدًا يهوديًا يرجع إلى القرن الثالث الميلادي مما يعكس أهمية المكان بالجليل، وربما يكون السيد المسيح قد زاره وهو في طريقه من كفر ناحوم إلى الناصرة، وذلك أثناء كرازته في الجليل.
فإذا ما اعتبرنا أن بكيديس قد عبر بسهل يرزعيل قادمًا من أنطاكية، فقد سار في الطريق جنوبًا حتى السامرة وبذلك تكون جلجالا (أو جلجيليا) على مسافة 8 كم شمال بيت لحم، وتكون مشاكوت هي " المسلة" على مسافة ثلاثة كيلومترات إلى الجنوب الشرقي من "دوثان" ويذكر العالم "أونوم" أن "أربيلا" تقع في السهل العظيم على بعد تسعة أميال من " لجون" ولكنه لا يعرف مكانها بدقة الآن(3).
وبعد أن قتل بكيديس البعض هناك وأسر البعض الآخر من المختبئين، غادر المكان ومعه ألكيمس ليعسكر من جديد في أورشليم قبل أن يزحف بثقة وبقسم من الجيش وليس كله، حتى وصل إلى "بئر زيت".

بئر زيت Berea: أو بئروت حسبما ترد في النص اليوناني وتاريخ يوسيفوس، أو "بئيروت" . جاءت بئر زيت في النص العبري "بيرا"، وفي الآرامية "بيرات" وهكذا وردت في مخطوطة "saint - Germain": Bereth. وكتب يوسيفوس: " عسكر يهوذا بجانب إحدى القرى واسمها Ζηθος (زيت) . ووردت في بعض النسخ ب (بئر الزيت) وباليونانية: Βιρζηθος أو Βηροζθος. اُنظر خريطة رقم (11).
وتعني في العبرية: "آبار" بينما يرى العالم "أبل Abel " أنه يجب قراءتها " Bereth بيريث" وأما الكلمة " بير زيت Berzetha " فتعني بئر الزيت أو بئر الزيتون. وهي قرية تقع على مسافة 16 كم شمال أورشليم بجوار "رام الله" على الطريق المؤدى إلى نابلس (السامرة)، وهي في الأصل مدينة " للحويين" (يشوع 9: 7-20) ثم صارت بعد التقسيم من نصيب بنيامين، وبالرغم من أن يوسابيوس المؤرخ يضعها تحت اسم "جبعون" (على مسافة سبعة أميال رومانية من أورشليم على الطريق من عمواس إلى نيكوبوليس) إلا أنه من المرجح أنها تقع إلى الشمال الغربي من جبعون، وهي الآن قرية "البيرة" أو "البيرى" على مسافة ثمانية أميال إلى الشمال من أورشليم، على الطريق الرئيسي.
هناك عسكر بكيديس بجيشه الضخم متحفزًا متربصًا وذلك في الشهر الأول من سنة 152 سلوقية، (وهو الشهر الذي يمتد من 13 ابريل إلى 11 مايو من سنة 160 ق.م.) وأما يهوذا فكان قد عسكر في الفاسة Elasa: وهي قرية صغيرة بالقرب من بيت حورون تسمى الآن "خربة الآشي" أو "العشي"، وكان جيش اليهود متواضعًا: عدة وعددًا، ليدخل بعد قليل معركة غير متكافئة، فقد وقع الرعب في قلوب جنوده وأحسوا بأنه لا جدوى من الحرب ولا طاقة لهم بها ولا طائل من ورائها سوى هلاك وشيك، وقد رأى الجميع أن ينسحبوا حتى يعيدوا تنظيم الجيوش، غير أن يهوذا رفض الاقتراح. ولكن معنويات جنوده هبطت ورغم هبوط معنوياته هو الآخر، إلا أنه قرر الاشتباك مع السلوقيين بنفر قليل لا يتجاوز ثمانمائة رجلًا مع جيش نظامى مجهز لا يقل عن عشرة آلاف (قسم من القوة الكلية التي حضرت من أنطاكية) ولما حاول أولئك الجنود اليهود المخلصين - الذين آثروا البقاء معه - صرف عزمه عن الحرب رفض بشدة مفضلًا أن يموت رجلًا عن أن يتخاذل " فلنموتن بشجاعة عن أخوتنا ولا نبقين على مجدنا وصمة".
ولا شك أنه كان لخوفهم دور في الهزيمة "هكذا قال الرب لكم لا تخافوا ولا ترتاعوا بسبب هذا الجمهور الكثير لأن الحرب ليست لكم بل لله" (أخبار الأيام ثان 20: 15 راجع أيضًا 32: 7) وأما يهوذا نفسه فإن بعض الشراح يرون أنه رفض الهروب إيمانا بأن الله سوف يخلصه هو وشعبه، وهناك نبوءة في سفر أخنوخ (كتاب أبوكريفي) تفيد هذا المعنى، حيث شبه السلوقيين بالغربان واليهود بالحملان التي عانت كثيرا ثم نبت قرن كبير لأحد الخراف (يقصد يهوذا) وأراد الأعداء اقتلاع قرنه ولم يفلحوا وفي النهاية سقط الأعداء وانغلقت عليهم الأرض، وأعطى سيف كبير للخراف فهرب الجميع من أمامهم(كتاب أخنوخ 90: 9 - 36)(4).
وكان يهوذا محقًا في ثباته وشجاعته فليس المهم أن يبقى هو حيًا ولكن أن يحصل الشعب على حريته وأن يكون مثالًا لبقية الجنود في الاقدام والاستخفاف بالموت. وبينما كان أخوة يهوذا من بين الذين نصحوه بالهرب، فإن آخرين حفّزوه على القتال اعتمادا على النبوات.
ونلاحظ هنا أن عظة المعركة قصيرة ومختلفة (آية 10)، فهي مجرد كلمات قليلة تنبئ بما سيحدث وتعكس اهتزازا في ثقته بالنصر (قارن وصية متتيا أبوه) (2: 49- 68) وعظمته هو في معارك سابقة (3: 18-22؛ 4: 8 - 11). اُنظر خريطة رقم (11).

المقاليع: يعدّ المقلاع من الأسلحة الهجومية الخفيفة، وهو عبارة عن شريط من الجلد (أو الحبل) عريض من منتصفه وهو الجزء المسمى "كفة المقلاع" والتي يوضع بها الحجر، ثم يقوم المهاجم بالإمساك بطرفى الشريط ثم يديره بقوة فوق رأسه وما ان يأخذ سرعته حتى يسمح بانفلات أحد الطرفين لينطلق الحجر في اتجاه الهدف، وقد استخدم داود النبي هذا السلاح في قتل جليات، كما يحدثنا سفر القضاة عن رجال من بنيامين عسر (يستخدمون اليد الشمال) يرمون بالقلاع على الشعرة ولا يخطئون (قضاة 20: 16).

القسّي: جمع قوس وهو أداة هجوم شهيرة، والقوس عبارة عن نصف دائرة من الخشب المرن القوى (مثل الخيزران) به ثقب في منتصفه وله وتر يصل بين الطرفين، يثبّت السهم من نهايته في منتصف الوتر بينما رأسه يطلّ من فتحة الخشب، ويقوم المهاجم بسحب السهم قدر المستطاع إلى الخلف فينضغط القوس جدًا وما أن يفلت السهم حتى ينطلق بقوة تجاه الهدف، من جراء عودة الخشب إلى وضعه. وقد تطور استخدام السهام بعد ذلك عندما صممت سهام ذو رؤوس مسممة تقتل حالما تجرح، ثم اخترعت دواليب بها فتحات كثيرة في واجهتها تثبت فيها رؤوس السهام لتطلق على الأعداء بكميات وافرة دون أن يقدر الأعداء على اصطياد الرماه نظرًا لاحتمائهم داخل الدولاب، والذي يتحرك معهم في المعركة بواسطة عجلات. وتعد البندقية هي التطوير الرائع لفكرة القوس والسهم.

قسم السلوقيون جيشهم إلى قسمين وذلك رغبة منهم في التكتيك العسكري حتى يمكنهم إرباك اليهود، هذا وقد استخدم تعبيرا "الجناح الأيمن" و" الجناح الأيسر" كتعبيرات قياسية من قبل المؤرّخين اليونانيين والرومانيين في وصف خطوط المعركة، ويدل تعبير الجناح الأيمن في (آية 1) على وحدة قتالية قوامها نصف كتيبة في الغالب، وهي ما يعدل الآن "سلاح المشاه" وهو العمود الفقرى للجيوش في ذلك الوقت(5). ومن الآيات (12- 16) يمكن استنتاج أن الجناح الأيمن كان يشكل نصف مشاة بكيديس، وفي (الآية 4) نعلم أن بكيديس كان لديه عشرين ألف جندي مشاة، وهكذا يمكن استنتاج أن الكتيبة المقدونية سنة 160 ق.م. كانت بنفس قوام الكتيبة في سنة 166 ق.م. وفي سنة 161/160 ق.م. هزم ديمتريوس الأول القائد الثائر " تيماركوس" بحيث أصبح ممكنًا استخدام هذه الوحدة المهمة كجناح أيمن ضد يهوذا المكابي.
وقد وقع يهوذا في نفس الفخ القديم، فالجناح الأيمن للعدو ينسحب وبينما يهرول جنود اليهود مطاردين إياه، إذا بالأيسر يطوقهم، ورغم يوم كامل من القتال بين الفريقين وهو أمر مذهل في الواقع، إذ كيف تسنّى لليهود الصمود يومًا كاملًا بعددهم الصغير هذا، بل ويصطادون الكثيرين من جنود الأعداء، ولكنه وبعد تلك المقاومة العنيفة مُنِيَ اليهود بهزيمة كبيرة عند جبل حاصور.

جبل حاصور: ويرد في ترجمة الفولجاتا "جبل أشدود" وفي النص اليوناني the mountain Azotus وجبل أشدود يقع في السهل البحرى، وربما يكون قد حدث خلط بين (asdod وهي أشدود) وبين (asedot) ومعناها "المنحدرات الجبلية" (6) وبحسب تاريخ يوسيفوس " أزدود" سهل عند أشدود، هكذا يقصد النص أن بكيديس تبعهم في المنحدرات عند سهل أشدود. هذا وتأتي الكلمة بمعنى "المنحدرات" أو " أماكن تجمّع المياه" مرتان في سفر يشوع (يشوع 10: 40 و12: 8). وتقع رام الله وبيرة عند أعلى نقطة في الطريق من أورشليم، بينما الطرق والمناطق المحيطة بها مباشرة كلها تنحدر إلى أسفل حتى يعبر الطريق وادي الدم جنوب غرب (خربة الرحا) وبعد ذلك يتجه الطريق إلى أعلى في معظم أجزائه حتى يمر على "جبل سكوبس" ويدخل أورشليم، فإذا كانت الأرض شرق وغرب وشمال رام الله وعرة جدًا، فإنه لا يمكن لفلول قوات بكيديس الهرب بسهولة إلا جنوبا نحو قلعة عكرة (أكرا) رجع (آية 15). اُنظر خريطة رقم (11).
أخيرًا سقط يهوذا جبار البأس وأشهر المحاربين اليهود في التاريخ بعد داود النبي، ويذكّرنا الآيتين (17، 18) هنا، بما ورد عن مقتل شاول الملك في حربه مع الفلسطينيين من حيث الصيغة الكتابية، راجع (صموئيل ثان 1: 4) ولكن الروح القتالية المقرونة بالغيرة المقدسة ظلت في دماء الحشمونيين والمكابيين عشرات السنين بعد ذلك.
← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

19 فحَمَلَ يوناتانُ وسِمْعانُ يَهوذا أَخاهُما ودَفَناه في قَبرِ آبائِه في مُودَين. 20 فبَكاه كُلُّ شَعبِ إِسْرائيلَ بُكاءً شَديدًا ولَطَموا علَيه وناحوا أَيَّامًا كَثيرةً وقالوا: 21 «كَيفَ سَقَطَ البَطَلُ مُخَلِّصُ إِسْرائيل؟» 22 وبَقِيَّةُ أَخْبارِ يَهوذا وحُروبُه والمآثِرُ الَّتي قامَ بها وعَظائِمُه لم تُكتَبْ، لأَنَّها كَثيرةٌ جِدًّا.
رغم هزيمة اليهود المؤلمة في هذه المعركة، إلا أن بقاء الهيكل طاهرًا، هو ما جعل هذه الهزيمة مخفّفة بحيث يمكن اعتبارها بمثابة جولة في سلسلة صراعات اليهود مع أعدائهم، وسوف نرى كيف استعاد اليهود قوتهم سريعًا ليهزموا ديمتريوس الملك ذاته.
ولكن الخسارة الحقيقية كانت في فقد يهوذا المكابي نفسه، والذي يعد في الواقع من أعظم المحاربين في التاريخ، ويأتي في العهد القديم بعد داود النبي ليس بسبب قدراته القتالية فحسب وانما لما فيه من خصال وفضائل أعطته تميّزًا أكثر، لقد كانت خسارة اليهود فيه فادحة، ولذلك فهو يستحق كل هذه المناحة والدموع، وتذكرنا عبارة "كيف سقط البطل" بـ"نشيد القوس" الذي نظمه داود النبي في رثائه ليوناتان وشاول بعد مقتلهم في جبل جلبوع، وكان تعبير "كيف سقط الجبابرة وبادت آلات الحرب" بمثابة "قرا" في النشيد، ومع الوقت صار التعبير يُستخدم بين اليهود عند رثاء أبطالهم.
ولكن كيف حصل كل من سمعان ويوناتان على جسد يهوذا بعد أن تبعثرت قواتهم، وكيف استطاعوا كذلك القيام بمراسم الجنازة المطولة في مودين دون أن يتعرض لهم أحد، يقول يوسيفوس أن يوناتان وسمعان حصلا على الجسد في ظل هدنة، وذلك طبقًا لقواعد الحرب عند اليونانيين والتي تقضي بإمكانية حصول المهزومين على جثث القتلى، غير أن الجنود المكابيين لم يكونوا مجرد أعداء عاديين وإنما متمردين قتلوا جنود نكانور ومثلوا بجثته هو، وبالتالي من الصعب تطبيق تلك القواعد الحربية معهم وبالأحرى أن يسمح بكيديس بمراسم حداد مطولة في "مودين".
ويستنتج العالم " أبل Abel" أن يوناتان وسمعان قد حصلا على جسد يهوذا والتصريح كذلك بالجنازة، مقابل وعد بالكفّ عن مقاومة ألكيمس رئيس الكهنة، ومن المحتمل أيضًا أن يكون هناك نصّ مفصل لتلك الهدنة في تاريخ ياسون المطول(7).

وُتشير (الآية 22): إلى وجود كتب تاريخ مساعدة، على غرار تلك المذكورة في قصص ملوك إسرائيل ويهوذا، أي كتابة سيرة أسرة حاكمة، راجع (ملوك أول 11: 41 إلخ.) وأما بالنسبة ليهوذا المكابي فقد كانت حياته وأعماله وانجازاته العسكرية والسياسية أكثر من أن يحويها كتاب أو يحصيها مؤرخ(8).

23 وكانَ بَعدَ وَفاةِ يَهوذا أَنَّ الأَشرارَ ظَهَروا في جَميعِ أَراضي إِسْرائيل، وأَنَّ فَعَلَةَ الإِثْمِ رَفَعوا رُؤُوسَهم. 24 وفي تِلكَ الأَيَّامِ حَدَثَت مَجاعةٌ شَديدةٌ جِدًّا، فٱنضَمَّتِ البِلادُ إِلَيهم. 25 فٱختارَ بِكِّيديسُ الكَفَرَةَ مِنهم وأَقامَهم رُؤَساءَ على البِلاد. 26 فكانوا يَبحَثونَ عن أَصدِقاءِ يَهوذا ويَقتَفونَ أَثَرَهم ويأتونَ بِهم إِلى بَكِّيديس، فيُعاقِبُهم ويَستَهزِئُ بِهم. 27 فحَلَّ بإِسْرائيلَ ضيقٌ شَديدٌ لم يَحدُثْ مِثلُه مُنذُ لم يَظهَرْ فيهم نَبِيّ. 28 فٱجتَمَعَ كُلُّ أَصدِقاءِ يَهوذا وقالوا لِيوناتان: 29 «مُنذُ وَفاةِ يَهوذا أَخيكَ، لم يَقُمْ لَه مَثيلٌ يَخرُجُ على الأَعداءِ وعلى بَكِّيديسَ والمُبغِضينَ لأُمَّتِنا. 30 فنَحنَ نَخْتارُكَ اليَومَ رَئيسًا لَنا وقائِدًا مَكانَه تُحارِبُ حَربَنا». 31 فقَبِلَ يوناتانُ القِيادَةَ في ذٰلك الوَقْتِ وحَلَّ مَحَلَّ يَهوذا أَخيه.
كان موت يهوذا المكابي ضربة قاسمة لقضية الأمة بعد أن قضى إحدى عشر سنة حاكمًا لليهود، وبموته رفع الضغط عن اليهود المتأغرقين والموالين للسلوقيين، والذين كانوا يتوارون في الظل أكثر الوقت خوفًا من انتقام يهوذا أو تبكيته، لا سيما وأنه لم يقم سريعًا من يحل محله في تأديب الخونة، ومن ثم بدأوا في حياكة المؤامرات من جديد، وأما بكيديس القائد السلوقي يعاونه ألكميس، فقد استغلا ذلك إضافة إلى المجاعة التي حدثت في اليهودية، حتى يستقطبا الشعب المحتاج إلى القوت بحيث يشترون انضمامهم لهم بالخبز!.
وقد أوقعت المجاعة الشعب اليهودي تحت سلطان ورحمة السلوقيين، أو بمعنى أدق تحت حكم ألكيمس وأتباعه الأشرار، ورضخ اليهود هناك للحكم المحلى لهم " فانضمت (فتخاذلت) البلاد اليهم" ويذكّرنا ذلك بما ورد في سفر هوشع عندما أخطأ الشعب إلى الله، إذ قيل "لا يطعمهم البيدر والمعصرة ويكذب عليهم المسطار" (هوشع 9: 2) ويرد كذلك في سفر حبقوق: " فمع أنه لا يزهر التين ولا يكون حمل في الكروم يكذب عمل الزيتونة والحقول لا تصنع طعامًا. ينقطع الغنم من الحظيرة ولا بقر في المزاود" (حبقوق 3: 17).
وقد قرر بكيديس تعيين رؤساء محليين للشعب من بين أولئك الموالين له، كمكافأة لهم أولًا، ثم ليضمن خضوع الشعب له من خلالهم، وكذلك لكي يسلموا له جيوب المقاومة الصغيرة التي تبقت من جيش يهوذا المكابي، خشية أن يعيدوا تنظيم صفوفهم من جديد ويخوضوا حربًا ضد السلوقيين، وقد سمى اتباع بكيديس من اليهود بـ:مبغضين الأمة (مبغضين أمتنا / آية 29)(9).
ولقد وقع كثيرين بالفعل بين أيدي بكيديس والذي شفى غليله منهم، سواء بالسخرية أو التعذيب أو السجن والقتل، وقد أسهم في ذلك عدم وجود قائد بعد يهوذا يجمع كلمة الشعب ويسوسهم ويقضى حاجاتهم ويتكلم نيابة عنهم، مما ألحق الضيق والمرارة بالشعب والذي لم يكن يسترح إلا قليلًا حتّى يبدأ في حلقة حديدة من المعاناة. ويرى اليهود أن مثل هذا الضيق لم يحدث لهم إلا بعد اختفاء النبي من بينهم (آية 27) ولعلّهم يقصدون بذلك وجود قائد روحي مُلهِم، فقد كان النبي بمفهومه الكامل قد اختفى منذ قرون، من هنا كان من الضروري تعيين بديل ليهوذا، فقام أصدقاءه باختيار يوناتان المكابي شقيقه، إذ لم يكن هناك انتقال تلقائى للسلطة.

رئيسًا وقائدًا: بينما يُوصف يهوذا بأنه " قائد" فقط، فإن يوناتان هنا يكتسب وبطريقة شرعية لقبين للسلطة السياسية للحشمونيين، وفيما بعد استخدمت النصوص اليونانية كلمة "ستراتيجوسstrategos " والتي تعني قائد، لوصف الرؤساء الحشمونيين المعتمدون من الملك السلوقي، ونقرأ في (10: 65) أن "الإسكندر بالاس" منح يوناتان لقب " قائد وحاكم"، ونجد صدى لهذا اللقب المزدوج في (خروج 2: 14) حين تساءل الرجل المصري مستنكرًا تدخل موسى: "من جعلك رئيسًا وقاضيًا علينا؟". هذا ويأتي اختيار يوناتان صدى لما كان يحدث في عصر القضاه (قضاه 10: 18 و11: 8 - 11) .هذا وتأتي في اليونانية την ηγησιν وبالسريانية (مدبرانا) والتي تعني "قائد".
وبينما تميّز يهوذا المكابي بأنه كان تقيًا غير أنانى، لا اتمام له سوى خلاص شعبه ورفعتهم، تميّز يوناتان بدبلوماسيته واقدامه في ذلك، ولا شك أنه استفاد كثيرًا من يهوذا، مما جعله قائدا ماهرا، وهكذا كان لكل القادة المكابيين مواهبه التي استثمرها الله لخير شعبهم.

32 فعَلِمَ بَكِّيديسُ بِالأَمرِ فحاوَلَ أَن يَقتُلَ يوناتان. 33 وبَلَغَ ذٰلك يوناتانَ وَسِمْعانَ أَخاه وجَميعَ مَن معَه، فهَرَبوا إِلى بَرِّيَّةِ تَقوع وعَسكَروا عِندَ ماءِ جُبِّ أَسْفار. 34 (فعَلِمَ بَكِّيديسُ يَومَ السَّبْتِ فزَحَفَ هو أَيضًا بِكُلِّ جَيشِه إِلى عبرِ الأُردُنّ). 35 وأَرسَلَ يوناتانُ أَخاه قائِدَ الجُنودِ يَسأَلُ النَّبَطِيِّينَ أَصدِقاءَه أَن يسمَحوا بإِيداعِهم أَمتِعَتَه الوافِرَة. 36 لٰكِنَّ بَني يَمْري الَّذينَ مِن ميدابا خَرَجوا وقَبَضوا على يُوحَنَّا وجَميعِ ما معَه وذَهَبوا بِكُلِّ ذٰلك. 37 وبَعدَ هٰذه الأُمور، أُخبِرَ يوناتانُ وسِمْعانُ أَخوه أَنَّ بَني يَمْري يُقيمونَ عُرسًا عَظيمًا ويَزُفُّونَ العَروسَ مِن نَبطَة بِٱحتِفالٍ عَظيم، وهي ٱبنَةُ بَعضِ عُظَمَاءِ كَنْعان. 38 فذَكَروا دَمَ يُوحَنَّا أَخيهم وصَعِدوا وٱختَبَأُوا في مُنعَطَفِ الجَبَل. 39 ثُمَّ رَفَعوا أَبْصارَهم ونَظَروا، فإِذا بِجَلَبَةٍ وجَهازٍ كَثير، والعَريسُ وأَصدِقاؤُه وإِخوَتُه خارِجونَ لِلِقاءِ المَوكِبِ بِالدُّفوفِ وآلاتِ الطَّرَبِ وأَسلِحَةٍ كَثيرة. 40 فخَرَجَ رِجالُ يوناتانَ مِن مَكمَنِهم وٱنقَضُّوا علَيهم وقَتَلوهم، فسَقَطَ قَتْلى كَثيرونَ وهَرَبَ الباقونَ إِلى الجَبَل، فأَخَذوا كُلَّ أَسْلابِهم. 41 وتَحَوَّلَ العُرسُ إِلى مَناحة وصَوتُ آلاتِ طَرَبِهم إِلى نَحيب. 42 ولَمَّا ٱنتَقَموا لِدَمِ أَخيهم، رَجَعوا إِلى غَيضَةِ الأُردُنّ.
تولّى يوناتان قيادة البلاد في ظروف مشابهة لتلك التي تولي فيها يهوذا المكابي شقيقه، مع أن الهيكل كان قد تطهر وأعيد تجديده، إلا أن الجيش اليهودي كان مضطرا إلى الالتجاء إلى الجبال والمغائر، لقد سمع بكيديس بأن يوناتان قد تولى قيادة اليهود، مما يعني عودة الجيش النظامى والذي أذاق السلوقيين الكثير من الهزائم وكبّدهم العديد من الخسائر وقتل أفضل قادتهم، ومن ثم فقد أراد بقتل يوناتان القضاء على المقاومة الجديدة في مهدها، وقد هرب يوناتان إثر معرفته بذلك، ومعه سمعان شقيقه والنواة الصغيرة الأولى للجيش الجديد. كما أن بكيديس اعتبر تزعم يوناتان للمقاومة اخلال بالاتفاقية المبرمة معه والتي بموجبها تسلموا جسد يهوذا وصنعوا له الاحتفال الجنائزى (كما مر بنا).

تقوع Tekoa: اسم عبري معناه: " نصب الخيام" وهي مدينة في يهوذا في عبر الأردن، على مسافة 11 كم جنوب شرق بيت لحم، وشمال الجليل وتشرف على منطقة قاحلة تمتد مسافة 51 ميلًا (أخبار الأيام ثان 20: 20) في اتجاه "عين جدي" كما تبعد مسافة 16 كم جنوب أورشليم، وربما تكون هذه المنطقة هي التي اختبأ فيها المكابيون داخل مغائر أو كهوف - مثلما هرب أنصار داود النبي (صموئيل أول 23: 26) وتنحدر أودية تلك البقعة نحو البحر الميت. إلى هذه البرية جاء يوحنا المعمدان يكرز بملكوت السموات (متى 3: 7) وإليها أيضًا جاء الرب يسوع المسيح يجرب من الشيطان (مرقس 1: 13) .

ماء جب أسفار Asphar: وهي بقعة أو بركة مليئة بالماء في برية تقوع (السابق الإشارة إليها) يلجأ إليها المارة والمسافرون، وربما يكون موقعها الآن "خرائب الزعفرانة" أو "خربة بيت الزعفران" أو "الشيخ أحمد أبو صفار"، حيث يوجد عين ماء أو حوض ماء قديم إلى الجنوب من تقوع وشرق "هلهول" ويرجّح البعض أن موقعها الآن هو "بير سهلوب" على مسافة ستة أميال جنوب غرب عين جدي، وتعرف الجبال المحيطة بها باسم "سفرا" ولعلها منسوبة إلى الاسم الأصلي " أسفار"(10).
وعرف بكيديس بالأمر، ولعله اختار يوم السبت، بالعودة إلى الخبرة القديمة في أيام متتيا الكاهن، حين اُخذ اليهود على حين غرة، وربما لم يعرف أن اليهود قد قرروا قبلًا وبعد تلك النكبة (22: 41) جواز المحاربة في يوم السبت إذا كان ذلك دفاعًا عن النفس.

![]() |
بنو يمرى: sons of Jambry: قبيلة عربية سكنت في ميدابا وكان أفرادها أشرارا قطاع طرق، وهم غير النبطيين والذين كانت لهم صدامات مع اليهود (5: 26)، وربما كان ل "يمرى" أصل سامي هو "mry” ومن خلال التحوير والنطق يمكن أن يقال " أمرايوي Amaraioi " كما وردت في تاريخ يوسيفوس، والاسم الشخصي هو "y' mrw” وهو أمر شبه أكيد، إذ وجد في نقش للنباطيين في "أم الرصاص" على مسافة 16 ميلًا جنوب شرق ميدبا. هذا وهناك عدة قبائل الآن تُسَمَّى "عمري Amari". وفي اليونانية υιοι Ιαμβρειν لها ما يناظرها في العبرية: " زمري" وهي قبيلة عربية بالقرب من ميدبا، وهي البلدة المنسوب إليها عمري المذكور، وهو رئيس جيش الأنباط، كما دل على ذلك نقش آرامي في أم الرصاص، وهي تبعد حوالي ميلين جنوب غرب ميدبا.
وأما ميدابا، أو ميدبا Medba: فهي كلمة عبرية معناها "ماء الراحة" وتبعد مسافة كيلومترين جنوب عمان، ومسافة 26 كم جنوب شرق البحر الميت عند مدخل الأردن، كما تبعد عشرة كيلومترات جنوب شرق "حسبان" وشرق بحر لوط بمسافة 25 كم. دارت حولها معارك دامية بين السلوقيين والمكابيين كما سنقرأ بعد قليل. وقد حاصرها هركانوس حيث سقطت بعد ستة أشهر، وقد أهداها هركانوس الثاني مع عدة مدن أخرى إلى النباطيين، علامة صداقة وتحالف، وفي عصر الرومان ازدهرت وقد صارت أسقفية فيما بعد، وأعيد تسكين المدينة في القرن التاسع عشر، وأقدم خريطة عُثر عليها لمنطقة فلسطين: كانت خريطة "ميدابا" والتي أسهمت كثيرًا في اكتشاف طبوغرافية المنطقة، كما أتْحَفَتْنَا الحفريات الحديثة في المنطقة بالكثير من الكنوز التي كانت في باطنها.
خشى يوناتان وأخويه يوحنا وسمعان على نسائهم وأولادهم وأسلحتهم ومقتنياتهم، حيث خرجوا هاربين من وجه السلوقيين، وقد رغب يوناتان في أن يستودع كل ذلك لدى النبطيين وهم أصدقاء لليهود (1 مكا 5: 25) حتى تمر الأزمة(11)، ولكن بنو يمري كمنوا للموكب في الطريق، وهجموا عليهم وسلبوهم جميع مالهم بما فيهم يوحنا المكابي، نفسه حيث قتلوه فيما بعد.. وما أن سمع يوناتان بما حدث حتى قرر الانتقام منهم.
ورغم ثقة يوناتان في صداقة النبطيين، إلا أن استمرار تلك الصداقة كان مهددًا بسبب وضع المكابيين الحرج في تلك الأيام، ومن ثم فإن البعض يعتقد أن تلك الممتلكات التي أودعها لديهم، قد تكون بمثابة ثمن لبقائهم على عهدهم معه(12)، ولذلك فإنه مع ضياعها باستيلاء بنو يمري عليها تبدد ذلك الأمل، بل من المحتمل أيضًا أن يكون النبطيين لم يوافقوه على الانتقام من بني يمري. ولكن وبشكل عام فقد كان ليوناتان - مثل داود- بعض الأنصار في برية اليهودية، [راجع (1 صم 23: 14-19؛ 22: 1-2)](*). وهكذا كان يوناتان يرى سلامته في تلك البرية أكثر من منطقة "عبر الأردن".

كانت الأعراس (الأفراح) في ذلك الوقت لها طابع خاص، ما زال متبقيًا بعض من مظاهرها بين سكان القرى في أيامنا الحاضرة، لا سيّما في صعيد مصر، عندما يتبارز بعض الشبان بالسيوف أو العصي (النبابيت). وكان بنو يمري يقيمون احتفال عرس لأحد قوادهم، يقول عنه يوسيفوس أنه "أحد نبلاء العرب" ويرى بعض العلماء أنه "أحد نبلاء معون"، وأمّا العروس فهي ابنة أحد عظماء كنعان، مما زاد من مظاهر الاحتفال والإسراف في التعبير عن مكانة وسطوة أصحاب العرس من الجهتين.

وأما نبطة Nabatha والتي تنتمي إليها العروس فهي في الغالب وبحسب ما يورد يوسيفوس: حصن من حصون نبوNebo (سفر العدد 32: 3) على جانب سهل موآب والذي يسمى هنا كنعان، حيث يشمل اسم كنعان هنا جميع السكان الوثنيين، وتسمى بلد العروس أيضًا "ندبة"، ويرى البعض أن "ندبة" أو "نباطا" هذه: هي الاسم الارامى لمدينة Nebo نبو قرب ميدبا، [راجع (إشعياء 16: 2 إلخ.)]، وكانت زفة العروس تشمل جهاز بيت الزوجية والهدايا المقدمة للعروسين، وذلك ضمن موكب ضخم جدًا وطابور طويل في شبه عرض لغنى ومجد العائلتين، تصاحبه الموسيقى والرقص والغناء.
وقد انتقم يوناتان وسمعان لدم أخيهم يوحنا بقتل الكثيرين والاستيلاء على جميع ما كان بحوزتهم، وبعد أن تحوّل العرس إلى مناحة عادا إلى غيضة الأردن [المناطق المنخفضة عبر الأردن / راجع (عاموس 8: 10)].
وتأتي هذه الانتصارات متشابهة مع ما قام به بنو رأوبين والجاديون ونصف سبط منسى الذين قد كسبوا الحرب ضد "الهاجريين ويطور ونافيش ونوداب" وقتلوا كثيرين ونهبوا الكثير من الماشية كغنيمة، وكانت يطور ونافيش قبيلتان من قبائل العرب بالتأكيد (راجع: تكوين 25: 12- 15 وأخبار الأيام الأول 5: 18 - 22). وكما سحق الإسرائيليون الأوائل العرب المهاجرين وحلفائهم من "ندبة" هكذا سحق يوناتان عرب بنو يمرى وحلفائهم من "ندبة".

الذين يموتون في الحروب:
وقد يتساءل البعض عن ذنب أولئك الذين قُتلوا في تلك الهجمة، ولكنها الحرب! وهي في كل مرة لها ضحاياها من الأبرياء. وكان على قادة تلك القبيلة أن يفكروا في عواقب ما أقدموا عليه بقتلهم يوحنا والاستيلاء على أمتعة المكابيين. وعلى قائد الحرب بشكل عام التحسّب لذلك جيدا فإنه يتحمّل مسئولية كل قطرة دم تُراق وكل جنيه يُنفق، وهو يتحمّل كذلك عبء كل زوجة ترمّلت وكل طفل تيتّم وكل أم تثكّلت، فإن الذي يضغط على الزناد في الحقيقة هو القائد الأعلى وليس الجندي البسيط الذي يتلقّى الأوامر وينفذ مشيئة سيده!
ولن يُعفى القائد من المسئوليات تلك، إلاّ متى كان في حالة دفاع عن نفسه وعن شعبه وبلاده، أمّا أن كان مهاجمًا له أطماع توسّعية أو يسعى لتحقيق الشهرة أو المجد حتى ولو كان ذلك على أنهار من الدما والجثث يحاسب وُيعاقب على ذلك. وهكذا فإن شخص واحد قد يسيء إلى شعب بالكامل، كما حدث مع يربعام بن نباط في القديم (ملوك الأول 14: 16)، والنازي في القرن الماضي وغيرهم. مثلما يُحسن إنسان آخر إلى شعبه كما فعل سليمان الحكيم في القديم (ملوك الأول 3: 12،13) والمهاتما غاندي في القرن الماضي وغيرهم).
أمّا عن أولئك الذين يموتون نتيجة لذلك، فإن مصيرهم الأبدي متوقّف بالدرجة الأولى على علاقتهم الخاصة بالله، وعلى الجندي قبل الدخول في المعركة أن يكون مستعدّا للموت، وأمّا موته عن اشتراكه في المعارك وموته في سبيل طاعته والتزامه فهو واجب وطني وحسب. وأن كانت بعض الشعوب تُفيد معتقداتها بأن الموت في الحروب هو استشهاد يستحق المكافأة الأبدية، فهو خداع بلا شكّ وتضليل، والأرجح أنها كانت حروبا باسم الدين.! ولكنه وبشكل عام فإن الإنسان قد يواجهه الموت بأية طريقة سواء في ساحة المعركة وسط قعقعة السيوف أو أزيز الطائرات وهزيم المدافع، أو أثناء نومه في فراشه.!! وعليه أن يكون مستعدًا على الدوام لملاقاة الموت.

43 فسَمِعَ بَكِّيديسُ فجاءَ إِلى ضِفافِ الأُردُنِّ يَومَ السَّبتِ في جَيشٍ عَظيم. 44 فقالَ يوناتانُ لِمَن معَه: «لِنَنهَضِ الآنَ ونُقاتِلْ عن نُفوسِنا، فلَيسَ الأَمرُ اليَومَ كَما كانَ أَمسُ فما قَبْلُ. 45 ها إِنَّ الحَربَ أَمامَنا وخَلْفَنا، وماءَ الأُردُنِّ والغِياضَ والغابَ مِن هُنا ومِن هُناك، فلَيسَ لَنا مِن مَناص. 46 فٱصرُخوا الآنَ إِلى السَّماءِ لِتُنقَذوا مِن أَيدي أَعْدائِكم». 47 ثُمَّ ٱلتَحَمَ القِتال، ومَدَّ يوناتانُ يَدَه لِيَضرِبَ بَكِّيديس، فٱرتَدَّ عنه إِلى الوَراء. 48 فرمى يوناتانُ ومَن معه بِأَنفُسِهم في الأُردُنّ وسَبَحوا إِلى الشَّاطِئِ الآخَر، فلَم يَعبِرِ الخُصومُ الأُردُنَّ إِلَيهم. 49 وسَقَطَ مِن رِجالِ بَكِّيديسَ في ذٰلك اليَومِ أَلفُ رَجُل.
يبدو أن بكيديس لم يرد أن تمرّ الغارة التي قام بها يوناتان ضد هذه القبائل بسهولة، ومن ثم فقد انتهز الفرصة لكي يوقع بقوات اليهود المتمردة بعيدًا عن موطنها وفي يوم السبت.

(الآية 43): ظن بعض العلماء أن هذه الآية هي تكرار للآية (34) وأن مكانها الأصلي هو هنا، بحجة أنه لا معنى لها أو علاقة بما قبلها هناك، ولكن التسلسل منطقي وطبيعي، غير أن قصة بنو يمري هي التي جاءت بشكل عرضي في السياق، ولذا فقد لزم تكرار هذه الآية(13).
تمكّن بكيديس من حصار يوناتان ورجاله، بين جيشه هو من جهة والأراضي القاحلة من جهة أخرى، وذلك شرق نهر الأردن وقرب مصبّه حيث يقصد ب "عبر الأردن" (في الآية 34) وكذلك ضفاف الأردن (في آية 43): الضفة الشرقية. وفوجئ يوناتان بذلك ولم تكن ثمّة فرصة ليهرب فقد كانت المياه الضحلة والمستنقعات ونبات الغاب تحاصرهم وتمنعهم من الهرب سريعًا، وكانت الصلاة المقدمة هي لأجل النجاة فقط وليس الانتصار، وهتف يوناتان في رجاله بأن الأمر مختلف في هذه المرة وليس كأمس ولا ما قبله، (تلك الأيام التي كان لليهود فيها جيشًا نظاميًا قويًا يخطّط ويهجم وينتصر..) ومع ذلك فلا مناص من المواجهة والمقاومة إذ يعني الهرب في هذه الحالة فناءهم عن بكرة أبيهم.
وتشبه ظروف الحرب هذه تلك الظروف التي واجهت كل من يشوع (3: 4؛ 5: 1؛ 6: 1) ويوآب قائد جيوش داود (أخبار الأيام الأول 19: 10- 15). وهكذا قام يوناتان بأعمال بطولية مماثلة لما قام به يشوع وداود، ومن الملفت أن تكون "أريحا" هي أول مدينة ذُكرت في (آية 50) وكذلك جميع الأماكن المذكورة في الآية ذاتها كانت ذات أهمية في سفر يشوع (عدا عماوس) وهكذا ظهر يوناتان وهو يشق طريقه غربًا عبر الأردن.
في ذلك الاشتباك واتت يوناتان الفرصة لكي يوقع ببكيديس شخصيًا ولكن الأخير أفلت منه، وربما كانت هذه المفاجأة في القتال هي التي قلبت موازين المعركة، حيث تراجع الجيش السلوقي إلى الوراء مرتدًا لمسافة، سمحت لليهود بالهروب، حيث ألقوا بأنفسهم في الماء بالأردن لينجوا من موت محقق. ويحدد يوسيفوس مكان التحام الجيشان عند الضفة الغربية لنهر الأردن، حيث كان يوناتان قد عسكر تمهيدا للذهاب إلى المنطقة الغربية من البحر الميت، ولكن بكيديس أرغم اليهود على العودة إلى الضفة الشرقية للنهر من جديد.
← يوجد أيضًا تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.

50 وعادَ بَكِّيديسُ إِلى أُورَشَليم وبَنى مُدُنًا حَصينةً في اليَهودِيَّة، وهي الحِصنُ الَّذي في أريحا، وعِمَّاوُسُ وبَيتَ حورون وبَيتَ إِيل وتِمْنَةُ وفِرعَتونُ وتَفون، بِأَسْوارٍ عالِيَةٍ وأَبْوابٍ ومَزاليج، 51 وجَعَلَ فيها حَرَسًا يُضايِقونَ إِسْرائيل. 52 وحَصَّنَ مَدينةَ بَيتَ صورَ وجازَرَ والقَلعَة، وجَعَلَ فيها جُيوشًا وميرة. 53 وأَخَذَ أَبْناءَ رُؤَساءِ البِلادِ رَهائِنَ، وجَعَلَهم في القَلعَةِ بِأُورَشَليمَ في الحَبْس.
عند ذلك قرر بكيديس تأمين المنطقة كلها بسلسلة من الحصون والقلاع، ليجعل منها ما يشبه المستوطنات اليهودية في فلسطين الآن (انظر خريطة رقم 13)، حيث أسكن فيها حاميات سلوقية ويهودًا موالين للسلوقيين، وزودوها بالأسلحة والمؤن (الميرة Provisions) وأما تلك الحصون فهي:

أريحا Jericho: وهي كلمة عبرية معناها "مكان الروائح العطرة" وتبعد مسافة أحدعشر كيلومترا شمال البحر الميت، ومسافة تسعة كيلومترات من نهر الأردن غربًا، ويرجع تاريخ أريحا إلى القرن التاسع قبل الميلاد. وقد عادت للسيطرة اليهودية منذ سنة 167 وحتى 63 ق.م. وفي أريحا أسر بطليموس بن أبوبس سمعان المكابي وقتله (1مكا16: 11- 17) ويسمى موضعها الآن: (تلول أم العليق). هذا ويقول المؤرخ سترابون: " كان هناك حصنان قرب أريحا واسمهما Taurus, Threx وُهدم الاثنان على يد بومبي القائد الروماني" (14)، ومما لا شك فيه أن أحدهما بناه بكديس.

عماوس: وقد سبق الاشارة إليها في (4: 1- 27) حيث هُزم السلوقيون.

بيت حورون: سبق الاشارة إليها كذلك في (1 مك 3: 16- 24) حيث هُزم سارون وكذلك هُزم نكانور وَقُتل سنة 160 ق.م. (راجع 1 مك 7: 39).

بيت ايل Bethel: وهي كلمة عبرية معناها "بيت الله" وتقع غرب "عاي" على مسافة 19 كم شمال أورشليم، وتدعى الآن " بيت بيتين" أو "بيت إين".

تمنة Temnath: اسم عبري معناه "القسم المعين" وباليونانية θαμναθα، توجد عدة أماكن باسم تمنة، والمدينة المقصودة هنا تقع في سبط يهوذا، إلى الجنوب من حبرون، وتدعى الآن "تبنة" على مسافة 7 كم شرق "بيت نتيف" الحالية. ولكن البعض يرى أنها تمنة التي تقع في سبط دان (تل تبنة للآن) وهي تبعد 20 كيلومتر شمال غرب بيت إيل.

فرعتون Pharathon: اسم عبري معناه "ارتفاع" وباليونانية φαραθων، وبالآرامية " فرت" وهي قرية كانت في سبط أفرايم وتقع على مسافة 13 كم إلى الجنوب الغربي من شكيم، ويسميها يوسيفوس " فرنتون"(15) وتوجد مدينة مشابهة لها في الاسم في جبل أفرايم تسمى "برتون" راجع (قضاة 12: 15 وأخبار الأيام الأول 27: 24).،، ربما هي فرعاثا الآن على مسافة عشرة كيلومترات جنوب غرب شكيم.

تفون Tephon: وهي مشتقّة من الكلمة العبرية " تفوح" ومعناها " تفاح" وذلك لشهرتها بالتفاح (يشوع 17: 7) وتبعد عن نابلس 14 كم، ومسافة 12 كم إلى الجنوب من "شكيم" وتوجد في موضعها الآن قرية " شق أبو زراد".

بيت صور: وقد سبق الاشارة إليها في (4: 61؛ 5: 15؛ 6: 7، 26).

جازر: سبق الاشارة إليها أيضًا في (4: 1- 15).
القلعة: وهي القلعة السلوقية الشهيرة في أورشليم " قلعة عكرة "، والتي سببت ضيقًا شديدًا لليهود على مدى سنين طويلة (1: 42- 40) حتى حاصرها سمعان المكابي مدة سنتين فاضطرّ من فيها إلى الاستسلام حيث طهرها لينهى بذلك الاحتلال السلوقي لأورشليم فعليًا. فقد كانت تلك القلعة رمزًا للاحتلال السلوقي في اليهودية. وأما الجنود الذين وضعهم السلوقيون فيها، فقد كانوا في الغالب بعض اليهود الذين انضمّوا تحت نظام ألكيمس رئيس الكهنة وليسوا ضمن "الجيش النظامى" لـ ديمتريوس والذي لم يكن حكمه مستقرًا في ذلك الوقت (اُنظر خريطة رقم 13).

وقد قام بكيديس بتحصين كل تلك المدن تحسبًا لتمرد اليهود من جديد، ونصب فوقها القلاع وأبراج المراقبة لرشق السهام، ثم قوَّى أبوابها ومزاليجها (أقفالها) ولم يكتف بذلك، وانما قام بالقبض على أبناء رؤساء اليهود ووجهاءهم ليجعل منهم رهائن عنده في قلعة أورشليم، يهدد اليهود بقتلهم متى تمردوا. وقد أثبتت الحفريات التي تمت في تلك الأماكن مثل جازر وبيت صور وأريحا وبيت إيل: الاحتلال السلوقي للمنطقة.

54 وفي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ والخَمْسين، في الشَّهرِ الثَّاني، أَمَرَ أَلْكيمُسُ أَن يُهدَمَ حائِطُ الفِناءِ الدَّاخِلِيِّ لِلمَقدِس، فهَدَمَ أَعْمالَ الأَنْبِياءِ وشَرَعَ في التَّدمير. 55 وفي ذٰلك الزَّمانِ أُصيبَ أَلْكيمُسُ بِنَوبةٍ فكَفَّ عن صَنيعِه، وٱنعَقَدَ لِسانُه وفُلِجَ ولم يَعُدْ يَستَطيعُ أَن يَنطِقَ بِكَلِمَةٍ ولا أَن يُوحِيَ بِأُمورِ بَيتِه. 56 وماتَ أَلْكيمُسُ في ذٰلك الزَّمانِ في عَذابٍ شَديد. 57 فلَمَّا رَأَى بَكِّيديسُ أَنَّ أَلْكيمُسَ قد مات، رَجَعَ إِلى المَلِك، وهَدَأَت أَرضُ يَهوذا سَنَتَين.
سلك ألكيمس على هذا النحو مجاملة لبكيديس والسلوقيين ولتأكيد المدّ الهيلليني في أورشليم، بحيث يزيل المانع الذي يفصل بين المصلين اليهود من جهة والزائرين من الأمم، ففي هيكل هيرودس وجدت لوحة رخامية يبلغ ارتفاعها 130 سم ذات زخارف جميلة، نقش عليها بالحروف اليونانية واللاتينية تحذير للأمم بعدم التقدم وإلا واجهوا عقاب الموت، وقد تم العثور على أحد تلك الألواح تحمل نفس الكلمات التي أوردها يوسيفوس بهذا الخصوص، وعندما ثار الجمع على القديس بولس محاولين قتله، كان الاتهام الموجه له هو محاولة اختراق هذا الحاجز (أع 21: 31؛ حز 44: 9).
ولكن ربما كان الفناءان اللذان يشير إليهما النص، يُستخدمان من قبل أيام منسى الملك (ملوك ثان 21: 5) وأما الأنبياء الذين يذكر السفر أن ألكيمس هدم أعمالهم، فهم أنبياء العودة من السبي مثل حجي وزكريا وملاخي والذين نادوا بالحفاظ على الهيكل والمقدسات، وربما يقصد أيضًا عزرا ونحميا وزربابل وأن لم يكونوا أنبياء بالمعنى الكامل المتعارف عليه.
وهكذا تداخل العامل الديني مع العامل السياسي في الصراع المكابي السلوقي، أما تعبير "الفناء" أو "الساحة" فهو يحمل الكثير من المعاني، فقد يعني الفناء الذي يحيط بالهيكل كله والواقع داخل سور ضخم يضم جبل الهيكل، وربما يشير إلى داخل الهيكل ذاته، وربما يشير إلى "ساحة الكهنة" أو الجزء المفتوح منها للاسرائليين من غير الكهنة (ساحة إسرائيل) أو إلى ساحة النساء، وربما المنطقة الخارجية المسورة من جبل الهيكل المسماة "الدار الكبيرة" (1 مل 7: 9) انظر الشكل (أ - د).

ومن الواضح أن هذا الوصف يتفق مع وصف حزقيال والمشناه وربما مع سفر أخبار الأيام (أخبار الأيام ثان 4: 9) على أنه الساحة المحيطة بالمبنى الداخلي (مثل الساحة في الأشكال ج، د والساحة الداخلية في الشكل ب) وهكذا يشكل الجدار الشرقي للساحة الداخلية أيضا الحد الغربي للساحة المذكورة، والجدارين الشمالي والجنوبي للساحة المذكورة، يعتبران امتداد لخط الجدارين الشمالي والجنوبي للساحة الداخلية.
هذا وقد ورد في مخطوطة لسكان قمران عن الهيكل، وصف لساحة خارجية شاسعة كافية لتغطية جبل الهيكل كاملًا، ولكن يوسيفوس يتفق مع السفر في أن الساحة الخارجية هي "ساحة النساء" وأما الحاجز الذي اراد ألكيمس هدمه لم يكن واقفًا خارج تلك الساحة مثل "المشربية" التي كانت تفصل الأمم عن المباني المحيطة لساحة النساء(16).
فإذا اتفقنا أن الجدار المقصود هنا هو الداخلي فمن المؤكد أن هدمه لم يكن بغرض ادخال الأغرقة إلى القدس، وانما يبدو أنها كانت مسألة خلاف داخلي بين الطوائف اليهودية آنذاك، بل أن الكاتب في بردية الهيكل لقمران يذكر جماعة "بناة الجدار" كجماعة يمقتها (حزقيال 13: 10).
ويذكر يوسيفوس أن الإسكندر جنايوس فيما بعد قد أقام سورًا خشبيًا حول المذبح والمقدس يمتد إلى "الحاجز" لمنع دخول غير الكهنة، ولكنه من غير المعروف إن كان ذلك الحاجز على شكل مستطيل حولهما، أم على شكل خط مستقيم عبر المقدس، وهل كان هناك "حاجز" في هيكل سليمان أم انشئ في وقت لاحق؟(17). حدث ذلك في الشهر الثاني سنة 153 سلوقية (ويمتد هذا الشهر من 2 مايو إلى 30 مايو من سنة 159 ق.م.).
وقد ثار اليهود بسبب رغبة ألكيمس في امتداد "الأغرقة" إلى الهيكل نفسه، وهو محور حياتهم الدينية، ولكن العمل لم يتم إذ أصيب هو بالشلل والذي أقعده عن كل شيء حتى الكلام وحتى تسيير أموره الشخصية والعائلية، ولم يعش طويلًا إذ مات سريعًا، مما أكد ظن اليهود بأن ذلك كان عقابًا له من الله بسبب جسارته على بيت الله، وقصاصًا عادلًا مقابل جميع الشرور التي اقترفها في حق قومه بتعاونه مع الأعداء.
وعليه فإن رحيل بكيديس عن اليهودية جاء بسبب شعوره بأنه قد احتل البلاد بالفعل، من خلال الحصون التي أقامها وهي كافية بضمان خضوع اليهودية للمملكة السلوقية. كما أن موت ألكيمس وهو رئيس الكهنة على هذا النحو، قد أعفاه من الاستمرار في سياسة دينية - هي التضييق - لم يكن يرغب هو فيها.
وأيا كانت الأسباب فإن اليهودية قد هدأت وعاشت في سلام لمدة سنتين، غير أن اليهود رأوا أن رحيل بكيديس كان نتيجة تشككه وتأثره بموت ألكيمس، والذي مهد موته لانتقال رئاسة الكهنوت إلى عائلة المكابيين.
وقد سلك يوناتان كقاضي بين الشعب لا كرئيس مقاتل، كما ترك السلوقيون منصب رئيس الكهنة شاغرًا لفترة، وكان الكيمس قد عمل كرئيس للكهنة لمدة أربع سنوات بدأت من سنة 149 سلوقية عقب موت منلاوس وحتى سنة 153 سلوقية.
ولا يعرف بالضبط سبب الهدوء الذي ساد لمدة سنتين، ويحتمل أن تكون هدنة ما قد اُبرمت ما بين الحشمونيين من جهة والسلوقيين واليهود الموالين لهم من جهة أخرى، حيث نقرأ في (الآية 62) أن يوناتان وسمعان ورجالهما قد اتجهوا إلى ديارهم في اليهودية.

58 وتَشاوَرَ الأَثَمَةُ كُلُّهم وقالوا: «ها إِنَّ يوناتانَ والَّذينَ معه في مَنازِلِهم هادِئونَ مُطمَئِنُّون، فسَنأتي بِبَكِّيديس، فيَقبِضُ علَيهم أَجمَعينَ في لَيلَةٍ واحِدة». 59 فقَصَدوه وتَشاوَروا معه. 60 فقامَ بَكِّيديسُ وسارَ في جَيشٍ عَظيم، وبَعَثَ سِرًّا بِكُتُبٍ إِلى جَميعِ حُلَفائِه في اليَهودِيَّةِ لِيَقبِضوا على يوناتانَ والَّذينَ معَه، فلم يَجِدوا إِلى ذٰلك سَبيلًا، لأَنَّ نِيَّتَهم قد ٱنكَشَفَت. 61 وقَبَضَ يوناتانُ والَّذينَ معَه على خَمْسينَ رَجُلًا مِنَ البِلاد، وهم أَرْبابُ تِلكَ الشُّرور، وقَتَلوهم. 62 وٱنصَرَفَ يوناتانُ وسِمْعانُ ومَن معَهما إِلى بَيتَ بيصايَ في البَرِّيَّة، وأَعادَ بِناءَ مَهدومِها وحَصَّنَها. 63 ولَمَّا عَلِمَ بَكِّيديس، حَشَدَ جَميعَ قَومِه وٱستَنْجَدَ حُلَفاءَه الَّذينَ في اليَهودِيَّة. 64 وجاءَ فعَسكَرَ عِندَ بَيتَ بيصايَ وحارَبَها أَيَّامًا كَثيرةً ونَصَبَ المَجانيق. 65 وإِنَّ يوناتانَ تَرَكَ سِمْعانَ أَخاه في المَدينة وخَرَجَ في عَدَدٍ مِنَ الجُنْدِ وٱنتَشَرَ في البِلاد. 66 وكَسَرَ أُدْوَرِّينَ وإِخوَتَه وبَني فاسِرونَ في خِيامِهم، وأَخَذَ هٰؤُلاءِ يُقاتِلون هم أَيضًا وصَعِدوا بِجِيوشِهم. 67 وخَرَجَ سِمْعانُ ومَن معَه مِنَ المَدينَةِ وأَحرَقوا المَجانيق، 68 وقاتَلوا بَكِّيديسَ. فٱنسَحَقَ، وضايَقوه مُضايَقَةً شَديدةً لأَنَّ خِطَّتَه وحَملَتَه قد فشَلَتا. 69 فغضب غَضَبًا شديدًا على الرِّجالِ الأَثَمَةِ الَّذينَ أَشاروا علَيه بِالخُروجِ إِلى البِلاد، وقَتَلَ كَثيرينَ مِنهم، وعَزَمَ على الٱنصِرافِ إِلى أَرضِهِ. 70 وعَلِمَ يوناتان، فأَنفَذَ إِلَيه رُسُلًا في عَقْدِ المُصالَحَةِ ورَدِّ الأَسْرى. 71 فقَبِلَ وفَعَلَ بِحَسَبِ كَلامِه، وحَلَفَ لَه أَنَّه لن يَسْعى إِلى إِساءَتِه طولَ أَيَّامِ حَياتِه. 72 ورَدَّ إِلَيه الأَسْرى الَّذينَ أَسَرَهم مِن قَبْلُ في أَرضِ يَهوذا، ثُمَّ عادَ إِلى أَرضِه ولم يَعُدْ إِلى بِلادِهم. 73 وهَدَأَ السَّيفُ في إِسْرائيل، وسَكَنَ يوناتانُ في مِكْمَاش وأَخَذَ يُحاكِمُ الشَّعب، وٱستَأصَلَ الكافِرينَ مِن إِسْرائيل.
بالرغم من التحصينات التي قام بها بكيديس والتي كانت بالنسبة له بمثابة ضمان لرضوخ اليهودية، ورغم الهدوء الذي ساد المنطقة لمدة سنتين، إلا أن اليهود الموالين للسلوقيين خشوا على أنفسهم في حالة ما استعاد المكابيون عافيتهم وكوّنوا جيشًا، وكان لأولئك اليهود الموالين لبكيديس قوات تحت تصرفهم، ومع ذلك فلم يقوموا بعمل عدائى بمفردهم دون اللجوء إلى بكيديس ربما لوجود وعد بعدم التعرض للمكابيين.
وربما أيضًا لاقى بعض من هؤلاء اضطهاد ما من اليهود الاتقياء، مما ألجأهم إلى استعداء بكيديس على قادة المكابيين من جديد زاعمين أنهم بذلك يستأصلون رأس الأفعى. ولم يكن بكيديس ينوى القيام بتلك الاعتقالات بنفسه فأمر حلفائه من اليهود بالقيام بذلك، بينما قام هو على رأس قوة سلوقية كبيرة لاعانتهم. ويذكرنا " تشاور الأثمة " كلهم هنا بتنهدات داود النبي: " أحبائي وأصحابى يقفون تجاه ضربتى وأقاربى وقفوا بعيدًا" (مزمور 38: 11).
ومن ثم قاموا ببعض النشاطات الاستخبارية! لتمكين الأعداء من مداهمة القادة العسكريين والسياسيين لليهود، مؤثرين في ذلك مصلحتهم الشخصية على مصالح البلاد، هذا وقد مال بكيديس إلى رأيهم حيث استطاعوا إقناعه بالقيام "بعملية أمنية" كبيرة.
وبينما يعتقد بعض الخبراء العسكريين أن الجاسوسية هي "الطابور الخامس" في الحروب، فإن البعض الآخر يؤكد أنها "الطابور الأول" الذي يمهد للعمليات العسكرية من أجل تحقيق أكبر المكاسب بأسهل الطرق وأقل الخسائر.
غير أن الأمور قد سارت بعكس ما أراد بكيديس وعملاءه، حيث لم يعدم المكابيون من يقدم لهم العون في هذا الإطار، فدارت عليهم الدائرة وقام يوناتان بعملية "مداهمة" تم القبض فيها على خمسين من الرؤوس المدبرة للخيانة ثم قتلهم(18).

بيت بيصاى Bethbasi، وفي اليونانية Βεθβασι أو βαιθβασι وَتُرْجِمَت في السبعينية إلى βασει: وهي اسم عبري معناه "مكان المستنقعات" ووردت في بعض النصوص اليونانية على أنها "بيت حجلة" وهي القرية التي سكنها بنو بيصاى عقب عودتهم من السبي، حيث من المحتمل أن يكونوا قد أطلقوا اسمهم عليها (عزرا 2: 17) وتقع بين بيت لحم وتقوع على مسافة ثلاثة أميال (البعض يقول كيلو مترين) جنوب شرق بيت لحم، وعلى مسافة خمسة كيلومترات شمال شرق تقوع، وتسمى الآن "بيت باصى" أو "بيت باصا". ومن المحتمل أن يكون أحد المواقع التي حصنها عزيا الملك (أخبار الأيام ثان 26: 10) وقد وصفها يوسيفوس على أنها بيت حجلة، وتأتي في المخطوطات التي أخذت عن الترجمة اللاتينية ليوسيفوس: " بيت آلاج Beth-alage " ويصفها العالم أبل Apel بأنها: "بيت أجاليم Beth- agalem ".
إلى هناك توجه يوناتان بجيشه المتواضع، حيث أعاد تحصينها لتكون قلعة لهم، إذ لم تكن امكانياتهم حتى ذلك الوقت تسمح بمواجهة عسكرية مع الجيش السلوقي، وقد استعان بكيديس بحلفائه من اليهود في الهجوم على المكابيين إذ أنه - وفي السياق ذاته - يحتاج الأمر إلى الدهاء مع السلاح، لما لليهود من الخبرة بطبوغرافية المكان، وبينما حاصر الحص عملًا بنصيحة حلفاءه استغل يوناتان ذلك في الخروج سرًا مع بعض عسكره ليجمع مزيدًا من الجنود للقيام بحملات تأديبية ضد القبائل التي كانت تتعاون مع بكيديس، محققا الكثير من المكاسب.

كان يهوذا المكابي قد قام باخضاع النباطيين في البداية (5: 25) أما في حالة يوناتان هنا فلم يكن من المقبول أن يضيف إلى أعدائه عدوا جديدًا بحربه مع تلك القبائل العربية، ويقول يوسيفوس أن يوناتان هرب سرًا إلى الريف وجمع قوة كبيرة من الموالين له، والكلمة التي وردت في الآية (66) بمعنى "ضرب" أو " كسر epetaxen " هي المقابل للكلمة العبرية swh والتي تعني "أمر" مثلما وردت في (أستير 3: 2،12) والكلمة العبرية mr والتي تعني " قال" أو "أمر"، مثلما وردت في دانيال 1: 18 و2: 2) وردت أيضًا بنفس المعنى في (1مكا4: 41 و5: 49 و9: 54 و10: 81 و12: 27،43).
وهكذا يمكن أن نفهم من الآيتين (65، 66) أن يوناتان قد استدعى (أو ربما ذهب إلى) زعماء القبيلتين وأقام تحالفا معهم ضد بكيديس، وحتى إذا كان قد قاتلهم (كسرهم) فلعل ذلك قد تم أولًا قبل هذا الاتفاق.

أدورين: زعيم قبيلة عربية تسكن خيامًا في الصحراء، وكانت قبيلته قد استقطبها بكيديس للتعاون معه. جاءت أدورين في العبرية "عدميرا " وباليونانية Οδομηρα وبالآرامية "عدورا" .

فاسرون Phasiron: وباليونانية φασιρων وهو جد قبيلة عربية أيضًا تشبه السابقة، وتقع خيامها بالقرب من بيت بيصاي.
وهكذا نجح تحالف يوناتان مع تلك القبائل من جهة، وهجوم سمعان أخيه على المجانيق من جهة أخرى: في هزيمة السلوقيين هزيمة ثقيلة، حيث اضطر بكيديس إلى التراجع مع جيشه ورفع الحصار عن بيت بيصاى.
عند ذلك انقلب على حلفائه من اليهود المتأغرقين الذين أوعزوا إليه بأن الحرب ستكون مجرد نزهة! ولذلك يمكن ملاحظة أنه قام بحملته بشيء من التردد! قارن آية (69) مع الآيتين (57،59) وعلى الرغم من أن بكيديس يعد القائد السلوقي الذي استمر طويلًا في مضايقته لليهود أكثر من مرة، إلا أنه في هذه الواقعة ينهى حربه شخصيًا مع اليهود "... حفروا قدامي حفرة سقطوا في وسطها" (مزمور 57: 6)
هنا ومن موقف القوي المنتصر يعرض يوناتان المصالحة، وقد قبلها بكيديس بدوره على الفور، لأسباب عدة منها انقاذ ماء وجهه أمام الملك ديمتريوس في إنطاكية، وهكذا تختلف معاهدة الصلح هنا عن تلك التي تمت مع ليسياس (4: 35) جدير بالذكر أيضا أن يوناتان الذي لم يكن لديه جيش نظامى بل مجرد جماعات هجومية، لم يكن لديه بالتالي من الأسرى عدد يُذكر حتى يبادلهم مع أسراه الذين استردهم.

إزاء هذه التطورات ورحيل الجيش السلوقي وسريان الهدوء في البلاد، استرد المكابيون أنفاسهم من جديد واستطاع يوناتان تأسيس ما يمكن أن يُقال عنه "إمارة يهودية" جديدة، قام فيها بدور القاضي للشعب (يحاكم الشعب أي يقضي لهم) راجع في ذلك (تثنية 19: 19 و22: 22) مثلما فعل يهوذا المكابي (3: 10 و4: 4) وربما جعل اهتمامه الأول محاكمة الخارجين على الشريعة أو المناوئين له أي اليهود المتأغرقين الموالين للسلوقيين.
وهكذا يحسب يوناتان الرجل الذي أباد الأشرار وطهر نفاية إسرائيل كخليفة ليوشيا الملك (ملوك ثان 23: 24) محققًا نبوءة إشعياء (1: 25،26) بل ويستطرد إشعياء النبي يتنبأ بتحرير أورشليم والقضاء على الأشرار وهو ما نجد صداه في (1مكا10: 7 - 14)

مكماش Mechmash: كلمة عبرية معناها "مختلف" وربما تعني "مخزن" (راجع إشعياء 10: 28) وهي قرية كانت تتبع سبط بنيامين، وكانت قديمًا قاعدة لمملكة إسرائيلية أولية (صموئيل أول 13: 2). تقع مكماش على مسافة 15 كم شمال شرق أورشليم، بالقرب من "جبع" ومسافة سبعة ميل ونصف شرق بيت ايل، ويقع بجوارها وادٍ تحدّه بعض الصخور المدببة من الجانبين، وهو الوادي الذي عبره يوناثان بن شاول في طريقه لمحاربة الفلسطينيين. وكانت مكماش مسرحًا لانتصاره عليهم (صموئيل أول 14: 5 -31). وقد سُميت في العهد الجديد "مخموس".
_____
(1) بينما تترجم "الجليل" إلى "الجلجال" بطريق الخطأ (بحسب يوسيفوس) فإن الجلجال في النص العبري ترجمت خطأ في السبعينية بـ"الجليل". قابل (يشوع 22: 10؛ مع يش 12: 23).
(2) الآثار اليهودية (12 فصل 11: 1).
(3) دائرة المعارف الكتابية / أربيلا.
(4) مخطوطات قمران / البحر الميت. التوراه - الجزء الثاني / ترجمة موسى أديب الخورى - ص 98، 99.
(5) طبقا لما يورده المؤرخ بوليبيوس فقد كانت كتيبة أنطيوخس أبيفانيوس من المقدونيين في سنة 166 ق.م. تتكون من عشرين ألف رجل.
(6) T. CORBIShLEY S.J. I Macc. p. 750
(7) Jonathan I Macc , p. 366.
(8) راجع كتاب مدخل إلى سفري المكابيين /مصادر السفرين.
(9) يجب ألا يحدث خلط ما بين الأعداء السلوقيين يمثلهم "بكيديس"، والأعداء المحليين (وهم الخونة من اليهود وهم الذين سموا مبغضي الأمة (آية 29) وفي النص السرياني جاءت "أعدائنا من شعبنا".
(10) دائرة المعارف الكتابية / أسفار.
(11) في نص آخر يرد في سياق طلب يوناتان من النباطيين قد برر الرغبة في إيداع المقتنيات لديهم، بأنها تعوق حركتهم راجع: Jonathan, p.381.
(12) الكلمة العبرية "أمتعة" تُرْجِمَت إلى ἀποσκευή اليونانية aposkeue، والتي تشير إلى ثلاث معاني عبرية هي: أطفال، ممتلكات، ممتلكات وماشية. ويحتمل أن الكاتب قد استخدم في الآيتين 35، 39 كلمة " ممتلكات وماشية".
(*) توضيح من الموقع: كان مكتوبًا شاهد [صموئيل الأول 13: 26]، ولكنه غير سليم، فتم تغييره لشاهد أقرب لنفس النقطة.
(13) مثل أن يُقال: " قال الأب مقاريوس لأولاده وهم مجتمعون في قلاية أحد الآباء الذي أوشك أن يفارق الجسد، قال:.... " وهكذا تكررت كلمة "قال" مرتين. راجع النقاش الكبير حول هذه الآية في تفسير السفر ل: جوناثان جولدشتاين ص 380.
(14) استرابو: (16 فصل 2: 40).
(16) يقال أن هذه المشربيات قد حدث بها تخريب في ثلاثة عشر موضعًا بواسطة ملوك اليونان، ويرجح أن يكون في عصر أنطيوخس أبيفانيوس الرابع.
(17) لمزيد من التفاصيل راجع: ليوناثان جولدشتاين/ص 391، 392.

← تفاسير أصحاحات مكابيين أول: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16
تفسير مكابيين أول 10![]() |
قسم
تفاسير العهد القديم الأنبا مكاريوس الأسقف العام |
تفسير مكابيين أول 8![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/972wgwg