St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 455- هل ورثنا الخطية الأصلية، أم أننا ورثنا فقط فساد الطبيعة؟ وهل مات المسيح فقط من أجل تجديد طبيعتنا التي فسدت بالخطية؟ وهل المسيح مات عنا، أم أنه مات لأجلنا؟

 

س455: هل ورثنا الخطية الأصلية، أم أننا ورثنا فقط فساد الطبيعة؟ وهل مات المسيح فقط من أجل تجديد طبيعتنا التي فسدت بالخطية؟ وهل المسيح مات عنا، أم أنه مات لأجلنا؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- هل ورثنا الخطية الأصلية، أم أننا ورثنا فقط فساد الطبيعة..؟ دعنا يا صديقي نبدأ إجابة هذا السؤال بسؤال تمهيدي: ما ذنب نسل آدم في خطية آدم؟ وإذا كانت المحكمة الأرضية تحكم على الجاني ولا تحكم على أولاده الذين لم يشاركوه الجرم، فكيف يحكم اللَّه على آدم وكل البشرية بالموت..؟ نحن لم نكن مع أبينا آدم عندما أخطأ وإنما كنا فيه، فهو أب كل البشرية، وأنجب أولاده بعد أن أخطأ وفسدت طبيعته، ولو أن آدم فرضًا قد أنجب أولادًا قبل أن يخطئ، ما كانوا ورثوا الخطية ونتائجها.. نحن لم نرتكب الخطية الأولى مع أبينا آدم، ولكننا وُلدنا بها، مثل الأطفال الذين يولدون من آباء عبيد، فهم يخرجون للدنيا عبيدًا بالوراثة، مع أنهم لم يبيعوا أنفسهم للعبودية، ولكنهم ولدُوا من آباء في حالة العبودية. ومثال آخر على هذا، هب أن رجلًا غنيًا كان يحب أن يطوف بالدول والبلدان، وذات مرة رأى شجرة نادرة أعجبته جدًا، فاشتراها ونقلها إلى حديقته واهتم بها، وفي يوم أصابها مرض ففسدت هذه الشجرة، وحزن صاحبها، وفكر أن يأخذ بذارًا منها ويزرعها لتنمو أشجارًا جديدة، فأخذ بذارًا من هذه الشجرة التي فسدت وزرعها فنبتت أشجارًا جديدة أنتجت نفس الثمار، ولكن جميع الثمار التي أنتجتها هذه الأشجار ولا واحدة منها جيدة، بل جميعها ثمار فاسدة، فما أُخذ من الفساد فهو فاسد، ولا يمكن أن نجني الصلاح من الفساد.. وهل يطرح الشوك تينًا أو العليق عنبًا؟!!.. قال السيد المسيح: "لأَنَّهُ مَا مِنْ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا رَدِيًّا وَلاَ شَجَرَةٍ رَدِيَّةٍ تُثْمِرُ ثَمَرًا جَيِّدًا.. لاَ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ تِينًا، وَلاَ يَقْطِفُونَ مِنَ الْعُلَّيْقِ عِنَبًا" (لو 6: 43، 44) ومن المستحيل أن تلد الخنزيرة حملًا.

عندما صدر حكم الموت على آدم " لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك 3: 19) كانت البشرية كلها فيه، فمات آدم وعاد للتراب، ولم يفلت أحد من أولاده من هذا المصير المحتوم. ولو أصدر اللَّه حكمه هذا وصمت لاتهمناه بالقسوة وعدم الصلاح، أما كونه يرتضي أن يأخذ صورة الإنسان ويتجسَّد ويحمل نيابة عنا حكم الموت ويردَّنا إلى رتبتنا الأولى، فهذا هو صلاح اللَّه. إذًا لا يمكن فصل سقوط البشرية عن قصة التجسُّد والفداء، وكل من يسأل: ما ذنبي في خطية أبي آدم؟ يرد عليه القديس أُغسطينوس: "وأي فضل لك في خلاص المسيح؟!". وهذا ما ترجمته الليتورجيا في القداس الباسيلي:

" يا اللَّه العظيم الأبدي الذي جبل الإنسان على غير فساد

والموت الذي دخل إلى العالم بحسد إبليس

هدمته بالظهور المحيي الذي لابنك الوحيد ربنا وإلهنا ومُخلصنا يسوع المسيح".

والآن نناقش هذه القضية بهدوء من خلال الكتاب المقدَّس، والليتورجيا، وأقوال الآباء، والعقل والمنطق:

الكتاب المقدَّس: هناك نصوص كتابية واضحة لا تحتمل التأويل تحدثنا عن أن خطية آدم قد طالت كل البشرية، ومن أشهر هذه النصوص:

1) قول داود النبي: "هأَنَذَا بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ. وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي" (مز 51: 5) ولم تكن أم داود سيدة زانية، ولا أبوه شريرًا، ومع هذا فقد وُلِدَ داود يحمل بذار الإثم.

2) " الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعًا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (رو 3: 12).

3) " كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ" (رو 5: 12) فعن طريق آدم دخلت الخطية إلى العالم، والمقصود بالعالم عالم البشر بلا استثناء، ويؤكد المعنى قائلًا: "لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ وَاحِدٍ مَاتَ الْكَثِيرُونَ.. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ بِخَطِيَّةِ الْوَاحِدِ قَدْ مَلَكَ الْمَوْتُ.. كَمَا بِخَطِيَّةٍ وَاحِدَةٍ صَارَ الْحُكْمُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ لِلدَّيْنُونَةِ.. لأَنَّهُ كَمَا بِمَعْصِيَةِ الإِنْسَانِ الْوَاحِدِ جُعِلَ الْكَثِيرُونَ خُطَاةً" (رو 5: 15 - 19) فكون الكثيرون صاروا خطاة ليس بسبب خطاياهم الشخصية بل بسبب خطية ارتكبها شخص آخر، وهو أبونا آدم، أليس هذا دليلًا على وراثة هذه الخطية الأصلية؟!!.. فهم حُسبوا خطاة لا لكونهم ارتكبوا خطايا شخصية بإرادتهم، بل لكونهم كانوا في آدم حين أخطأ.

4) " لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ" (1 كو 15: 22).

الليتورجيا وتاريخ الكنيسة: في أوشية الراقدين يصلي الأب الكاهن: "فإنه ليس أحد طاهرًا من دنس، ولو كانت حياته يومًا واحدًا على الأرض".. فالطفل الذي عمره يوم واحد.. هل هو بار أم أنه خاطئ..؟ أنه ليس بارًا، ولكنه يُحسب خاطئًا بخطية لم يرتكبها، بل ورثها من أبيه آدم، فمع أنه لم يكن مع آدم لكنه كان في آدم.

وفي القداس الباسيلي يصلي الأب الكاهن:

" قدوس، قدوس، قدوس، بالحقيقة أيها الرب إلهنا

الذي جبلنا وخلقنا ووضعنا في فردوس النعيم

وعندما خالفنا وصيتك بغواية الحية سقطنا من الحياة الأبدية ونفينا من فردوس النعيم..".

وفي القداس الغريغوري أيضًا يصلي الأب الكاهن:

" أظهرت لي شجرة الحياة، وعرفتني شوكة الموت

غُرس واحد نهيتني أن آكل منه. هذا الذي قلت لي لا تأكل منه وحده

فأكلت بإرادتي وتركت عني ناموسك برأيي. وتكاسلت عن وصاياك

أنا اختطفت لي قضية الموت".

ومن أجل توارثنا لخطية آدم لذلك تصر الكنيسة على تعميد الأطفال، بالرغم من أنهم ولدوا من آباء مسيحيين وأمهات مسيحيات، وإذا سألت الذين ينكرون وراثة الخطية الجدية (نسبة للجد آدم): فلماذا معمودية الأطفال..؟ يجيبون: لتجديد الطبيعة، ويتجاهلون أنها لمغفرة الخطايا، مع أنها لمغفرة الخطايا بدليل:

1) قول بطرس الرسول للجموع: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (أع 2: 38) فالمعمودية تغفر الخطايا وتُجدّد الطبيعة وتهب الولادة الجديدة..

2) قال حنانيا لشاول الطرسوسي: "وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى. قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ" (أع 22: 16).

3) في قانون الإيمان: "ونعترف بعمودية واحدة لمغفرة الخطايا".

4) في أوشية الموعوظين: "أعطهم أن يعرفوا ثبات الكلام الذي وعظوا به وفي الزمن المحدد فليستحقوا حميم الميلاد الجديد لغفران خطاياهم إذ تعدهم هيكلًا لروحك القدوس".

وقد يتساءل أحد: إن كنا ورثنا خطية آدم بدون إرادتنا، فلماذا لا نرث خلاص المسيح بدون معمودية..؟ ذلك لأن خلاص المسيح بالاختيار، فالسيد المسيح صنع خلاصًا يكفي العالم كله في كل زمان ومكان، ولكن ليس الكل يريدون هذا الخلاص. كل من يُريد أن يحصل على خلاص المسيح عليه أن يقبله بالإيمان ويقبل المعمودية، ففي المعمودية نخلع الإنسان العتيق ونموت عن الطبيعة القديمة الساقطة الفاسدة المحكوم عليها بالموت، ونقوم خليقة جديدة، وقد أخذنا نعمة البنوة، ومغفرة جميع الخطايا الجدية والخاصة.

وعندما إدَّعى الراهب البريطاني "بيلاجيوس" أن خطية آدم كانت قاصرة عليه دون الجنس البشري، وأن الطفل يُولد ليس بارًا ولا شريرًا، بل أن البيئة والنشأة هيَ التي تُشكّله فيفعل ما يشاء سواء خيرًا أو شرًا، وأنكر توارث الخطية الأصلية، يقول "عزت أندراوس" في "موسوعة تاريخ أقباط مصر": "كان جواب أُغسطينوس على تعاليم بيلاجيوس أن الإنسان يرث خطيئة آدم في حياته، وأن كل إنسان أخطأ في آدم. وهكذا فالإنسان في حالته الحاضرة غير قادر أن يقوم بجميع متطلبات الشريعة الإلهيَّة وهو يبقى إذًا تحت غضب الإله. ليس هناك واسطة للخلاص إلاَّ بالمسيح يسوع وبما قام به على الصليب مكفّرًا عن خطايا المؤمنين" (من شبكة الإنترنت) وكذلك قاوم القديس جيروم هذه البدعة البيلاجية. وعندما اتهموا أُغسطنيوس بأنه صاحب فكرة وراثة الخطية الأصلية، دافع عن نفسه، موضحًا أن هذا فكر كتابي آبائي نجده عند يوستين وثاوفيلس وأيرينيؤس... إلخ.

وكان بيلاجيوس راهبًا ناسكًا تقيًا، ويقول "القمص أنجيلوس جرجس": "استمر بيلاجيوس في نسكياته وجهاده إلى أن اقتنع أن الإنسان بطبيعته البشرية، بدون النعمة، يستطيع أن يصل إلى القداسة، ثم تطرف في الفكرة وقال أنه لا يُوجد عمل للنعمة إلاَّ الخلقة الأولى وغفران الخطايا، أما القداسة فيستطيع الإنسان أن يصل إليها بمجهوده الشخصي. لكن الإيمان المُسلَّم لنا أننا نحمل طبيعة فاسدة ونحمل خطية آدم. فرفض بيلاجيوس هذا، وقال أننا لم نرث خطية آدم ولا الطبيعة الفاسدة، وقال أن المعمودية ليس لها دور في مغفرة الخطايا الجدية، فبالتالي الأطفال المولودين ليسوا بحاجة إلى المعمودية، وأنهم يمكنهم بدون المعمودية أن يدخلوا الملكوت وبالتالي كسر فكرة الصليب والفداء وارتباطه بمغفرة الخطية الأصلية.. القديس أُغسطينوس والقديس جيروم هاجموا البيلاجية بضراوة، فالقديس أُغسطينوس له كتب كثيرة ضد بيلاجيوس، وكتب عن عمل النعمة لأنه هو اختبر عمل النعمة" (من موقع الشجرة المغروسة بالإنترنت).

وفي سنة 419م عُقِد مجمع قرطاجنة، وحُكم على بيلاجيوس بالحرم -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- وجاء في القانون الثاني من قوانين المجمع: "إذا قال أي إنسان أن الأطفال حديثي الولادة لا يحتاجون إلى معمودية، أو أنهم يجب أن يعتمدوا لغفران الخطايا، لكن ليست فيهم "أية خطية أصلية موروثة" من آدم لا بد أن تغسل بحميم الميلاد الجديد، وفي حالتهم هذه لا تؤخذ صيغة المعمودية أنها " لغفران الخطايا " بطريقة حرفية، إنما بطريقة رمزية، فليكن محرومًا، لأنه وفقًا لـ(رومية 5: 12) اجتازت خطية آدم إلى الجميع" (الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ - سلسلة قضايا لاهوتية خطيرة 2- كتاب وراثة الخطية الأصلية).. وفي سنة 431م حكم مجمع أفسس على بيلاجيوس بالحرم مؤيدًا قرارات مجمع قرطاجنة.

وعندما نادى الكاثوليك بعقيدة "الحبل بلا دنس" قائلين أن اللَّه حفظ العذراء مريم، فحُبِل بها وولدت دون أن ترث الخطية الأصلية، لم تقبل كنيستنا هذه البدعة، لأن العذراء مريم قالت: "تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ. وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّه مُخَلِّصِي" (لو 1: 46، 47). ولم يحل الروح القدس على حنة أم العذراء مريم حتى تُولد (العذراء مريم) بدون الخطية الأصلية، مثلما حلَّ على العذراء مريم فقدَّس وطهَّر ونقى مستودعها فُولِد منها القدوس الذي بلا خطية وحده، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: يا أخوتنا الكاثوليك.. متى يكون اللقاء جـ2 أضواء على آراء - الفصل الخامس: معتقدات خاصة بالسيدة العذراء ص150 - 178.

 

أقوال الآباء: نذكر من هؤلاء الآباء، على سبيل المثال:

1) القديس أثناسيوس: "ولما كان من الواجب وفاء الدين المستحق على الجميع، إذ - كما بينا سابقًا - كان الجميع مستحقين الموت، فلأجل هذا العرض جاء المسيح بيننا، وبعدما قدم براهينًا كثيرة على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد فإنه قدم ذبيحته عن الجميع فأسلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع.

أولًا: لكي يبرّرهم ويحرّرهم من المعصية الأولى.

وثانيًا: لكي يثبت أنه أقوى من الموت، مُظهرًا جسده الخاص أنه عديم الفساد وأنه باكورة لقيامة الجميع" (تجسد الكلمة 20: 2)(337).

2) القديس أمبروسيوس (340 - 397م): "ليس حبل بلا خطية، حيث لا يوجد والدان لم يسقطا" (338). كما يقول أيضًا: "في آدم سقطتُ أنا وفيه طردتُ من الفردوس، وفيه متُّ، فكيف يردني الرب إلاَّ بأن يجدني في آدم مذنبًا، إذ كنت هكذا، أما الآن ففي المسيح أتبرر أنا" (Ambrose of the Christian Faith 9. NPN F2 10: 236).

3) القديس باسيليوس الكبير (329 - 379م): "ليس أحد بلا وصمة، ولو كانت حياته يومًا واحدًا (أي 14: 4). يئن داود قائلًا: "بِالإِثْمِ صُوِّرْتُ وَبِالْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي" (مز 51: 5). أيضًا يعلن الرسول: "إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللَّه. مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بِالْفِدَاءِ الَّذِي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّه كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِه" (رو 3: 23 - 25). لذلك فإن غفران الخطايا يمنح الذين يؤمنون.." (أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير مزمور 51 - موقع الأنبا تكلا).

4) القديس كيرلس الكبير (376 - 444م): يقول: "لأننا أخطأنا في آدم أولًا، ودسنا تحت الأقدام الوصية الإلهيَّة" (في تفسيره يوحنا 18: 22). وأيضًا: "صرنا شركاء مخالفة آدم ومن جراء أخطائه عوقبنا، إذ طالت اللعنة الجميع والغضب إمتد إلى نسله" (السجود والعبادة بالروح والحق مقالة 11).

 وأيضًا يقول: "ما علاقة ذنب آدم بنا..؟ لأن طبيعتنا أُصيبت بمرض الخطية بسبب معصية إنسان واحد، الذي هو آدم، وهكذا أصبح الكثيرون خطاة. هذا ليس لأنهم أخطأوا مع آدم، لأنهم لم يُوجدوا بعد. ولكن بسبب أن لهم نفس الطبيعة مثل آدم التي سقطت تحت ناموس الخطية. وهكذا، تمامًا كما اكتسبت الطبيعة البشرية ضعف الفساد بسبب العصيان، واجتاحتها الرغبات الشريرة، كذلك نفس الطبيعة قد تحرَّرت فيما بعد بالمسيح، الذي كان طائعًا للَّه الآب، ولم يرتكب خطية" (شرح إنجيل لوقا 42). وأيضًا يقول: "الخطية التي لصقت بنا بواسطة المعصية الأصلية" (من تفسير رسالة القديس بولس إلى أهل رومية).

5) القديس أُغسطينوس (354 - 430م): يقول: "ليس أحد طاهرًا في عيني اللَّه، ولا طفل ابن يوم واحد على الأرض، مع أن هؤلاء يحسبون إستثناء، فوق حدود قياسنا البشري أن نسأل عن الرتبة التي يستحقونها في نصيب القديسين في النور، الذي وعد به في المستقبل" (القمص تادرس يعقوب - تفسير مزمور 51 - موقع الأنبا تكلا).

 وأيضًا يقول: "الخطية هيَ خطيتنا وقصاصها كان يجب أن يحل بنا، لكن المسيح حمل هذا القصاص عوضًا عنا، وبذلك أعتقنا منها للأبد" (Augustine Reply to Faustius the Manichaean NPN F4: 209).

6) الأنبا ساويرس أسقف الأشمونين: "لأنه بسبب خطية آدم كل من يموت من جميع ذريته ينزل إلى الجحيم، حتى الأطفال الذين لم يخطئوا" (339).

7) القديس حبيب جرجس: يقول: "إن الأطفال مشتركون في الخطية الجدية مثل الكبار.."(340).

العقل والمنطق:

1) لو لم يرث أبناء آدم خطية أبيهم، فلماذا لم يرجع أحد منهم إلى الفردوس؟!

2) جاءت الخطية الأصلية للإنسان من الخارج، بينما نبعت خطية قايين من داخله، ويقول "القديس أثناسيوس": "3- فالبشر لم يقفوا عند حد معين في خطاياهم، بل تمادوا في الشر حتى أنهم شيئًا فشيئًا تجاوزوا كل الحدود وصاروا يخترعون الشر حتى جلبوا على أنفسهم الموت والفساد، ثم توغلوا في الظلم والمخالفة، ولم يتوقفوا عند شر واحد، بل كان كل شر يقودهم إلى شر جديد حتى أصبحوا نهمين في فعل الشر. 4- ففي كل مكان انتشر الزنى والسرقة وامتلأت الأرض كلها بالقتل والنهب، ولم يرعوا حرمة أي قانون بل كانوا يسلكون في الفساد والظلم بل صاروا يمارسون الشرور بكل أنواعها أفرادًا وجماعات. فنشبت الحروب بين المدن، وقامت أمم ضد أمم وتمزَّقت المسكونة كلها بالثورات والحروب، وصار كل واحد يتنافس مع الآخر في الأعمال الشريرة. 5- كما أنهم لم يكونوا بعيدين عن الخطايا التي هيَ ضد الطبيعة كما قال الرسول والشاهد للمسيح "لأن آثامهم استبدلن الاستعمال الطبيعي بالذي على خلاف الطبيعة وكذلك الذكور أيضًا تاركين استعمال الأنثى الطبيعي اشتغلوا بشهوتهم بعضهم لبعض فاعلين الفحشاء ذكورًا بذكور وقائلين في أنفسهم جزاء ضلالهم المحق" (تجسد الكلمة (5: 3 - 5)" (341).

3) حسب قانون مندل للوراثة تتوارث الصفات الوراثية من الجدود حتى الجد السابع، مثل لون العينين والشعر والطول والقصر ولون البشرة، كما أن هناك بعض الأمراض تتوارث، فهل الأفضل أن الإنسان يحتج ما ذنبي حتى أرث المرض عن أبي؟ أم أنه يبحث عن علاج هذا المرض؟!.. هكذا عوضًا عن أن يشغل الإنسان نفسه بوراثة الخطية الأصلية، الأفضل أن يتقبَّل الخلاص العظيم الذي صنعه اللَّه على عود الصليب. (راجع كتابنا: أسئلة حول التجسد الإلهي س3، س4).

ونعيد السؤال ثانية: هل ورثنا الخطية الأصلية، أم أننا ورثنا فقط فساد الطبيعة..؟ واضح مما ذكرناه أننا ورثنا الخطية الأصلية، ليس بمعنى أننا كنا مع آدم لحظة ارتكاب المعصية، ولكن بمعنى أننا كنا في آدم لحظة الخطية، ولا يمكن فصل المعصية الأولى عن نتائجها، وهذا ما أوضحه بولس الرسول كما رأينا عندما ربط بين دخول الخطية للعالم بنتائج هذه الخطية (رو 5: 12 - 19). ومن نتائج الخطية: (1) فساد الطبيعة. (2) سيادة الموت. (3) تسلُّط الشيطان. (4) العقوبة.. فلا فساد للطبيعة بدون خطية، فحيثما لا تُوجد خطية لا يُوجد فساد للطبيعة.. ولا سيادة للموت بدون خطية، فحيثما لا تُوجد خطية لا يسود الموت.. ولا تسلُّط للشيطان بدون خطية، فحيثما لا توجد خطية لا تسلُّط للشيطان.. ولا عقوبة بدون خطية، فحيثما لا توجد خطية لا توجد عقوبة.. الربط بين الخطية الأصلية ونتائجها هو ربط العلة بالمعلول.

 

2- هل المسيح مات فقط من أجل تجديد الطبيعة البشرية التي فسدت..؟ لو قلنا أن السيد المسيح مات ليجدد طبيعتنا البشرية التي فسدت بعد السقوط، فهو قول صحيح، ولكنه قاصر، لأن الهدف الأساسي من التجسد هو الفداء:

1) " اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا" (غل 3: 13).

2) " أَرْسَلَ اللَّه ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ. لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" (غل 4: 4، 5).

3) " الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً لأَجْلِ الْجَمِيعِ" (1 تي 2: 6).

4) " عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى.. بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ دَمِ الْمَسِيحِ" (1 بط 1: 18، 19).

بالخطية صار الإنسان تحت الدين، وبالفداء رد المسيح الدين. ويُعرّف القديس أثناسيوس الدين على أنه فقدان النعمة أو فقدان الصورة الإلهيَّة، فالإنسان كان عاجزًا عن سداد الدين، ليس بمعنى أن يدفع ما هو مستحق عليه، ولكن بمعنى استرداد ما فُقد منه، فجاء المسيح ورد الدين إذ أعاد للإنسان صورته الأولى. وتقول "دكتور فينيس نيقولا" عن فكر القديس أثناسيوس في الفداء: "فقد تجسد اللوجوس ليسترد الإنسان المعرفة الحقيقية باللَّه التي فقدت منه بالخطية، ويمثل اللوجوس المتجسّد بديلًا للبشر الذي دفع دينه.. ويقول "أثناسيوس" كي يطلق الكل أحرارًا من الخطية ولعنتها، ولكي يحيوا حقًا أحرارًا من الموت، ويلبسوا عدم الفساد وعدم الموت" (الأسقف جوستاف أولين - المسيح المنتصر ص58) (342).

فالخطية كان لها ثلاث نتائج من جهة اللَّه، ومن جهة الإنسان، ومن جهة الشيطان، وقد تجسَّد السيد المسيح ومات من أجل علاج جميع هذه النتائج:

أولًا: من جهة اللَّه: الخطية فصلت الإنسان عن اللَّه، وجلبت الغضب الإلهي، فجاء السيد المسيح وقدم ذاته "ذبيحة محرقة" للَّه أبيه وقت المساء على الجلجثة، لكيما يوفي جانب العدل الإلهي، وذبيحة المحرقة كانت تشتعل فيها النار حتى تصير رمادًا، فلا يأكل منها أحد، لا الكاهن ولا من قدم الذبيحة، بل تُحرق بالنار تمامًا، فهيَ تمثل جانب إرضاء العدل الإلهي، ولهذا كانت هذه الذبيحة أول الذبائح (لا ص1) حتى سُمّي المذبح النحاسي الذي يقدمون عليه الذبائح "مذبح المحرقة"، فصار المسيح ذبيحة محرقة ليرضي أولًا الآب ويصالحنا معه:

1) " لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللَّه بِمَوْتِ ابْنِهِ.. بَلْ نَفْتَخِرُ أَيْضًا بِاللَّه بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الَّذِي نِلْنَا بِهِ الآنَ الْمُصَالَحَةَ" (رو 5: 10، 11).

2) " وَلكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللَّه الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ. أَيْ إِنَّ اللَّه كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ وَوَاضِعًا فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَة" (2 كو 5: 18، 19).

3) " وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللَّه بِالصَّلِيبِ" (أف 2: 16) أي صالح كل من اليهود والأمم مع اللَّه.

4) " وَأَنْ يُصَالِحَ بِهِ الْكُلَّ لِنَفْسِهِ عَامِلًا الصُّلْحَ بِدَمِ صَلِيبِهِ.. قَدْ صَالَحَكُمُ الآنَ فِي جِسْمِ بَشَرِيَّتِهِ بِالْمَوْت" (كو 1: 20 - 22).

5) " فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ" (رو 5: 9).

 

ثانيًا: من جهة الإنسان: كان محكومًا عليه بالموت مربوطًا بخطاياه، فجاء السيد المسيح وقدم ذاته ذبيحة خطية وذبيحة إثم: "إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" (إش 53: 10).. " قَدْ أُظْهِرَ مَرَّةً عِنْدَ انْقِضَاءِ الدُّهُورِ لِيُبْطِلَ الْخَطِيَّةَ بِذَبِيحَةِ نَفْسِه" (عب 9: 26)، فالسيد المسيح ذُبح على الصليب ليرفع حكم الموت عن الإنسان ويفكه من خطاياه. كان الذي يُقدم ذبيحة خطية أو ذبيحة إثم، يضع يده على رأس الذبيحة مقرًّا بخطاياه، فتُذبح نيابة عنه، وهنا نرى بريء يموت عن مذنب.. بريء يفدي مُذنب، فالحمل البريء يُذبح نيابة عن الإنسان الخاطئ، وهذا ما حدث على الصليب إذ ذُبح يسوع وهو البريء الذي بلا خطية وحده نيابة عن الإنسان الأثيم: "كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش 53: 6).. مات المسيح عن خطايانا وآثامنا، وقبل حكم الموت ليرفع عنا الحكم الواقع علينا، ولأن الحكم بالموت كان ضد الإنسان، لذلك كان من الضروري أن كلمة اللَّه يتجسَّد ويتخذ طبيعتنا ليصير إنسانًا، فيحمل الحكم الصادر ضد الإنسان: "لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ" (يو 15: 13).. و" لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ" (رو 6: 23) لذلك مات المسيح ليدفع أجرة الخطية، ثمن الخطية، مات يسوع لينال البشر غفران الخطايا والآثام:

1) " الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّه كَفَّارَةً بِالإِيمَانِ بِدَمِهِ لإِظْهَارِ بِرِّهِ، مِنْ أَجْلِ الصَّفْحِ عَنِ الْخَطَايَا السَّالِفَةِ" (رو 3: 25).

2) " لأَنَّ الْمَسِيحَ، إِذْ كُنَّا بَعدُ ضُعَفَاءَ، مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ" (رو 5: 6).

3) " وَلكِنَّ اللَّه بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رو 5: 8).

4) " أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ" (1 كو 15: 3).

5) " الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا" (غل 1: 4).

6) " الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا" (أف 1: 7) فموت المسيح حقَّق لنا الفداء فحصلنا على مغفرة الخطايا.

7) " فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا تَأَلَّمَ مَرَّةً وَاحِدَةً مِنْ أَجْلِ الْخَطَايَا الْبَارُّ مِنْ أَجْلِ الأَثَمَةِ لِكَيْ يُقَرِّبَنَا إِلَى اللَّه" (1 بط 3: 18).

8) " وَهُوَ كَفَّارَةٌ لِخَطَايَانَا. لَيْسَ لِخَطَايَانَا فَقَطْ بَلْ لِخَطَايَا كُلِّ الْعَالَمِ أَيْضًا" (1 يو 2: 2).

9) " الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِه" (رؤ 1: 5).

10) " غَسَّلُوا ثِيَابَهُمْ وَبَيَّضُوا ثِيَابَهُمْ فِي دَمِ الْخَرُوفِ" (رؤ 7: 14).

وإن كان تجديد الطبيعة يمثل أمر مستقبلي، فإن مغفرة الخطايا يمثل أمر ماضي، فلو أن السيد المسيح مات لأجل تجديد الطبيعة البشرية، فما هو الحل بالنسبة للماضي وخطاياه السالفة؟!!. كان لا بد أن يوفي الحساب القديم لأن أجرة الخطية هيَ موت، وهذا ما فعله السيد المسيح إذ مات عن خطايانا السالفة.

ثالثًا: من جهة الشيطان: مات المسيح ليخلصنا من سطوة الشيطان ويسحقه تحت أقدامنا:

1) " رَأَيْتُ الشَّيْطَانَ سَاقِطًا مِثْلَ الْبَرْقِ مِنَ السَّمَاءِ" (لو 10: 18).

2) " رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ" (يو 16: 11).

3) " إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ. إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ" (كو 2: 14، 15).

4) " لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ أَيْ إِبْلِيسَ" (عب 2: 14).

5) " وَإِلهُ السَّلاَمِ سَيَسْحَقُ الشَّيْطَانَ تَحْتَ أَرْجُلِكُمْ سَرِيعًا" (رو 16: 20).

 

3- هل المسيح مات عنا أم أنه مات لأجلنا..؟ الذين يعترضون على القول بأن المسيح "مات عنا"، ذلك لأنهم يعتقدون أننا صُلبنا معه ومتنا معه، فكيف نقول "مات عنا"..؟ والحقيقة واضحة أن السيد المسيح صُلب لوحده ومات لوحده، وقال " قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ" (إش 63: 3) (راجع مت 20: 28، رو 3: 25، 1 تي 2: 5، 1 بط 3: 18، 1 يو 4: 10.. إلخ).. والحقيقة أن المسيح مات عنا، ومات لأجلنا، ومات بدلًا منا، والتعبيرات الثلاث صحيحة، فعندما أكون مديونًا وعاجز عن إيفاء ديني، ثم يأتي والدي ويسدد هذا الدين، فلو قلت أن والدي سدَّد الدين عني فهذا صحيح، ولو قلت أنه سدَّد الدين لأجلي فهذا صحيح أيضًا، وإن قلت أنه سدَّد الدين بدلًا مني، فهذا صحيح أيضًا، وهذا واضح من خلال الكتاب المقدَّس والليتورجيا وأقوال الآباء.

أولًا: الكتاب المقدَّس: ومن أمثلة الآيات التي توضح هذا:

1) " ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت 20: 28).

2) " هذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي الَّذِي يُسْفَكُ عَنْكُمْ" (لو 22: 20).

3) " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ.. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَاف" (يو 10: 11، 15).

4) " وَأَمَّا هذَا فَبَعْدَمَا قَدَّمَ عَنِ الْخَطَايَا ذَبِيحَةً وَاحِدَةً، جَلَسَ إِلَى الأَبَدِ عَنْ يَمِينِ اللَّه" (عب 10: 12).

ثانيًا: الليتورجيا: ومن أمثلة ذلك في القداس الباسيلي:

1) في قانون الإيمان: "وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطي".

2) في قطعة "تجسد وتأنس": "هذا الذي أحب خاصته الذين في العالم وأسلم ذاته فداءً عنا إلى الموت الذي تملّك علينا".

3) في قطع "ووضع لنا": "لأنه فيما هو راسم أن يسلّم نفسه للموت عن حياة العالم".

4) في الرشومات: "لأن هذا هو جسدي الذي يُقسّم عنكم وعن كثيرين يُعطى لمغفرة الخطايا".

5) في اعتراف الأب الكاهن: "وسلمه عنا على خشبة الصليب المقدَّسة بإرادته وحده عنا كلنا".

وفي طرح أسبوع الآلام: "المسيح مخلصنا جاء وتألم عنا لكي بآلامه المحيية يخلصنا. فلنمجده ونرفع اسمه لأنه صنع معنا رحمة كعظيم رحمته".

ثالثًا: في أقوال الآباء: ونأخذ مثلين فقط من أقوال البابا أثناسيوس وكيرلس الكبير:

البابا أثناسيوس الرسولي:

1) " وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلًا لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع.." (تجسد الكلمة 8: 4) (343).

2) " فلقد أدرك الكلمة جيدًا أنه لم يكن ممكنًا أن يقضي على فساد البشرية بأي طريقة أخرى سوى الموت نيابة عن الجميع.." (تجسد الكلمة 9: 1)(344).

3) " ولأن كلمة اللَّه هو فوق الجميع فقد كان لائقًا أن يقدم هيكله الخاص وأداته البشرية فدية عن حياة الجميع موفيًا دين الجمع بموته" (تجسد الكلمة 9: 2)(345).

4) " وبعدما قدم براهينًا كثيرة على ألوهيته بواسطة أعماله في الجسد فإنه قدم ذبيحته عن الجميع، فأسلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع" (تجسد الكلمة 20: 2)(346).

5) " فلقد كان الموت حتمًا، وكان لا بد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكي يوفي الدين المستحق على الجميع" (تجسد الكلمة ف 20: 5)(347).

6) " طالما أن الكلمة كان من غير الممكن أن يموت، إذ أنه غير مائت فقد أخذ لنفسه جسدًا قابلًا للموت حتى يمكن أن يقدمه كجسده الخاص نيابة عن الجميع" (تجسد الكلمة 20: 6)(348).

7) " والآن إذ قد مات مُخلص الجميع نيابة عنا، فإننا نحن الذين نؤمن بالمسيح لن نموت.." (تجسد الكلمة ف21: 1)(349).

( راجع أيضًا تجسد الكلمة ف 21: 3، 5، 7، 25: 13، 31: 4، 40: 2).

 

وجاء في "الرسالة إلى ديوجنيس": "حمل بنفسه آثامنا، وبذل نفسه فدية عنا، القدوس من أجل الأثمة، الذي بلا لوم من أجل الأشرار، البار من أجل الفاسدين، غير المائت من أجل المائتين. لأنه أي شيء كان يمكن أن يستر خطايانا غير بره، وبمن كان يمكن لنا نحن الأشرار والأثمة أن نتبرَّر سوى بابن اللَّه الوحيد؟ ياللمبادلة العذبة!.. أن تختفي شرور الكثيرين في الواحد البار، وأن يتبرَّر الكثيرون من الأثمة ببر الواحد!".

القديس كيرلس الكبير: "فالمسيح بتجسده صار نائبًا عن البشرية كلها وصار ممثلًا للبشرية كلها، وصار موته نيابة عن البشرية كلها، ومن هنا نفهم عبارة كنا فيه كالبشرية كلها التي تجسد من أجلها السيد المسيح وخلصها على خشبة الصليب. كنا فيه بمعنى أن السيد المسيح أخذ طبيعتنا البشرية الضعيفة ومات بها وقام من بين الأموات وأعطانا السلطان والقوة أن ننال هذا الخلاص بالإيمان به".

(Gril, De adr ratto ne et culta in sp iritu et verita et III 100 - 102 in. J.P Migne (ed). Patrologiae Cursus C Completus. Series Graeca Vol. 68 (Paris. 1857 (293 , 296).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (337) ترجمة دكتور جوزيف موريس فلتس ص57.

(338) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير مزمور 51 ص886.

 (339) أورده دكتور موريس تاوضروس - الخطية الأصلية ص36.

(340) أسرار الكنيسة ص27 - 30.

 (341) ترجمة الدكتور جوزيف موريس فلتس ص13، 14.

 (342) الكفارة نظرية وتطبيق ص58، 59.

 (343) ترجمة دكتور جوزيف موريس فلتس ص22.

 (344) ترجمة دكتور جوزيف موريس فلتس ص23.

(345) المرجع السابق ص24.

(346) المرجع السابق ص57.

(347) المرجع السابق ص58.

(348) المرجع السابق ص58.

(349) المرجع السابق ص60.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/455.html