St-Takla.org  >   books  >   habib-guirguis  >   consolation
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب عزاء المؤمنين - القديس الأرشيذياكون حبيب جرجس

10- الموت نهاية كل حي

 

يولد الطفل ولا يمكن لأحد أن يعرف مستقبله. أيكون عظيمًا أم حقيرًا: غنيًا أم فقيرًا. صالحًا أم شريرا صحيحًا أم سقيمًا! طويل العمر أم قصيرة! لأن ذلك كله مجهول لدى الإنسان. ولكن لا يجهل أحد أنه لابد لهذا الطفل من أن يموت، لأن الموت طريق الأرض كلها (1مل 2: 2) وهو ناموس عام يشمل جميع الكائنات، الإنسان والحيوان والنبات حتى الممالك والدول يصيبها الفناء. وهو قضية محكوم بها على الجميع. الملوك والأمراء, الأغنياء والفقراء" الحكماء والجهلاء، الكل على حد سواء. ومهما طالت حياة الإنسان فلابد له من شرب كأس حِمامه حين يترك كل شيء ولا ينال من الدنيا سوى قطعة أرض تجمع عظامه اليابسة. أنه الموت لا يخشى سطوة الملوك ولا بأس الجبابرة، يهجم على القوى كما يأتي إلى الضعيف. ولا يقوى البطش أن يمنعه ولا المال أو الجاه أن يؤخر ساعته أن أشعلت النار يمكن إطفاؤها وإذا ثارت الحرب يمكن الغلبة عليها يمكن المقاومة ضد النيران الملتهبة وضد الأمواج المزيدة وضد الأسلحة المرهفة وضد الملوك المقتدرين. ولكن حين يأتي الموت من يستطيع أن يقاومه من يقدر أن يدفعه؟ فهو جبار قوي ظافر، غلب كل البشر، لا تمنعه أسوار ولا جدران، ولا تصده معاقل ولا تدفعه حصون. لا يجبن أمام السطوة والعظمة ولا يكرم البرفير والأرجوان. لا يشق على الشباب ولا يرق للأجسام النضرة. لا ينظر إلى دموع الأمهات، ولا يراعى شعور الأولاد، ولا ينعطف إلى وداد الأصدقاء والخلان.

St-Takla.org Image: Gen. 35:20 Rachel's tomb. Herbert Schmalz صورة في موقع الأنبا تكلا: قبر راحيل (تكوين 35: 20) - رسم الفنان هيربيرت شمالز

St-Takla.org Image: Gen. 35:20 Rachel's tomb. Herbert Schmalz

صورة في موقع الأنبا تكلا: قبر راحيل (تكوين 35: 20) - رسم الفنان هيربيرت شمالز

قصد الحكماء القدماء أن يصوروا الموت بصورة شنيعة فصوروه رجلًا شجاعًا على عمود عال متشحًا بملابس حالكة السواد مهيجة للبكاء والاكتئاب. وحجبوا عينيه بستر غليظ من قماش ثخين ووضعوا على رأسه إكليلًا مضفورًا من حشيش الأفسنتين. وفي يده الواحدة قوسًا وفي الأخرى منجلًا، وسدوا أذنيه بالرصاص وتحت قدميه أجنحة كأجنحة الطير، وصورة البطن دقيقة للغاية بلا قلب ولا أحشاء. هذه الصورة تؤكد فظاعة الموت وشناعة أعماله المخيفة، فقد صوروه رجلًا في عنفوان القوة إظهارًا لبأسه وقوته وأنه لا يكل ولا يمل بل هو متسلط على الجميع بلا عجز ولا توان. وملابسه السوداء إشارة إلى ما يأتي به من الأحزان لكل بيت يدخله. وعيناه المغمضتان المحتجبتان بستار غليظ دلالة على أنه لا ينظر إلى إكليل الملوك ولا تيجان القياصرة، ولا يلتفت إلى غنى ولا إلى فقير، ولا يميز بين كبير وصغير. وأذناه المسدودتان بالرصاص إشارة إلى أنه لا يسمع بكاء الباكين ولا يرق لدموع الحزانى ولا يقبل شفاعة. والإكليل الموضوع على رأسه من حشيش الإفسنتين علامة على أنه مر المذاق. والقوس والمنجل اللذان في يديه يدلان على أنه يصيب الجميع بلا استثناء فالذين لا يزالون في عنفوان الشباب يرشقهم بسهام من بعيد وأما الذين قضوا حياة طويلة فيحصدهم بالمنجل. والأجنحة التي تحت قدميه تعلن بأنه يهاجم في وقت لا نؤمله ولا نعرفه، وأنه يثب من مشارق الأرض إلى مغاربها في لحظة واحدة. وأما كون تلك الصورة دقيقة البطن بلا قلب ولا أحشاء فذلك دليل على أنه قاس لا رحمة عنده ولا شفقة. ولا تحرك جوانحه زهرة الصبا، ولا يراعي عنفوان الشباب، لا يرحم شيخًا ولا يرق لفتى.

هذا هو الموت الذي يحصد السنبل الضعيف اليابس كما يقطع زهر الربيع الأخضر. لم يرحم إبراهيم لقداسته وبره. ولا موسى لوداعته. ولا يوسف لعفته. ولا لسليمان لحكمته ولا شمشون لقوته. ولا داود لطهارة قلبه. ولا راحيل لجمالها. ولا أستير لغيرتها.

فحياة مهددة بالموت لا يمكن أن تكون حياة حقيقية. ما أشد بطلانها وزوالها، قبل أن تذيق القلب طعم الفرح تداهمه بالمصائب والأرزاء وعندما نظن أننا متمتعون بالنعم يعاجلنا البلاء. ساعة فرح وأيام شقاء. أحزاننا مستمرة وآلامنا متواصلة. لا نداوي جرحا حتى تسيل جروح يضحك فمنا منفطر غمًا. نظهر الابتسام. والفؤاد شبعان من الكآبة والأشجان. إن أنالنا الدهر ساعة من الجزل، يلقي في قلوبنا بدلًا عنها ألوفًا من العناء، ويجرعنا كؤوس المرائر والشقاء وهكذا نحن في حياة نتأوه ونئن متضجرين من أحزانها ومتاعبها وآلامها التي لا نعرف لها حدًا ولا عددًا ولا نحصي لها صنوفًا. حياة هذه صفتها ما أصعبها. حياة مشحونة بالآلام والشقاء والخداع يجب أن تسمى موتًا لا حياة. نموت فيها في كل دقيقة بميتات مختلفة. حياة تفسدها الرطوبة وتجففها الحمى وتسمنها الأغذية ويذيبها المرض ويفنيها الحزن ويقصرها الهم الأمراض تفسدها والشيخوخة تثقلها، وبعد ذلك يفاجئها الموت كلص وتنتهي كأنها لم تكن. حياة لا تزال تخدع وتغر وتعد مواعيد كاذبة وأماني فارغة وأخيرًا ينتهي كل شيء كأن لم يكن شيء.

إن حياة قصيرة متغيرة زائلة يختمها الموت في ساعة لا نعلمها، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. فالبعض يموتون أطفالًا وآخرون شبانًا وغيرهم شيوخًا. أناس يصبحون ولا يمسون وغيرهم ينامون ولا يستيقظون. وآخرون يخرجون من بيوتهم ولا يعودون بعضهم يموتون على أسرتهم. وغيرهم غرباء عن بلادهم، وآخرون في ساحات القتال. تعددت الأنواع والموت واحدًا. لا يمكن لأحد أن ينجو منه. لم يكن أبشالوم يتصور أن جمال شعره وطوله قد يكون سببًا لموته. ولم يفتكر هامان أنه سيصلب على الخشبة التي أعدها لمردخاي عدوه. ولا خطر على بال جليات أن يموت بحجر من مقلاع داود الفتى الصغير، وتقطع رأسه بذات سيفه. ولم يفتكر بلشاصر أن يموت وهو بين اللذات على مائدته. والرجل الغني الذي كان يعد الخيرات لسنين عديدة ويقول لنفسه يا نفس لك خيرات كثيرة موضوعة لسنين كثيرة. استريحي وكلي واشربي وافرحي. لم يدر في خلده أن يسمع الصوت القائل: يا غبي في هذه الليلة تطلب نفسك منك فهذه التي أعددتها لمن تكون؟ (لوقا 12: 20).

كل جمال سيذبل، وكل بناء سيتقوض، وكل قوة ستزول، والجسد سيضحى مأكلا للدود والحشرات. والذين يحبوننا هم الذين سيقدموننا سريعًا هدية للقبر. وأصحابنا وأعزاؤنا سيفرون ويشمئزون من النظر إلينا وهكذا تكون نهاية كل إنسان أعد الرب ليونان النبي يقطينة ارتفعت فوق رأسه لتكون ظلًا له ففرح بها يونان فرحًا عظيمًا. فأعد الرب دودة عند الفجر ضربت اليقطينة فيبست وضربت الشمس رأس يونان. فهذه اليقطينة كانت بنت ليلة إذ في ليلة تكونت وفي ليلة أيضًا هلكت وبادت. هكذا الحياة ما أقصرها، ومهما طالت فلا بُد من نهايتها. وكل ماله نهاية فهو قصير. وتحت شجرة الحياة يوجد دور التعاسة والمرض والموت الذي يقرض الحياة بسرعة.

يولد الطفل في دار الهموم باكيًا ناعيًا يوم دخوله إلى العالم ويعيش طفلًا، فصبيًا، ففتى، فشابًا، فكهلًا، فشيخًا، إلى أن توهن الحياة قواه وتكسر المصائب ظهره وأخير تختطف نفسه بذات المنية وتنقض على روحه نسور الموت فتسلبه الحياة فيهبط هبوط البنيان ويروح في قبر النسيان، لأن تلك العناصر لابد أن تسترد جزئياتها وتلك الكليات لابد أن تسترجع مفرداتها.

إن طريق الموت هو الطريق الذي سلكه آباؤنا وأجدادنا من قبلنا. وسنسلكه نحن ويسلكه أيضًا الذين يأتون من بعدنا. أين الملوك ومن أسسوا الممالك؟ أين الفلاسفة والعلماء؟ أين الأبطال والجبابرة الذين دوخوا العباد والبلاد؟ أين الممالك العظيمة الأدهار الماضية؟ لقد غرقت كلها في سيول الموت. فلننصب أمامنا تمثال الموت ولا ننسه ولنذكر أنه آخرتنا. وحكمة عظيمة التأمل فيه. ولنعرف يقينًا أن حياتنا بخار يظهر قليلًا ثم يضمحل وطوبى لمن يسمع ويعمل بقول السيد "اسهروا إذًا لأنكم لا تعلمون في أية ساعة يأتي ربكم" (مت 24: 42).


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/habib-guirguis/consolation/death.html