St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 406- لماذا اختلفت الترجمات في الآية (مت 24: 36) فخلت ترجمة فانديك وترجمات أخرى من عبارة "وَلاَ الابْنُ" بينما أوردتها الترجمة اليسوعية، كما جاءت في (مر 13: 32)؟ وكيف يكون الابن هو اللَّه ولا يعرف اليوم ولا الساعة؟ وهل مجيء المسيح الثاني له علامات مُسبقة فيسهل التعرُّف عليه (مت 24: 15 - 28) أم أنه مجهول ويأتي فجأة كما كان الطوفان (مت 24: 37 - 39)؟

 

س406: لماذا اختلفت الترجمات في الآية (مت 24: 36) فخلت ترجمة فانديك وترجمات أخرى من عبارة "وَلاَ الابْنُ" بينما أوردتها الترجمة اليسوعية، كما جاءت في (مر 13: 32)؟ وكيف يكون الابن هو اللَّه ولا يعرف اليوم ولا الساعة؟ وهل مجيء المسيح الثاني له علامات مُسبقة فيسهل التعرُّف عليه (مت 24: 15 - 28) أم أنه مجهول ويأتي فجأة كما كان الطوفان (مت 24: 37 - 39)؟

يقول "أحمد ديدات": "فكيف باللَّه يكون يسوع إلهًا، وكيف يزعمون أنه سيجلس عن يمين العظمة أي على يمين اللَّه يوم القيامة ليدين العالم أي ليحاسب بني آدم؟! كيف؟ كيف يكون يسوع إلهًا فيما يزعمون إذا كان باعترافهم لا يعرف موعد القيامة؟!" (74).

ويقول "المستشار منصور حسين": "هكذا، بكل وضوح وجلاء، يبين لنا المسيح أن الساعة لا يعلم بها أحد إلاَّ اللَّه، وأنه لا الملائكة، ولا هو نفسه - أي المسيح - يعرف هذه الساعة، ومهما قيل عن الطبيعة الواحدة التي لها صفات وخصائص الطبيعتين الإلهيَّة والإنسانية، أو عن الطبيعتين الإلهيَّة والإنسانية، في شخص المسيح، أو عن أي صورة من صوُّر الألوهية يرون عليها المسيح، فأنه ينفي عن المسيح الآلوهية" (75) (راجع أيضًا على الريس - تحريف مخطوطات الكتاب المقدَّس ص148 - 150، وعلاء أبو بكر - البهريز جـ 2 س275 ص224، جـ4 س92 ص49 ، س103 ص67).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- لماذا اختلفت الترجمات في الآية (مت 24: 36) فخلت ترجمة فانديك وترجمات أخرى من عبارة " وَلاَ الابْنُ" بينما أوردتها الترجمة اليسوعية، كما جاءت في (مر 13: 32)..؟ جاء في "ترجمة فاندايك": "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ" (مت 24: 36)، وفي "ترجمة كينج جيمس" (KJV):

"But of that day and hour no one knows, not even the angels of heaven, but My Father only" (Matt 24: 36).

بينما جاء في "الترجمة اليسوعية": "فأما ذلك اليوم وتلك الساعة، فما من أحد يعلمهما لا ملائكة السموات ولا الابن إلاَّ الآب وحده" (مت 24: 36) مثلما جاءت في إنجيل مرقس: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الابْنُ إِلاَّ الآبُ" (مر 13: 32). وهنا نقف أمام أمرين:

أ - اختلاف الترجمات في جزئية، فبعضها أورد عبارة " وَلاَ الابْنُ" والبعض لم يوردها، وهذا يرجع لاختلاف المخطوطات الرئيسية التي اعتمدت عليها كل ترجمة، فمن الوارد أن أحد نسَّاخ المخطوطات كان يحفظ جيدًا ما جاء في إنجيل مرقس، فعند نساخته لإنجيل متى (مت 24: 36) في الآية المقابلة التي وردت في إنجيل مرقس (مر 13: 32) يكون قد أضاف " وَلاَ الابْنُ" فهو اختلاف يرجع للذاكرة، مثل الاختلاف الذي يرجع للنظر عندما تتشابه البدايات أو النهائيات، وقد درسنا هذا الموضوع بالتفصيل عن أسباب الاختلافات بين المخطوطات (يُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) من س113 - س115) لذلك لا يزعجنا اختلاف الألفاظ، أو عدم ورود كلمة أو عبارة في إحدى الترجمات، فكما رأينا من قبل أن الترجمة اليسوعية لم يرد فيها " لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (مت 18: 11) وليس ذلك عن سوء قصد، بل هذا من قبيل الأمانة، أن المخطوطات التي اعتمدت عليها هذه الترجمة لم ترد فيها هذه العبارة، مع أنها جاءت بذات المعنى في مواضع أخرى في ذات الترجمة اليسوعية، ومما يثبت أصالة هذه الآية أن الآباء الأول قد اقتبسوها في كتاباتهم (يُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ4 س373) ومثلها ما جاء في (مت 23: 14): "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تَأْكُلُونَ بُيُوتَ الأَرَامِلِ ولِعِلَّةٍ تُطِيلُونَ صَلَوَاتِكُمْ. لِذلِكَ تَأْخُذُونَ دَيْنُونَةً أَعْظَمَ" لم ترد أيضًا في الترجمة اليسوعية (راجع س397) وكل هذه الاختلافات تدخل في نطاق القراءات المختلفة، ولا واحدة من هذه الاختلافات تؤثر في أقل عقيدة إيمانية، ولا ننسى أن عقائدنا الإيمانية في منتهى البساطة والوضوح في كتابنا المقدَّس، ويُعبّر عنها قانون الإيمان النيقوي: "الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي" (2 كو 3: 6). والدارس يحتاج للرجوع إلى عدة ترجمات، فالترجمات تكمل بعضها البعض، كما أن ما غمض في ترجمة قد تجده واضحًا في ترجمة أخرى (يُرجى الرجوع إلى القراءات المختلفة في مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (2) من س116 - س119).

ب - اختلاف ما جاء في إنجيل متى بشأن الآية (مت 24: 36) عما جاء في إنجيل مرقس (مر 13: 32) لا يُمثل أدنى تناقض، لأن الخبر في الآيتين لا يناقض نفسه، فلم يقل مرقس أن الابن لا يعلم اليوم ولا الساعة، ثم جاء متى وقال بل أن الابن يعلم اليوم والساعة، ولكن كون مرقس ينفرد بمعلومة زائدة، فهذا لا يُعد عيبًا، وهذا الأمر كثير التكرار في الأناجيل، فكثيرًا ما تجد أحد الإنجيليين ينفرد بمعلومة لم يذكرها غيره، فمثلًا في معجزة هياج البحر انفرد مارمرقس بقوله عن يسوع: "وَكَانَ هُوَ فِي الْمُؤَخَّرِ عَلَى وِسَادَةٍ نَائِمًا" (مر 4: 38) وهذه العبارة لم يذكرها القديس متى (مت 8: 24) ولا القديس لوقا (لو 3: 23)، فكل منهما ذكر عن السيد المسيح فقط أنه كان نائمًا دون أن يحدد مكان نومه، ولا أنه استخدم وسادة. وكان على الناقد أن ينتبه أن ما ينتقده هنا يوجد في القرآن وهو يؤمن به، فمثلًا قصة آدم وردت في سورة البقرة 2: 28 - 35، وبصورة أخرى في سورة الأعراف 7: 10 - 24، وبصورة ثالثة في سورة طه 20: 114 - 120، فلماذا لم تتطابق في السور الثلاث؟! (راجع كتاب الهداية جـ4 ص21). اختلاف الإنجيليين في طرق تعبيرهم من الأدلة القوية على صدق أقوالهم دون أدنى تواطئ بينهم.

 

2- كيف يكون الابن هو اللَّه ولا يعرف اليوم ولا الساعة:

أ - السيد المسيح صاحب الشخصية الفريدة التي ليس لها مثيل في تاريخ البشرية على الإطلاق، لأنه هو اللَّه وهو الإنسان في آن واحد، فيجمع الشيء ونقيضه في آن واحد، فمثلًا هو الجائع بحسب الناسوت أي الطبيعة البشرية التي اتخذها لنفسه واتحد بها، وهو غير الجائع باللاهوت.. هو العطشان بحسب الطبيعة البشرية وهو المروي بحسب الطبيعة اللاهوتية، فاللاهوت لا يجوع ولا يعطش.. هو المُتعب بالناسوت والمنزَّه عن التعب باللاهوت.. هو المتألم وهو غير المتألم.. هو الميت وهو الحي في آن واحد، لأن اللاهوت منزَّه عن الألم والموت. وبنفس القياس وذات المنطق هو يجهل معرفة اليوم والساعة بحسب طبيعته البشرية، وهو العالِم بكل شيء بحسب اللاهوت. أنه يجهل اليوم والساعة لأنه ارتضى أن يتخذ لنفسه صورة العبد: "لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في 2: 7)، والعبد لا يعلم ما سيفعله سيده.

ويقول "القديس أثناسيوس الرسولي" عن السيد المسيح: "إنه قال هذا مثلما قال الأقوال الأخرى كإنسان بسبب الجسد، فهذا ليس نقصًا في الكلمة، بل هو من تلك الطبيعة البشرية التي تتصف بالجهل. متى ولمن تكلم المُخلص هكذا؟ فهو لم يتكلم هكذا حينما خُلقت السموات بواسطته، ولا حينما كان الابن نفسه الكلمة الصانع كل الأشياء (انظر أم 8: 27 - 30)، وهو لم يقل هذا أيضًا قبل ولادته كإنسان، ولكن حينما صار الكلمة جسدًا، ولهذا السبب فمن الصواب أن نُنسب إلى ناسوته كل شيء يتكلم به إنسانيًا بعد أن تأنس، لأنه من خاصية الكلمة أن يعرف مخلوقاته وأن لا يجهل بدايتها ونهايتها، لأن هذه المخلوقات هيَ أعماله، وهو يعرف كم عددها وحدود تكوينها. وإذ هو يعرف بداية كل شيء ونهايته، فأنه يعرف بالتأكيد النهاية العامة والمشتركة للكل.. فواضح أنه بصفته الكلمة، يعرف أيضًا ساعة نهاية كل الأشياء ورغم أنه كإنسان يجهلها، لأن الجهل هو من خصائص الإنسان.

منذ أن صار إنسانًا لم يخجل - بسبب الجسد الذي يجهل - أن يقول لا أعرف لكي يوضح أنه بينما هو يعرف كإله، فهل يجهل جسديًّا، ولذلك فهو لم يقل {ولا ابن اللَّه يعرف} لئلا يبدو أن اللاهوت يجهل. بل قال ببساطة ولا الابن، لكي يكون الجهل خاصًا بالابن المولود من البشر" (76) (راجع أيضًا المقالة الثالثة ضد الأريوسيين ص83 - 85).

ويقول "القس سمعان كلهون": "ولهذه العبارة تفاسير متنوعة. قال أثناسيوس أن يسوع لم يعلم بها كإنسان. وقال أُوغسطينوس أنه لم يعلم بها ليعلنها لتلاميذه، أي أنه عَلِم بها لنفسه وليس لهم. ولا شك في أن المعنى الأفضل هو أنه لم يعلم بها كإنسان، فإنه قد أخذ طبيعتنا، كان كإنسان يتقدم في الحكمة (لو 2: 52) وتعلَّم الطاعة (عب 5: 8) وكان يصلي (لو 6: 12)، فلا عجب إذًا أن هذا الأمر أُخفي عنه. فما أعظم هذا التحذير للذين يدَّعون بأنهم يعرفون ويحسبون الأزمنة والأوقات التي جعلها الآب تحت سلطانه"(77).

ب - السيد المسيح بحسب لاهوته يعلم اليوم والساعة، والأدلة على ذلك كثيرة:

(1) هو الذي خلق كل شيء (يو 1: 3) فلا بد أنه يعرف نهاية الخلقة التي خلقها.

(2) حدَّد السيد المسيح علامات مجيئه (مت 24: 6 - 34)، فكيف لا يعرف ميعاد مجيئه؟! (راجع قول البابا أثناسيوس الرسولي - المقالة الثالثة ضد الأريوسيين ص19).

(3) السيد المسيح هو الذي سيدين العالم عقب مجيئه وانحلال الطبيعة، فكيف لا يعرف الساعة التي سيدين فيها العالم؟!

(4) الابن في الآب، والآب في الابن (يو 14: 10 ، 11)، والابن والآب واحد في الجوهر، وكل ما للآب فهو للابن (يو 10: 30) فهل يُعقَل أن أقنوم الكلمة والمعرفة والحكمة لا يعرف؟! (راجع قول القديس أثناسيوس - المقالة الثالثة ضد الأريوسيين ص82).

(5) الابن يعرف الآب في جوهره كقوله: "كُلُّ شَيْءٍ قَدْ دُفِعَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابْنَ إِلاَّ الآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابْنُ وَمَنْ أَرَادَ الابْنُ" (مت 11: 27)، فكيف يُخفى عليه علم اليوم والساعة؟

(6) لو أخذنا بالتفسير الحرفي للآية " لا يعرفهما أحد إلاَّ الآب" فمعنى هذا أن الروح القدس أيضًا لا يعرف اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها الابن، فكيف يكون هذا والروح يفحص كل شيء حتى أعماق اللَّه (1 كو 2: 10).

جـ - لاحظ في قول مرقس الإنجيلي أنه فصل الابن عن كل أحد وعن الملائكة، " فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن"، لأن الابن طبيعته مختلفة عن كل أحد وعن الملائكة، فهو خالق كل شيء، ونسب مارمرقس الملائكة له: "فَيُرْسِلُ حِينَئِذٍ مَلاَئِكَتَهُ" (مر 13: 27). وقد أورد القديس مرقس قول السيد المسيح أنه لا يعرف اليوم ولا الساعة لأنه يتحدث في إنجيله عن المسيح العبد الذي جاء ليخدم ويبذل نفسه عن كثيرين (مر 10: 45).

د - ما دام السيد المسيح يعلم اليوم والساعة بحسب لاهوته، فلماذا لم يبح بهما لأخصائه..؟ ذلك للضرر الذي سيترتب على معرفة موعد مجيئه، فلو عرف الإنسان أنه سيأتي بعد زمن طويل مديد، فهذا سيدعوه للتهاون والتأجيل والتسويف والتكاسل -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- وينقضي زمن حياته دون أن يثمر لصالح الملكوت، وإذا علم الإنسان أن مجيئه على الأبواب فإن هذا سيؤدي إلى ربكة ما بعدها ربكة. إذًا المسيح بحكمة فائقة أخفى هذا اليوم عن الإنسان كما يخفي ساعة انتقال كل شخص، وبقوله أن ذلك اليوم وتلك الساعة لا يعلم بهما أحد لا الملائكة ولا الابن، فهو بهذا قطع خط الرجعة على التلاميذ للسعي نحو معرفة اليوم والساعة، ولذلك قال لهم بعد القيامة: "لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا الأَزْمِنَةَ وَالأَوْقَاتَ الَّتِي جَعَلَهَـا الآبُ فِي سُلْطَانِه" (أع 1: 7). وجاء في "التفسير التطبيقي": "معرفتنا أن مجيء المسيح سيكون فجائيًا تحفزنا على أن نكون مستعدين على الدوام، فلا نعيش بلا مبالاة:

(1) نجلس منتظرين لا نعمل شيئًا.

(2) نسعى وراء مسراتنا الذاتية.

(3) نستغل إبطاءه في إلتماس العذر في عدم عمل اللَّه في بناء ملكوته.

(4) نستكين للطمأنينة الكاذبة المبنية على حسابات الأحداث.

(5) نترك لفضولنا عن الأزمنة الأخيرة أن يلهينا عن القيام بعمل اللَّه"(78).

ويقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "بقوله (ولا الملائكة) يسد شفاههم عن طلب معرفة ما لا تعرفه الملائكة، وبقول (ولا الابن) منعهم ليس فقط من معرفته وإنما حتى من السؤال عنه" (79).

ويقول "القديس أُغسطينوس": "حقًا أن الآب لا يعرف شيئًا لا يعرفه الابن، لأن الابن هو معرفة الآب نفسه وحكمته، فهو ابنه وكلمته وحكمته، لكن ليس من صالحنا أن يخبرنا بما ليس في صالحنا أن نعرفه.. أنه كمعلم يعلمنا بعض الأمور ويترك الأخرى لا يعرفنا بها. أنه يعرف أن يخبرنا بما هو لصالحنا ولا يخبرنا بالأمور التي تضرنا معرفتها"(80).

ويقول "القديس أمبروسيوس": "ليس من صالحنا أن نعرف الأزمنة، بل بالحري من صالحنا عدم معرفتها، فجهلنا لها يجعلنا نخاف ونسهر فينصلح حالنا"(81).

هـ - كانت معرفة يسوع بحسب الناسوت معرفة متدرجة بحسب عمره الزمني، ولو أظهر وهو طفل صغير علم العلماء لظن الناس أنه ليس إنسانًا، ولذلك قال القديس لوقا: "وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ" (لو 2: 52).

و - عندما قال السيد المسيح أنه لا يعرف اليوم ولا الساعة، فهذا كان من ضمن خطته المحكمة في إخفاء لاهوته عن الشيطان.

ز - لو أن أحد الطلبة في امتحان مادة معينة سأل المدرس الذي وضع الامتحان عن إجابة سؤال معين، والمدرس أجابه أنه لا يعرف، فهو يقصد أنه لا يعرف المعرفة المباح التصريح بها. وبالمَثَل لو سألت أب اعتراف عما قاله شخص معين في اعترافاته فأنه ليس في حل أن يبيح باعتراف أحد، فهو لا يعرف المعرفة المباح التصريح بها.

ويقول "نيافة المتنيح الأنبا يؤانس مطران الغربية": "إن السيد المسيح كان يعلم ولا يعلم. بحسب لاهوته يعلم لكن بحسب ناسوته لا يعلم.. من جهة اللاهوت فإن المسيح يعلم بكل شيء حاضرًا ومستقبلًا (وذكر نيافته أمثلة عديدة عن معرفة السيد المسيح) فكيف بعد هذا يقل أنه لا يعرف؟!!. إنه يعلم ويعرف المعرفة التي لا تُقال لحكمة (وذكر نيافته مَثَل الطالب الذي يسأل مدرسه في أمور الامتحان). ثم كيف يُقال أن المسيح ابن اللَّه لا يعرف وقد أخبر تلاميذه قبل هذه الآية مباشرة بعلامات نهاية العالم. ثم كيف لا يعرف وهو " الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ " (كو 2: 3).. وكيف لا يعلم والأمر يتعلق بالكون الذي خلقه؟ ولكن إن كان السيد المسيح لم يرد أن يفصح عن موعد اليوم والساعة، لذلك لكي ما يجعل الناس مستعدين، على نحو ما أخفى اللَّه عن الإنسان موعد انتقاله من هذا العالم.." (82). (وللمزيد عن هذا الموضوع يُرجى الرجوع إلى كتابنا: أسئلة حول ألوهية المسيح س72).

 

3- هل مجيء المسيح الثاني معروف لأن له علامات تسبقه (مت 24: 15 - 28)، أم أنه مجهول لا يعلم به أحد مثل الطوفان (مت 24: 37 - 39)..؟ قال السيد المسيح: "وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ" (مت 24: 36)، فاليوم والساعة لا يعلم بهما أحد أما قرب مجيئه فلن يُخفى عن أي إنسان فطن يسكن فيه روح اللَّه بناء على العلامات التي أعطاها اللَّه لنا، فمتى أفرخت شجرة التين (مت 24: 32، 33)، ودخل اليهود للإيمان المسيحي (رو 11: 25 ، 26)، ومتى حدث الإرتداد العظيم (2 تس 2: 3)، ومتى أُستعلن إنسان الخطية ضد المسيح (2 تس 2: 3، 4)، ومتى جاء إيليا وأخنوخ وقاوما ضد المسيح فيقتلهما وتظل جثتيهما على الأرض ثلاثة أيام ونصف ثم يبعث اللَّه فيهما روح حياة (رؤ 11: 3 - 12) ، ومتى أظلمت الشمس والقمر لم يُعطي ضوءه (مت 24: 29)، ومتى ظهرت علامة ابن الإنسان (مت 24: 30)، حينئذ يكون مجيء المسيح على الأبواب، ومع هذا فإن يوم وساعة مجيئه سيظلان مجهولان.

والذين انشغلوا بحساب الأزمنة وحدَّدوا تواريخ محدَّدة لمجيء المسيح باءت توقعاتهم بالفشل، ومن أمثلة الذين حدَّدوا مواقيت للمجيء الثاني من الأدفنتست (المجيئيين) السبتيين:

أ - وليم ميللر: وهو الذي أمضى وقتًا طويلًا في دراسة سفري دانيال والرؤيا وحدَّد ميعاد مجيء المسيح الثاني بربيع 1843م، وعندما مرَّ الوقت ولم يأتِ المسيح، وشعر ميللر بالحرج أمام أتباعه الذين وصل عددهم إلى خمسين ألفًا، قال أنه بعد إدخال التقويم اليهودي في الحسبان فإن المسيح سيأتي خلال الفترة من ربيع 1843م، وربيع 1844م، ومرَّ الوقت ولم يأتِ المسيح.

ب - صموئيل سنو: عوضًا عن أن يصلح صموئيل خطأ ميللر، حدَّد يوم 22 أكتوبر من نفس العام 1844م لمجيء السيد المسيح، وبالطبع لم يتحقَّق قوله، فكادت جماعة الأدفنتست أن تنفض لولا تدخل حيرام أدسون.

جـ - حيرام أدسون: في يوم 23 أكتوبر 1844م قال حيرام أدسون أن السيد المسيح خرج فعلًا من السماء بصورة غير منظورة فلم يبصره أحد، ودخل في القسم الأول من القدس لأن هناك أعمالًا يجب أن ينجزها، أما مجيئه الثاني المنظور فما زال بعيدًا، وصدقه أتباعه.

د - إلن جيمس هوايت: وهيَ نبية الأدفنتست السبتيين، وقد أيدت قول حيرام أدسون قائلة أنها نظرت في رؤيا أن المسيح قد جاء إلى العالم بصورة غير منظورة وبدأ ملكه الألفي مع المختارين (راجع كتابنا: الأدفنتست.. هوة الهلاك).

ثم جاءت جماعة "شهود يهوه" وقالوا أنه في سنة 1914م حضر المسيح حضورًا روحيًّا وبدأ الحكم الثيؤقراطي، وملك على أعدائه، وفي هذا التوقيت طُرِد الشيطان من السماء، وقالوا أن المسيح دخل إلى الهيكل سنة 1918م، وحدثت القيامة لعدد المختارين للملكوت وعددهم 144 ألفًا، وقالوا أن جيل 1914م سيرى نهاية العالم، وبالطبع لم يحدث هذا، وتطول القصة (راجع كتابنا: شهود يهوه.. هوة الهلاك).

وعندما قامت دولة إسرائيل سنة 1948م قال البعض أن نهاية العالم صارت وشيكة ولن يمر جيل سنة 1948م إلاَّ ويأتي المسيح، ولم يحدث هذا، لأن تجمع اليهود يشبه شجرة التين المورقة بلا ثمر، ولكن متى دخل اليهود للإيمان حينئذ يكون قريبًا على الأبواب. وفي سنة 2011م حدَّد معسكر هارولد أن العالم سينتهي يوم 21 مايو 2011م وعندما لم ينتهي العالم، حدَّدوا ميعادًا آخر وهو 21 أكتوبر من نفس العام ومرَّ عام 2011 ولم ينتهي العالم (راجع جانين كيه - متى).

كل ما يهمنا ويشغلنا في هذا الأمر ليس معرفة يوم مجيئه، إنما الاستعداد لهذا اليوم الذي سيأتي فجأة كما جاء الطوفان أيام نوح، إذ كانوا يأكلون ويشربون ويتزوجون ويزوّجون، وهم غارقون في خطاياهم، مستهينين بإنذارات نوح لهم، إلى أن فاجئهم اليوم الذي دخل فيه نوح الفك وأغلق اللَّه باب الفُلك، وجاء الطوفان فأخذ الجميع، ولذلك حذرنا مُخلصنا الصالح قائلًا: "لأَنَّهُ كَالْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْجَالِسِينَ عَلى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ" (لو 21: 35). " لأَنَّهُ حِينَمَا يَقُولُونَ سَلاَمٌ وَأَمَانٌ حِينَئِذٍ يُفَاجِئُهُمْ هَلاَكٌ بَغْتَةً كَالْمَخَاضِ لِلْحُبْلَى فَلاَ يَنْجُونَ" (1تس 5: 3). كما أن لحظة موت الإنسان تُعد نهاية العالم بالنسبة له، ويقول "الأب متى المسكين": "ونحن الآن لسنا فقط منتظرين الديان، بل منتظرين لحظة سكوت دقات قلبنا فجأة وذهابنا إليه!؟ فأصبح الاستعداد ليس على مستوى العمر وحسب بل على مستوى اليوم والساعة"(83). فينبغي أن نستعد في كل يوم وكل ساعة لملاقاة الحبيب، ومما يُذكر عن الأم سارة أنها قالت: "عند صعودي السلم لا أضمن حياتي حتى أضع رجلي في الدرجة التالية".

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(74) ترجمة علي الجوهري - عتاد الجهاد ص44.

(75) دعوة الحق أو الحقيقة بين المسيحية والإسلام ص223، 224.

 (76) المقالة الثالثة ضد الأريوسيين ص80 ، 81.

(77) اتفاق البشيرين ص479.

 (78) التفسير التطبيقي ص1951.

(79) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير الإنجيل بحسب القديس مرقس ص246.

(80) المرجع السابق ص246.

(81) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير إنجيل متى ص512.

 (82) عقيدة المسيحيين في المسيح ص195 - 198.

 (83) الإنجيل بحسب القديس متى ص678.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/406.html