St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

690- هل نظر المعمدان يسوع في شكل الحمل، حتى يقول: " هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29)؟ وكيف يكون يسوع "حَمَلُ اللَّهِ" (يو 1: 29، 35) وهو اللَّه في نفس الوقت، فهل "حمل إبراهيم" هو شخص إبراهيم؟ وكيف يكرّر المعمدان قوله عن يسوع: " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" (يو 1: 31، 33)، بينما هو عرفه وحاول أن يستعفي من عماده (مت 3: 14)؟ وهل السيد المسيح الإله المتجسد كان في احتياج للروح لينزل ويستقر عليه (يو 1: 32)؟

 

سؤال 690: هل نظر المعمدان يسوع في شكل الحمل، حتى يقول: " هُوَذَا حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29)؟ وكيف يكون يسوع "حَمَلُ اللَّـهِ" (يو 1: 29، 35) وهو الله في نفس الوقت، فهل "حمل إبراهيم" هو شخص إبراهيم؟ وكيف يكرّر المعمدان قوله عن يسوع: " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" (يو 1: 31، 33)، بينما هو عرفه وحاول أن يستعفي من عماده (مت 3: 14)؟ وهل السيد المسيح الإله المتجسد كان في احتياج للروح لينزل ويستقر عليه (يو 1: 32)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل نظر المعمدان يسوع في شكل الحمل، حتى يقول: " هُوَذَا حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29)...؟ بالطبع لم ينظر يوحنا المعمدان يسوع وقد أخذ شكل الحمل، إنما هو يُدرك جيدًا أن يسوع قد جاء إلى العالم ليقوم بوظيفة الحمل الذي يُذبح ويُقدَم ذبيحة ليفدي صاحبه، ولنا أن نتساءل: لماذا دُعي يسوع حملًا؟

1- دُعيَ يسوع حملًا نظرًا إلى طهارته وأنه بلا خطية وحده.

2- جميع الأنبياء هم عبيد اللَّه، لم يدعى أي شخص منهم بحمل اللَّه، فالسيد المسيح هو الوحيد الذي دُعيَ بحمل اللَّه لأنه ذُبح على الصليب وافتدانا: " لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا للَّـهِ بِدَمِكَ" (رؤ 5: 9).

3- دُعيَ يسوع حملًا بحسب النبوءات: " مِثْلَ شَاةٍ سِيقَ إِلَى الذَّبْحِ وَمِثْلَ خَرُوفٍ صَامِتٍ أَمَامَ الَّذِي يَجُزُّهُ" [(أع 8: 32) بالمقابلة مع (إش 53: 7)]... " وَأَنَا كَخَرُوفِ دَاجِنٍ يُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ" (إر 11: 19).

4- دم حمل الفصح نجى الأبكار من الملاك المُهلك ومن عبودية فرعون، ويسوع المسيح نجانا من حكم الموت والهلاك الأبدي وعبودية إبليس.

5- عند تقديم الذبيحة كانت خطايا الشعب توضع على رأس الحمل، وهكذا حَمَلَ السيد المسيح خطايا العالم كله: " هُوَذَا حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29).

6- كان الحَمَل الناموسي يُذبح نيابة عن الشعب، وذُبح السيد المسيح على الصليب نيابة عنا.

7- صوف الحَمَل تُصنع منه الثياب التي تكسو العراة، والسيد المسيح كسانا بثوب بره، وستر عري آدم وبنيه جراء الخطية.

ولاحظ قول يوحنا المعمدان: " حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ" ولم يستخدم الزمن الماضي، فلم يقل "رَفعَ"... لماذا؟ أولًا: لأن يسوع لم يكن قد رُفع على الصليب بعد، وثانيًا: لأن عمل المسيح الخلاصي لا ينتهي، بل هو مُمتد عبر الزمن، ولا ننسى أن يوحنا المعمدان كان نبيًا مُلهمًا من الروح القدس، الذي أنار ذهنه، فنظر بعين النبوءة إلى الفداء العظيم الذي جاء يسوع ليصنعه بصليبه. رآه بعين النبوءة حملًا مذبوحًا على الصليب من أجل خلاص العالم، وهكذا رآه الرائي في رؤياه: " وَفِي وَسَطِ الشُّيُوخِ خَرُوفٌ قَائِمٌ كَأَنَّهُ مَذْبُوحٌ" (رؤ 5: 6)، وقال بطرس الرسول عنه: " حَمَل بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ" (1بط 1: 19).

ويقول "الأب متى المسكين": " فلا العين رأت خروفًا ولا المسيح تحوَّل إلى ذبيحة منظورة، ولكن هذه كلها يسميها الصوفيون (The Mystics) رؤيا "التَوريَة" أي بالنظر المعقول الذي لا يمت للواقع المادي بشيء. فلما قال المعمدان: "هُوَذَا حَمَلُ الله" لم يكن قد رأى المسيح حملًا ولكنه رأى مُجمل الفداء كله في لمحة ذهنية خاطفة، ورأى الخلاص شاملًا كافيًا للعالم، بل ورأى العالم فيه مفديًا، ورأى الخطية بثقلها الدهري ترتفع من فوق كاهل العالم، المحني تحتها هذه الدهور كلها، لتوضع فوق المسيح الحمل، فلا توجد، هذا هو الحمل الذي سأل عنه إسحق عندما لمح السكين والحطب في يد إبراهيم أبيه، وهذا هو الحمل الذي تخيَّله إبراهيم: "الله يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي" (تك 22: 8)" (82).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: كيف يكون يسوع " حَمَلُ اللَّـهِ" (يو 1: 29، 36) وهو الله في نفس الوقت، فهل "حمل إبراهيم" هو شخص إبراهيم...؟ عندما نقول أن هذا الحمل هو "حمل إبراهيم" أي أن إبراهيم هو صاحب ومالك هذا الحمل، ولا يمكن أن يكون "حمل إبراهيم" هو إبراهيم، ولا إبراهيم هو "حمل إبراهيم". إبراهيم إنسان يحمل الطبيعة البشرية فقط، أمَّا الحَمَل فهو حيوان يحمل الطبيعة الحيوانية، ولكن الوضع مختلف في قولنا عن يسوع أنه " حَمَلُ الله" نظرًا لتشابه وظيفته كفادي للبشرية مع وظيفة الحَمَل الذي يُقدَّم ذبيحة فداءً عن الشعب، مثل ذبيحة الصباح وذبيحة المساء. وفي نفس الوقت يسوع هو λόγος اللوغوس، أقنوم الكلمة، اللَّه الكامل الحامل الطبيعة الإلهية، وبتجسده حمل الطبيعة البشرية القابلة للموت حتى يموت ويفدينا من حكم الموت. كما كان الحَمَل يُذبح ويُقدَّم ذبيحة عوضًا عن الخاطئ، هكذا ذُبح يسوع المسيح على الصليب عوضًا عن البشرية. فكان هو الحمل الذي أخبر به إبراهيم ابنه إسحق قائلًا: " الله يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي" (تك 22: 8). يسوع هو الحَمَل وهو الراعي الصالح (يو 10)... هو الحمل وهو الأسد الخارج من سبط يهوذا (رؤ 5: 5) كحمل ذُبح ليفتدينا من حكم الموت، وكأسد خلصنا من مخالب إبليس. يقول "مارإفرام السرياني": "مبارك هو ذاك الذي كحمل حقيقي خلصنا، وأهلك مُهلكنا كما حدث مع داجون!

الذئب القديم (الشيطان) رأى الحمل الرضيع (يسوع) فارتعب منه" (من تسابيح الميلاد التسبحة الثالثة).

لقد تميَّز يوحنا المعمدان عن جميع أنبياء العهد القديم الذين تنبأوا عن المسيا دون أن يبصروه، أما هو فقد أبصره، ومد يده وعمَده وتحدث معه وأحبه، وبعد أن كانت كرازته تتجه نحو: " أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً" (مر 1: 3) اتجهت كرازته للشهادة للمسيا الفادي حمل اللَّه الذي يرفع خطية العالم... لقد أدرك يوحنا جيدًا أن يسوع هو الحَمَل الحقيقي، فالذي أعلن لإشعياء النبي (إش 53: 7) ولإرمياء النبي (إر 11: 19) لا بد أنه أعلن للمعمدان أيضًا أن يسوع هو حمل اللَّه.

 

ثالثًا: كيف يكرّر المعمدان قوله عن يسوع: " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" (يو 1: 31، 33)، بينما هو عرفه وحاول أن يستعفي من عماده (مت 3: 14)...؟ على الأرجح أن يوحنا المعمدان كان يعرف أو على الأقل يسمع عن يسوع، وذلك لصلة القرابة بينهما، لكن كل منهما نشأ في منطقة بعيدة عن الآخر، فبينما نشأ يسوع بعد عودته من مصر في ناصرة الجليل، فإن يوحنا المعمدان أقام في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل (لو 1: 80)، فمن الممكن أنهما يعرفان بعضهما البعض كقرائب دون أن يلتقيا معًا. ولم يكن المعمدان يعرف أن يسوع هو المسيا، وعندما أرسل اللَّه يوحنا أعطاه علامة يتعرَّف بها على المسيا ابن اللَّه، وهيَ حلول الروح القدس عليه، وهذا ما عاينه يوحنا أثناء عماد السيد المسيح، فقال: " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ" (يو 1: 31) وكلمة " لِيُظْهَرَ" في الأصل اليوناني أي يُعرف في إسرائيل معرفة شخصية، فتكون هناك شركة شخصية بين السيد المسيح وشعبه. وقد استخدم يوحنا الحبيب فعل "يُظهَر" في إنجيله مرات عديدة (يو 2: 11؛ 3: 21؛ 7: 4؛ 9: 3؛ 17: 6؛ 21: 14). ثم قال المعمدان ثانية: " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ لكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي..." (يو 1: 33) وقوله: " الَّذِي أَرْسَلَنِي" يؤكد على رسالته السمائية، فاللَّه هو الذي أرسله وهو الذي قال له. والكلمة اليونانية لقوله: " لأُعَمِّدَ بِالْمَاء" تفيد الغطس في الماء. يقول "وليم باركلي": " والفعل "يعمد" في الأصل اليوناني يستحق منها وقفة تأمُّل. فهو يعني حرفيًا يغمس أو يغطس، ويمكننا أن نُطلقه على عملية صباغة الثياب، حينما تُنقع في دن الصباغة" (83). لاحظ أيضًا قول المعمدان عن يسوع: "هذَا هُوَ ابْنُ الله" (يو 1: 34) أنه لم يقل ابنًا للَّه، وكأنه ابن اللَّه بالخلقة (لو 3: 38). أو بالاختيار (خر 4: 22)، أو الرعاية (إش 1: 2)، أو الإيمان (يو 1: 12) أو التبني (1يو 3: 1) أو بأي طريقة أخرى، إنما قال " ابْنُ الله" فهو ابن اللَّه الوحيد الجنس، الأمونوجينيس، λόγος اللوغوس، الكلمة، الذي هو من ذات جوهر وكيان وطبيعة الآب. ولأن يوحنا الحبيب قصد أن يُظهِر في إنجيله ألوهة الابن كذلك ذكر لقب " ابْنُ الله" للسيد المسيح (18) مرة، وذكر كلمة الآب نحو (50) مرة (راجع آلان مرشدور - سلسلة أبحاث كتابية/ 15 الإنجيل بحسب القديس يوحنا ص103).

أيضًا كرَّر يوحنا المعمدان قوله أنه لم يكن يعرف يسوع، لئلا يظن البعض أن شهادة يوحنا نابعة من معرفته الشخصية وقرابته ليسوع، لذلك شاءت العناية الإلهية أن لا تكون هناك علاقة صداقة قوية بينهما، لئلا تصير شهادة المعمدان ليسوع المسيا مجروحة، وحتى لا يشك أحد أن المعمدان يُجامل صديقه وقريبه. يقول "دكتور وليم إدي": " وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ..." قصد يوحنا بهذه الكلمات أن يبين لليهود أن شهادته بأن يسوع هو المسيح مبنية على إعلان اللَّه لا على معرفته الشخصية به... وقوله "لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ" لم يقصد أن يجهله كل الجهل، إنما قصد أنه لم يعرفه المعرفة التامة المُعلنة من اللَّه التي تقدّره على تأدية الشهادة الصريحة العامة وأنه لم يكن له سلطان على التصريح قبل نزول العلامة الموعود بها من السماء. ونستنتج مما قيل هنا أنه مع القرابة بين أم يسوع وأم يوحنا (لو 1: 36) أن اللَّه قضى بأن لا يجتمع يوحنا بيسوع قبل معموديته، إذ سكن أحدهما في الناصرة والآخر في البرية قرب حبرون (لو 1: 80) وغاية اللَّه من ذلك دفع توهم الناس سبك مؤامرة بين يسوع ويوحنا" (84).

وقد سبق لنا مناقشة هذه التساؤلات فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ3 س223.

 

رابعًا: هل السيد المسيح الإله المتجسد كان في احتياج للروح لينزل ويستقر عليه (يو 1: 32)...؟ السيد المسيح بحسب طبيعته اللاهوتية ليس غريبًا عن الروح القدس، لأنه روحه: " ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ أَرْسَلَ الله رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ" (غل 4: 6)، إنما حلَّ الروح القدس على السيد المسيح بحسب طبيعته الناسوتية ليمسحه ويكرّسه للخدمة كنبوءة إشعياء النبي: " رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ" (إش 61: 1) (راجع لو 4: 18). وقال يوحنا المعمدان: " وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ" (يو 1: 34)... هل كان يقصد ما رآه ساعة عماد ابن اللَّه في نهر الأردن عندما حلَّ عليه الروح القدس بشكل حمامة، أم كان ظهور آخر اختص هو به؟! وهل رأى بمفرده أم أن الجموع رأت أيضًا هذه العلامة؟! وهل رأى المعمدان رؤيا العيان أم رؤيا الإيمان؟! لا أحد يعلم. كان روح اللَّه يحل على القضاة والأنبياء والملوك حلولًا مؤقتًا، أمَّا الروح القدس فقد نزل واستقر على السيد المسيح ليمسحه للخدمة، وهنا نرى اكتمال عمل الثالوث القدوس. الآب أرسل الابن، والابن مُرسَل من الآب، والروح القدس مستقر على الابن. قال البابا أثناسيوس الرسولي: إن الروح القدس حلَّ على السيد المسيح ليُقدس طبيعتنا، وقال القديس كيرلس الكبير: "بعد أن صار إنسانًا، كان له أن يقبل الروح. وإذ فعل هذا ولم يعرف خطية أراد الروح أن يسكن فيه ويستقر عليه بكونه بكر الجنس البشري، وأصله الثاني" (85).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(82) شرح إنجيل القديس يوحنا - جـ 1، ص138، 139.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/690.html

تقصير الرابط:
tak.la/ag8q8xr