St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

689- كيف يرسل الشعب اليهودي كهنة ولاويين ليوحنا المعمدان (يو 1: 19)؟ ولماذا كهنة ولاويون بالذات؟ وإذا كان السيد المسيح قال عن المعمدان أنه إيليا (مت 11: 14، 17: 10-12) فلماذا أنكر المعمدان أنه إيليا (يو 1: 21)؟ وهل عندما سأل الكهنة واللاويون المعمدان: " أَلنَّبِيُّ أَنْتَ" (يو 1: 21) كانوا يقصدون رسول الإسلام الذي أنبأ عنه موسى (تث 18: 15)؟ وكيف يُعرّف يوحنا المعمدان نفسه بأنه مجرد صوت (يو 1: 23)؟ وهل " بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (يو 1: 28) هو "بيت عنيا"؟

 

سؤال 689: كيف يرسل الشعب اليهودي كهنة ولاويين ليوحنا المعمدان (يو 1: 19)؟ ولماذا كهنة ولاويون بالذات؟ وإذا كان السيد المسيح قال عن المعمدان أنه إيليا (مت 11: 14؛ 17: 10-12) فلماذا أنكر المعمدان أنه إيليا (يو 1: 21)؟ وهل عندما سأل الكهنة واللاويون المعمدان: " أَلنَّبِيُّ أَنْتَ" (يو 1: 21) كانوا يقصدون رسول الإسلام الذي أنبأ عنه موسى (تث 18: 15)؟ وكيف يُعرّف يوحنا المعمدان نفسه بأنه مجرد صوت (يو 1: 23)؟ وهل " بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (يو 1: 28) هو "بيت عنيا"؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: كيف يرسل الشعب اليهودي كهنة ولاويين ليوحنا المعمدان (يو 1: 19)؟ ولماذا كهنة ولاويون بالذات...؟ وردت لفظة "اليهود" في إنجيل يوحنا نحو (70) مرة، بينما وُردت في الأناجيل الثلاثة الأخرى نحو (17) مرة، وقد استخدمها يوحنا الحبيب وهو يقصد بها أحيانًا اليهود كشعب، وأحيانًا القيادات اليهودية الدينية. واليهود الذين أرسلوا ليوحنا المعمدان كهنة ولاويين ليسوا يهودًا عاديين من الشعب، إنما هم أعضاء مجمع السنهدريم، المجلس اليهودي الأعلى الذي يتكون من (70) عضوًا برئاسة رئيس الكهنة، على مثال موسى والسبعين شيخًا (عد 11: 16-17) فهم المسئولون عن الشئون الدينية، وعندما كان يظهر نبي أو أي شخص يقوم بعمل كرازي أو كهنوتي كانوا يتقصُّون عنه ليستوثقوا من هويته وشخصيته (تث 18: 20-22). لقد شاهدوا ورصدوا جموع كثيرة تذهب ليوحنا المعمدان، ويحتملون توبيخه الصارم الذي يطول الكل، حتى الكهنة واللاويين والفريسيين ملوك التعليم، والخُطاة والعشارين، فكانوا يعلنون توبتهم ويقرُّون أمامه بخطاياهم فيعظهم ويعمدهم معمودية التوبة. لقد حرك المياه الراكدة ومن أمام وجهه اهتزت جبال الكبرياء، ووقف الجميع مُعجبين بهذا الناسك العابد الزاهد ساكن البراري مُضيء الوجه، ناري العينين، رجل البراري، ذو السيرة الملائكية. لقد افتقد اللَّه شعبه ليس بنبي بل بمن هو أعظم من نبي. وكانت وظيفة مجمع السنهدريم توجب على أعضائه التأكد من نبوءة أي نبي يظهر، أو أي كارز يكرز، ولا سيما أن قضيب المُلك قد زال من يهوذا، وانقضت أسابيع دانيال النبي واقترب مجيء المسيا " وَإِذْ كَانَ الشَّعْبُ يَنْتَظِرُ وَالْجَمِيعُ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ عَنْ يُوحَنَّا لَعَلَّهُ الْمَسِيحُ" (لو 3: 15)، ولهذا كوَّن مجمع السنهدريم لجنة مُصغرة من كهنة ولاويين وأرسلهم إلى مكان خدمة المعمدان ليستوثقوا من هويته وشخصيته وعمله، فبسبب عِظم شخصية يوحنا ووزنه في المجتمع لذلك لم يستدعونه للتحقق من هويته، إنما أرسلوا إليه أناسًا على قدر من العلم والكفاءة، عارفين بالنبؤات والمواقيت والأزمان والوعود، وعندما أرسلوا إليه كانوا واثقين أنه سيقول الصدق، لأن إنسانًا عظيمًا فذًا مثله لا يُهاب إنسانًا لا يمكن أن يكذب. وحدث ما توقعوه، يقول الإنجيل: " فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ وَأَقَرَّ إِنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ" (يو 1: 20)، وهنا نرى تأكيد ثلاثي "اعترف"، "ولم ينكر"، "وأقرَّ" على أنه ليس هو المسيح، وقد اعتاد العبرانيون على تكرار المعنى كعلامة للتأكيد. بل أن ما أدهشهم أن رجل بمثل هذه العظمة يقول نهارًا جهارًا أنه لا يستحق أن يحل سيور حذاء المسيح القائم في وسطهم وهم لا يعرفونه.

ولأن يوحنا المعمدان كاهن ابن كاهن، وكان من المفروض أن يُمارس خدمته في الهيكل، فإذ به يقدِّم خدمته خارج الهيكل للجموع، يتقبل توبتهم واعترافاتهم ويُعمدهم، فهو يقوم بعمل كهنوتي طقسي ولهذا أرسلوا له كهنة ولاويين، فاكتشفوا أنه بعد انقطاع صوت النبوءة أربعمائة عام عادت السماء ترعد ومطر النبوءة يهطل من جديد، وهوذا نجم الصباح قد ظهر جليًا يخبر بإشراق شمس البر والشفاء في أجنحتها.

 

ثانيًا: إن كان السيد المسيح قال عن المعمدان أنه إيليا (مت 11: 14؛ 17: 10-12) فلماذا أنكر المعمدان أنه إيليا (يو 1: 20)...؟ تنبأ ملاخي النبي عن مجيء السيد الرب مرتين (ملا 3: 1؛ 4: 5):

1- في نهاية الأصحاح الثاني كان السؤال المطروح: أين إله العدل؟ فبدأ في الأصحاح الثالث يتحدث عن مجيء إله العدل يسبقه ملاكه أي يوحنا المعمدان ليُهيئ الطريق أمامه، فقال: " هأَنَذَا أُرْسِلُ مَلاَكِي فَيُهَيِّئُ الطَّرِيقَ أَمَامِي. وَيَأْتِي بَغْتَةً إِلَى هَيْكَلِهِ السَّيِّدُ..." (ملا 3: 1) والمقصود بهذا المجيء هو المجيء الأول لأقنوم الكلمة المُتجسد، وقد سبقه ملاكه يوحنا المعمدان ليعد الطريق أمامه بمعمودية التوبة.

2- النبوءة الثانية عن مجيء السيد الرب: " هأَنَذَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ إِيلِيَّا النَّبِيَّ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ الْيَوْمِ الْعَظِيمِ وَالْمَخُوفِ" (ملا 4: 5) وهيَ نبوءة عن مجيء السيد المسيح الثاني للدينونة، حيث يسبقه رجوع إيليا النبي نفسه بشحمه ولحمه (رؤ 11: 3).

وقد ظن اليهود أن ملكوت المسيا سيكون ملكوتًا أرضيًا، حيث يكسر عنهم نير الاستعمار الروماني الثقيل، ويرفع شأن الأمة اليهودية فوق كل ممالك الأرض، وظنوا أن إيليا الذي أُصعد للسماء في المركبة النارية ولم يمت (2 مل 2: 11) أنه سيأتي قبل مجيء المسيا، فتوسَّموا أن يوحنا المعمدان هو إيليا النبي العائد إلى الأرض، ولا سيما بسبب أوجه التشابه بين الاثنين، إيليا النبي ويوحنا المعمدان، من جهة النُسك والتقشف والغيرة النارية والملبس والمظهر العام... إلخ، ولم يدركوا أن يوحنا المعمدان سيأتي بروح وغيرة إيليا النبي الناري، كقول الملاك جبرائيل لزكريا الكاهن: " وَيَتَقَدَّمُ أَمَامَهُ بِرُوحِ إِيلِيَّا وَقُوَّتِهِ لِيَرُدَّ قُلُوبَ الآبَاءِ إِلَى الابناءِ وَالْعُصَاةَ إِلَى فِكْرِ الأَبْرَارِ لِكَيْ يُهَيِّئَ لِلرَّبِّ شَعْبًا مُسْتَعِدًّا" (لو 1: 17) فهو يأتي بروح إيليا وقوته وغيرته النارية، ولكنه ليس هو إيليا نفسه، فليس يوحنا المعمدان وإيليا النبي شخص واحد، إنما هما شخصان أحدهما عاش في العهد القديم في القرن التاسع قبل الميلاد ولم يمت إنما أُصعد إلى السماء، والآخر عاش في فترة ما بين العهدين وعاصر السيد المسيح. وأيضًا إيليا والمعمدان لم يكن لهما روح واحدة عاشت في إيليا وتناسخت في المعمدان، والشعب اليهودي لا يؤمن بتناسخ الأرواح. وعندما قال السيد المسيح عن يوحنا: " فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ" (مت 11: 14) لم يقصد أن يوحنا المعمدان هو نفسه شخص إيليا النبي، إنما يقصد أنه آتى بروح وغيرة ومنهج إيليا في الخدمة. وقد سبق لنا الحديث في هذا الموضوع فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 4 س331.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: هل عندما سأل الكهنة واللاويون المعمدان: " أَلنَّبِيُّ أَنْتَ" (يو 1: 21) كانوا يقصدون رسول الإسلام الذي أنبأ عنه موسى (تث 18: 15)...؟ بعد أن اعترف يوحنا المعمدان وأقر أنه ليس هو المسيح، سأله اليهود: " أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟" وبذلك أظهروا جهلهم وعدم إدراكهم أن المقصود بالنبي الذي تنبأ عنه موسى (تث 18: 15، 18) هو هو المسيح الذي جمع في شخصه المبارك النبوءة والمُلك والكهنوت، وفي موقف آخر عندما انبهرت الجموع بمعجزاته: " قَالُوا إِنَّ هذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ النَّبِيُّ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ" (يو 6: 14)، والكتاب المقدَّس يُفسر نفسه بنفسه، فالنبي الذي تكلم عنه موسى في (تث 18: 15، 18) أوضح كل من بطرس الرسول واستفانوس أنه هو السيد المسيح، فقال بطرس الرسول: " وَيُرْسِلَ يَسُوعَ الْمَسِيحَ الْمُبَشَّرَ بِهِ لَكُمْ قَبْلُ... فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ..." (أع 3: 20-23) وقال الشهيد استفانوس نفس المعنى (أع 7: 37). وقد أفضنا في الحديث عن هذا الموضوع بجوانبه المختلفة لذلك يُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد قديم جـ 7 س871.

 

رابعًا: كيف يُعرّف يوحنا المعمدان نفسه بأنه مجرد صوت (يو 1: 23)...؟ لم يكن يوحنا المعمدان المسيا، بل هو رسول المسيا الذي يسبقه ليُهيئ الطريق أمامه، فليس هو العريس، إنما هو صديق العريس الذي يهتم بتشهيلات الزفاف، ولم يكن هو "الكلمة" إنما هو مجرد "صوت" للكلمة. وهنا نقف مشدوهين أمام عظمة اتضاع المعمدان ونكرانه لذاته، فهو مجرد صوت للكلمة، لأن "الكلمة" هو المسيح ذاته، العريس السماوي، ولا قيمة للصوت بدون الكلمة، فلو أنك أصدرت همهمات بدون كلمة فمن يُدرك ما تريد أن تقول؟!! يقول "وليم ماكدونالد": " تكلم يوحنا عن نفسه ببساطة، بصفته صوتًا لا يُرى بل يُسمع فقط. كان يوحنا الصوت، أمَّا يسوع فكان الكلمة، والكلمة يحتاج إلى صوت يعرَّف به، كما أن الصوت يفقد أية قيمة من دون الكلمة. ويبقى الكلمة أعظم بما لا يُقاس من الصوت" (80). ومن تأمُّلات العلامة أوريجانوس أن يوحنا عندما إلتقى بالمسيح من قبل، وكان كل منهما في بطن أُمه أسبغ المسيح من مجده على يوحنا الجنين، فحمل نوعًا من الشبه، فاختلط على الكهنة واللاويين التمييز بين الأصل والصورة، كما أن المسيح هو الكلمة ويوحنا المعمدان هو الصوت، فاختلط عليهم التمييز بين الكلمة والصوت.

وعندما عرَّف يوحنا المعمدان نفسه بأنه " صَوْتُ صَارِخٍ" أراد أن ينبههم إلى ما نطق به إشعياء بصوت النبوءة عندما قال: " صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ..." (إش 40: 3-5) فقال المعمدان عن نفسه: " أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ" (يو 1: 23). فقد كانت الطرق غير مُمهدة ومُمتلئة بالحُفَر، ترتفع مع التلال وتهبط مع الوديان، وعندما كان ينوي الملك زيارة مكان مُعين، كانوا يسرعون بتمهيد الطريق فيردمون الحُفَر ويزيلون العراقيل ليصل الملك إلى المكان المقصود بسلام، وهذا ما فعله السابق الصابغ، إذ أُرسل ليعد الطريق للملك المسيح، بأن يُهيئ نفوسًا تائبة لإستقباله. لقد صارت حياة بني إسرائيل برية موحشة وقفرة تحتاج صوتًا قويًا يحرك المياه الراكدة.

خامسًا: هل " بَيْتِ عَبْرَةَ فِي عَبْرِ الأُرْدُنِّ" (يو 1: 28) هو "بيت عنيا"...؟ " بَيْتِ عَبْرَةَ" أي بيت العبور، لأنه من هذا المعبر الواقع عبر الأردن عبر يشوع بن نون ببني إسرائيل من شرق الأردن للغرب حيث أرض كنعان، أرض الموعد، وجاء ذكر " بَيْتِ عَبْرَةَ" من قبل في سفر القضاة على أنها "بيت بارة" في حرب جدعون مع المديانيين (قض 7: 24) ودُعيت أيضًا "عبر الأردن" فقيل عن يسوع: " وَمَضَى أَيْضًا إِلَى عَبْرِ الأُرْدُنِّ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِيهِ أَوَّلًا وَمَكَثَ هُنَاكَ" (يو 10: 40). أما "بيت عنيا" فهيَ قرية صغيرة تبعد نحو ثلاث كيلومترات جنوب شرقي أورشليم، وفيها البيت الذي كان يجد السيد المسيح فيه راحته، وهو بيت مرثا ومريم وأخيهما لعازر، وهو المكان الذي شهد موت وإقامة لعازر (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س3). يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " إن النُسَخ (من إنجيل يوحنا) الأكثر صحة تذكر "بيت عبرة" وليست "بيت عنيا"، لأن بيت عنيا ليست عبر الأردن، ولا في البرية، بل بالقرب من أورشليم" (81). (راجع أيضًا مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي - الدر الفريد في تفسير أسفار العهد الجديد - تفسير بشارتي لوقا ويوحنا، جـ 2 ص247، 248).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(80) تفسير إنجيل يوحنا، ص385.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/689.html

تقصير الرابط:
tak.la/78jxg42