St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

 405- ما هيَ علامة ابن الإنسان (مت 24: 30)؟ وما هيَ دلالة ظهورها في هذا التوقيت الذي فيه تنحل الطبيعة؟ وهل الملائكة في يوم القيامة لا يجمعون إلاَّ المختارين فقط (مت 24: 31)؟ وما هو المقصود بشجرة التين التي ستعرفنا المَثَل (مت 24: 32)؟ وإذا كانت شجرة التين تشير للأمة اليهودية التي عادت للحياة سن 1948م، فلماذا لم ينتهي العالم قبل إنقضاء الجيل 1988م على اعتبار أن الجيل أربعين عامًا؟ وكيف يقول أنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون كل هذا (مت 24: 34) وقد مرَّ ألفي سنة ولم تأتِ القيامة بعد؟ وهل عبارة "هذَا الْجِيلُ" (مت 24: 34) والتي أوردها القديس مرقس أيضًا (مر 13: 30) حذفها القديس لوقا من إنجيله؟

 

س405: ما هيَ علامة ابن الإنسان (مت 24: 30)؟ وما هيَ دلالة ظهورها في هذا التوقيت الذي فيه تنحل الطبيعة؟ وهل الملائكة في يوم القيامة لا يجمعون إلاَّ المختارين فقط (مت 24: 31)؟ وما هو المقصود بشجرة التين التي ستعرفنا المَثَل (مت 24: 32)؟ وإذا كانت شجرة التين تشير للأمة اليهودية التي عادت للحياة سن 1948م، فلماذا لم ينتهي العالم قبل إنقضاء الجيل 1988م على اعتبار أن الجيل أربعين عامًا؟ وكيف يقول أنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون كل هذا (مت 24: 34) وقد مرَّ ألفي سنة ولم تأتِ القيامة بعد؟ وهل عبارة "هذَا الْجِيلُ" (مت 24: 34) والتي أوردها القديس مرقس أيضًا (مر 13: 30) حذفها القديس لوقا من إنجيله؟

ويقول "بارت ايهرمان" ماذا يعني هذا المَثَل؟ إن البعض اعتقد أن شجرة التين تشير لإسرائيل عندما تطرح أوراقها، وبعد مرورها بفصل الشتاء، سوف تعود للحياة، وبما أن أمة إسرائيل عادت للحياة سنة 1948م، وبما أن الإنجيل قال أن النهاية ستكون خلال هذا الجيل، وبما أن الجيل أربعين عامًا، إذًا كان لا بد أن تكون نهاية العالم سنة 1988م، ولكن هذا لم يحدث (راجع الاقتباس الخاطئ عن المسيح ص22 ، 23).

ويقول "المستشار منصور حسين": "وطبعًا مضى هذا الجيل، وأجيال عديدة بعده، ولم يكن إلى يومنا هذا شيء مما نسب إلى المسيح، في هذه الأناجيل الثلاثة.. ولذلك فإن الحقيقة في هذا الشأن لا تخرج عن أحد أمرين فإما أن هذه الأقوال التي نُسبت إلى المسيح في هذه الأناجيل الثلاثة لم تصدر منه، فلم يقلها المسيح وإنما نُسبت إليه بغير حق، وهذا هو سبب عدم مطابقتها للواقع وعدم تحقق شيء منها، وإما أنها قد صدرت من المسيح فعلًا، وثبت بعد ذلك أنها مخالفة للواقع، وهذا مستحيل عند المسيحيين والمسلمين على السواء، فهيَ عند المسيحيين أقوال صادرة من اللَّه، وعند المسلمين أقوال مُوحى بها من اللَّه.. لذلك لا يبقى مُمكنًا بشأن هذه الأقوال، عند المسيحيين والمسلمين جميعًا إلاَّ نفي صدورها عن المسيح نفسه"(64).

ويقول "علي زلماط": "قال هورن: أن الفقرة التامة ما بين الفقرتين 33 و34 قد أُسقطت من إنجيل لوقا، وأن المحققين والمفسرين كلهم قد أغمضوا عيونهم عن هذا النقصان العظيم الواقع في متن إنجيل لوقا، حتى قام المحقّق "هيلر" بالتنويه إليه، وأمر بزيادة هذه الفقرة في إنجيل لوقا بالرجوع إلى إنجيل متى وإنجيل مرقس، ليكون موافقًا لهما" (رحمة اللَّه الهندي - إظهار الحق ص530 - 531)"(65).

St-Takla.org                     Divider     فاصل موقع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - أنبا تكلا هايمانوت

ج: 1- ما هيَ علامة ابن الإنسان؟ وما هيَ دلالة ظهورها في هذا التوقيت الذي فيه تنحل الطبيعة..؟ قال السيد المسيح: "وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ " (مت 24: 30)، وابن الإنسان هو السيد المسيح الذي عاينه دانيال في رؤياه: "كُنْتُ أَرَى فِي رُؤَى اللَّيْلِ وَإِذَا مَعَ سُحُبِ السَّمَاءِ مِثْلُ ابْنِ إِنْسَانٍ.. سُلْطَانُهُ سُلْطَانٌ أَبَدِيٌّ مَا لَنْ يَزُولَ، وَمَلَكُوتُهُ مَا لاَ يَنْقَرِضُ" (دا 7: 13 - 14). وعلامة السيد المسيح هيَ "علامة الصليب" كقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "قول المسيح: "وحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ " أي الصليب الذي هو أبهى من الشمس وأسطع ضياءً، لأنه إن كانت الشمس تظلَّم وتُخفَى وهذا (الصليب) يُوضَح ويُظهِر، فلو لم تكن له أضواء كثيرة وأشد تلألأ من أشعة الشمس لما كان عند ظهوره يخفيها ويسترها"(66).

كما يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "لا يمكن للصليب أن يظهر ما لم يكن أكثر بهاءً من الشمس! فلا يخجل التلاميذ من الصليب ولا يحزنون. إنه يتحدث عنه كعلامة تظهر في مجد! فستظهر علامة الصليب لتبكم جسارة اليهود! سيأتي المسيح ليُدين مشيرًا إلى جراحاته كما إلى طريقة موته المملوء عارًا، عندئذ تنوح كل قبائل الأرض. فأنهم إذ يرون الصليب يفكرون كيف أنهم لم يستفيدوا شيئًا من موته وأنهم صلبوا من كان يجب أن يعبدوه"(67).

وعلامة الصليب هيَ التي أخبر بها سمعان الشيخ السيدة العذراء: "هَا إِنَّ هذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ" (لو 2: 34)، فقد وُضعت علامة الصليب لسقوط وقيام الكثيرين، ووسيلة الإيضاح واضحة جدًا على جبل الجلجثة، فالصليب أصعد اللص اليمين للفردوس، وهو أيضًا هبط باللص اليسار للجحيم.. ولا يطيق الشيطان علامة الصليب لأنها الوسيلة التي سحقته، فالصليب هو علامة النصرة، ويقول "العلامة أوريجانوس": "نرى علامة الصليب، هذه التي يراها الذين طعنوه حسب نبؤة زكريا ويوحنا (يو 19: 37) وهيَ علامة النصرة" (68)، وما زال الشيطان وأعوانه يمقتون علامة الصليب من جيل إلى جيل، والصليب هو علامة وراية المسيح المصلوب القائم والمنتصر، فملاك القيامة يقول للنسوة: "فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ الْمَصْلُوبَ" (مت 28: 5) وتنبأ عنه إشعياء النبي قائلًا: "وَيَكُونُ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَصْلَ يَسَّى الْقَائِمَ رَايَةً لِلشُّعُوبِ إِيَّاهُ تَطْلُبُ الأُمَمُ" (إش 11: 10)، فبعد قيامته ما زال يحتفظ بآثار الصليب في جسده.

وظهور"علامة الصليب" في هذا التوقيت الذي تنحل فيه الطبيعة هو إعلان لعنوان الحقيقة، وليرفع الذين عبدوا المصلوب رؤوسهم لأن نجاتهم صارت وشيكة، وهذا ما أخبرنا به يسوع المصلوب: "وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هذِهِ تَكُونُ، فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ" (لو 21: 27 ، 28)، فالصليب هو سلاح العظمة الذي سحق رأس الحية القديمة، وأطلق أسرى الرجاء من الجُب، وبه مزَّق المسيح كتاب صك خطايانا: "إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ. إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا ظَافِرًا بِهِمْ فِيه" (كو 2: 14 ، 15).

 

2- هل الملائكة في يوم القيامة لا يجمعون إلاَّ المختارين أيضًا..؟ قال يوحنا المعمدان عن السيد المسيح أنه سيجمع الحنطة للمخزن أي للحياة الأبدية: "الَّذِي رَفْشُهُ فِي يَدِهِ وَسَيُنَقِّي بَيْدَرَهُ وَيَجْمَعُ قَمْحَهُ إِلَى الْمَخْزَنِ وَأَمَّا التِّبْنُ فَيُحْرِقُهُ بِنَارٍ لاَ تُطْفَأُ" (مت 3: 12). وقال السيد المسيح: "فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ فَيَجْمَعُونَ مُخْتَارِيهِ مِنَ الأَرْبَعِ الرِّيَاحِ مِنْ أَقْصَاءِ السَّمَاوَاتِ إِلَى أَقْصَائِهَا" (مت 24: 31).. يجمع الأبرار ليسمعوا صوته: "تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (مت 25: 34)، وأيضًا يجمع الأشرار وليس للملكوت، بل لمصير آخر: "يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ. وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ" (مت 13: 41 ، 42).. حقًا أن الأشرار سيشتهون الهرب من أمام وجهه: "وَهُمْ يَقُولُونَ لِلْجِبَالِ وَالصُّخُورِ اسْقُطِي عَلَيْنَا وَأَخْفِينَا عَنْ وَجْهِ الْجَالِسِ عَلى الْعَرْشِ وَعَنْ غَضَبِ الْخَرُوفِ" (رؤ 6: 16) ولكنهم سيُجمعون للنار الأبدية. ولا يُوجد تعارض بين قول يوحنا المعمدان أن السيد المسيح هو الذي سيجمع، وبين قول السيد المسيح أن يُرسل ملائكته فيجمعون، لأن السيد المسيح هو الذي سيصدر الأمر، والملائكة هم الذين سيسرعون لتنفيذ أمره.. حقًا أنها ساعة رهيبة تستحق منا أن نفكر فيها ونعمل لها حساب وألف حساب.

 

3- ما المقصود بشجرة التين التي ستعرفنا المَثَل؟ وإذا كانت شجرة التين تشير للأمة اليهودية التي عادت للحياة سنة 1948م، فلماذا لم ينتهي العالم قبل إنقضاء الجيل سنة 1988م..؟ قال السيد المسيح: "فَمِنْ شَجَرَةِ التِّينِ تَعَلَّمُوا المَثَل مَتَى صَارَ غُصْنُهَا رَخْصًا وَأَخْرَجَتْ أَوْرَاقَهَا تَعْلَمُونَ أَنَّ الصَّيْفَ قَرِيبٌ. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا مَتَى رَأَيْتُمْ هذَا كُلَّهُ فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ" (مت 24: 32 ، 33).. شجرة التين ترمز للأمة اليهودية، خاصته التي رفضته وتآمرت عليه ورفضت كرازته بالملكوت، ووصلت إلى طريق مسدود، فأصدر حكمه عليها: "لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ. فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ" (مت 21: 19)، ومع كل هذا فإن مراحمه لن تزول وأحضانه ما زالت مفتوحة، وشجرة التين هذه ستعود في آخر الأيام وتثمر، ولذلك قال: "اُنْظُرُوا إِلَى شَجَرَةِ التِّينِ.. مَتَى أَفْرَخَتْ تَنْظُرُونَ وَتَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَنَّ الصَّيْفَ قَدْ قَرُبَ. هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا مَتَى رَأَيْتُمْ هذِهِ الأَشْيَاءَ صَائِرَةً فَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَكُوتَ اللَّه قَرِيبٌ" (لو 21: 29 - 31).. طوال فترة الشتاء تظل شجرة التين في كمون وثبات، وعندما تستيقظ من ثباتها وتُفرِخ ويصير غصنها رخصًا يعلم الجميع أن الصيف قد اقترب، فإن شجرة التين هيَ أقرب الأشجار للصيف. ويشير الصيف لميعاد الحصاد العام، أي للدينونة العامة، وإذا طبقنا المَثَل على الأمة اليهودية التي تشتَّت في جميع أنحاء العالم، وهيَ تجوز برد الشتاء القاسي، ولكن متى دبَّت فيها الحياة ودبَّ فيها الإيمان وأثمرت حينئذ يكون الدهر قد أوشك على الانتهاء.

وإن كانت سنة 1948م شهدت تجمع اليهود في دولة فلسطين، فهذا مؤشر إلى أن شجرة التين قد أخرجت أوراقها، ولكنها ما زالت عقيمة لم تحمل ثمرًا، لأنها لم تؤمن بالمسيح بعد، ومتى آمن اليهود وأثمرت شجرة التين حينئذ يكون قد اقترب موعد مجيئه: "أَنَّ الْقَسَاوَةَ قَدْ حَصَلَتْ جُزْئِيًّا لإِسْرَائِيلَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ مِلْؤُ الأُممِ. وَهكَذَا سَيَخْلُصُ جَمِيعُ إِسْرَائِيلَ" (رو 11: 25، 26). ويقول "الأب متى المسكين": "نحن نؤمن أن علامة شجرة التين التي تُخرِج أوراقها لا تنطبق على عودة ظهور إسرائيل كتجمع سياسي، ولكن على رجوع اليهود من ضلالتهم وتوبتهم وإيمانهم بالمسيح على النحو الذي نسمع عنه عن اليهود المسيانيين الذين تابوا وآمنوا بالمسيح" (69).

 

4- كيف يقول المسيح أنه لا يمضي هذا الجيل حتى يكون كل هذا ، ومرَّ ألفي سنة ولم تأتِ القيامة بعد ..؟ قال السيد المسيح: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ. اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ" (مت 24: 34 ، 35) وهناك ثلاث تفسيرات توضح المقصود بكلمة " الْجِيلُ":

أ - الجيل الذي سمع أقوال السيد المسيح هو الذي سيعاين خراب أورشليم.

ب - الجيل الذي سيعاين إيمان اليهود بالمسيح هو الجيل الذي سيشهد نهاية الأيام.

جـ - الجيل هو الجنس أو الأمة اليهودية.

أ - الجيل الذي سمع أقوال السيد المسيح هو الذي سيعاين خراب أورشليم: المقصود بعبارة: "حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ" هو خراب أورشليم، ولا سيما أن النبؤات عن خراب أورشليم قد اختلطت بالنبؤات عن نهاية العالم، ومن الصعب التفريق بينهما، وقد نطق السيد المسيح بهذه العبارة في نهاية خدمته وكرازته وقبل صلبه، فكثيرون من الذين سمعوا هذه العبارة بأذانهم شهدوا خراب أورشليم سنة 70م بأعينهم، وربما بعضهم قد قُتل أو صُلب في هذا الحدث. وهذه العبارة " لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ" تشبه قول السيد المسيح قبل التجلي " اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مِنَ الْقِيَامِ ههُنَا قَوْمًا لاَ يَذُوقُونَ الْمَوْتَ حَتَّى يَرَوُا ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي مَلَكُوتِه" (مت 16: 28)، وهو يقصد رؤية بطرس ويعقوب ويوحنا مجد التجلي، كما كان يقصد به انتشار المسيحية وبشارة الملكوت بين الأمم (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ4 س366).

 

ويقول "البابا شنوده الثالث": "في الواقع أن السيد المسيح في (مت 24)، وكذلك في(مر 13) كان يتحدث عن أمرين اثنين: خراب أورشليم، ونهاية العالم، وليس عن نهاية العالم فقط.. وقوله: "لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ ".. كان المقصود به تحقيق نبوءته عن خراب أورشليم. وقد تم ذلك فعلًا، إذ خربت أورشليم في سنة 70م، وتشتَّت اليهود في أرجاء الأرض، ولم يكن ذلك الجيل قد مضى بعد.. ومن ضمن نبوات السيد المسيح عن هذا الأصحاح، عن خراب أورشليم وليس عن نهاية العالم، ما يلي:

" فَمَتَى نَظَرْتُمْ رِجْسَةَ الْخَرَابِ الَّتِي قَالَ عَنْهَا دَانِيآلُ النَّبِيُّ قَائِمَةً فِي الْمَكَانِ الْمُقَدَّسِ ­ لِيَفْهَمِ الْقَارِئُ ­ وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلاَ فِي سَبْتٍ " (مت 24: 15 - 20).

ومن أقواله في تلك المناسبة، التي تمت أيضًا في ذلك الجيل:

" يُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى ضِيق وَيَقْتُلُونَكُمْ وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ " (مت 24: 9 ، 10).

أما النبؤات الخاصة بخراب أورشليم، والتي تمت في ذلك الجيل فهيَ:

" وَصَلُّوا لِكَيْ لاَ يَكُونَ هَرَبُكُمْ فِي شِتَاءٍ وَلاَ فِي سَبْتٍ " لأنه في نهاية العالم، لا يكون هناك هروب، كما يتساوى في ذلك الشتاء والصيف، والسبت أيضًا!.. وقوله أيضًا: "فَحِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ " (مر 13: 14، 15). كل هذا قيل عن خراب أورشليم، لأنه في نهاية العالم، لا ينفع الهروب من اليهودية إلى الجبال!

من أمثال هذه الأمور، قال الرب: "اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ هذَا كُلُّهُ " فعلًا، كان ذلك كله، في وقت هجوم الجيش الروماني على أورشليم سنة 70م، أي بعد أن قال السيد المسيح تلك النبؤة بحوالي 36 سنة"(70).

كما يقول "البابا شنوده الثالث" أيضًا: ".. إذًا لا نأخذ الأصحاح كله (مت 24) على نهاية العالم.. وعبارة "مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ" تعني مجيئه الثاني في نهاية الزمان.. كما تعني مجيئه بالنسبة لحياة أي إنسان، كما قال: "طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ.. فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذًا مُسْتَعِدِّينَ لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأْتِي ابْنُ الإِنْسَانِ.. طُوبَى لِذلِكَ الْعَبْدِ الَّذِي إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُ يَجِدُهُ يَفْعَلُ هكَذَا... " (لو 12: 37 ، 40 ، 43).. وقوله أيضًا: "لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا" (مر 13: 36)"(71).

ب - الجيل الذين سيعاين إيمان اليهود بالمسيح هو الذي سيشهد نهاية الأيام: ففي نهاية الأيام سيعلن اليهود إيمانهم بالسيد المسيح (رو 11: 25 - 32) ، فعندما تثمر شجرة التين حينئذ يكون الصيف قريبًا.

جـ - الجيل هو الجنس أو الأمة اليهودية: فالجنس اليهودي لن ينقرض بل سيظل حتى المجيء الثاني -كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في مواضِع أخرى- وهذا ما حدث بالرغم مما عاناه هذا الشعب من ضيقات عظيمة قديمًا وحديثًا، ويكفي ما فعله الحكم النازي بهم (راجع ر. ت. فرانس - التفسير الحديث للكتاب المقدَّس - العهد الجديد - إنجيل متى ص384). وجاء في "كتاب الهداية": "فورد في لسان العرب ما نصه الجيل كل صنف من الناس، التُرك جيل والصين جيل والعرب جيل والروم جيل. وفي حديث سعد ابن معاذ ما أعلم من جيل كان أخبث منكم، الجيل الصنف من الناس، وقيل الأمة، وقيل كل قوم يختصون بلغة جيل، وفي القرآن هو وقبيله أي جيله ومعناه جنسه. فمع أن اللَّه مزَّق الأمة اليهودية وأجلاها عن وطنها وحرمها من إقامة الفرائض الدينية في الهيكل إلاَّ أنه لا يزال لها وجود في أنحاء الدنيا ، فهيَ أمة ممتازة عن باقي الأمم، غير مؤمنة بالمسيح، فإذا آمنت واهتدت، وزال ذلك الجيل الرجس الكافر، كان ذلك علامة على حلول الساعة وهذا التفسير هو على حسب ظاهر اللفظ بلا تأويل"(72).

ويقول "وليم مكدونالد": "يعتقد جرانت F. W. Grant وآخرون معه أن الفكرة هيَ كالتالي: "الجيل الذي يرى بداية الأحداث هو ذات الجيل الذي يشهد نهايتها". وهكذا يكون أن الناس الذين يشهدون قيامة الأمة (اليهودية) سيعاينون الرب يسوع في مجيئه على سُحب السماء للملك. أما التفسير الآخر فهو أن "الجيل" إشارة إلى العرق، وهذه ترجمة مشروعة لذات الكلمة اليونانية، فالكلمة تعني أناسًا من نفس الذرية أو العائلة.. وهكذا يكون يسوع قد تنبأ بأن العرق اليهودي سيبقى حتى يرى تتميم كل تلك الأشياء. فاستمرار بقائهم على مدى العصور بالرغم من الاضطهادات الوحشية هو معجزة تاريخية"(73).

 

5- هل عبارة هذا الجيل التي وردت في (مت 24: 34، مر 13: 30) حذفها القديس لوقا من إنجيله..؟ عندما يكون هناك حديث إنجيلي تناوله أكثر من كاتب من كتبة الإنجيل، ليس بالضرورة أن يكون كل منهم صورة طبق الأصل من الآخر، وإلاَّ لماذا أراد اللَّه أن تكون هناك أربعة أناجيل؟!.. فالهدف من وجود الأناجيل الأربعة أن يتناول كل إنجيلي الموقف من زاوية معينة، فدائمًا تجد هناك تكامل وليس تناقض، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل، ولماذا لا تتطابق الأناجيل الأربعة في كل شيء؟ فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س41 ، س59.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(64) دعوة الحق أو الحقيقة بين المسيحية والإسلام ص161.

(65) دراسة في إنجيل لوقا ص102.

 (66) أورده القس أغسطينوس البرموسي - شرح إنجيل متى ص238.

(67) أورده القمص تادرس يعقوب - تفسير إنجيل متى ص507.

(68) المرجع السابق ص506.

 (69) الإنجيل بحسب القديس متى ص673.

 (70) سنوات مع أسئلة الناس - أسئلة خاصة بالكتاب المقدَّس ص76، 77.

 (71) سنوات مع أسئلة الناس جـ1 ط 1982م ص21.

(72) الهداية جـ 2 ص234، 235.

 (73) تفسير العهد الجديد للمؤمن - العهد الجديد جـ1 ط 2005م ص155.


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/405.html