St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

456- هل هناك عقوبة دفعها المسيح عنا بموته، وأوفى العدل الإلهي حقه، أم أنه لا تُوجد عقوبة، فالآب لم يعاقب الابن بالصليب، ولا الابن عاقب نفسه بالصلب، والخروف الضال الذي عاد إلى صاحبه، لم يعاقبه صاحبه بل حمله على منكبيه فرحًا، والابن الضال استقبله أبوه بفرح بالغ، بل أن فكرة العقوبة ضد صلاح اللَّه؟ وكيف يكون الابن قد ضحى بنفسه، بينما هو استردها بالقيامة؟

 

س456: هل هناك عقوبة دفعها المسيح عنا بموته، وأوفى العدل الإلهي حقه، أم أنه لا تُوجد عقوبة، فالآب لم يعاقب الابن بالصليب، ولا الابن عاقب نفسه بالصلب، والخروف الضال الذي عاد إلى صاحبه، لم يعاقبه صاحبه بل حمله على منكبيه فرحًا، والابن الضال استقبله أبوه بفرح بالغ، بل أن فكرة العقوبة ضد صلاح اللَّه؟ وكيف يكون الابن قد ضحى بنفسه، بينما هو استردها بالقيامة؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- هل هناك عقوبة دفعها المسيح عنا بموته، وأوفى العدل الإلهي حقه، أم أنه لا تُوجد عقوبة..؟ الذين ينكرون العقوبة، وأن المسيح لم يمت ليوفي عنا العقوبة هم الذين تأثروا بالأفكار الحديثة للكنيسة البيزنطية كما رأينا من قبل (راجع س453 نظرية التأثير الأخلاقي)، وحقيقة عقوبة الخطية أمر واضح في الكتاب المقدَّس، وقوانين الرسل والليتورجيا، وأقوال الآباء، فلا تُوجد خطية بدون عقوبة، سواء عقوبة أبدية أو عقوبة زمنية.

الكتاب المقدَّس: في سفر التكوين نلتقي بالعقوبة الأولى التي حلت بآدم وحواء والحية عقب مخالفة الوصية الإلهيَّة (تك 3: 14 - 19)، ثم عقوبة اللَّه لقايين بعد قتله لأخيه البار هابيل (تك 4: 11، 12)، وعقوبة اللَّه للبشرية بالطوفان (تك 6: 5 - 8)، والعقوبة التي لحقت بالذين بنو برج بابل، إذ تبلبلت ألسنتهم وتفرقوا (تك 11: 7، 8)، وعقوبة اللَّه لسدوم وعمورة (تك 19: 24 - 26، يه 7). ومن أمثلة العقوبات في سفر الخروج الضربات العشر لفرعون وللمصريين (خر ص 7 - 11) وتتوالى العقوبات في الكتاب المقدَّس بعهديه، ففي العهد القديم:

1) " وَمَاذَا تَفْعَلُونَ فِي يَوْمِ الْعِقَابِ حِينَ تَأْتِي التَّهْلُكَةُ مِنْ بَعِيدٍ" (إش 10: 3).

2) " وَأُعَاقِبُ الْمَسْكُونَةَ عَلَى شَرِّهَا وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى إِثْمِهِمْ وَأُبَطِّلُ تَعَظُّمَ الْمُسْتَكْبِرِينَ" (إش 13: 11).

3) " هَا أَيَّامٌ تَأْتِي، يَقُولُ الرَّبُّ، وَأُعَاقِبُ كُلَّ مَخْتُونٍ وَأَغْلَفَ" (إر 9: 25).

4) " لِذلِكَ هكَذَا قَالَ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ عَنِ الرُّعَاةِ الَّذِينَ يَرْعَوْنَ شَعْبِي أَنْتُمْ بَدَّدْتُمْ غَنَمِي وَطَرَدْتُمُوهَا وَلَمْ تَتَعَهَّدُوهَا. هأَنَذَا أُعَاقِبُكُمْ عَلَى شَرِّ أَعْمَالِكُمْ يَقُولُ الرَّبُّ" (إر 23: 2).

5) " اَلنَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ" (حز 18: 4).

6) " قَدْ قَسَوا قُلُوبَهُمْ. اَلآنَ يُعَاقَبُونَ" (هو 10: 2).

7) " أما المنافقون فسينالهم العقاب الخليق بمشوراتهم إذ إستهانوا بالصديق وإرتدوا عن الرب" (حك 3: 10).

8) " لكي يعلموا أن ما خطئ به أحد به يُعاقب" (حك 11: 17).

9) " لأن الرحمة والغضب من عنده هو رب العفو وساكب الغضب. كما أنه كثير الرحمة هكذا هو شديد الغضب. فيقضي على الرجل بحسب أعماله. لا يفلت الخاطئ بغنائمه" (سي 16: 12، 13).

وفي العهد الجديد نجد عقوبة اللَّه لحنانيا وسفيرة (أع 5: 1 - 11)، وعقوبة اللَّه لهيرودس (أع 12: 23) وعقوبة عليم الساحر (أع 13: 8 - 11) وتتوالى الضربات حتى سفر الرؤيا. كما أوضح الكتاب المقدَّس غضب اللَّه على العصاة المتمردين:

1) " الَّذِي يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالابْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّه" (يو 3: 36).

2) " لأَنَّ غَضَبَ اللَّه مُعْلَنٌ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى جَمِيعِ فُجُورِ النَّاسِ وَإِثْمِهِمِ الَّذِينَ يَحْجِزُونَ الْحَقَّ بِالإِثْمِ" (رو 1: 18).

3) " وَلكِنَّ اللَّه بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا. فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا وَنَحْنُ مُتَبَرِّرُونَ الآنَ بِدَمِهِ نَخْلُصُ بِهِ مِنَ الْغَضَبِ" (رو 5: 8، 9).

4) " فَهُوَذَا لُطْفُ اللَّه وَصَرَامَتُهُ أَمَّا الصَّرَامَةُ فَعَلَى الَّذِينَ سَقَطُوا وَأَمَّا اللُّطْفُ فَلَكَ، إِنْ ثَبَتَّ فِي اللُّطْفِ وَإِلاَّ فَأَنْتَ أَيْضًا سَتُقْطَعُ" (رو 11: 22).

5) " وَتَنْتَظِرُوا ابْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ يَسُوعَ الَّذِي يُنْقِذُنَا مِنَ الْغَضَبِ الآتِي" (1 تس 1: 10).

6) " الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِه" (2 تس 1: 9).

7) " فَكَمْ عِقَابًا أَشَرَّ تَظُنُّونَ أَنَّهُ يُحْسَبُ مُسْتَحِقًّا مَنْ دَاسَ ابْنَ اللَّه وَحَسِبَ دَمَ الْعَهْدِ الَّذِي قُدِّسَ بِهِ دَنِسًا وَازْدَرَى بِرُوحِ النِّعْمَة" (عب 10: 29).

8) " مُخِيفٌ هُوَ الْوُقُوعُ فِي يَدَيِ اللَّه الْحَيِّ" (عب 10: 31).

9) " لِيَصْنَعَ دَيْنُونَةً عَلَى الْجَمِيعِ وَيُعَاقِبَ جَمِيعَ فُجَّارِهِمْ عَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِ فُجُورِهِمُ الَّتِي فَجَرُوا بِهَا" (يه 15).

فالذين ينكرون العقوبة الإلهيَّة والغضب الإلهي، أين يذهبون من مثل هذه الآيات وغيرها؟!!

قوانين الرسل: جاء في قانون (70): "فليسقط أي أسقف أو قس أو شماس أو أي إكليريكي يصوم أو يُعيّد مع اليهود، أو يقبل منهم أي نوع من هدايا العيد كخبز الفطير أو غيره، وأما العامي فليُقطع من الشركة".

وجاء في قانون (71): "أي مسيحي يقدم زيتًا إلى هيكل وثني أو إلى مجمع اليهود في عيدهم أو يوقد هناك مصباحًا فليُقطع من الشركة".

الليتورجيا:

1) في رفع بخور عشية وباكر يصلي الأب الكاهن " أفنوتي ناي نان".. " اللَّهم ارحمنا. قرّر لنا رحمة. تراءف علينا. واسمعنا وباركنا واحفظنا وأعنا وارفع غضبك عنا وافتقدنا بخلاصك. واغفر لنا خطايانا".

2) في القداس الغريغوري يصلي الأب الكاهن: "أنت يا سيدي حوّلت لي العقوبة خلاصًا" وقال المعترضون إن ترجمة "العقوبة" هنا غير صحيحة، والترجمة الصحيحة هيَ "الحكم".. والحقيقة أنه في اللغة القبطية الكلمتان مختلفتان فالعقوبة هيَ "تيموريا" وهيَ التي جاءت في النص، بينما الحكم "هاب" لم تأتِ في هذا النص، وما جاء في نص القداس هو نفس المعنى الذي جاء في (عب 10: 29) " كم كان عقابًا أشر" وجاءت "عقابًا" في اليونانية "تيمورياس".

أقوال الآباء: سبق عرض قول القديس إيرينيئوس، وقول القديس إكليمنضس في س447 رقم (5)، وفيما يلي نعرض لأقوال أخرى للآباء القدامى والمعاصرين:

1) يقول "البابا أثناسيوس الرسولي": "وهكذا إذ اتخذ جسدًا مماثلًا لطبيعة أجسادنا، وإذ كان الجميع خاضعين للموت والفساد، فقد بذل جسده للموت عوضًا عن الجميع وقدَّمه للآب. كل هذا فعله من أجل محبته للبشر أولًا: لكي إذ كان الجميع قد ماتوا فيه، فإنه يبطل عن البشر ناموس الموت والفناء، ذلك لأن سلطان الموت قد أُستنفذ في جسد الرب، فلا يعود للموت سلطان على أجساد البشر.." (تجسد الكلمة 8: 4)(350).

2) يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "هل تنظر كم عظيم اجتهاده (اجتهاد المسيح) في أن الصك ينبغي أن يُمحى؟ إذ للعلم نحن كلنا واقعين تحت الخطية والعقوبة. وهو نفسه (أي المسيح) بتكبده العقوبة محا الخطية والعقوبة. وعوقب على الصليب. لذلك هو ثبَّته (سمَّره أي الصك) في الصليب" (تفسير كولوسي 3: 13 - 15 للقديس يوحنا ذهبي الفم).

كما يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": ".. ولعل قائل بقول: فلماذا إذًا يعاقب الذين لا يريدون أن يطيعوه؟ وما غرضه في التهديد بجهنم لأولئك الذين لا يطيعون وصاياه؟ فنجيبه، لأنه يشفق علينا جدًا إذ أنه صالح، حتى إذا لم نخضع له ولم نقبل منه، وإذا كنا جانحين عنه وهربنا منه فلا يتخلَ عنا. وإذا أبعد الذين لم يقبلوه.. إلاَّ أنه أسبغ إنعامه عليهم، وقدم لهم الطريق الأخرى التي تستحوذ عليهم، العقوبة والعذاب. وإن كانت لأشد مرارة إلاَّ أنها مع ذلك ضرورية ولازمة، إذ أنهم رفضوا الطريق الأولى.

ومع ذلك مشترعو القوانين في مجتمعنا رسموا عقوبات كثيرة صعبة على الذين يخطئون، إلاَّ أننا مع ذلك لا نضمر لهم العداء بسبب تلك القوانين، بل نكرمهم أكثر لأجل هذا، مع أنهم لا ينالون أي فائدة منا.. أنهم في ذلك اهتموا بتقويم مسلكنا في الحياة، إذ أكرموا العائشين في الفضيلة ووضعوا تلك العقوبات التي رسموها للخارجين عن القانون، والذين يفسدون سلام الآخرين. فإن كنا نعجب بهؤلاء ونحبهم، أفما يجب علينا أن ننذهل بالأكثر من إلهنا، ونحبه أكثر لأجل اهتمامه الجزيل بنا والذي لا يوصف؟" (عظة (10) من تفسير إنجيل يوحنا).

وأيضًا يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "من المؤكد أنه سيكون هناك جحيم ونحن لدينا كما أعتقد براهين كافية كنت قد أشرت إلى بعضها حينما ذكرنا الطوفان.. أن هذه الأمور كانت كعقوبة موجهة لهؤلاء الذين أخطأوا قبل الناموس، فهل تظن أن الذي صنع كل هذا من الممكن أن يترك أناس الزمن الحاضر الذين يخطئون بدون عقوبة؟! أعتقد أنه سيعاقبهم لأنهم بعدما أخذوا النعمة صنعوا شرورًا أعظم. وبعد هذا الكلام يبقى السؤال: كيف يكون اللَّه الذي يُعاقب البشر صالحًا ومُحبًا لهم..؟ لو تكلمت مع أحد أتباع ماركيون وسألته (بعد أن أوضحت كل هذه الأمور السابقة عن صلاح اللَّه) ألاَّ تكون هذه علامات على صلاح اللَّه ومحبته ؟ فتجد الجواب: إن علامة الصلاح والمحبة هو أن اللَّه لا يحاسب الناس على خطاياهم. فلو حاسبهم لا يكون صالحًا!. ولكني أقول لك: لأن اللَّه يحاسب الناس فهذا دليل صلاحه. ولتوضيح هذا الأمر نقول: لو أن اللَّه لم يحاسب الناس هل ستبقى الحالة الإنسانية الراقية قائمة بعد ذلك؟ ألن نسقط في حالة من الحيوانية؟ فلو لم نخشَ الحساب من قِبَل اللَّه.. فإننا سنفوق الأسماك التي تلتهم بعضها البعض، وقد نشابه الذئب والأسد في وحشيتهم وإفتراسهم. لو أن اللَّه لن يحاسبنا وأقنعنا أنفسنا بعدم وجود حساب، فيالها من فوضى عظمى وإرتباك متناهي هذا الذي سيعُم العالم؟!.. فإذا كان هناك إنسان لديه أبناء وسمح لهم بأن يفعلوا أي شيء يريدوه ولم يعاقبهم، ألن يجعلهم هذا يزدادون في شرورهم. وأني أسألكم الآن بعد كل هذه الأمثلة التي بيَّناها: هل كانت علامة الصلاح في العقوبة أم في الرحمة؟ بالتأكيد كانت في العقوبة.

.. وجود العقوبة واختلاف المصير يُعطي الصالحين هنا في الحياة بعض العزاء.. ولكن يبقى التساؤل: ألا يجب على اللَّه أن ينذر فقط ولا يعاقب أيضًا؟ والإجابة هيَ: لو أن اللَّه ينذر فقط ولا يعاقب ستقول في نفسك أنه فقط إنذار وتهديد، وفي هذه الحالة، ألن تصبح أكثر كسلًا؟ وإن لم تكن العقوبة حقيقية ألن تكون أكثر إسترخاءً؟!".

( Nicene and Post - Nicene Fathers Series I volume XIII. Homilies on THE SPISTLE OF ST.PAUL THE APOSTLE TO PHILEMON Homily III).

3) يقول "البابا شنوده الثالث": ".. فالذي ينكر عقوبة الموت الواقعة على الإنسان بسبب خطاياه، وينكر معها أن السيد المسيح حمل هذه العقوبة، إنما يُنكر أهم مبادئ المسيحية في الفداء والكفارة وبالتالي يُنكر عمل التجسُّد الإلهي.. موت المسيح بسفك دمه على الصليب، كان عوضًا عن موتنا نحن. وموتنا كان العقوبة التي يفرضها العدل الإلهي عن خطايانا. وقد وقعت هذه العقوبة على المسيح حيثما وضع عليه إثم جميعنا.. في حمل العقوبة عنا، لا نقول أن الابن عاقب نفسه، إنما نقول أنه بذل نفسه بإرادته ليحمل العقوبة عنا.

وفي كل ذلك العقوبة موجودة ولازمة ويقتضيها العدل الإلهي، الذي قال للإنسان " مَوْتًا تَمُوتُ " (تك 2: 17). وعلى رأي القديس أثناسيوس في كتابه (تجسد الكلمة): "إن لم يمت الإنسان لا يكون اللَّه صادقًا ولا عادلًا". العدل إذًا كان يقتضي العقوبة، ومن محبة اللَّه لنا، حمل هذه العقوبة عنا.. والذين يركزون على المحبة دون العدل، وعلى المغفرة دون ذكر الخطايا، إنما ينسون أن هذه المحبة قد ظهرت في الكفارة والفداء كما قال الرسول: "وَلكِنَّ اللَّه بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رو 5: 8). وعبارة "مات لأجلنا" تعني استيفاء العدل الإلهي. هذا العدل الذي كنا مطالبين به، فدفعه هو عنا. كما قال الرب عن المديونين: "وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَا يُوفِيَانِ سَامَحَهُمَا جَمِيعًا" (لو 7: 42). وكيف سامحهما؟ بأن دفع الدين نيابة عنهما، وكيف دفع الدين؟ بموته على الصليب" (سنوات مع إيميلات الناس - أسئلة اللاهوت والإيمان والعقيدة بموقع الأنبا تكلا).

4) يقول "الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ": "الآب بذل الابن والابن قدم نفسه: إذًا الآب بذل الابن "هكَذَا أَحَبَّ اللَّه الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ" (يو 3: 16)، لكن الابن هو الذي قدم نفسه باعتباره رئيس الكهنة الأعظم، فقدم نفسه للَّه أبيه: "الْمَسِيحِ الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ ِللَّهِ بِلاَ عَيْبٍ" (عب 9: 14). ويقول: "إِنَّ اللَّه كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحًا الْعَالَمَ لِنَفْسِه" (2 كو 5: 19). ويقول: "وأَرْسَلَ ابْنَهُ كَفَّارَةً لِخَطَايَانَا" (1 يو 4: 10)، ونحن نقول عن الابن: "هذا الذي أصعد ذاته ذبيحة مقبولة عن خلاص جنسنا. فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة". فالمذكور هو أن الآب أرسل وأنه بذل لكن الذي قام بتقديم الذبيحة هو الابن، وهو الذي قدم نفسه لأبيه.. لقد قدم الابن نفسه ذبيحة لأبيه السماوي، وبذلك استوفى العدل الإلهي حقه. الابن كان هو الكفارة، والآب هو الذي يستوفي للعدل الإلهي حقه.. التضحية هيَ عبارة عن ذبيحة للتكفير عن خطايا العالم، قُدمت بِاسم البشرية وتقبلها الآب السماوي بفعل الروح القدس الذي رافق تقديم هذه الذبيحة، التي قدمها الابن الوحيد كنائب عن البشرية وكرئيس كهنة الخيرات العديدة (انظر عب 9: 11). أن جسد يسوع باللاهوت هو من جانب تقدمة البشرية للآب، ومن جانب آخر هو هدية الآب للبشرية.

السيد المسيح قدم طاعة كاملة لأبيه السماوي باعتباره هو آدم الجديد، وكنائب عن البشرية، إذ أن آدم قد عصى اللَّه حتى الموت والسيد المسيح قد أطاع اللَّه أبيه حتى الموت. الطاعة قُدمت للآب السماوي واشتمها رائحة رضى وسرور، وهذه الطاعة التي قُدمت قد صالحت الآب مع البشرية" (الرد على بعض الأسئلة التشكيكية الموجهة ضد العقيدة المسيحية - إجابة س14 موقع الأنبا تكلا).

5) يقول "دكتور موريس تاوضروس": "يتضمن الفداء استعاضة أو استبدال أو إبدال، فالذبيحة التي تُقدم هنا نيابة عن الخاطئ، وتتضمن الاعتراف بحق العدل الإلهي. فلما قدم السيد المسيح ذاته على الصليب، قدم حياته عوضًا عن حياة الإنسان للعدل الإلهي فاستوفى العدل الإلهي حقه.. أن الخطية ذنب أو إساءة أو جرم أُرتكب ضد اللَّه، على أن قداسة اللَّه لا يمكن أن تترك جرم الخطية بدون عقاب، وهكذا يظل الخاطئ مدينًا للعدل الإلهي حتى يُكفر عن خطيته.. وهذا ما جعل التجسُّد أمرًا ضروريًا حتى يمكن استرضاء اللَّه بذبيحة الصليب، وبفعل اتحاد الطبيعة الإلهيَّة بالطبيعة الناسوتية صار لذبيحة المسيح الإله المتأنس القدرة على التكفير والإرضاء" (من كتاب الفكر اللاهوتي عند القديس بولس الرسول - من شبكة الإنترنت).

ونختم هذه الجزئية بسؤال يطرحه البعض: كيف يعاقب اللَّه الإنسان الذي أخطأ وقتًا وجيزًا بعقوبة أبدية..؟ ويجيب على هذا التساؤل "القديس يوحنا الذهبي الفم" قائلًا: "الإساءات الموجهة ضدنا هيَ المائة فلس، ولكن الإساءات الموجهة منا ضد اللَّه هيَ عشرة آلاف وزنة، ولكنكم تعرفون أن الحكم على الخطايا بطبيعة (رفعة أو مكانة) الأشخاص (المُوجَه ضدهم الخطية) لأنه على سبيل المثال، الذي يهين شخصًا عاديًا قد فعل شيئًا خطأ، ولكن ليس مثل الذي قد أهان قاضيًا (والي). وأيضًا الشخص الذي قد أهان حاكم أعظم، والذي يخطئ إلى حد أدنى منزلة فخطأه أقل، ولكن الذي يهين الملك فخطيئته أكثر جدًا. فالإهانة حقًا هيَ هيَ نفسها، ولكن تصبح أعظم حسب عظمة الشخص (الذي وُجِهت ضده الإهانة). وإذا كان الشخص الذي يهين ملك يتلقى عقابًا لا يمكن احتماله، بسبب رفعة الشخص (عظمة الشخص المُوجَه ضده الخطأ)، ولكن كم عدد الوزنات التي سوف يكون مسئول عنها الشخص الذين يهين اللَّه؟! لذلك حتى لو ارتكبنا ضد اللَّه ذات الخطايا التي نرتكبها ضد الناس على الرغم من ذلك فهذا شيء غير متساوي (الخطية لا تتساوى في الحالتين) ولكن مثل عظمة الفرق بين اللَّه والبشر، كذلك يكون الفرق عظيم جدًا بين الخطية الموجهة ضد اللَّه والخطية الموجهة ضد الناس" (العظة الأولى على تفسير الرسالة إلى فليمون).

 

2- الذين يقولون أن الصليب لم يكن عقوبة لأن الآب لم يعاقب الابن بالصليب، ولا الابن عاقب نفسه بالصلب.. نسألهم: إذًا ما معنى قول إشعياء النبي: "أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" (إش 53: 10)؟!!.. أليس قول الكتاب " أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ" تعبير عن أن الآب بذل ابنه حتى السحق؟!!. وعندما قال الكتاب أن " الرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا" (إش 53: 6).. أليست هذه عقوبة قاسية؟!!. وعندما الإبن " جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ".. أليست ذبيحة الإثم تحمل العقوبة عن الخاطئ المذنب في حق اللَّه؟!!. وإن لم يكن الصليب عقوبة، فما معنى قول إشعياء النبي: "لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا.. مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنا" (إش 53: 4، 5)؟!!. فقط لا نقول أن الآب عاقب الابن بالصليب، ولكن الآب أهدى الابن للبشرية، والابن بإرادته الصالحة قدم ذاته ذبيحة عن البشرية، ولا نقول أن الابن عاقب نفسه بالصليب، بل نقول أن الابن بذل ذاته فداءً عنا بسبب عظم محبته لنا.

 

3- هل عُوقب الخروف الضال والابن الضال بعد عودتهما..؟ الخروف الضال ضل الطريق ولم يعرف كيف يعود إلى راعيه، فذهب إليه الراعي وأنقذه ونجاه من موت محقَّق -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- ففرح الخروف وفرح الراعي أيضًا الذي ترك التسعة والتسعين خروفًا وراح يبحث عن الخروف الضال. والخروف بمجرد أن رأى راعيه ركض إليه ملقيًا بنفسه في أحضانه فحمله الراعي على منكبيه إذ قد تعب من السير بحثًا عن راعيه وأصدقائه من القطيع، لم يحاول هذا الخروف عندما نظر الراعي أن يهرب منه، ولم يركض بعيدًا عنه بل ركض نحوه، فهذا هو منظر التوبة، منظر النفس التي ضلت الطريق وهيَ حسنة النية ولا تعرف للعودة طريقًا، فالراعي لا يهدأ له بال حتى يعيدها للحظيرة. وهكذا الابن الضال بعد أن جرب البُعد عن بيت أبيه وعاش عيشة مُرة وتشرَّد، رجع إلى نفسه وارتضى أن يرجع ويعمل كعبد في بيت أبيه، لأن العبد في بيت أبيه أفضل حالًا من حالته في تشرده وجوعه، فقام ورجع إلى أبيه، وإذ هو بعيد بمجرد أن أبصره أبوه ركض إليه واحتضنه ولم يأنف ولم يشمئز منه، ومن ملابسه القذرة، وأمر عبيده أن يعطوه ثيابًا جديدة وخاتم البنوة، وأقاموا له الأفراح. وهذه أيضًا صورة رائعة تشرح لنا قصة التوبة، وعندما يتوب الإنسان على الفور ينقل اللَّه عنه خطيته ويحمل هو في جسده عقوبة هذه الخطية، فكل من يتوب ويعترف تُرفع عنه العقوبة فيحملها حمل اللَّه حامل خطايا العالم، فلا أحد يستطيع أن يتحمل العقوبة الأبدية، أما العقوبة الزمنية فيجوز فيها كنوع من التأديب حتى لا يرجع إلى خطيته ثانية، فمن يسرق لن يُعفى من السجن ومن يقتل لن يُعفى من الإعدام.. وما نؤكد عليه أن من يرفض التوبة والعودة إلى حضن الآب فلن يفلت من العقوبة.

 

4- هل فكرة العقوبة ضد صلاح اللَّه..؟ أي أب لا يؤدب أولاده؟!، فهل عندما يعاقب الأب ابنه ليؤدبه ويربيه نقول عنه خالي من الصلاح؟!، وهل يُوجد أب عاقل يترك ابنه يتصرف كما يحلو له، حتى لو كانت تصرفاته هذه خاطئة وخطر على حياته؟!، ولو فعل الأب هكذا ألاَّ يُتهم بأنه غير أمين على تربية ابنه، وأنه لم يهتم أن يُخرِج للمجتمع أبناء صالحين؟!، حتى لو كان هذا الأب صالحًا وتقاعس في تقويم أولاده فإنه يُدان أمام اللَّه، والمثل الواضح على هذا "عالي الكاهن" وهو رجل صالح، ولكن لم يُقوّم ابنيه فسلكا في الطمع وسقطا في خطية الزنا، فعاقب اللَّه الاثنين مع أبيهما بالموت (1 صم 2: 27 - 36، 4: 12 - 18). لقد ظهر كمال صلاح اللَّه أنه عندما أوقع العقوبة على الإنسان، لم يتركه للهلاك الأبدي، بل تنازل حتى أنه اتخذ صورة عبد ليفدي ذاك العبد الساقط، وهل بعد الحب المُعلَن على الصليب من أجل خلاص الإنسان، يجرؤ إنسان أن يتهم اللَّه بعدم الصلاح؟!، وهل هناك صلاح أعظم من هذا؟!! " مَاذَا يُصْنَعُ أَيْضًا لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصْنَعْهُ" (إش 5: 4)!!. وحيث أن هدف الفداء الأساسي إيفاء العدل الإلهي ورفع العقوبة عن كاهل الإنسان وخلاص الإنسان، لذلك يقول "البابا أثناسيوس الرسولي": "لأنه كان هو وحده القادر أن يأتي بالفاسد إلى عدم الفساد وأيضًا أن يصون صدق الآب من جهة الجميع. وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، كان هو وحده القادر أن يُعيد خلق كل شيء وأن يتألم عوض الجميع وأن يكون شفيعًا عن الكل لدى الآب" (تجسد الكلمة 7: 5)(351).

كما يقول "البابا أثناسيوس الرسولي" أيضًا: ".. لهذا اتخذ (الكلمة) لنفسه جسدًا قابلًا للموت حتى أنه عندما يتحد هذا الجسد بالكلمة الذي هو فوق الجميع، يصبح جديرًا ليس فقط أن يموت نيابة عن الجميع، بل ويبقى في عدم فساد بسبب اتحاد الكلمة به، ومن ذلك الحين فصاعدًا يمنع الفساد من أن يسري في جميع البشر بنعمة القيامة من الأموات. لذلك قدم للموت ذلك الجسد الذي اتخذه لنفسه كتقدمة مقدَّسة وذبيحة خالية من كل عيب، وببذله الجسد كتقدمة مناسبة فإنه رفع الموت فورًا عن جميع نظرائه من البشر" (تجسد الكلمة 9: 1)(352).

ويجب أن نلاحظ أن العدل الإلهي يختلف عن العدل الأرضي، فالقاضي الأرضي لا يبحث عن كيفية إعادة الإنسان إلى صلاحه، بل يبحث عن العقوبة المناسبة له، أما العدل الإلهي فهو يتميَّز بالصلاح، فلم يرضى اللَّه أن تهلك خليقته بسبب غواية الشيطان، فأتى بالفاسد إلى عدم الفساد.. وما أعجبه من عمل لا يقوى عليه سوى جابل طبيعتنا!!.

 

5- كيف يكون الابن قد ضحى بنفسه، وهو قد استردها بالقيامة..؟ بذل الآب ابنه أي مَنَحَهُ هدية للبشرية والابن قدم ذاته ضحية وكفارة عن خطايانا، وهناك مَثَل واضح في العهد القديم يوضح أن الإنسان تحتسب له التضحية حتى لو استردها ولم يفقدها، وهذا المَثَل هو تقديم إبراهيم ابنه إسحق ذبيحة وأُضحية (ومنها جاء عيد الأضحى في الإسلام)، فإبراهيم قَبِل أن يذبح ابنه، فخرج معه مبكرًا وسار به ثلاثة أيام، حتى جاء إلى المكان الذي عيَّنه له اللَّه، فبنى مذبحًا وربط ابنه ورفع يده بالسكين ليذبح ابنه حبيبه وحيده إسحق، هذا المنظر الذي ارتعبت منه السماء، وإذ بملاك الرب (أقنوم الكلمة) يناديه من السماء: "إِبْرَاهِيمُ إِبْرَاهِيمُ.. لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللَّه فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي" (تك 22: 11، 12). ولم يذبح إبراهيم إسحق، ولكن اللَّه احتسب لإبراهيم هذه التضحية العظيمة، وأراه كبشًا مُمسكًا في الغابة بقرنيه فأصعده إبراهيم محرقة عوضًا عن ابنه. وبالرغم من أن إسحق عاد حيًّا لم ينسى اللَّه طاعته وقبوله أن يُصعده أبوه محرقة، وحسبه أن قدم ذاته لأنه فعل ذلك بالنية.

ويقول "الأنبا بيشوي مطران دمياط وكفر الشيخ": "فإذا كان مجرد شروع إبراهيم في تقديم الذبيحة قد حُسب تضحية منه، فما بالك إذا كان قد ذبح ابنه فعلًا، ثم عاد الابن إلى الحياة؟ ألم تكن تُحسب أكثر كثيرًا جدًا كتضحية؟ ولكنها كانت رمزًا وإشارة. ولم يبلغ الرمز مستوى المرموز إليه في قيمته العالية فوق الجلجثة، حيث الصليب، حيث الفداء، حيث المصالحة والغفران المدفوع الثمن، حيث إكمال الرموز والنبؤات " (الرد على بعض الأسئلة التشكيكية الموجهة ضد العقيدة المسيحية - إجابة س19 - موقع الأنبا تكلا).

ويقول "عوض سمعان": "إن قيامة المسيح من الأموات ليست دليلًا على أن موته لم يكن موتًا كفاريًا، بل دليلًا على أن لاهوته غير المحدود أكسب آلامه الكفارية كإنسان قيمة غير محدودة، ولذلك استطاعت أن تفي مطالب عدالة اللَّه غير المحدودة، ومن ثم لم يكن هناك مجال لبقائه في القبر. أما لو كان المسيح قد ظل فيه (في القبر) لكان مثله مثل الذبائح الحيوانية التي لم تحز رضاء اللَّه، لعدم تكفيرها عن الخطية تكفيرًا حقيقيًا"(353).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (350) ترجمة دكتور جوزيف موريس فلتس ص22.

 (351) ترجمة دكتور جوزيف موريس فلتس ص19.

(352) المرجع السابق ص23، 24.

 (353) كفارة المسيح ص206، 207.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/456.html