St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 468- هل مخطوطات القرآن كثيرة جدًا، ترجع للقرنين الأول والثاني الهجريين، وتشمل نص القرآن كامل، لكن مخطوطات الكتاب المقدَّس بعيدة جدًا عن الأصول، فمخطوطات العهد القديم تبعد عن موسى النبي بألفي عام، ومخطوطات العهد الجديد العامة تبعد عن الأصل أربعة قرون؟

 

س468: هل مخطوطات القرآن كثيرة جدًا، ترجع للقرنين الأول والثاني الهجريين، وتشمل نص القرآن كامل، لكن مخطوطات الكتاب المقدَّس بعيدة جدًا عن الأصول، فمخطوطات العهد القديم تبعد عن موسى النبي بألفي عام، ومخطوطات العهد الجديد العامة تبعد عن الأصل أربعة قرون؟

يقول الناقد "أحمد سبيع" في فيديو بعنوان "مخطوطات القرآن تكتسح مخطوطات الكتاب المقدَّس - مقارنة صادمة للمسيحيين": " أولًا: تاريخ المخطوطات والفاصل الزمني: أنه كلما زاد الفاصل الزمني بين المخطوطات والأصل تزيد الأخطاء وتقل الموثوقية، لأن كل ناسخ تقع منه أخطاء، والناسخ الذي يليه تقع منه أخطاء أخرى، وهذا معناه أن مخطوطة من زمن كتابة النص غالبًا ما تكون أفضل من مخطوطات بعيدة عن النص بقرون عديدة..

مخطوطات القرآن ومخطوطات الكتاب المقدَّس أيهما أقرب للأصل؟ مخطوطات الكتاب المقدَّس المهمة تبعد عن الأصل قرون طويلة، فبالنسبة للعهد القديم، فالمخطوطات القديمة المعتمدة تبعد عن زمن موسى عليه السلام حوالي 2000 عام، أتحدث عن المخطوطات الماسورية والتي تبدأ من القرن السابع الميلادي.. أما بالنسبة للعهد الجديد، فالمخطوطات المهمة تبدأ من القرن الرابع الميلادي. أربع قرون فترة طويلة جدًا عن النسخ لكن بالنسبة لمخطوطات القرآن فلدينا مخطوطات كثيرة جدًا للقرآن من القرن الأول والثاني الهجريين لدينا نص القرآن كاملًا من القرن الأول وبداية القرن الثاني.. لدينا نص القرآن مكتوب بالكامل، وليس لدينا فاصل زمني بين زمن نزول القرآن وبين مخطوطاته بخلاف مخطوطات الكتاب المقدَّس كما رأينا.. لدينا فترات طويلة مظلمة في تاريخ النص.. مخطوطات القرآن قريبة جدًا جدًا من زمن الأصل، لكن مخطوطات الكتاب المقدَّس بعيدة جدًا جدًا من زمن الأصل".

St-Takla.org                     Divider of Saint TaklaHaymanot's website فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: 1- قول الناقد بأنه كلما قل الفاصل الزمني بين المخطوطة والأصل كلما قلت الأخطاء وصارت المخطوطة موثوق فيها هو قول صحيح ومنطقي.

 

2- قول الناقد بأن الفاصل الزمني بالنسبة لمخطوطات العهد القديم فاصل طويل جدًا يبلغ في العهد القديم (2000) سنة، قول جانبه الصواب كثيرًا جدًا، فنظرة إلى المخطوطات التي تم اكتشافها في وادي قمران بجوار البحر الميت في الأردن، والتي يرجع بعضها إلى القرن الثاني قبل الميلاد بحسب تقرير الدراسات العلمية يتعارض تمامًا مع رأي الناقد. قبل اكتشافات وادي قمران كانت أقدم مخطوطة للعهد القديم ترجع إلى نحو سنة 916م، أما بعد اكتشافات قمران 47م، أعظم اكتشافات القرن العشرين أختصرت هذا الفاصل الزمني إلى 1100 سنة، وكان باكورة هيَ الاكتشافات نسخة كاملة لسفر إشعياء وقد كتبت بخط جميل لا تختلف عما بين أيدينا، ويدعى إشعياء النبي الإنجيلي الخامس نظرًا لكثرة النبوات عن ولادة السيد المسيح وألوهيته وحياته ومعجزاته وآلامه وموته.. إلخ. وللمزيد عن مخطوطات قمران يُرجى الرجوع إلى دائرة المعارف الكتابية جـ2 حرف الباء، وويكيبديا الموسوعة الحرة وكثير من الكتب التي تتحدث عن هذه المخطوطات وفي كهوف قمران عثروا على مئات المخطوطات حددتها ويكيبديا الموسوعة الحرة بنحو 850 مخطوطة، حوت أسفار كاملة للعهد القديم، وأحيانًا أكثر من نسخة للسفر الواحد وفي الكهف (11) عثر على نسخة شبه كاملة لأسفار العهد القديم. وكثير من الكتب تتحدث عن هذه المخطوطات مثال "مخطوطات البحر الميت وجماعة قمران" للدكتور أسد رستم.

ولا يمكن أن نتجاهل أيضًا الاكتشافات العديدة التي يتحفنا بها باطن الأرض وكهوفها ومغاراتها، مثل اكتشاف الجنيزة في معبد ابن عزرا في مصر القديمة في أواخر القرن التاسع عشر التي حوت نحو 140 ألف قصاصة ورق تتحدث عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والديني للطائفة اليهودية ومخطوطات عبرية وأرامية نُقلت إلى المتاحف والمكتبات الغربية، وأيضًا اكتشافات مدينة البهنسا سنة 1897م على يد المكتشفين الإنجليزيين "برنارد ب. جرينفل"، و "آرثر س. هنت" حيث عثرا على أرشيف ضخم يضم آلاف من المخطوطات الدينية تضم أسفار من العهدين القديم والجديد، وبلغ إجمالي المخطوطات والقصاصات 400 ألف، تُرجمت للإنجليزية ونُشرت في 68 مجلد بلغت نحو 50 ألف صفحة (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) س109 ).

إذًا حديث الناقد عن فترات طويلة مظلمة من تاريخ النص تبلغ نحو 2000 سنة للعهد القديم وأربعة قرون للعهد الجديد قول عاري تمامًا من الصحة. كما أن المخطوطات الماسورية لم تُلغى ولم تُهمش المخطوطات القديمة التي يرجع بعضها للقرن الثاني والثالث قبل الميلاد، التي تجاهلها الناقد، فتجاهل مثلًا المخطوطة الفاتيكانية التي يرجع تاريخها إلى 325م، والمخطوطة السينائية التي يرجع تاريخها إلى 450م، والمخطوطة الإسكندرية، وكذلك الأفرامية التي يرجع تاريخها إلى سنة 450م (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) س111) وتجاهل الناقد الكم الهائل من مخطوطات العهد القديم التي تحتفظ بها متاحف العالم الشهيرة مثل المتحف البريطاني ومكتبة الفاتيكان التي ضمت أكبر عدد من مخطوطات الكتاب المقدَّس.

أما المخطوطات الماسورية التي أعتبرها الناقد أنها أقدم ما نملك من مخطوطات العهد القديم، فهذا قول خاطئ. كلمة "ماسوري" مشتقة من الأصل العبري "مازار" أي "يُسلّم"، فكلمة "ماسورا" تعني التقليد المسلَّم من جيل إلى جيل، وكان الهدف من المخطوطات الماسورية الاهتمام بالنطق السليم للكلمات وطريقة تلاوتها أثناء الخدمة، كما أحصى الماسوريون عدد الحروف والكلمات والأقسام في كل سفر، وحددوا الكلمة الوسطى في كل سفر، ويقول "بول كال" Paul Kahle: "أن الماسوريين قد نقلوا عن السريانية بعض القواعد مثل الحروف المشدَّدة بالنطق، ولما أتموا ذلك العمل الضخم من تقنين قواعد اللغة مع الحفاظ على التقليد المؤكد، وتحقيق طريقة النطق السليم لكل كلمة، وضعوا علامات على كل كلمة لنطق الحروف المتحركة في التوراة العبرية" (راجع قاموس الكتاب المقدَّس ودائرة المعارف الكتابية - مخطوطات العهد القديم). وقد قام الماسوريون بعملهم على أكمل وجه من سنة 800م إلى سنة 900م وحافظوا على النص الذي تسلموه، فبدأ الاعتماد بالأكثر على هذه المخطوطات الماسورية، ولكن هذا لا يُلغي أبدًا أهمية المخطوطات القديمة السابقة للماسورية بنحو ألف عام.

 

3- قول الناقد بأن أقدم مخطوطات مهمة للعهد الجديد تبعد عن الأصل بأربعة قرون قول جانبه الصواب كثيرًا، فلا يوجد كتاب في العالم كله على مرَّ الدهور والأزمان يتميَّز بما تميَّز به العهد الجديد من جهة أولًا: وفرة مخطوطاته التي بلغت أكثر من خمسة آلاف باللغة اليونانية فقط، ونحو عشرة آلاف باللغة اللاتينية، وأكثر من 25000 مخطوطة بجميع اللغات، باليونانية، واللاتينية، والسريانية، والقبطية، والأثيوبية.. إلخ، منها ما نُسخ على أوراق البردي، ومنها ما نُسخ على الرقوق من جلود الحيوانات الطاهرة. وثانيًا: قُرب مخطوطات العهد الجديد للأصول فلا تتعدى الفترة بضعة عقود من الزمن، وبعضها يرقى تاريخه إلى تاريخ الأصول، فمثلًا عُثر في الكهف السابع في وادي قمران على آيات من إنجيل مرقس والرسائل إلى رومية وتيموثاوس الأولى، ويعقوب ومن المعروف أن الكتيبة الرومانية العاشرة استولت على تلك المنطقة سنة 68م، إذًا الكهف أُغلق قبل هذا التاريخ، وبالتالي ما بداخله يرجع تاريخه إلى ما قبل سنة 68م أي في الزمن الذي كُتبت فيه الأصول، وقد عرضنا لذلك بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) س109).

← انظر باقي سلسلة كتب النقد الكتابي هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت للمؤلف.

 

ومن أمثلة البرديات التي يرجع تاريخها إلى عصر مُبكر:

1- البردية (64) P64: بردية ماجدالين Magalalen Papyrus وتشمل بضعة آيات من إنجيل متى (مت 26: 7 - 8، 10، 14 - 15، 22 - 23، 31 - 33) وأرجع العالِم الألماني "كارستن بيترثيدا" Carsten P. Thcida تاريخها إلى سنة 66م.

2- البردية (4) P4: من اكتشافات البهنسا، وتشمل أربع ورقات بردي بها فقرات من الأصحاحات الستة الأولى لإنجيل لوقا، وترجع إلى أواخر القرن الأول الميلادي.

3- البردية (45) P45: عُثِر عليها في أطفيح سنة 1930م وكانت تحتوي على (224) ورقة حوت الأناجيل الأربعة وسفر الأعمال، وتبقى منها (30) ورقة.

4- البردية (52) P52: عُثِر عليها في صحراء الفيوم سنة 1934م حوت عدة آيات من إنجيل يوحنا (يو 18: 31 - 33، 37 - 38) ويرجع تاريخها إلى سنة 125م.. إلخ. وقد عرضنا لعشرات المخطوطات سواء بالخط اليوناني الكبير الكويني أو بالخط الصغير، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) س109، س110، س111، س112. كما أن قول الناقد: "أما بالنسبة للعهد الجديد، فالمخطوطات المهمة تبدأ في القرن الرابع الميلادي" يتناقض مع قوله أنه كلما قل الفاصل الزمني بين المخطوطة والأصل لكان ذلك أفضل، فعلى أي أساس هنا يفصل مخطوطات القرن الرابع عن مخطوطات القرن الأول والثاني والثالث؟!!، وعلى أي أساس يميَّز هذه فيعتبرها مهمة وتلك غير مهمة؟! - ولماذا لم يطبق هذا على مخطوطات القرآن فيقول عن هذه مهمة وعن تلك غير مهمة؟!!!.

 

4- قول الناقد بأن لديه مخطوطات كثيرة جدًا لنص القرآن بالكامل من القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني الهجري قول يحتاج للمراجعة. فبينما نصل بمخطوطات الكتاب المقدَّس التي ترجع للقرنين الأول والثاني الميلادي نحو 45 مخطوطة قابلة للزيادة بحسب الاكتشافات، فأن مخطوطات القرآن خلال القرنين الأول والثاني الهجري لا تتعدى أصابع اليدين، وهيَ:

(1) صنعاء (DAM 01-27-1) وترجع للنصف الأخير من القرن السابع الميلادي.

(2) بارِيسِنُو - بتروبوليتانس (Arabe 338 a – b and Marcel 18) وترجع إلى الربع الأخير من القرن السابع الميلادي.

(3) باريس (Arab 328 C) وترجع إلى الفترة من أواخر القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي.

(4) برمنجهام (Mingana Jslamic Arabic 1572 a) وترجع إلى الفترة من أواخر القرن السابع وبداية القرن الثامن الميلادي.

(5) صنعاء (DAM 20-33. 1) وترجع إلى عهد الوليد بن عبد الملك (705 - 715م).

(6) البريطانية (Qr. 2165) ترجع إلى الفترة من أواخر القرن السابع إلى بداية القرن الثامن الميلادي.

(7) سمرقند (Samarkand Codex) وترجع إلى أوائل القرن الثامن الميلادي.

(8) القاهرة (Cairo Codex) وترجع إلى نهاية الربع الأول من القرن الثامن الميلادي.

(9) طوب فابي (H. S. 44132) وترجع إلى الربع الثاني من القرن الثامن الميلادي.

وقد قدم "محمد المسّيح" دراسة كافية وافية عن هذه المخطوطات وعدم ظهور علامات التشكيل والتنقيط فيها فيُرجى الرجوع إلى مخطوطات القرآن مدخل لدراسة المخطوطات القديمة ط (1) سنة 2017م ص 160 - 307.

ملاحظة هامة: هناك فرق هام بين قولنا أن مخطوطة ترجع للقرن الأول الميلادي وأخرى ترجع للقرن الأول الهجري، لأن القرن الأول الميلادي يبدأ بميلاد المسيح، والأناجيل كُتبت نحو سنة 60م وما بعدها فإنجيل يوحنا كُتب نحو سنة 90م، فعندما نقول أن هناك مخطوطة ترجع للقرن الأول الميلادي فمعنى هذا أنها تبعد عن الأصل بفترة تتراوح من 10 - 40 سنة. بينما القرن الهجري لا يبدأ بميلاد الرسول، بل بهجرته من مكة إلى المدينة، وقد جمع القرآن في عهد أبو بكر بمشورة عمر بن الخطاب نحو سنة 15 هجرية فعندما نقول أن هناك مخطوطة ترجع للقرن الأول الهجري، فإن كانت ترجع إلى سنة 100هـ مثلًا فأنها تبعد عن الأصل بنحو 85 سنة، فالزمن الفاصل هنا (85 سنة) أكبر من الزمن الفاصل لمخطوطة كُتبت سنة 60 أو 90م (10 - 40 سنة).

 

5- بالنسبة للادعاء بأن مخطوطات القرآن كثيرة جدًا وأنها تشمل كل نصوص القرآن منذ نهاية القرن الهجري الأول يسعدني أن أترك المساحة للباحث "محمد المسّيح" لتوضيح الأمور بحيادية كاملة:

(س1): هل عند نشأة القرآن نشأت عدة مصاحف، اختلف بعضها عن الآخر؟.. يقول "محمد المسيّح": "بدأ تدوين القرآن في عهد الخليفة أبو بكر الصديق بطلب من عمر بن الخطاب حتى لا يضيع القرآن بموت حفَّاظه، فكلف زيد بن ثابت بهذا العمل فقال: "لو كلفوني نقل الجبال كان أيسر عليَّ من الذي كلفوني". وكان أجدر منه في جمع القرآن عبد اللَّه بن مسعود، وأُبي بن كعب، لأن الرسول قال يُؤخذ القرآن من أربعة ولم يكن بينهم زيد بن ثابت. أما الذي زكى زيد بن ثابت معرفته باللغتين العبرية والسريانية حتى أنه سُمّي ترجمان الرسول (راجع مخطوطات القرآن مدخل لدراسة المخطوطات القديمة ص22) وفي نفس الوقت بدأ عدة أشخاص كل منهم يكتب قرآنًا دُعي باسمه، فيقول "محمد المسّيح": "فقد ظهرت مصاحف أخرى على الساحة، كمصحف عبد اللَّه بن مسعود، ومصجف أُبي بن كعب، ومصحف علي بن أبي طالب، ومصحف أبو موسى الأشعري وغيرها (تاريخ القرآن لنلدكه 259، أنظر المصاحف للسجستاني 92 - 98) ويختلف بعضها عن بعض بحسب المصادر الإسلامية في ترتيب السور، وزيادة في عددها عن بعضهم ونقصان عن الآخرين (تاريخ القرآن لنلدكه 266 - 267). وبعد هذا التوسع في تدوين القرآن، وظهور هذه الاختلافات، وانتقال القراء إلى أقطار جديدة، قرر الخليفة الثالث عثمان بن عفان أن يُكلف زيدًا بن ثابت بالجمع الثاني للقرآن رغم وجود نسخة رسمية كانت عند حفصة نتيجة للجمع البكري العمري (قارن الاتفاق للسيوطي 389)" (32). لقد خلا مصحف ابن مسعود من المعوزتين الفلق والناس وكان يقول: "لا تخلطوا بالقرآن ما ليس منه" كما أسقط سورة الفاتحة، بينما حوى مصحب أُبي بن كعب، وكذلك مصحف ابن عباس الأشعري سورتي الخلع والحفد (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س54).

(س2) هل كفَّر المسلمون بعضهم البعض بسبب الاختلافات بين المصاحف المختلفة؟

يقول "تيودور نولدكة": "فيما يتعلق بانتشار النسخ التي تعود إلى هؤلاء الرجال، فقد استعمل الدمشقيون، أو بالأحرى السوريون قراءة أُبي، والكوفيون قراءة ابن مسعود، وأهل البصرة قراءة أبي موسى، وسكان حمص قراءة المقداد"(33). وذكر "ثيودور نولدكة" أمثلة عديدة على الاختلافات بين المصاحب، فذكر "سورة الخلع": "بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم أنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك. ونخلع ونترك من يفجرك" كما ذكر "سورة الحفد": "بسـم الله الرحمن الرحيم. اللهمَّ إياكَ نعبدُ ولك نصلّي ونسجدُ، وإليكَ نسعى ونحِفِدُ، نرجو رحمَتك، ونخشى عذابك،. إن عذابُكَ بالكفار ملحق" ولنزاهة هذا الناقد فبعد أن حلَّل كلمات الآيتين قال لا يمكن أن تكون هاتان السورتان جزءًا من القرآن (راجع تاريخ القرآن ص 266 - 268). ثم ذكر بعض الآيات التي جاءت في قرآن أُبي ولا توجد في قرآن عثمان الحالي، مثل:

1- "لو أن لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه ثانيًا، ولو أن له ثانيًا لابتغى إليه ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاَّ التراب، ويتوب اللَّه على من تاب".

2- "أن الدين عند اللَّه الحنيفية السمحة لا اليهودية ولا النصرانية، ومن يفعل خيرًا فلن يكفّره".

3- "لا ترغبوا عن أبائكم فأنه كفر بكم. الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموها البتة نكالًا من اللَّه واللَّه عزيز حكيم" (راجع تاريخ القرآن ط (2) ص 276، 277).

وأورد "نولدكة" أمثلة من الاختلافات الكثيرة في القراءات بين مصحف أُبي بن كعب ومصحف عثمان الحالية (راجع تاريخ القرآن ط (2) ص 523 - 538) كما قال: "أن النص المنسوب لأُبي أقل بكثير أصالة وترابطًا من النص المنسوب لابن مسعود"(34). وذكر "نولدكة" قصة تنازع المحاربين العراقيين مع السوريين حول الشكل الحقيقي للقرآن، وكيف أبلغ حذيقة الخبر لعثمان، وتشكيل لجنة لإعادة كتابة القرآن (راجع تاريخ القرآن ص 279، 280).

ويقول "محمد المسّيح": "جعل تعدد المصاحف واختلافها في عهد عثمان المسلمين يكفّرون بعضهم بعضًا، فراحت كل جماعة تنحاز إلى قراءة معينة، مما جعل أمر توحيد هذه المصاحف في مصحف واحد سُمي بـ "مصحف الأمام" ضرورة قصوى لحل هذه الإشكالية. ومرة أخرى كُلّف زيد بن ثابت بهذه المهمة على رأس لجنة تضم أربعة نسَّاخ (هم عبد اللَّه بن عمر بن العاصي، عبد اللَّه بن الزبير، ابن عباس، عبد الرحمن بن الحارث (أنظر المقنع للداني 142 - 143) وبدأت عملية التدوين، فأعطى الخليفة أوامره بتدوين المصحف "على لسان قريش" (المقنع للداني 143). وبعد إنجاز اللجنة لهذه المهمة، أمر الخليفة بنسخ عدة نسَّخ من مصحف الأمام وإرسالها للأمصار.. كما أمر بحرق (مشروع المصاحف لحمدان 68) باقي المصاحف (أنظر المصاحف للسجستاني 177/178 والسنن الكبرى للبيهقي 2: 62) أو إتلافها محاولة منه لتوحيد المصاحف (أنظر الأتقان للسيوطي 389)" (35).

وجاء في صحيح البخاري قصة حذيقة وتنبيهه لعثمان باختلاف المسلمين بسبب اختلاف المصاحف، وتشكيل عثمان للجنة من أربعة أشخاص بنسخ الصحف التي كانت حفصة تحتفظ بها "حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَق" (36). ويقول "الدكتور طه حسين": "أن النبي (صلعم) قال: نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كافٍ شافٍ، وعثمان حينما حظر ما حظر من القرآن، وحرق ما حرق من الصحف، إنما حظر نصوصًا أنزلها اللَّه وحرق صحفًا كانت تشمل على قرآن أخذه المسلمون عن رسول الله (صلعم). وما كان ينبغي للأمام أن يُلغي من القرآن حرفًا أو يحذف نصًا من نصوصه.." (الفتنة الكبرى - دار المعارف ط 1 جـ2 ص 160، 161، 181، 182، 183)" (37). (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س54، س59).

ولك يا صديقي أن تلاحظ أن الذي قام بجمع القرآن في المرتين نفس الشخص، وهو زيد بن ثابت، فلعل هناك سؤالًا يثور في ذهن البعض: ما دام هو متأكد تمامًا من عمله الأول فلماذا قام بعمله الثاني؟!!!، وهل هناك اختلاف نشأ بين الجمع الأول والثاني، أدى لحرق المصاحف بما فيهم المصحف الذي جمعه زيد بن ثابت من المرة الأولى؟!!. بل أن الذي كان يستخدم مصحف آخر في التلاوة كان يتعرَّض للعقوبة فيقول "ثيودور نولدكة": "بعد أن حُسِم الخلاف لصالح الكتابة العثمانية بوقت طويل حاول مقرئ مرموق في بغداد اسمه (أبو الحسن محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت) ابن شنبوذ (ت 328) يدوَّن نجاح الدفاع عن حق الكتابات غير العثمانية، فاستعملها وهو يؤم الصلاة (في المحراب). وفي عام 333 مَثُل ابن شنبوذ أمام محكمة خاصة يرأسها الوزير ابن مقلي، وتتكون من قضاة وفقهاء وقراء، فدُعي إلى التوبة. ولما رفض ابن شنبوذ هذه الدعوة تعرَّض للضرب، مما أجبره على توقيع محضر يقرُّ فيه أنه سيتمسك في المستقبل بالنص العثماني. وقد ثارت آنذاك ثائرة العوام، وهاجم بعضهم بيت الوزير الذي كان ابن شنبوذ محبوسًا فيه، فاضطر إلى مغادرته سرًّا تحت جنح الظلام فارًا إلى المدينة أو إلى البصرة، أما خصم ابن شنبوذ الذي أبلغ عنه وطلب معاقبته فكان ابن مجاهد (ت 324) الذي يعتبر أنجح قراء القرآن، ويُعدُّ واضع السلفية الضيفة في مجال العلوم القرآنية" (38). ولأن ابن مسعود كان واليًا على الكوفة، بينما مات أُبي بعد موت الرسول دون أن يلعب دورًا بارزًا، لذلك انتشر مصحف ابن مسعود انتشارًا أكثر كثيرًا من انتشار مصحف أُبي، ووجد اعترافًا شعبيًا في الكوفة (راجع نولدكة - تاريخ القرآن ط (2) ص 536).

(س3) هل جمع القرآن كاملًا أم فُقد منه أجزاء؟.. يقول "محمد المسّيح": "ما ضاع من القرآن، رغم ما قام به الخلفاء من إجراءات للحفاظ على النص القرآني، إلاَّ أن واقع الأمر يدل على أن القرآن قد ضاع منه الكثير منذ البدايات الأولى لتدوينه باعتراف بعض الصحابة والمقربين أنفسهم حيث يقول عبد الله بن عمر: "يقولن أحدكم قد أخذت القرآن كله. وما يدريه ما كله؟ قد ذهب منه قرآن كثير. ولكن ليقل: قد أخذت منه ما ظهر منه" (فضائل القرآن لأبي عبيد 320 ، الدر المنثور للسيوطي 1: 551 - 552). ويروي أبو موسى الأشعري أن المسلمين كانوا يقرأون سورة شبيهة "بأحدى المسبحات" (المسبحات هيَ السور التي تبدأ بكلمة سبّح أو يُسبح كسورة الحديد، والحشر، والصف، والتغابن، وأنه نسيها ولا يتذكر منها سوى" يا أيها الذين آمنوا لا تقولون ما لا تفعلون، فتُكتب شهادة في أعناقكم، فتسألون عنها يوم القيامة" (الدر المنثور للسيوطي 1: 547 - 548).. يذكر القرطبي أيضًا أن سورة التوبة قد سقط أولها، برواية بعض الأولين (تفسير القرطبي 10: 94) وعن ابن عجلان، بلغه أن سورة براءة (سورة التوبة) كانت تعادل (سورة) البقرة أو قُربها. فذهب منها الكثير، فلذلك لم يكتب بينهما (سورة الأنفال والتوبة). بسم الله الرحمن الرحيم (تفسير القرطبي 10: 95). وهذا ما ذهب إليه سعيد بن جُبير بقوله: "كانت براءة مثل سورة البقرة في الطول" (المحرر الوجيز 3: 3، أنظر تفسير القرطبي 10: 95). أما عائشة زوجة محمد فتقول: "كانت سورة الأحزاب تَعْدِل على عهد رسول الله (صلعم) مئتي آية، فما كُتب المصحف لم يقدر منها إلاَّ على ما هيَ عليه الآن (تفسير القرطبي 17: 48). وهذا ما أكده أُبي بن كعب، وهو أحد الأربعة الذين طلب محمد من المسلمين أن يأخذوا القرآن عنهم (تفسير القرطبي 1: 95) وهو يتحدث مع زر بن حبيش: "كأيّن تقرأ سورة الأحزاب أو كأيّن تعدها؟ قال قلت ثلاثا وسبعين آية فقال قد لقد رأيتها وأنها لتعادل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها الشيخ والشيخة إذا زنيا فأرجموهما البتة نكالًا من الله عزيز حكيم" (تفسير القرطبي 17: 48 - 49، تفسير ابن كثير 11: 11)" (39). (ولنا عودة لأستكمال حديث محمد المسّيح) كما ذكر "ثيودور نولدكة" عدة أمثلة من الآيات القرآنية التي فُقدت (راجع تاريخ القرآن ط (2) ص 211 - 424).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/468.html