1- في الواقع ينبغي للإنسان فوق كل شيء ألا يسأل أسئلة فضولية، لا في البداية ولا بعد ذلك لكن إن كنت أنت هكذا فضولي ومتطفل، فانتظر إلى النهاية لترى إلى أين تفضي الأحداث، ولا تنفعل أو تنزعج منذ البداية.
كما أن الإنسان العديم الخيرة، في رؤيته لمن يسبك المعادن وهو يبدأ في صهر الذهب وخلطه بالرماد والقش -فلو لم ينتظر إلى النهاية- سوف يظن أن تلك القطعة الصغيرة من الذهب قد فُقدت، كذلك لو أن إنسانًا ولد ونشأ في البحر، ثم انتقل بعد ذلك ليسكن في البر ولم يكن قد سمع قط عن طريقة الزراعة:
![]() |
2- فلو رأى القمح قد عُزل عن القش وحُفظ في مخازن مغلقة بعيدة عن الرطوبة، ثم يعود الفلاح فيأخذ منه وينثره في الهواء وينشره على الأرض أمام كل العابرين ليس فقط لا يضعه في مأمن من الرطوبة بل أيضًا يلقيه في الطين والوحل دون أية حماية، ألا يظن أن القمح قد فسد وألا يلوم الفلاح الذي تصرف هكذا؟
3- أما هذه الملامة فهي ليست صنيعة طبيعة الأشياء، بل هي من فعل عدم خبرة وحماقة من لم يحكم حسنًا في تعبيره منذ البدء على رأي غير ناضج. لأنه لو انتظر الصيف ولو رأى الحصاد الوفير والمنجل يُشحذ، وهذا القمح الذي نُثر وبقى متروكًا وفسد وتحلل وسًلّم للطين، نفس هذه البذار نبتت وتكاثرت وظهرت ناضرة وتجردت من قشرتها العتيقة وانتصبت بكل قوتها كمن هي محاطة بنجوم صغيرة ومحاطة بحرس، رافعة ساقها في الهواء، فاتنة به المشاهد تغذيه وتقدم له غلة وفيرة، حينئذ سيُصاب بدهشة عظيمة جدًا من هذه الحبات التي عبر أحداث كثيرة قد آلت إلى حالة ازدهار وإلى مثل هذا الجمال.
4- وأنت يا إنسان لا تسأل من سيدنا (ربنا) بالذات أي سؤال، لكن لو كنت متعطش للنقاش ومتجاسر جدًا لتطيش بمثل هذه الحماقة فانتظر إلى نهاية الأحداث. في الواقع لو أن الفلاح انتظر نهاية الأحداث ولم ينظر إلى المعاملة التي تُعامل بها البذور أثناء موسم الصقيع، بل للفوائد التي سيجنيها، فكم بالأولى يلزمك أن تنتظر حتى النهاية من يفلح الأرض كلها ونفوسنا، ولا أقول لنهاية الحياة الحاضرة فقط -لأنه يحدث كثيرًا أن لا يتحقق هذا بدءًا من الأرض- بل لننتظر إلى الحياة الآتية. فمقاصد الله ترمي في كلا الحياتين إلى خلاصنا ومجدنا. ولو أنها حياة مجزأة من جهة الزمن، لكن الهدف يعطيها وحدتها، فكما أنه تارة يكون شتاء وتارة أخرى ربيع، فإن انبثاق كل واحد من هذه المواسم يهدف إلى نتيجة واحدة وهي نضوج الثمر، هكذا يكون الأمر فيما يخصنا.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
5- عندما ترى الكنيسة مشتتة وتعاني أسوأ الاضطهادات، وقد طُرد رؤساؤها وضربوا بالعصي، لا تحصر ذهنك في حدود هذه المحن، بل تطلع إلى النهاية لترى المكافأة والجعالة ثمن الكفاح والجهاد، فالكتاب يقول: "مَن يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص" (مت 10: 22).
في العهد القديم عندما كانت عقيدة القيامة لم تكن قد انتشرت بعد، فإن كلا الشيئين (الجهاد والمكافأة) كانا يتحققان في الحياة الحاضرة، لكن في العهد الجديد ليس الأمر كذلك دائمًا، بل توجد حالات تحدث فيها أشياء مؤلمة هنا في الأرض، أما السعادة فتنتظرنا بعد رحيلنا من هنا (من أرض الشقاء).
6- لكن ولو أن السعادة التي يمكن توقعها في هذه الحياة قد تحققت لهم في الزمن الحاضر، فإن الذين لم ينعموا بهذه السعادة (هنا على الأرض) جديرون بأن ينالوا الإعجاب، إذ بدون معرفة واضحة لعقيدة القيامة وفي رؤيتهم لأحداث مضادة لوعود اله، لم يعثروا أو يكونوا منزعجين أو مضطربين، بل فوضوا أمرهم إلى عناية الله الفائقة الإدراك دون أن يعثروا من البلايا، إذ يعلمون غنى وبراعة حكمته، فانتظروا للنهاية، (بل) وقبل النهاية وكل ما أتى عليهم احتملوه بشكر، ولم يتوقفوا عن تمجيد الله رغم أنه سمح بهذه التجارب. لكن لعل حديثنا يبدو غامضًا بعض الشيء، لذلك سأجتهد في أن أجعله أكثر وضوحًا.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/fr-angelos-almaqary/john-chrysostom-providence-of-god/wait.html
تقصير الرابط:
tak.la/6rb8pha