لست أعرف ما إذا كنتم قد فكرتم فيَّ أثناء فترة غيابي، أما أنا فمن ناحيتي فلم استطع على الإطلاق إبعاد تذكاركم عن مخيلتي، وحتى عندما غادرت المدينة ما برحت أنفصل عنكم وإذ أني مولع بجاذبيتكم الروحية، فإنني أحمل تذكاركم البهي معي دائمًا مثل عاشقي الجمال الفاني الذين في أماكن تنقلهم يأخذون معهم صورة المحبوب.
إن الرسامين يرسمون الوجوه بدقة باستخدام مختلف الألوان، وأنا بنفس الطريقة أخطط صورة نفسكم حيث تتكامل الأوجه المتعددة لفضائلكم وأنا وجدت هناك عزائي الوحيد.
لقد استنبطت من كل صفاتكم الروحية -بالفرح العظيم بروحي الفضولية- مسارعتكم لمساعدة المجامع الرهبانية، الحماس الذي تظهرونه في قراءة الكتب المقدسة، الود والعطف الذي به تحيطون الواعظ حتى لا يستشهد إلا بتلك (المشاعر الودية) في كل الظروف سواء في جولاتي أم في راحتي، في كل ذهابي ومجيئي في الليل كما في النهار ما توقفت عن التفكير في محبتكم. وقد عبّر سليمان تمامًا عن الأحاسيس التي كنت أحس بها آنذاك عندما قال "أنا نائمة وقلبي مستيقظ" (نش 5: 2). فإني وإن كان النعاس قد غلبني وأجفاني قد ارتخت، فالقوة الملّحة للحب الذي أكّنه لكم الآن يُديم فيَّ اليقظة الروحية.
مرارًا كثيرة تحدثت معكم في الحلم وهذا ليس بالنادر فمخيلتنا تسترجع بالليل ما انشغلنا به في النهار وهذا بالضبط كان حالي.
بلا شك، فأنا لا أراكم حقيقة بل نظرتي كانت نظرة من يحب وحضوري عندكم لم يكن بالجسد، بل هو ناتج من الجاذبية التي مارستموها عليَّ، وبالنهاية فأنا أعتقد أنني في كل لحظة أسمع همسكم.
كان يجب عليً من أجل حالتي الصحية أن أطيل إقامتي بالريف لأستفيد أيضًا من هوائه الصحي، ولكن الروابط التي توثقت بيننا جعلتني لا أحتمل غيابًا طويلًا، ولقد كنت فريسة لأسوأ العذابات حتى أن قرار تقديم ميعاد رحيلي فُرض على قلبي فرضًا، بالتأكيد كان يكفي أن ألقاكم لأستعيد الصحة والبهجة والانشراح ولقد أطعت وقتئذ هذا الهاتف.
لقد فضّلت العودة إليكم -على الرغم من وجود بعض آثار المرض- عن الانتظار للاستعادة الكاملة لصحتي فأحزنكم بنفس تلك المدة الأكثر طولًا.
أثناء إقامتي بالريف، سمعت حسنًا توبيخاتكم ولم تتوقف خطاباتكم الكثيرة عن الإكثار من هذه المعاتبات. اعلموا أيضًا أنني كنت حساسًا بالأكثر لعتابكم أكثر مما لمدحكم لأنها صدرت من قلبكم، وهذا هو السبب لعودتي السريعة وإنني لم أستطع على الإطلاق أن أمحوكم من ذاكرتي.

![]() |
ما الغريب في أنني تذكرت هكذا حبكم بينما كنت استمتع بهدوء تام أثناء فترة نقاهتي بالريف، حيث أن بولس وهو المقيد والمسجون والمهدد بأخطار لا تُعد كان يحيا في حبسه بكل هدوء وكان يتذكر إخوته موجهًا لهم هذه الكلمات "كما يحق لي أن أفتكر هذا من جهة جميعكم لأني حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الإنجيل وتثبيته أنتم الذين جميعكم شركائي في النعمة" (في 1: 7).
إن كان قد وُجد مقيدًا من أعدائه خارجيًا فحبه لتلاميذه كان يقيده داخليًا. وبينما كانت قيوده الخارجية من الحديد، فإن قيوده الداخلية كانت من الحب. وهو غالبًا ما يطرح عنه القيود الخارجية ولكن القيود الثانية لا تنكسر على الإطلاق.

ولنأخذ مثالًا: إن النساء اللاتي صرن أمهات واختبرن آلام الولادة ارتبطن إلى الأبد بأطفالهن الذين ولدوهن أيًا كان المكان الذي يتواجدون فيه، وبالمثل فإن بولس أحس بارتباطه بتلاميذه بشدة أكثر قوة لأن الولادات الروحية أكثر تعبًا من الولادات الجسدية. وحقًا فإن بولس الرسول ولد تلاميذه بالنعمة ليس مرة واحدة بل مرتين وأيضًا فقد صاح قائلًا: "يا أولادي الذين أتمخض بكم من جديد إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غل 4: 19).
هل تظنون أن الأم يمكن أن تتحمل مرة أخرى آلام الوضع لمن سبقت أن ولدته؟ بالطبع لا، ولكن بولس الرسول تحمل ما لا يحدث مطلقًا في الطبيعة. فهو قد تمخض من جديد بمن كانوا من قبل أبناءه وتألم لأجلهم بآلام الولادة الثانية، ولأجل هذا السبب وبنيِّة تحريضهم قال لهم "أنتم الذين أتمخض بكم من جديد" وكأنه يقول "ارحموني وأشفقوا عليَّ".
لم يحدث قط أن طفلًا قد مزق أحشاء أمه ألمًا بأن ابتلاها بولادته ثانية، ومع ذلك يقول -بولس- دون أن يصرخ علانيةً: لقد أجبرتموني على هذا.
وأيضًا نستطيع أن نضيف أن الولادة الجسدية لا تؤلم إلا لفترة محدودة تتوقف بولادة الطفل، ولكن على العكس فإن الولادة الروحية تستغرق آلامها شهورًا ومرات عديدة تكون على مدار السنة كلها وعبثًا كان بولس يتأذى منها. ومن ناحية أخرى ففي الولادة الجسدية، نجد أن الجسد هو الذي كان يتمزق من الألم، ولكن بالنسبة للثانية فإن هذا لا يتعلق بآلام جسدية طبيعية ولكن النفس ذاتها هي التي توجد مصابة بالعلة وبألم في منتهى الشدة. وهل تريدون إثبات أيضًا؟ أي أب أو أي أم قَبِل أن يضحي بنفسه من أجل ابنه في عذاب جهنم؟
بولس نفسه ما اكتفى بأن يتحمل هذه العذابات، ولكن تمنى بالأكثر أن يكون محرومًا من المسيح من أجل اليهود الذين لم يتوقف إطلاقًا عن التألم لأجلهم ليستطيعوا أن يولدوا في الحق (أو للحق)، ولكن كما أن تمنياته ظلت بدون استجابة، فلهذا كان في منتهى الغم إذ قال "إن لي حزنًا ووجعًا في قلبي لا ينقطع" (رو 9: 2)، وأضاف (في موضع آخر)"يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضًا إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غل 4: 19).

أمومة مباركة تلك التي ثمارها قادرة أن تجعل المسيح يحيا في أبنائها. أمومة خصيبة تلك التي تلد مثل هذه الكثرة، أمومة قادرة تلك التي لها القدرة أن تحبل وتلد مرة ثانية الذين من أولادها من قد إستطالوا في الخطية والتي آياتها قد اقتحمت قوانين الطبيعة.
من الممكن التساؤل لماذا فضَّل بولس الرسول القول "يا أولادي الذين أتمخض بكم من جديد"، بدلًا من "يا أولادي الذين ألدهم من جديد"، ومع أنه قد استخدم التعبير "يلد" في موضع آخر "لأني أنا قد ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1كو 4: 15). هذا لأن في نيته أن يشدد على الألم الذي ولّدهُ فيه تلاميذه في الحالة الراهنة، بينما في الحالة الأخرى يريد فقط أن ينّوه على مبدأ البنوة.
ومن ناحية أخرى فلماذا يدعوهم أولاده أولئك الذين ليسوا بعد أولاده؟ فإنه إن كان يتمخض بهم فهذا لأن الولادة لم تتم بعد، فما غرضه إذن؟
بهذا التعبير يلّمح بولس الرسول أن آلامه هذه ليست آلام ولادة أولى، ويظن أنه هكذا يستحث تلاميذه بشدة قائلًا: إنني أبوكم بالفعل وقد ولدتكم من قبل- ثم يتابع قائلًا: وكان يجب عليَّ احتمال آلام ولادتكم ثانية. ألم تبدو لكم كفاية آلام الولادة الأولى؟
لقد كان بولس الرسول في غاية الحزن من أجل تعثر تلاميذه، أكثر من حزنه على عمى الذين لم يصيروا بعد تلاميذه، وكان شيء غير محتمل بالنسبة له أن يرى الذين كونوا معه شركة مبنية على أسرار هكذا عظيمة قد سقطوا في الإثم، وكان أيضًا ينوح لتأذيه من ألم حاد جدًا وأكثر شدة بما لا يُقاس عما هو لألم الولادة (الجسدية)، وهو يصرخ "يا أولادي الذين أتمخض بهم من جديد إلى أن يتصور المسيح فيكم" (غل 4: 19). وهو كان يعبّر بهذا عن هدف مضاعف، فهو كان يأمل أن يُلهم من آمنوا على يديه المخافة والشجاعة. وهو كان متضايق من أجلهم لتحققه أن المسيح لم يتصور فيهم بعد، وعلى العكس فإن الأمل الوحيد الذي يستطيع أن يولّده فيهم مستثيرًا ثقتهم "إلى أن يولد المسيح فيكم" فبولس يقترح عليهم هكذا أن المسيح لم يحيا بعد فيهم دون أن يجتنبوا هذه العاقبة أن يبعدوا بنفس القدر هذا الاحتمال. لو كان هذا الأمل لا يتحقق لكان كلامه بلا معنى ولكان قد علّل تلاميذه بآمال واهية.
شرّان متساويان في الإهلاك: اليأس والتواكل.
وإذ نتقوى بهذه التعاليم فلنحذر ألا نفقد كل أمل، ولكن على نفس القدر فلنتحاشى أن نخضع بمنتهى السهولة للتراخي، فهذه دروب مهلكة، فاليأس يمنع قيام من سقط والإهمال يجعل من هو قائم، يتعثر.
إذا استسلمنا لليأس فلن نكون بعد قادرين على الاستمتاع بالخيرات التي نحن نهيئ أنفسنا لها، وإن تعثرنا في التراخي فنصير غير قادرين على التحرر من الشرور التي تهاجمنا. فإن كانت الكبرياء تطرحنا من أعلى السموات، فإن اليأس يطرحنا في القاع اللانهائي للشر، بينما يكفي قليل من الأمل لكي ينتشلنا. ولنفحص (عن كثب) عظم الشرور التي تنتج عن هذين النوعين من الشرور. إن الشيطان كان في البدء خيِّر (وفاضل) ولكن لاستسلامه لعدم الاكتراث واليأس سقط في انحطاط لا رجعة فيه، وكلمات لوقا البشير تثبت أنه كان فاضلًا "لقد رأيت الشيطان ساقطًا من السماء مثل البرق" (لو 10: 18). فصورة البرق تُظهر عظمة حالته الأولى ولكن تعبّر بآن واحد عن سقوطه بمنتهى السرعة.
كان بولس مجدفًا ومضطهدًا ومتكبرًا، وبفضل الجهود العديدة التي أظهرها (بذلها) والثقة التي كانت له في مراحم الله المتسعة، ارتفع حتى إلى طهارة الملائكة، و (تنقى) من كل رذيلة لطخ بها حياته. فهذا الشقي قد تقدم كل الآخرين إلى الفردوس لأنه لم يفقد الأمل.
وعلى العكس، فإن الفريسي قد أُنزل ورُفض لأنه غذى نفسه بثقة زائدة في فضائله، بينما العشار قد ارتفع حتى فاق منافسه لأنه لم ييأس، فهل اقتبس لكم مثالًا لمدينة بأكملها لكي أعزز وأؤيد بها كلامي:

إنه هكذا حقًا قد نجت نينوى بأكملها، ومع أن الحكم الإلهي قد صدر ضد أهل نينوى وكان من الطبيعي أن يغرقهم هذا في اليأس لأنه ما كان يقول: لو تبتم فستنجون، ولكن فقط قال: ثلاثة أيام وتهلك نينوى (يون 3: 4) فلا وعيد الرب أو تنبيهات (تهديدات) النبي أو حتى قسوة الحكم -إذ لم يُذكر أي مهلة أو شرط مقيد- كل هذا لم يحط من ثقتهم في مراحم الله. بل أن الله يود أن نأخذ لأنفسنا درسًا من هذا الحكم المفروغ منه (أي الذي في حكم المنتهي) لكي نتعلّم من هذا المثال ولنقاوم كليهما بكل عزيمتنا، اليأس كما التواكل والإحباط، فهو أيضًا لم يقل لأهل نينوى "توبوا وأنتم ستخلصون".
ومن غير هذا فإن الجود الإلهي لم يظهر فقط من خلال العفو الممنوح لأهل نينوى التائبين على الرغم من شدة الحكم الصادر ضدهم، لكنه يظهر بالأساس عبر الصفة المطلقة للقرار، فالله هكذا يعبِّر عن إرادته مستحثًا بقوة أهل نينوى موحيًا إليهم بالمخافة على أمل أن ينتشلهم من اللامبالاة التي يعيشون فيها، والمهلة الممنوحة تشهد أيضًا بصلاحه الفائق.
هل تظنون أن ثلاثة أيام كانت تستطيع الوفاء بمحو الآثام الهائلة؟ إن صلاح الله يشع من خلف هذه الكلمات، ثم أليس صلاحه الصانع الأساسي لخلاص كل المدينة؟

ما هو المثال الذي يقينا من اليأس، لأن الشيطان يعتبر اليأس أعظم أسلحته، حتى أن خطايانا لا تستطيع أن تبهجه قدر عظم بهجته أن نفقد الرجاء (الأمل في الخلاص). من أجل هذا سأروي لكم قصة الزاني التي من خلالها يُعلمنا بولس الرسول أن اليأس هو الشيء الذي يخشاه فوق كل شيء، وهذا ما كتبه لأهل كورنثوس "يُسمع مطلقًا أن بينكم زنى، وزنى كهذا لا يُسمى بين الأمم" (1كو 5: 1). إنه لم يشر إلى الرذائل التي لا ينغمس فيها حتى الوثنيين ولكن إلى الرذائل الشنيع ذكرها. أتجرؤن إذن على ارتكاب خطية مجرد ذكرها يقشعر له الوثنيون؟!
ويضيف بولس الرسول "أفأنتم منتفخون" (1كو 5: 2). لقد امتنع عن التكلم عن الزاني ولم يقل: من ارتكب هذا الإثم فهو منتفخ، ولكنه وجّه كلامه إلى جميع المؤمنين الذين بالتأكيد لم يكونوا معنيين مباشرة بهذا الأمر. وهو هنا يتصرف كطبيب يتكلم قليلًا مع مريضه ولكنه يستفيض بأكثر صراحة عندما يحادث والدي المريض. لقد كانوا آثمين بالكبرياء لتغاضيهم عن ملامة الزاني، وقد جعلهم بولس الرسول متواطئين معه في الإثم لكي يضمد الجرح بأكثر سهولة. فإن كان اقتراف أي خطأ هو دائمًا فعلًا مذمومًا، فإن الانتفاخ (أي الكبرياء) هو أكثر خطورة بما لا يُقاس.
وبالحق فإن كل بر يختفي بمجرد أن ينجذب المرء للزهو والعجب. وعلى نفس الوتيرة فإن الانتفاخ بالخطايا يكبّر (يُضخم) الخطأ وينّمي الإثم ويجعله أيضًا أسوأ. وفي هذا المعنى يقول لنا السيد المسيح "متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا إننا عبيد بطالون لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا" (لو 17: 10)، فبما أن الذين قد أكملوا واجباتهم يجب عليهم -بالرغم من هذا- أن يُظهروا التواضع، فكم بالأولى ينبغي على الخطاة أن يتأوهوا ويعدون أنفسهم بحق ضمن الذين في المؤخرة.

وهذا الاعتقاد هو الذي ضايق بولس الرسول وغمه "وبالحري لم تنوحوا بعد" (1كو 5: 2) - ماذا تريدون أن تقولوا؟ آخر هو الذي ارتكب الخطية، وأنا الذي يجب عليّ النوح؟
نعم- يقول بولس الرسول - لأننا متحدين ببعضنا البعض كأعضاء الجسد الواحد، فإن جُرح شخص ما في رجله فنحن نرى رأسه في الحال تنحني مع أنها العضو الأكثر أهمية في الجسد، ولكنها في وقت الشدة تتجاهل كرامتها. فاتبعوا أنتم أيضًا هذا المثال. لأن نفس هذا المثال يُشكِّل خلفية تحريض الرسول في قوله "فرحين في الرجاء صابرين في الضيق" (رو 12: 12) وهوذا أيضًا لهذا السبب قد كتب لأهل كورنثوس قائلًا "وبالحري لم تنوحوا حتى يُرفع من وسطكم الذي فعل هذا الفعل" (1كو 5: 2). إنه لم يقل: وأنتم لم تجتهدوا لإبعاده، ولكنه قال: بالحري لم تنوحوا، وكأن كارثة شاملة حلت بالمدينة، بل إنه يقصد شيء يفوق حتى هذا، أن الصلاة والتوبة وتضرعات الكل ستكون مهمة لنزع هذه الكارثة عن المدينة.
تخيلوا الخوف الذي أوحاه لمن كانوا يعتقدون أن المذنب كان معنيًا وحده بالإثم الذي اجتذبه لنفسه "ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله" (1كو 5: 6)، وأضاف أيضًا بولس الرسول هذا من أجل أن يستثير اهتمامهم لما عاد للقول: إن الشر امتد واكتسح باقي الأعضاء فينبغي إذن أن تنشغلوا بنفس القدر من الجدية كما لو كنتم تتصرفون مع كارثة شاملة، ولا تقولوا لي أن المذنب هو الوحيد المختص والمعني بخطيته لأنه لا تنسوا هذا إطلاقًا أن الرذيلة هي نوع من الغرغرينا التي تلتهم كل الجسد تدريجيًا. ولنأخذ مثالًا، الحريق الذي يُكتشف في منزل ما، فكل سكان المنزل الذين لم تدركهم النار بعد يرتعبون بنفس القدر مثل الذين هم بالفعل ضحاياها والكل يتضافرون بجهودهم من أجل السيطرة على الحريق قبل أن يلتهم بقية أثاثهم.
فإن كنا في مثل هذه الظروف نعمل بكل طاقاتنا من أجل أن نتحاشى امتداد الخطر، فبالمثل فلنسرع لنطفئ الآن الحريق قبل أن يحرق الكنيسة كلها. لا تتغاضوا عن الخطأ تحت الإدعاء أن فاعله غريب عنكم، لأنه حينئذ سيكون تغاضيكم مُهلكًا، فالمذنب هو عضو في جسد يخصكم. فأنتم تخاطرون أيضًا بالسقوط في الإثم باستهانتكم بالخطية. لا تنسوا هذا على الإطلاق أيًا كان فاعل الخطية سواء أنتم أم أخيكم، انتزعوا أنفسكم من براثن هذه الكارثة، سدوا طريقها، أوقفوا الغرغرينا وامنعوا امتدادها.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

لقد تكلم بولس الرسول معهم بهذه العبارات بكثير من الحماس أيضًا وحضهم على تسليم الخاطئ ليد الشيطان، ولكن مؤخرًا عندما تاب ذلك الزاني وعاد بمشاعر توبة صادقة، استطاع الرسول أن يضيف "مثل هذا يكفيه هذا القصاص الذي من الأكثرين حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط. لذلك أطلب أن تمكّنوا له المحبة" (2كو 2: 6-8).
فهو بمجرد أن شُهِّر به كعدو عام ومكروه من الكل ومبعد من الجماعة ومقطوع من بقية أعضاء الجسد، فحينئذ ظهر تأثر ملحوظ ليرجعوه ويجددوا الصداقة معه. إنه لم يكتف بالقول: أحبوه، ولكن قال "مكّنوا له المحبة" أي أظهروا له ودًا ثابتًا لا يتزعزع، ود حار جدًا جدًا. استبدلوا الاشمئزاز الذي أظهرتموه سابقًا بالود والحب.

ولكن ما الذي حدث؟ أما سلّمته للشيطان؟! نعم، هذا كان سابقًا ولم يكن غرضنا أن نسلّمه للشيطان، فنحن فعلنا هذا لكي يتحرر بسرعة من طغيانه. ولكن لنعود لموضوعنا، فبولس الرسول خاف من اليأس، ذاك السلاح الفتاك للشيطان، فإنه وإن قال مكّنوا له المحبة، فقد ذكر للحال السبب "لئلا يُبتلع مثل هذا من الحزن المفرط" (2كو 2: 7). فالخروف موجود الآن في فم الذئب، ويجب علينا أن نأخذ المبادرة لكي ننتزعه قبل أن يبتلعه أو يقطعه إربًا - إن السفينة سائرة الآن في العاصفة، فلنفعل كل ما في وسعنا لكي ننقذها من الغرق، فعندما يصير البحر هائجًا أو إذا اضطربت الأمواج من كل جانب فإن السفينة حتمًا ستغرق.
هذا هو نفس الحال بالنسبة للنفس، فعندما يجتاحها اليأس ويخنقها لا يستطيع أي إنسان أن ينجدها. الحزن يفيد في توبة الخاطئ ولكنه مهُلك إن صار بإفراط. ويا للعجب لفطنة الرسول عندما قال بعد ذلك "لكي لا ندع الشيطان يستغلنا" [بحسب النص: لئلا يطمع فينا الشيطان - (2كو 2: 11)]، بدلًا من أن يقول: لئلا الشيطان يُعجل بهلاكه. وبهذا قد فضح أهداف الشيطان وأظهر لنا أيضًا كيف أنه هرب من الفخ الذي نصبه وكيف أنه بفضل توبته استعاد تلاحمه بجماعة المسيح.

إن قام الشيطان واستولى من جديد وانتزع عضو واختطف خروفًا من قطيعنا (فلنستثمر ندمه وحزنه قبل أن يغرقه إبليس في اليأس ويكرر فيه تجربة يهوذا)، لأن الفاسق الآن قد فكت التوبة قيوده. فالرسول لم ينس مؤامرة إبليس على يهوذا وخاف (الشيطان) لعل يهوذا لا يعود إلى شروره السابقة، فماذا فعل بيهوذا؟ لأن ذاك قد أعلن عن ندمه بقوله "لقد سلمت دمًا بريئًا" (مت 27: 4) والشيطان عندما سمع هذه الكلمات فهم أن يهوذا كان على الطريق الصحيح وهذا التغيّر أفزعه مفكرًا أن سيده كريم إذ أنه في لحظة ذهابه ليخونه بكي على مصيره وناشده بطرق عديدة، وسيكون شيئًا غريبًا أنه لا يقبله في اللحظة التي فيها يتوب ويندم من كل قلبه، ولن يكف الرب عن اجتذابه إليه إن قام من سقطته وعرف يهوذا خطاه. أليس لأجل هذا صُلب؟
عقب هذا التفكير ألقى الشيطان باضطراب عظيم في نفس يهوذا وأصعد عليه يأسًا عظيم المقدار، كفيل بالتشويش عليه وبلبلته. وضغط عليه بشدة حتى دفعه للانتحار وانتزع منه الحياة بعد أن جرده من أحاسيس التوبة والندم.
إنه لم يكن هناك أدنى شك في أنه لو عاش يهوذا لكان سيخلص، ولنا في هذا مثال الذين جلدوا يسوع وصلبوه. فإن كان المسيح خلّص الذين صلبوه، حتى وإنه رغم آلامه على الصليب صلى للآب وشفع لديه لغفران خطاياهم، فكيف لا يمكن أن يقبل -بمنتهى العطف- الخائن الذي أسلمه، شريطة إثبات توبته الخالصة. ولكن يهوذا كان فريسة لندم قاتل ولم يستطع الجزم بالإسراع إلى ذلك الدواء.
وهنا يشرح لكم لماذا بولس الرسول وهو خائف من هذا التصرف حض أهل كورنثوس على انتشال أخيهم من شراهة إبليس، ولكن لماذا نأخذ مثال مسيحي أهل كورنثوس؟
إن بطرس أنكر ثلاث مرات بعد مشاركته لشركة الأسرار المقدسة (في خميس العهد) وجلبت له دموعه الغفران.
إن بولس المضطهد والمجدف والمتكبر، بولس الذي اضطهد ليس فقط المصلوب ولكن أيضًا كل تلاميذه، صار رسولًا بعد توبته. الله لا يطلب منا إلا مجرد التوبة لكي يمنحنا غفران خطايانا.

دعوني أشرح لكم قصدي وأروي لكم مثلًا: أخوان كانا يتشاركان في الميراث الأبوي، أحدهما استمر في منزل العائلة ولكن الآخر بعد أن بدد نصيبه، رأى أنه مُجبر على ترك البلد لأنه لم يستطع أن يحتمل مذلة فقره. إنه يُسرني أن أروي لكم بالحري هذا المثل دونًا عن أي مثل آخر، لأنه سيعلّمنا أنه بعد المعمودية يوجد غفران لكل الخطايا(77) إن كنا نريد هذا بثبات. ليس غرضي من هذا أن أُسقطكم في اللامبالاة ولكن أن أبعدكم عن اليأس الذي هو مهلك أكثر من اللامبالاة. فهذا الابن المسرف بلاشك يمثل المؤمنين الذين سقطوا بعد معموديتهم. فالكلام عن الابن هنا لا يستقيم إلا لمن هو معمد، الذي سكن سابقًا في البيت الأبوي وأخذ ميراثه، ولا يمكن لأي شخص أن يستمتع بالخيرات الأبوية ويأخذ الميراث إلا بعد المعمودية.

كان أخوه بارًا، إنه بالتأكيد لا يستحق لقب أخ في المسيح إن لم يكن قد عاش التجديد الروحي. إن الابن الضال تشجع وهو في أسوأ حالات انحطاطه وقال "أقوم وأرجع إلى أبي" (لو 15: 18). أما بالنسبة لأبيه الذي تركه يذهب، فلم يُبد أي معارضة عند رحيل ابنه لبلدٍ غريب، لأنه كان مقتنعًا أن ضمير ابنه سيستيقظ من خلال تلك التجربة ومميزات البيت الأبوي ستجتذبه.
إن الرب غالبًا ما يترك للتجربة أن تمحصنا لتظهر حكمة تعاليمه عندما تظل كلماته بلا جدوى فينا، ومثال اليهود يُثبت هذا، فبعد أن أنكسر قلبهم بأحاديث توبيخية عديدة من خلال النبي والله لم يتطوع ليفهمهم السبب ولا يقتادهم إليه، وأيضًا ترك العقوبة لتفتح أعينهم. ولكنه أنذرهم بهذه الكلمات "يوبخك شرك وعصيانك يؤدبك" (إر 2: 19).
لقد كان من المفضل أن يمنحوه ثقتهم قبل مبتدأ الأحداث، ولكن اليهود أظهروا انصدادهم التام عن وصاياه ونصائحه، وبعد تحذيرات شتى للرجوع عن خضوعهم للإثم ابتدأ الله بأحداث التأديب لكي يقدم لهم درسًا خلاصيًا ويقتادهم إليه.
الابن الضال قد ارتحل إذن إلى بلدٍ غريب، وعاش هناك تجارب وضيقات مختلفة، جعلته يدرك الحزن والكآبة التي تنتظر كل ابن يترك البيت الأبوي وبعدئذ عاد.
إن أباه لم يعِّنف إطلاقًا سوء مسلكه بل فتح له أحضانه. لماذا هذا الاستقبال؟ إذ أنه استقبله كما يليق بالأب وليس كقاضٍ، والبيت كله كان في طرب وأفراح وولائم... كيف؟! ولكن رُبّ معترض يقول: وهل يُحتفل بالإثم هكذا؟
لا ياأخي... ليس الاحتفال بالرذيلة ولكن الاحتفال هو لأجل عودة الابن الضال، هذه الاحتفالات لا تُكرم الخطية بل التوبة. إنها لم تكلل الإثم بل كللت الرجوع عن الإثم.
إن الابن الثاني تضايق جدًا من هذه المظاهر، فهدّأ أبوه خاطره قائلًا "يا أبني أنت معي في كل حين. وكل ما لي فهو لك، ولكن كان ينبغي أن نفرح ونُسر لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش وكان ضالًا فوجد" (لو 15: 31- 16).
عندما ينبغي أن نُخلِّص من الخطر من هو مفقود، فإنه من غير المناسب تمامًا أن نحاكمه أو نسلّمه لفحص دقيق، بل على العكس إنها الآن ساعة الإحسان والعفو. وأي طبيب، لن يطلب من مريضه أن يُعطيه حسابًا عما بدر منه من إفراط (أدى إلى مرضه) ولا يبحث لكي يثقل عليه، بل أن يصف له الدواء الذي يشفيه من علله.
وعمومًا إن كانت العقوبة تبدو مهمة فإقامته في البلد الغريبة قد أدبته بما فيه الكفاية، وبالحقيقة فإنه بالإضافة إلى الألم الذي سببه الفراق الطويل عن الأحباء، فإنه كان فريسة للجوع والاحتقار وأسوأ البلايا. لأجل هذا، فإن الأب قد قال "كان ميتًا فعاش وكان ضالًا فوجد".
لا يجب أن تضع في اعتبارك فقط اللحظة الحاضرة بل ضع في اعتبارك حزن البلايا التي أصابته في الماضي وانظر فيه أخاك وليس غريبًا عنك. إنه عاد إليَّ أنا أبوه، أنا الذي لا أستطيع تذكّر أخطاءه الماضية، فليس في قلبي إلا المشاعر الأبوية ولا أستطيع إلا أن أشفق وأتحنن عليه وأتساهل معه.
لقد سكت وصمت عما أحزن به الابن قلب أبيه وتذكر أحزان وآلام ابنه. إنه لم يتكلم عن تبذيره لماله، ولكن تكلم عن آلام ابنه العديدة التي أصابته في غربته. وهكذا باهتمام مشابه، بل وأعظم من هذا، يبحث الله عن الخروف الضال. هنا الابن الضال قد عاد، ولكن هناك، فإن الراعي خرج ليبحث عن خروفه وما أن وجده حتى اقتاده إلى قطيعه. ولكن عودة الخروف الضال سببت للراعي فرحًا أعظم من كون بقية القطيع في الحظيرة. ولاحظ كيف اقتاده للحظيرة، فهو لم يضربه بالسياط ولكن حمله على أكتافه.

الله لا يتخلى قط عن الخاطئ الذي يعود إليه، بل على العكس فهو يستقبله بحب أكثر مما يستقبل به مؤمنيه الذين يعيشون حياة نافرة من الخطية.
إنه خرج ليبحث عن الخروف الضال الذي رجوعه للحق سبب فرحة عظيمة أكثر من فرحته بوفاء وأمانة كل الآخرين ولم يطلب إليه أن يكفر عن خطاياه.
إذن فلنحذر اليأس حتى ولو كنا غارقين في الشر. ولكن لنتحاشى أيضًا الثقة الزائدة في أنفسنا عندما تبتسم لنا النعمة، ولنحرص بدلًا من ذلك أن نستمر في الطريق المستقيم دون الوقوع في الكبرياء. وإن اقترفنا خطأ فلنتب. ولنعد هنا إلى الكلام الذي قلته لكم في بداية حديثنا هذا: تشامخ من هو واقف ويأس من هو ساقط يشكلان كليهما عقبتين في طريق خلاصنا. هذا هو المعنى من تحذير بولس الرسول "من يظن أنه قائم فلينظر ألا يسقط" (1كو 10: 12)، وقال أيضًا "إني أقمع جسدي واستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسي مرفوضًا" (1كو 9: 27).
لقد حدث له أن اختبر بعض إحباطات بعد أن حاول أن يقيم الخطاة ويحيي شجاعتهم وقد عبّر عنها في إحدى رسائله لأهل كورنثوس إذ قال "لأني أخاف أن يذلني إلهي عندكم إذا جئت أيضًا وأنوح على كثيرين من الذين أخطأوا من قبل ولم يتوبوا عن النجاسة والعهارة التي فعلوها" (2كو 12: 21).
إنه أظهر لهم بهذا أن ما يحزنه ويغمه بالأكثر ليس الخطية ولكن عدم التوبة، وذاك أيضًا تعبير إرميا النبي "هل يسقطون ولا يقومون أو يرتد أحد ولا يرجع؟" (إر 8: 4)، وتلك أيضًا نصيحة داود "اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسو قلوبكم كما في مريبة مثل يوم مسه في البرية حيث جربني آباؤكم" (مز 95: 7-7). إن كلمة "اليوم" تستحث ثقتنا لندرك صلاحه اللانهائي فنستطيع بمنتهى الثقة أن نضع كل أملنا (ورجائنا) بين يدي السيد الرب ونستعين بإرادتنا الحسنة فنبتعد عن كل المهالك التي تزعج ضميرنا ولنرتض بالفضيلة بملء الرجاء.
ولا نخشى خصوصًا أن نعلن عن توبتنا الخالصة، لأنه بالتكفير هنا عن خطايانا نكون مستحقين أن نقف بثقة أمام عرش المسيح لنحصل على ملكوت السموات ولنستطيع أن نستمتع كلنا بنعمة وصلاح السيد الرب يسوع المسيح الذي يحيا مع الآب في المجد والقدرة والكرامة في وحدة الروح القدس الآن وكل أوان وإلى الأبد وإلى دهر الدهور آمين.
_____
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-repentance/return-countryside.html
تقصير الرابط:
tak.la/twm49mx