St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 460- كيف نصدق قيامة المسيح إن كان بعض التلاميذ قد شكُّوا فيها (مت 28: 17)، فربما كان ظهوره لم يكن واضحًا جليًا، كمثل شخص يسير على قمم الجبال، فليس من السهل التعرف عليه؟ وهل الذين شكُّوا زال عنهم الشك أم ظلوا في شكوكهم، ولماذا لم يذكر إنجيل متى كل تفصيلات اللقاء مع المسيح القائم، متى ظهر لهم، وماذا قال، وكم من الوقت مكث معهم، وهل كان واقفًا على الأرض أم مُعلقًا في الهواء، وهل رآه وسمعه كل الحضور أم بعضهم، وأين ذهب عندما فارقهم.. إلخ؟ وهل هناك أدلة عقلانية منطقية على حقيقة القيامة؟

 

س460: كيف نصدق قيامة المسيح إن كان بعض التلاميذ قد شكُّوا فيها (مت 28: 17)، فربما كان ظهوره لم يكن واضحًا جليًا، كمثل شخص يسير على قمم الجبال، فليس من السهل التعرف عليه؟ وهل الذين شكُّوا زال عنهم الشك أم ظلوا في شكوكهم، ولماذا لم يذكر إنجيل متى كل تفصيلات اللقاء مع المسيح القائم، متى ظهر لهم، وماذا قال، وكم من الوقت مكث معهم، وهل كان واقفًا على الأرض أم مُعلقًا في الهواء، وهل رآه وسمعه كل الحضور أم بعضهم، وأين ذهب عندما فارقهم.. إلخ؟ وهل هناك أدلة عقلانية منطقية على حقيقة القيامة؟

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: أولًا: كيف نصدق قيامة المسيح إن كان بعض التلاميذ قد شكُّوا فيها... إلخ.. قيامة السيد المسيح من الموت بعد ثلاثة أيام هيَ حقيقة واضحة جلية ثابتة آمن بها، وما زال يؤمن بها مليارات من البشر في كل زمان ومكان، ويظل الإنسان حرًا فبكامل إرادته له أن يقبل أو يرفض الإيمان بالقيامة المقدَّسة. عندما قال القديس متى: "وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا" (مت 28: 17) كان صادقًا في كلامه، لم يخفي شيئًا من الحقيقة، فالأمر كان غير متوقع لدى التلاميذ، حتى أنه عندما ظهر لهم تضاربت مشاعرهم، فالبعض شك، والآخر خاف، والآخر جزع، ومنهم من ظن أنه نظر روحًا، وهذا ما أوضحه القديس لوقا: "فَجَزِعُوا وَخَافُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ نَظَرُوا رُوحًا. فَقَالَ لَهُمْ مَا بَالُكُمْ مُضْطَرِبِينَ وَلِمَاذَا تَخْطُرُ أَفْكَارٌ فِي قُلُوبِكُمْ" (لو 24: 37، 38)، وأخذ السيد المسيح يؤكد لهم قيامته حتى أنه طلب منهم أن يجسُّوه فالروح ليس له لحم وعظام، وطلب منهم طعامًا وأكل قدامهم مع أنه قد لبس الجسد الممجد الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يتعب ولا ينام، ولكن لكي يوقنوا بأنه فعلًا قام، ولأن قيامته محور الإيمان المسيحي كله، لأجل هذا أكل أمامهم (لو 24: 39 - 43). ولأجل هذا كانت ظهورات السيد المسيح متعددة، سجلت منها الأسفار المقدَّسة نحو أحد عشر ظهورًا (راجع س457) ويؤكد القديس لوقا على اهتمام الرب يسوع بأن يدرك التلاميذ أمر قيامته، لأنهم مزمعون أن يقدموا حياتهم للموت بدون خوف، واثقين أن بعد الموت قيامة، فيقول: "اَلَّذِينَ أَرَاهُمْ أَيْضًا نَفْسَهُ حَيًّا بِبَرَاهِينَ كَثِيرَةٍ" (أع 1: 3). ويقول "متى هنري": "وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا: بعض الذين كانوا موجودين وقتئذ.. " شَكُّوا " أو " تأرجحوا " - حسب النص اليوناني - مثل كفتي الميزان عندما يتعذر الحكم أي الكفتين ترجح. لكن هذه الشكوك زالت فيما بعد وقوى إيمانهم جدًا.. أن التلاميذ شكوا قبل أن يؤمنوا، ولذلك لا يكون ممكنًا أن يُقال عنهم فيما بعد أنهم ساذجون أو أن إيمانهم متأرجح يمكن لأقل مؤثر أن يؤثر عليه" (365).

ومن جانب آخر قول القديس متى: "وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ شَكُّوا" دليل على صدقه الكامل، وأنه لم يحاول أن يخفي ضعفات التلاميذ، أو يُجهّل الحقيقة، فقد ذكر من قبل أن السيد المسيح قال لبطرس: "اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ" (مت 16: 23)، وأن التلاميذ ذات مرة لم يستطيعوا أن يخرجوا شيطانًا (مت 17: 16)، وأن بطرس الرسول أنكر أمام جارية ثلاث مرات، وأن يهوذا تلميذه خانه وسلّمه.. إلخ. إذًا فهو صادق وذكر كل شيء بشفافية مطلقة، وبما أن القديس متى تكلم عن حقيقة القيامة، ليس هو فقط، بل جميع الإنجيليين، وأيضًا بطرس وبولس الرسوليين، بما لا يدع مجالًا للَبس، فمن الواجب أن نصدقهم، ولا نطعن في شهاداتهم، كتب بعضهم باختصار وكتب البعض بتوسع، ذكر البعض أحداثًا، وذكر الآخر أحداثًا أخرى، وهذا يكمل ذاك دون أدنى تناقض وإن كانت هناك تناقضات ظاهرية فهيَ دليل على صدقهم وأمانتهم. وقال "العلامة أوريجانوس": "كما أن كل وتر من أوتار القيثارة يُعطي صوتًا معينًا خاصًا به، يبدو مختلفًا عن الآخر في نظر الإنسان الجاهل لأصول الموسيقى هكذا أيضًا الذين ليست لهم دراية بسماع انسجام نغمات اللَّه في الكتب المقدَّسة، يظهر أنه يُوجد اختلاف بين الأسفار المقدَّسة" (أورده القس يوسف البراموسي على ظهر غلاف كتابه تساؤلات حول إنجيل متى).

وأيضًا ظهورات المسيح بعد القيامة لم تكن خاطفة، ولم تكن غير واضحة، ولا مجال للاختلاف عليها بجميع تفصيلاتها كقول الناقد بأن ظهوره كان كمثل من يسير على قمم الجبال فلا يسهل التعرُّف عليه، فجميع الذين نظروه أبصروه جيدًا وسمعوه جيدًا، والبعض لمس آثار جراحاته -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- "الَّذِي سَمِعْنَاهُ الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا الَّذِي شَاهَدْنَاهُ وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا" (1 يو 1: 1). لم ترتبط ظهوراته بمكان معين ولا بوقت معين بل ظهر في أماكن عديدة، مُغلقة ومفتوحة، وفي أوقات متباينة صباحًا ومساءً وما بينهما، تحدث إليه توما ولمس جراحاته (يو 20: 26 - 29)، وتحدث إليه تلاميذه وأكل أمامهم (لو 24: 39 - 49)، وجرى الحديث بين بطرس وبينه، وأخبره عن موته الذي به مزمع أن يُمجِد اللَّه (يو 21: 15 - 23)، وظهر ليعقوب، وظهر لبطرس، وظهر للمريمات، وللنسوة، ولتلميذي عمواس، ولسبعة من تلاميذه على بحيرة طبرية وأطعمهم خبزًا وسمكًا مشويًا، وظهر لأكثر من خمسمائة أخ دفعة واحدة، لم يختلف إثنان منهم في أي جزئية من تفصيلات ظهوره، لم يقل أحدهما أنه كان ماشيًا على الأرض والآخر قال أنه مرتفع عن الأرض، لم يختلفوا في ملابسه، في حديثه، في قسمات وجهه، ومع كل هذا يأتي النُقَّاد ليزرعوا بذار الشكوك في قلوب البسطاء.

 

ثانيًا: أدلة عقلانية منطقية على حقيقة القيامة: وما أكثر هذه الأدلة التي تعرضنا لها من قبل (راجع أسئلة حول الصليب من س37 إلى س47، ومدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) س92) ونذكر هنا ثمانية أدلة على حقيقة القيامة:

1- النبؤات والرموز: هناك نبؤات نطق بها رجال اللَّه القديسون قبل موت المسيح وقيامته بمئات السنين، ومن أمثلة هذه النبؤات عن القيامة:

أ - أَنَا اضْطَجَعْتُ وَنِمْتُ. اسْتَيْقَظْتُ لأَنَّ الرَّبَّ يَعْضُدُنِي" (مز 3: 5) ويوم الجمعة العظيمة في صلاة الدفنة يصلون كل المزامير، ويصلي الأب الكاهن هذا المزمور الثالث جهرًا حتى قوله: "أَنَا اضْطَجَعْتُ وَنِمْتُ" فقط ويصرف الشعب.

ب - " لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَادًا" (مز 16: 10).

جـ - " لاَ يَغْمُرَنِّي سَيْلُ الْمِيَاهِ وَلاَ يَبْتَلِعَني الْعُمْقُ وَلاَ تُطْبِقِ الْهَاوِيَةُ عَلَيَّ فَاهَا" (مز 69: 15).

د - " يَبْلَعُ الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ وَيَمْسَحُ السَّيِّدُ الرَّبُّ الدُّمُوعَ عَنْ كُلِّ الْوُجُوهِ" (إش 25: 8).

هـ - " يَرَى نَسْلًا تَطُولُ أَيَّامُهُ وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ" (إش 53: 10). فبعد أن تحدث إشعياء النبي عن آلام المسيح وموته في هذا الأصحاح، تنبأ عن قيامته أيضًا.

و - " يُحْيِينَا بَعْدَ يَوْمَيْنِ. فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يُقِيمُنَا فَنَحْيَا أَمَامَهُ" (هو 6: 2).

ز - " مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ أَفْدِيهِمْ. مِنَ الْمَوْتِ أُخَلِّصُهُمْ. أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟" (هو 13: 14).

كما تُوجد رموز كثيرة في العهد القديم تشير لقيامة السيد المسيح، مثل:

أ - قدم إسحق ذبيحة، ووضع على المذبح، وذُبح بالنيبة ثم عاد حيًا (تك 22: 1 - 14).

ب - في طقس تطهير الأبرص يقدم عصفوران يُذبح أحدهما إشارة للمسيح المصلوب، ويغمس الآخر في دم العصفور المذبوح ويُطلّق إشارة للمسيح القائم (لا 14: 1 - 7).

جـ - عصا هرون التي أفرخت وأزهرت زهرًا وأنضجت لوزًا (عد 17: 1 - 8).

د - خروج يونان حيًّا من جوف الحوت بعد ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ (مت 12: 40) ويضاف لنبؤات ورموز العهد القديم، نبؤات السيد المسيح عن آلامه وموته وقيامته (مت 16: 21، 17: 22، 23، 20: 19، 26: 32، مر 9: 9، لو 24: 46، يو 2: 19، 21، 16: 19 - 22).

 

2- تبدُّل حالة التلاميذ: لو لم يقم المسيح، فما هو السرّ في تبدُّل حالة التلاميذ من الخوف والهرب والتخلي عن معلمهم إلى الشجاعة والجسارة والاقدام والشهادة لقيامة المسيح، فمن أنكر سيده أمام جارية، يشهد أمام رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب (أع 2: 22 - 24، 5: 30). وهؤلاء الذين خافوا واختبأوا في العلية المغلَّقة ها هم يعودون ويشهدون في شوارع أورشليم في جرأة وجسارة: "وَبِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ كَانَ الرُّسُلُ يُؤَدُّونَ الشَّهَادَةَ بِقِيَامَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ وَنِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَتْ عَلَى جَمِيعِهِمْ" (أع 4: 33).. " وَأَمَّا الْكَنَائِسُ فِي جَمِيعِ الْيَهُودِيَّةِ وَالْجَلِيلِ وَالسَّامِرَةِ فَكَانَ لَهَا سَلاَمٌ وَكَانَتْ تُبْنَى وَتَسِيرُ فِي خَوْفِ الرَّبِّ وَبِتَعْزِيَةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَتْ تَتَكَاثَرُ" (أع 9: 31).

 

3- بدء الكرازة في أورشليم وإمتدادها للمدن العظيمة: لو لم يقم المسيح، وكانت القيامة من اختراع التلاميذ، وكأنهم جميعًا اتفقوا بلا استثناء على إضلال العالم، فلا بد أنه كانوا سيبدأون كرازتهم في قرية نائية من قرى الجليل، بعيد تمامًا عن أعين رؤساء الكهنة، لكن كون الكرازة تبدأ في أورشليم معقل القيادات الدينية التي صلبت معلمهم ولن تتورع عن صلبهم هم أيضًا، فهذا دليل على حقيقة القيامة التي كرز بها الرسل وكل منهم يحمل رأسه على كفه، فلم يعد الموت مُرعبًا بالنسبة لهم بعد أن قتل الإله المتجسد الموت بموته وقيامته، هذا من جانب ومن جانب آخر فإن رؤساء الكهنة لم يتصدوا لهم بعنف وشراسة كعادتهم لأنهم يعلمون الحقيقة، فكانوا يلتمسون منهم أن لا ينادوا بهذا الاسم ويجلبوا دمه عليهم (أع 5: 28)، وأولًا وأخيرًا كانت كرازتهم في أورشليم طاعة لوصية سيدهم: "وَتَكُونُونَ لِي شُهُودًا فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ" (أع 1: 8). وامتدت الكرازة إلى المدن العظيمة مثل روما وكورنثوس وأثينا وأفسس وغلاطية وإسكندرية، وسكان هذه المدن ليسوا من الجهلة، بل أنهم على قدر كبير من العلم والمعرفة، لا يقبلون أمرًا مشكوك فيه، ونجحت الكرازة وانتشرت فلم يمر عشرون عامًا حتى أنها دخلت القصر الإمبراطوري، فكون هؤلاء يقبلون الإيمان بإنسان صُلِب في أورشليم ويؤمنون به أنه هو اللَّه خالق الكل وضابط الكل، بل أنهم فرحوا وسروا بعظم محبة اللَّه للإنسان وتغيَّرت حياتهم وسلوكياتهم نحو الفضيلة.. أليس هذا دليلًا قويًا على صحة الإيمان المسيحي بالإله المصلوب القائم؟!.

 

4- بساطة التلاميذ وأخلاقهم وبعدهم عن أية مطامع مادية: لم يكن الرسل من عظماء الفلاسفة، ولا من ذوي المراكز والسلطة، ولا من الأثرياء، حتى ينساق الناس وراءهم، إنما كانوا من البسطاء الفقراء الضعفاء معظمهم من صيادي الأسماك، وهذا ما أوضحه بولس الرسول قائلًا: "بَلِ اخْتَارَ اللَّه جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللَّه ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللَّه أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ" (1 كو 1: 27، 28) وهؤلاء البسطاء الفقراء الأدنياء قد غيروا العالم بكرازتهم النارية.. أليس هذا دليل على صحة إيمانهم بالمسيح المصلوب القائم؟!!.. هؤلاء الرسل الذين تتلمذوا على يد رجل الفضيلة الأول، الإله المتجسد، هل يتصوَّر عقل إنسان أنهم يخترعون أكذوبة يضلوا بها العالم كله؟!!.. وهؤلاء الرسل لم يكن لهم أي مطامع أو مغانم مادية، فعندما جاءتهم الأموال وضعوها تحت الأقدام، فلم يكن لهم أية مغانم لا مادية ولا معنوية، كل طموحاتهم هو خلاص النفوس مختطفين تلك النفوس من نار جهنم لتسكن ملكوت السموات. ولم يجنُّوا من كرازتهم سوى المتاعب والآلام والعذابات حتى الموت (2 كو 11: 22 - 29). لقد قدموا في حياتهم شهادة الفم وختموا حياتهم بشهادة الدم.. فمن ذا الذي لا يصدقهم؟!!.

5- القيامة محور الكرازة وأسفار العهد الجديد: كانت القيامة هيَ محور الكرازة، ففي كرازة بطرس ويوحنا: "أَقْبَلَ عَلَيْهِمَا الْكَهَنَةُ وَقَائِدُ جُنْدِ الْهَيْكَلِ وَالصَّدُّوقِيُّونَ مُتَضَجِّرِينَ مِنْ تَعْلِيمِهِمَا الشَّعْبَ وَنِدَائِهِمَا فِي يَسُوعَ بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ" (أع 4: 2)، ولو حذفنا القيامة من الكرازة بالمسيحية لصارت بلا معنى: "وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ. وَنُوجَدُ نَحْنُ أَيْضًا شُهُودَ زُورٍ للَّهِ لأَنَّنَا شَهِدْنَا مِنْ جِهَةِ اللَّه أَنَّهُ أَقَامَ الْمَسِيحَ وَهُوَ لَمْ يُقِمْهُ.. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلٌ إِيمَانُكُمْ. أَنْتُمْ بَعْدُ فِي خَطَايَاكُمْ" (1 كو 15: 14 - 17).. ولا يظن أحد أن القيامة من اختراع الإنجيليين الأربعة، لأن الأناجيل لم تكتب إلاَّ بعد القيامة بنحو خمسة وعشرين عامًا، كان الإيمان المسيحي قد استقر بالكامل في الكنيسة وفي وجدان الشعوب كبار وصغار، والإيمان كله بُني على موت المسيح وقيامته وصعوده إلى السماء ومجيئه الثاني. كما أن كتبة الأناجيل موثوق فيهم، فمتى كان عشارًا مدققًا حريصًا، ومرقس شابًا مثقفًا ومتعلمًا، ولوقا طبيبًا وفنانًا ومؤرخًا عظيمًا، ويوحنا شيخًا وقورًا رزينًا، وكذلك بقية كتبة أسفار العهد الجديد، بولس ويعقوب وبطرس ويهوذا.. فهل تجد شهودًا أفضل من هؤلاء؟!!. أضف إلى ذلك شهادة الآباء الرسوليين مثل أغناطيوس وبوليكاربوس وأكليمنضس الروماني وشهادة الآباء الأول ترتليان وأكليمنضس السكندري ويوستين، وأثناسيوس وكيرلس الأورشليمي، وأيضًا شهادة مشاهير التاريخ مثل وستكوت، وديتودور أحد علماء اليهود وتوماس أرنولد أستاذ التاريخ في جامعة أكسفورد، وإدوارد كلارك المحامي، واللورد ليندهرست، وأدولف هارناك الذي أنكر القيامة وشهد لإيمان التلاميذ بقيامة المسيح، وفرانك موريسون المحامي الذي درس قضية القيامة ليُكذّبها فإذ به يؤمن بها ويدافع عنها من خلال كتابه "من دحرج الحجر؟" وسيمون جرينليف، وكلووزنر الحبر اليهودي.. إلخ (راجع أسئلة حول الصليب س40).

 

6- قبول اليهود فكر التجسُّد الإلهي، وتقديس يوم الأحد: كان فكر التجسُّد مقبولًا لدى الوثنيين لأنهم يعتقدون بآلهة تأكل وتشرب وتتزوج وتتناسل وتتصارع، أما اليهود الذي استقر في وجدانهم الإيمان باللَّه الواحد السامي المتعال عن الأفكار، فكان من الصعب أن يقبلوا فكرة التجسُّد الإلهي والفداء، فكون آلاف اليهود يؤمنون منذ اليوم الأول لولادة الكنيسة، ويقبلون أن "يسوع" الذي عرفوه وسمعوا تعاليمه وشاهدوا معجزاته والذي رُفع على صليب الذل والعار هو اللَّه المتجسّد من أجل خلاص البشرية.. أليس هذا دليلًا على حقيقة القيامة؟!!.. وأيضًا الجميع يعلم بمدى تمسُّك اليهود بتقديس يوم السبت، حتى وكأن الإنسان خُلق من أجل السبت، وليس السبت من أجل الإنسان، ووضعوا القواعد والقيود والأحكام المُبالغ فيها لتقديس يوم السبت حتى منعوا عمل الخير فيه، فكونك ترى آلاف اليهود يقدّسون الأحد عوضًا عن السبت.. ألا يثير هذا تساؤلك: لماذا فعلوا هذا إلاَّ لإيمانهم بالمسيح القائم من الأموات في فجر الأحد؟!!. ويقول "د. ديني": "كلما مرَّ يوم أحد يُجدّد اليقين بالقيامة.. وحادثة القيامة لا يعتريها الشك، لأنها غيَّرت يوم الراحة اليهودي" (366). وكان المسيحيون الأوائل يعيدون بعيد القيامة كل 33 سنة وهيَ عدد سنى السيد المسيح التي قضاها على الأرض بالجسد، ويذكر يوسابيوس القيصري أن أسقف أزمير زار أسقف روما سنة 160م لمناقشة تحديد عيد القيامة، وفي عصر البابا ديمتريوس الكرام (188 - 230م) وضع نظام الأبقطي، فصار المسيحيون يعيّدون بعيد القيامة كل عام.

 

7- شهادة القبر الفارغ: كل قبر يطوي في داخله أمواته، أما قبر المسيح فهو القبر الوحيد الذي أُستخدم فدُفن فيه المسيح، وبقيامته صار القبر فارغًا شاهدًا لقيامة السيد المسيح، وما زال هذا القبر يشهد لليوم بقيامة المسيح، فما أعظم ألطافك يا رب إذ جعلت لك شاهدًا قويًا ماديًا مرئيًا منظورًا يراه العالم كله، عندما ينبثق النور المقدَّس منه كل عام يوم سبت النور، نور لا يحرق لمدة ثلاثة وثلاثين دقيقة ثم يتحوَّل بعد ذلك إلى نار حارقة. كما أن الحراسة التي وضعت حول القبر وختم القبر كانا شاهدان قويان على قيامة المسيح، فالحرسة القائمة تمنع سرقة الجسد، وفك الأختام يعلن القيامة.

ويقول "ونفريد كوردوان": "إذا ظهرت أي حقيقة ذات تاريخ قديم غير قابلة للشك أو الجدل، فأنها يجب أن تكون ذلك القبر الفارغ. فمنذ يوم أحد القيامة ولاحقًا وُجِد هنا قبر عُرِف بأنه قبر يسوع لكنه لا يحوي جسده فهو أمر لا يقبل الشك فيه.. لقد عارضت اليهودية هذا التعليم وكانت مستعدة لأن تصل إلى أقصى الحدود لكي تخمد هذه الحقيقة. كانت مهمتهم ستصبح أكثر سهولة لو دعوا بعض المؤمنين بالمسيح لزيارة سريعة إلى القبر وهناك يرون بأعينهم جسد يسوع. هذا بالطبع سوف تكون نهاية الرسالة المسيحية، الحقيقة هيَ أن الكنيسة نشأت ونمت على أساس المسيح المُقام من الأموات وتوضيح أن هناك قبرًا فارغًا"(367).

ويقول "بول ألثوس": "في أورشليم حيث جرت أحداث صلب وقيامة يسوع، سرت أخبار قيامته من الأموات بعد موته بقليل.. وانتشار حقيقة القيامة ما كان لها أن تصمد ولو ليوم واحد أو لساعة واحدة في أورشليم إذا لم يتحقَّق الجميع بأن القبر كان فارغًا ويستطيع الجميع أن يتحقَّق منه" (368).

ويقول "أرنست كيفان": "حقيقة القبر الفارغ توجه ضربة قاضية لكل الادعاءات والافتراضات التي يشهرها البعض ضد المسيحية، فهذه الصخرة التي تتحطم فوقها كل النظريات المضللة، ليس من المدهش أن المعارضين كانوا يتحاشون دائمًا الإشارة إلى القبر الفارغ في مناقشاتهم"(369).

 

8- لو كانت القيامة قصة مُلفَّقة:

أ - لماذا لم يتطرق أحد الإنجيليين إلى الطريقة التي قام بها السيد المسيح من الأموات، الأمر الذي صمتت تجاهه كل أسفار العهد الجديد، مما يدل على أن القيامة تمت في هدوء، فلم يشعر بها أي إنسان، هذا من جانب، ومن جانب آخر إجماع جميع الكتَّاب على هذا بدون إستثناء دليل على صحة القصة.

ب - لماذا لم يستخدم أحد الإنجيليين أساليب المبالغة والتهويل والإثارة كما يحدث في الأساطير، فجاءت القصة في أسلوب اخباري بسيط، لم يشطح كاتب واحد ويدعي أن السيد المسيح عند قيامته سطع نور في السماء وعلى الأرض أقوى من نور الشمس، وأنه بطرف أصبعه أطار الحجر وأرعب الحراس، وأنه ذهب إلى بيلاطس فبكَّته وأرهبه، وإلى رؤساء الكهنة وعنَّفهم، وأنه أخذ يصول ويجول ويجوب شوارع أورشليم معلنًا عودته للحياة، بل أن جميع الظهورات كانت لأحبائه.. أليس هذه أدلة على حقيقة القيامة؟!.

جـ - كيف لم يذكر أي كاتب أن السيدة العذراء ذهبت إلى القبر مع النسوة اللاتي ذهبن ليطيبن جسد يسوع، ولم يذكر أي كاتب أن السيد المسيح ظهر في القيامة لأمه ليداوي عواطفها الجريحة ويعزيها، وهذا أمر منطقي تمامًا؟ ولكن هذا لم يحدث، ولا نغفل أن إيمان أمنا العذراء بقيامة ابنها كان إيمانًا كاملًا عميقًا.

د - لو كانت القصة مُلفَّقة، فكيف يتبادر لذهن المؤلف أن يجعل مريم المجدلية تلتقي بالمسيح القائم فتعرفه وتسجد له وتمسك بقدميه، وبعد وقت وجيز، بعد أن شكَّت فيما رأت وما سمعت تقف لتبكي عند القبر، وعندما يظهر لها السيد المسيح لا تعرفه، ومنعها من أن تمسك به..؟ وعندما ظهر السيد المسيح للتلاميذ في العلية والأبواب مُغلَّقة، فخافوا وفزعوا وظنوا أنهم رأوا روحًا، فكيف لم يسأله واحد عن هويته؟ وعندما ظهر لهم على بحيرية طبرية، وقد أمضوا الليل كله ولم يصطادوا شيئًا، ثم على كلمته ألقوا الشبكة فاصطادوا 153 سمكة كبيرة، فالمتوقع أنهم يشوون من هذا السمك ويأكلون، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان إذ عندما خرجوا للشط وجدوا السيد المسيح قد أعد لهم طعامهم من الخبز والسمك المشوي، ليعلمهم أنه هو المسئول عنهم كما كان قبل صلبه وقيامته، فلو أن القصة مُلفَّقة لاتخذت مسارًا آخر.. وهكذا أمام الأدلة السابقة ومثيلاتها يجد المرء نفسه أنه يقف مشدوهًا أمام حقيقة القيامة.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

 (365) تفسير الكتاب المقدَّس - تفسير إنجيل متى جـ2 ص542، 543.

 (366) أورده جيمس مارتن - تعريب القس صموئيل حبيب - حقًا قام ص95.

(367) أورده جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا ص241.

 (368) أورده جوش مكدويل - برهان جديد يتطلب قرارًا ص242.

(369) المرجع السابق ص243.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/460.html