1- لقد وهبنا الله ناموسًا مكتوبًا لنفعنا وأرسل الأنبياء وصنع المعجزات وقبل كل هذا قدم للإنسان بعد خلقته ناموسًا طبيعيًا لخدمته، يقوم بدور القبطان في السفينة، وكاللجام بالنسبة للحصان، مخضعًا له تفكيرنا.
هذا عرفه هابيل بينما لم يكن قد وجدت بعد كتب مقدسة أو أنبياء أو رسل أو أي تعليم مُعطى بناموس مكتوب، بل كان له (فقط) الناموس الطبيعي.
2- وعرفه قايين أيضًا. عرفه الاثنان وعرفا سيادته عليهما، لكنهما لم يسيرا في ذات الطريق؛ بل اختار أحدهما طريق الرذيلة والآخر طريق الفضيلة. ومع هذا لم يترك الله الإنسان في هذا الموقف، لكنه إذ سقط جذبه وأعاده إلى الطريق المستقيم، وأحاطه بحبه وأخذ يحثه وينصحه، كما أنذره بالخوف والرعدة. كان الله يعلّمه ويدربه.
3- لكن حيث أن غالبية البشر خانوا هذه النعمة العظيمة، أي الانتفاع مما يلقنه إيانا الناموس الطبيعي -حتى في هذه اللحظة- فإن الله لم يترك البشرية ولا أسلمها إلى الهلاك الأبدي (حرفياُ الهلاك الشامل)، بل انتظر عليها (وصبر) وأخذ يعلّمها ويحثها بأعماله وعطاياه وتأديباته، بالخليقة ذاتها التي تتجدد كل يوم وتؤدي مهمتها المعتادة، بالأشياء التي تتم مغايرة للترتيب الطبيعي، وبأبرار العصور الأولى.
![]() |
4- إنه في الواقع نقل هؤلاء الأبرار الجديرين بالإعجاب والممتلئين إيمانًا من موضع إلى آخر، فعلى سبيل المثال نقل إبراهيم أولًا إلى أرض كنعان ثم مصر، ويعقوب إلى سوريا (الأصح العراق)، ثم موسى كان في مصر، والثلاثة فتية في بابل، ودانيال وحزقيال (أيضًا في بابل) وارميا في مصر. وأعطى ناموسًا وأرسل أنبياء، وكان يضرب مؤدبًا ثم يرخي صرامته، ويسلم إلى العبودية ثم يمنح العتق ولم يكف عن تدبير كل الأمور لصالحنا منذ البداية إلى النهاية.
5- ولكنه لم يكتف بالتعليم المُعطى بواسطة الناموس الطبيعي (الذي يأتي بالناس إلى معرفة الله)، لكن حيث أن كثير من البشر لم يجنوا أية منفعة بسبب جهلهم، فإنه افتتح طرق أخرى لتعليمهم، وأخيرًا كلل إحساناته بإرسال ابنه الوحيد.
6- إن الابن المساوي للآب في الجوهر صار مثلي! كان يسير على الأرض ويختلط بالبشر ويصنع عجائبه بينهم، صانعًا مواعيدًا بينهم، وأتممها بينهم، ومنحهم هنا على الأرض بعض من هذه الخيرات، وحفظ الأخرى للدهر الآتي. والبرهان على أنه سيعطيها، هو المعجزات التي أتممها عندما كان لا يزال على الأرض، وبعد ذلك إتمام ما قد سبق أن أعلنه "من يتكلم بجبروت الرب؟ من يخبر بكل مجده؟" (مز 106: 2). من لا يندهش؟ من لا يقف مرتعدًا أمام اهتمامه الذي لا يوصف (بنا)، إذ يتأمل كيف أن الله أسلم ابنه الوحيد للموت من أجل عبيد جاحدين؟! بذله إلى موت اللعنة والهزء، موت المجرمين؟!
7- لقد سُمر على صليب مرتفع وبصقوا على وجهه! ضربوه بالعصي ولطموه! استهزأوا به وإذ شفقوا به كفنّوه وختموا قبره!
هذا كله احتمله من أجلك! من أجل حبه المملوء رأفة، حتى يعتقك من عبودية الخطية، ويكسر سلطان إبليس ويحطم قيود الموت، ويفتح لنا أبواب السماء، ويزيل اللعنة، ويمحو الخطية الأولى ويعلّمك الصبر، ويقودك إلى الاحتمال فلا تتضايق من أمور العالم، لا موت ولا لعنات ولا شتائم ولا هزء ولا ضربات ولا مكائد عدو ولا افتراءات ولا هجوم ولا اتهامات أو إساءة ظن ولا شيء من هذا القبيل.
8- لقد اجتاز هو هذا كله مشاركًا لك كل ألم، غالبًا إياها بأسلوب عجيب، حتى يعلمك ويرشدك ألا تخاف شيئًا من هذه المحن. ولم يكتف بهذا، بل إذ صعد إلى السموات وهبنا نعمة روحه القدوس العجيبة، مرسلًا تلاميذه ليكونوا في (حقل) خدمته.
9- وإذ ترى أن هؤلاء الكارزين بالحياة تألموا كثيرًا، ضُربوا بالعصي، وأهُينوا وطُرحوا في البحار وعانوا من الجوع والعطش، وهم محاطين كل يوم بالضيقة وعائشين وسط أخطار يومية مميتة، وقد سمح لهم بهذا كله من أجلك ومن أجل صلاحه المملوء عناية بك. من أجلك يا إنسان أعدّ الملكوت! ولأجلك أعد خيرات لا توصف ونصيبًا محفوظًا في السموات وحياة لا مثيل لها مملوءة غنىً وسعادة لا يُنطق بها.
10- بينما لك براهين كثيرة على عنايته في العهد القديم والجديد، في الحياة الحاضرة والآتية، فيما سيصير وما هو كائن، فيما يتم كل يوم، فيما يليه وحتى فيما هو دائم في الأمور الجسدية والروحية، فهل تشك بينما أنت ترى في كل جانب سحب من البراهين التي تعلن عنايته؟
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
11- كلا، لا تشك بل ثق أنه يمارس عنايته وتيقن من هذا. لا تضع بعد أسئلة سخيفة، عالمًا تمامًا أن لك سيد أكثر عطفًا عليك من الأب وأعظم حنوًا من الأم وأكثر حبًا من العريس أو العروس المتيمة، مفكرًا أن راحته هي في خلاصك، ويبتهج هو بخلاصك أعظم من ابتهاجك وأنت هارب من الأخطار والموت، وقد برهنت لك (هذا) بمثال يونان، مظهرين (لك) كل أشكال الحب.
13- حب الأب لأولاده والأم لصغارها والبستاني لنباتاته والمهندس المعماري لعمله والعريس الحديث الزواج لعروسه والشاب للفتاة، حبه يريد إبعاد البلايا عنك بقدر المشرق عن المغرب، وبقدر علو السماء عن الأرض. هذا أيضًا أوضحناه وأفضل جدًا ليس فقط بقدر هذا، بل أيضًا وأكثر من هذا كما أظهرنا في استثارة الفكر حول هذه النقطة وتعهدك بعدم التوقف عند الصور (التشبيهية) بل يتخطى البراهين (العقلية)، لأنه يستحيل التعبير عن عنايته وحنانه غير المدرك وصلاحه الذي لا يعُبّر عنه وحبه الذي لا يستقصى.
13- الآن وقد عرفت هذه الأمور جميعها التي من خلالها يعلن الله لك عن ذاته وأعماله التي صنعها وسيصنعها معك فلا تسأل أسئلة فضولية ولا تتكبر ولا تقل: لماذا هذا وما سبب ذاك؟ ألا يكون هذا جنونًا وامتلاءً بكبرياء مفرطة واختلال عقلي؟ فبينما لا يكابر أحد مع الطبيب الذي يُجري له الجراحة ويكوي ويوصي بأدوية مرّة، حتى وإن كان الطبيب عبدًا، فإن سيده يحتمله في صمت بل ويشكره على كيّه (المؤلم) وعلى جراحته وأدويته (المرّة)، وهذا رغم أن المستقبل غير مضمون إذ أن مرضى كثيرين ماتوا على أيدي أطباء؛ فبينما تتم الطاعة بكثير من الخضوع للطبيب عندما يتصرف هكذا، وبينما نفس الشيء يتم مع القبطان والمهندس المعماري ومع كل من لهم كفاءات في مختلف الأنشطة، فكم بالأولى يليق بالإنسان أن يخضع للديان والمهندس صاحب السلطان على كل شيء؟!
14- إن كان من الغباء أن يستفسر إنسان جاهل بلا خبرة من المهندس عن أسباب كل ما يصنعه، هكذا أيضًا من الغباء وضع أسئلة طائشة عن هذه الحكمة العجيبة غير المنطوق بها ولا محدودة، والبحث لماذا حدث هذا أو ذاك، ونحن متأكدون تمامًا من حكمة صانعه التي لا تخطئ، وصلاحه اللانهائي وعنايته التي لا توصف، فكل ما يأتي منه موّجه إلى هدفٍ سامي، بشرط أن نشاطنا لا يعيقه، إذ لا يريد هلاك أحد بل خلاصه.
أليس هذا انحراف في الفكر يفوق كل جنون أن نبدأ في أن نسأل ذاك الذي يريد ويستطيع أن يخلصنا كلنا ولا ننتظر (لنرى) حتى نهاية الأحداث؟
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-providence-of-god/natural-law.html
تقصير الرابط:
tak.la/a8y7d2f