| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16

بولس هنا يُظهر أنه منقاد بالروح القدس، ويدعونا أن نعطي فرصة للروح القدس أن يقودنا ويعلمنا ويعمل فينا.
آية 1:- "وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ،"
سبق في (1 كو 1: 28) أن قال أن الله اختار المزدرى وغير الموجود ليعمل بهم. وهو هنا يحسب نفسه من بين المزدرى وغير الموجود الذي أرسله الله ليكرز. وبولس لم يأتي بفلسفات عالية عالمية أو بشرية، فأية حكمة أو فلسفة عالمية هذه القادرة أن تجعل أحداُ يؤمن بإله هو نجار صُلِبَ ومات ويقول بولس أنه قام. هذا يحتاج لقوة عمل الله الذي عمل في بولس فتكلم، وعمل في أهل كورنثوس فتحركت قلوبهم وآمنوا. ولاحظ أنه يكلم اليونانيين وهؤلاء قد اشتهروا بالفلسفة والحكمة. وهناك أنواع من الحكمة:-
حكمة عالمية: يحصل عليها الإنسان من خبراته في هذه الحياة وهي تفيد في هذه الحياة لكنها لا تصلح للكرازة.
حكمة شيطانية: وهذه نجد الإنسان فيها يكذب ويحتال ويغش ليصل إلى ما يريده، والحكمة التي تستخدم في الشر تسمى خبث، وهذه مرفوضة تمامًا.
حكمة يعطيها الروح القدس: وهذه هي التي تكلم بها بولس في كرازته وهذه الحكمة طالما هي من الروح القدس تكون مصحوبة بقوة تؤثر في السامع.
آية 2:- "لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا."
الصليب هو علامة حب الله غير المحدود لنا "ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه" (يو 15: 13). والتأمل فيه يلهب النفس بحب الله إذ نكتشف محبته:-
1. طفل كان يصرخ خوفاً من وجه عمته المحروق. ولما كبر عرف أن وجهها إحترق وهى تنقذه من حريق. فماذا يكون شعوره ومحبته لمن أنقذت حياته؟! وكم يكون ألمه عندما يتذكر صراخه وإهانته لها حينما كان يراها. وهذا معنى قول عروس النشيد "فَإِنِّي مَرِيضَةٌ حُبًّا" وفى ترجمة أخرى "مجروحة حباً" (نش5:2).
2. لذلك قال الملاك للمريمات عند قبر المسيح "لَا تَخَافَا أَنْتُمَا، فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكُمَا تَطْلُبَانِ يَسُوعَ ٱلْمَصْلُوبَ. لَيْسَ هُوَ هَهُنَا، لِأَنَّهُ قَامَ" (مت 28: 5-6). فلماذا يقول الملاك عن المسيح لقب المصلوب وهو قد قام؟ لأن المسيح يريد أن يحتفظ أمامنا بصورته مصلوباً إعلانا عن محبته التي لا ينطق بها.
3. وهذا ما فعله بولس الرسول مع أهل غلاطية "أَنْتُمُ ٱلَّذِينَ أَمَامَ عُيُونِكُمْ قَدْ رُسِمَ يَسُوعُ ٱلْمَسِيحُ بَيْنَكُمْ مَصْلُوبً" (غل1:3).
4. ولماذا يريد الرب منا أن نحبه؟ 1) الإجابة حتى نفرح: فآدم كان في جنة عدْنْ أي الفرح (عَدْنْ كلمة عبرية تعنى الفرح) لأنه كان في حب متبادل مع الله. فالمحبة تأتى بالفرح ولذلك تجد أن أولى ثمار الروح القدس هي المحبة، ويليها مباشرة الفرح (غل 5: 22-23). وحينما أخطأ آدم إختبأ من الله. بمعنى أن المحبة ضاعت كما يقول القديس يوحنا الحبيب "لَا خَوْفَ فِي ٱلْمَحَبَّةِ، بَلِ ٱلْمَحَبَّةُ ٱلْكَامِلَةُ تَطْرَحُ ٱلْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لِأَنَّ ٱلْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ" (1يو18:4). وحينما ضاعت المحبة ضاع الفرح، وهذا معنى أنه طُرِد من الجنة. 2) من يحب الله يثق فيه وفى تدبيره: فإن سمح الله له بتجربة ما، لن يصدق وسوسة وشكاية الشيطان أن الله قاسٍ فيتصادم مع الله، بل سيقبل إرادة الله شاكراً على ما يسمح به الله واثقاً أن الله صانع خيرات (يع2:1)، وأن ما سمح به هو للخير (لصالح خلاص نفسه). وهذا معنى سؤال الرب لبطرس "أتحبنى" ثم أعقب ذلك بقوله لبطرس أنه سيموت مصلوبا (يو 21: 18-19). والمعنى أنك لو كنت تحبنى لكنت تثق فىَّ وستقبل ما أريده، حتى لو كان الصليب. 3) لذلك أوصى الله شعبه أن يحبوه وذلك ليفرحوا ويقبلوا تدابيره بدون تذمر "اِسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ: ٱلرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. فَتُحِبُّ ٱلرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ" (تث 6: 4-5).
5. الله يريد منا أن نحبه فنثق فيه وبالتالى نقبل إرادته. وإرادة الله هى أن نخلص (1تى4:2). والخلاص يستلزم التأديب لأن لنا نفسية متمردة تحب الخطية. والله في محبته يريد ترويض نفوسنا لنخلص. وترويض النفس يحتاج لتجارب قد تكون مؤلمة. وعلى المؤمن الذى يحب المسيح أن يقبل تدبير الله فتثمر التجارب الثمر المطلوب منها فيخلص.
لذلك كان موضوع كرازة بولس هو الصليب ولم يترك هذا الموضوع، فجوهر الحياة المسيحية هو الصليب، والمسيح المصلوب الذي دفع ثمن خطايانا... "بموتك يا رب نبشر" (البشارة بالصليب ليست كلام وعظ بل قبول صلب الجسد وتقديمه ذبيحة حية، وقبول الصليب الذي يسمح به الله بشكر) ولذلك نجد الصليب في كل مكان في الكنيسة. ومن ينشغل بحب المسيح الظاهر على الصليب فهو لن يلتفت لشيء آخر مثل الخصومات، وهذه ناشئة عن الأنا، بل أن الصليب له قوة تأثير على النفس فينسى الإنسان كل ما عداه. إذ لا يؤثر في الخاطئ فلسفات الكلام ولا السفسطة(1) بل أن الله أحبه ومات لأجل أن يغفر له.
*وصليب المسيح عكس الأنا تماماً، فالصليب ليس فقط هو أن المسيح صُلِب ليخلصنا من خطايانا، بل أن المؤمن يجب أن يقبل الصليب مع المسيح لتموت الخليقة القديمة (الإنسان العتيق). وتقوم الخليقة الجديدة فيه. هذه التي بها نخلص "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا. بل المسيح يحيا فىَّ (غ20:2).
آية 3:- "وَأَنَا كُنْتُ عِنْدَكُمْ فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ."
الرسول كان في ضعف وخوف.. (1) واجه مقاومة شديدة من اليهود واليونانيين دون أي حماية مادية.
(2) كان خائفًا على من آمنوا أن يضعفوا فيتركوا الإيمان "مَنْ يضعف وأنا لا أضعف؟" (2كو 11: 29).
(3) كان خائفًا أن لا تنجح رسالته. ولكنه لم يأتي بشجاعته الشخصية ولا معتمدًا على فلسفته أو قوته، بل كان معتمدًا على قوة الله، فالقوة والشجاعة تناسب إنسانًا يعتمد على نفسه. ولذلك نجد في (أع 18: 9) أن الله يشجعه قائلًا "لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأني أنا معك ولا يقع بك أحد ليؤذيك " (أع 18: 9-10). والخوف طبيعي ناشئ من ضعف الطبيعة البشرية.
آية 4:- "وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ،"
لم أعتمد في كلامي وكرازتي على إثباتات عقلية. بل على عمل الروح القدس الذي أقنع السامعين فتركوا شهواتهم الماضية وتابوا بل صارت لهم مواهب وعمل عجائب. وعلى كل منهم أن ينظر داخله ليرى ثمار الروح = برهان الروح والقوة = قوة تغييرهم من حال إلى حال. فإذا كان الله هو الذي عمل فيه وفيهم فلماذا يتحزبوا له أو لغيره ويكون هناك شقاق. بُرْهَانِ الرُّوحِ = صار لهم ثمار الروح (غل 5: 22-23) وصارت لهم مواهب الروح (1كو12: 28-30). بُرْهَانِ... القوة = هي قوة التغيير التي إختبروها وغيرتهم من زناة في معابد الأوثان إلى أطهار يطالبهم الرسول بالبتولية.
آية 5:- "لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ."
لم يستعمل بولس الحكمة البشرية لئلا يُنْسَبْ إيمانهم لفضل بشري فيتعطل صليب المسيح. فكل حكمة بشرية هي متزعزعة غير ثابتة. بينما قوة الله فثابتة، والروح القدس يُعطي الإقناع للسامع، ويُعطي الكارز قوة عمل المعجزات.
آية 6:- "لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ."
الكاملين = الناضجين روحيًا أي المتقدمين في حياتهم الروحية، الذين اختبروا المسيحية كقوة تغيير في حياتهم تجعلهم مولودين من جديد بحياة جديدة وليس كعلم ونظريات فقط. لكننا نتكلم بحكمة = سبق في آية 4 وقال أنه لا يتكلم بحكمة وكان يقصد بذلك الحكمة الإنسانية. وهنا يقول أنه يتكلم بحكمة أعطاها له الروح القدس. وهذه الحكمة يفهمها الكاملين.
حِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ
= حكمة هذا الدهر لا تستطيع أن تقنع أحد بالمسيحية، بل لها ميول واتجاهات خاطئة من غش وتحايل وكذب وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ = مثل مجمع السنهدريم ورؤساء الكهنة عند اليهود ومثل هيرودس وبيلاطس وملوك الرومان، وعظماء الفلاسفة اليونانيين، فهؤلاء قادتهم حكمتهم لأن يصلبوا الرب يسوع، وهؤلاء العظماء يُبْطَلُونَ = مصيرهم الزوال وسلطانهم مؤقت، لذلك ففي كرازتي أنا بولس لا أعتمد على هؤلاء بل على قوة الله.
آية 7:- "بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا،"
بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ
= حكمة الله هي تدبير الله للخلاص أي تجسد وفداء المسيح، وبالصليب تم خلاص اليهود والأمم، وصار لهم ميراث السماء وحصولهم على أجساد ممجدة = لِمَجْدِنَا. وهذا هو الإنجيل الذي يبشر به بولس. وما كان بولس الرسول يبشر به كان مخفيا وفي سر = وكان هذا سرًا مكتومًا منذ الأزل، وتدبير حصول الإنسان على كل هذا كان بحكمة لكنها غير معلنة = الحكمة المكتومة، لم يُكشف لا لليهود ولا للأمم بل ولا للملائكة. وإحتفظ به الله سرًا حتى لا يفسد الشيطان خطة الصليب (آية 8). وما زال هذا الأمر سرًا على غير المؤمنين وعلى الأشرار والأطفال في الإيمان. هو سر لا يدركه العقل البشري وحده دون أن يستنير بنعمة الروح القدس. وبالروح نكتشف ما أعده الله لنا من مجد. وتدبير الخلاص أزلي أي أنه غير مُسْتَحْدَث. والله كضابط الكل يجعل الأمور تسير بحرية الناس ولكن يتم من خلال هذا قصد الله.
آية 8:- "الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ."
هنا مقارنة بين الكاملين الذين انكشفت لهم أسرار المجد الأبدي، وبين عظماء هذا الدهر الذين في عماهم الروحي لم يكتشفوا شخص المسيح فصلبوه. وهذه لنا دعوة للتواضع وعدم الشعور بالعظمة، فهذا يطمس العيون، ونعيش في حسد وخصام. لأنهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد = هذه تنطبق أيضًا على الشياطين، إذ أنهم لو عرفوا حقيقة الفداء، ومن هو المسيح لما حركوا يهوذا ولا رؤساء الكهنة ولا اليهود، بل لحاول الشيطان أن يوقف الصليب. ولاحظ أن المسيح قال عن الشيطان " رئيس هذا العالم" (يو 14: 30) فهم عظماء هذا الدهر.
آية 9:- "بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ»."
هذه راجعة (لآية 7) - فقد قال الرسول "الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا" = وهذا المجد الذى أعده الله، نفرح بأن نتكلم عنه، بينما عظماء هذا الدهر المتكبرين مشغولين بأمجادهم الزمنية. فكانت لهم أمجاد السماء التى نتكلم عنها بالنسبة لهم سرا = نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ (آية7).
كانت حكمة الله المكتومة في سر ليست فقط في الفداء، بل في أن الله أعد أمجاد أبدية للإنسان. هنا يظهر الرسول أن حكمة الله التي وهبها لنا، بها نعرف الأمجاد التي أعدها الله لنا في المسيح يسوع. وما أعده الله لنا كان سراً مخفياً قبل المسيح، والآن فالروح يعلنه لنا. ولا توجد آية صريحة إقتبسها بولس الرسول بهذا المعنى. ولكن فكر بولس الرسول أن الحرف يقتل "ٱلَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لِأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لَا ٱلْحَرْفِ بَلِ ٱلرُّوحِ. لِأَنَّ ٱلْحَرْفَ يَقْتُلُ وَلَكِنَّ ٱلرُّوحَ يُحْيِي" (2كو6:3). والعهد القديم مرسوم أمام بولس الرسول، والروح القدس أنار ذهنه ليرى صورة للسماء. وأيضاً إستعان بولس بما سمعه من القديس لوقا رفيقه في رحلاته الكرازية، مع آيات العهد القديم التي يحفظها عن ظهر قلب، مع الإعلانات السمائية، وأعاد صياغتها بإرشاد الروح القدس. وإذا كنا لا يمكن أن نتصور ما فيه الملائكة من مجد إذ هم وحدهم الذين يرون الله، فقطعا لن نتصور ولا يمكن أن يخطر على بالنا ما سنكون عليه حينما نرى الله. وهذا كما قال القديس يوحنا الرسول "لَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1يو2:3).
*تعالوا نتصور كيف فهم بولس الرسول من الكتاب المقدس المكتوب ما فهمه وقال عنه كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ... إلخ.
1. من قول داود النبى "طَأْطَأَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَنَزَلَ" (مز9:18) فهم بولس الرسول من هذا أن المسيح بتجسده أتى لنا بالحياة السماوية على الأرض. فإن كان الرب قد أراد أن نحيا السماويات ونحن ما زلنا على الأرض، فبالأولى تكون إرادته أن نحيا أبدياً معه في السماويات.
2. بل فهم بولس الرسول قصد الله في جمع السمائيين والأرضيين فيه "لِتَدْبِيرِ مِلْءِ ٱلْأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي ٱلْمَسِيحِ، مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى ٱلْأَرْضِ، فِي ذَاكَ" (أف10:1). ويكون السؤال أين سيجمعهم؟ إذ قال فيه، فإن هذا يعنى أن الجمع سيكون في السماء، فالمسيح جالس عن يمين الآب في السماء.
3. سمع القديس بولس الرسول قول رب المجد "أَنَا أَمْضِي لِأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو 14: 2-3). وأيضاً قول رب المجد "أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو24:17). ومن هذا فهم بولس الرسول أننا سنذهب للسماء حيث عرش المسيح. ولاحظ أن المسيحيين كانوا يتناقلون الإنجيل شفوياً ويحفظونه إلى أن كتب مار مرقس الرسول أول إنجيل بعد صعود المسيح بحوالي 20 – 30 سنة. وقد لازم القديس مرقس فترة من الزمان القديس بولس في خدمة الكرازة.
4. كان القديس لوقا الإنجيلى يرافق القديس بولس الرسول كثيراً جداً في رحلاته الكرازية، ومن المؤكد أنه سمع من القديس لوقا عن مثل الغنى ولعازر (لو16) وكيف أن الملائكة حملت نفس لعازر إلى حضن إبراهيم. وسمع منه أيضاً قول الرب "أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي ٱلسَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارًّا لَا يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ" (لو7:15). وإستنتج بولس الرسول أن هناك علاقة محبة بين الملائكة والبشر، وأن الملائكة حين تحمل نفوس الأبرار تذهب بهم للسماء مسكن الملائكة.
5. إذاً سيذهب الأبرار ليكونوا مع الملائكة لينظروا مجد الله أي يتمجدوا، ويسبحوا الله على مجده، ومجده هذا إنعكس عليهم فتمجدوا وصاروا في فرحهم يمجدون الله "ٱلَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ ٱلْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ" (أف14:1). وماذا يعنى مدح مجده = حينما نرى المسيح في مجده وينعكس علينا مجده سنفرح ونسبحه على هذا المجد الذى إنعكس علينا.
6. بولس الرسول يعرف تماما أن المجد هو الله، المجد طبيعته "وَأَنَا، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَكُونُ لَهَا سُورَ نَارٍ مِنْ حَوْلِهَا، وَأَكُونُ مَجْدًا فِي وَسَطِهَا" (زك5:2). لذلك يقول عن الله "أبو المجد" (أف17:1) أي يُشِّع منه المجد.
7. وهنا عاد الرسول بذاكرته لما هو مكتوب في الناموس وتساءل: هل ذكر الناموس شيئاً عن ماذا سيكون شكلنا حين نرى مجد الله. ووجد الإجابة في لمعان وجه موسى النبى حين رأى النذر اليسير من مجد الله (خر 33: 22-23) ولمعان وجه موسى تجده فى (خر29:34). فكم وكم كان شكل آدم قبل السقوط، إذ كان يرى الله وجهًا لوجه ويتكلم معه، كم كانت هيئته في مجد حين كان في الجنة.
8. ثم بعد هذا تساءل الرسول عن الملائكة: ماذا عن هيئتهم؟ نجد جزء من الإجابة في الكاروبيم (الشيطان الساقط) قبل أن يسقط هَكَذَا قَالَ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ ٱلْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ ٱلْجَمَالِ . كُنْتَ فِي عَدْنٍ جَنَّةِ ٱللهِ. كُلُّ حَجَرٍ كَرِيمٍ سِتَارَتُكَ، عَقِيقٌ أَحْمَرُ وَيَاقُوتٌ أَصْفَرُ وَعَقِيقٌ أَبْيَضُ وَزَبَرْجَدٌ وَجَزْعٌ وَيَشْبٌ وَيَاقُوتٌ أَزْرَقُ وَبَهْرَمَانُ وَزُمُرُّدٌ وَذَهَب . أَنْشَأُوا فِيكَ صَنْعَةَ صِيغَةِ ٱلفُصُوصِ وَتَرْصِيعِهَا يَوْمَ خُلِقْتَ. أَنْتَ ٱلْكَرُوبُ ٱلْمُنْبَسِطُ ٱلْمُظَلِّلُ، وَأَقَمْتُكَ. عَلَى جَبَلِ ٱللهِ ٱلْمُقَدَّسِ كُنْتَ. بَيْنَ حِجَارَةِ ٱلنَّارِ تَمَشَّيْتَ. أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ" (حز28: 12-15). هذه أوصاف بلغتنا الإنسانية نرى فيها جمال لا ينطق به، فهو إنعكاس لمجد الله على الملائكة.
9. يقول داود النبى فى المزمور عن الإنسان "تَنْقُصَهُ قَلِيلًا عَنِ ٱلْمَلَائِكَةِ، وَبِمَجْدٍ وَبَهَاءٍ تُكَلِّلُهُ" (مز5:8). فنحن من هذه الآية نستنتج أن الإنسان سيكون في مجد عظيم، ولكن في درجة أقل من الملائكة.." ٱلَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (فى21:3).
10. من كل هذا رأى بولس الرسول المجد الذى سيحصل عليه القديسون في السماء في المجد. وهذا لا يُنطق به ولا رآه أحد، فهذا لم يراه أحد سوى الملائكة.
11. وفهم بولس الرسول من (إش4:64) وَمُنْذُ ٱلْأَزَلِ لَمْ يَسْمَعُوا وَلَمْ يَصْغَوْا. لَمْ تَرَ عَيْنٌ إِلَهًا غَيْرَكَ يَصْنَعُ لِمَنْ يَنْتَظِرُهُ+ ومن (إش17:65) لِأَنِّي هَأَنَذَا خَالِقٌ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، فَلَا تُذْكَرُ ٱلْأُولَى وَلَا تَخْطُرُ عَلَى بَالٍ+ ومن (إر16:3) "وَيَكُونُ إِذْ تَكْثُرُونَ وَتُثْمِرُونَ فِي ٱلْأَرْضِ فِي تِلْكَ ٱلْأَيَّامِ، يَقُولُ ٱلرَّبُّ، أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بَعْدُ: تَابُوتَ عَهْدِ ٱلرَّبِّ، وَلَا يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ، وَلَا يَذْكُرُونَهُ وَلَا يَتَعَهَّدُونَهُ وَلَا يُصْنَعُ بَعْدُ". فهم بولس الرسول من كل هذا أن الله يُعِّدْ مجداً عجيباً لقديسيه. وقطعاً هذا الإعداد سيكون بالفداء.
12. فبولس الرسول إستعان بهذه الآيات وأعاد فهمها وصياغتها بإرشاد الروح القدس. وإذا كنا لا يمكن أن نتصور ما فيه الملائكة من مجد إذ هم يرون الله، فقطعا لن نتصور ولا يمكن أن يخطر على بالنا ما سنكون عليه حينما نرى الله. ولخص القديس يوحنا هذا بقوله "أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1يو2:3).
13. وكان ميراث المجد السماوى هذا للأمم ولليهود سراً لم يعرفه أحد إلى أن أعلنه الرب للرسول "إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ ٱللهِ ٱلْمُعْطَاةِ لِي لِأَجْلِكُمْ . أَنَّهُ بِإِعْلَانٍ عَرَّفَنِي بِٱلسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِٱلْإِيجَاز.ِ ٱلَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ، تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ ٱلْمَسِيحِ. ٱلَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو ٱلْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ ٱلْآنَ لِرُسُلِهِ ٱلْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِٱلرُّوح : أَنَّ ٱلْأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي ٱلْمِيرَاثِ وَٱلْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي ٱلْمَسِيحِ بِٱلْإِنْجِيلِ" (أف3: 2-6).
14. بل عَرَّف الرسول الملائكة والسمائيين بهذا السر وأننا سننضم إليهم في المجد "وَأُنِيرَ ٱلْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ ٱلسِّرِّ ٱلْمَكْتُومِ مُنْذُ ٱلدُّهُورِ فِي ٱللهِ خَالِقِ ٱلْجَمِيعِ بِيَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ. لِكَيْ يُعَرَّفَ ٱلْآنَ عِنْدَ ٱلرُّؤَسَاءِ وَٱلسَّلَاطِينِ فِي ٱلسَّمَاوِيَّاتِ، بِوَاسِطَةِ ٱلْكَنِيسَةِ، بِحِكْمَةِ ٱللهِ ٱلْمُتَنَوِّعَةِ" (أف 3: 9-10).
15. وحينما يقول رب المجد أنه "هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي ٱلسَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ" (لو7:15). فهذا فيه إشارة ضمنية بفرحتهم بأن هذا التائب سيكون شريكا لهم في المجد. فالتائب سيكون له نصيب مع السمائيين في هذا المجد الذى أعده المسيح لنا.
آية 10:- "فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ."
الله أظهر لنا هذه الأشياء المكتومة بواسطة روحه الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله = وقوله يفحص إشارة للمعرفة الدقيقة الكاملة، فهو يعرف الأشياء العميقة والسرية التي تختص بالله، وبالتالي يعرف مقدار حب الله لنا وما أعده لنا من أمجاد، هو يعرف فكر الله وقصده وتدبيراته. هنا نرى تمايز الروح القدس عن الآب كأقنوم. والله يعلن لنا هذه الحقائق السماوية حتى نشتهيها. ونحن في المسيح اقتنينا حواس روحية يفتحها الروح القدس ويدربها (عب 5: 14) وهذه غير الحواس الجسدية، وبهذه الحواس تكون لنا القدرة أن نلتقط ونعرف إعلان الروح لنا. والخطية تطمس هذه الحواس الروحية، لذلك فالإنسان الطبيعي (المولود بحسب الجسد) (يو 1: 12-13) لا توجد له هذه الحواس الروحية، وبالتالي لا يستطيع أن يحكم على الروحيات، أمّا المولود من الله فله هذه الحواس. ومن طمست الخطية حواسه الروحية يقول عنه الكتاب " لك اسم أنك حي (بحواسك الجسدية) ولكنك ميت (بدون حواس روحية) (رؤ 3: 1).
أمثلة للحواس الروحية:-
النظر:- "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8).
السمع:- "مَنْ له أذنان للسمع فليسمع ما يقوله الروح للكنائس" (رؤ 3: 6).
التذوق:- "ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب" (مز 34: 8).
اللمس:- "جاءت من ورائه ومست هُدْب ثوبه" (مت 9: 20) + قال يسوع "مَنْ الذي لمسني" (لو 8: 45) "هذه لمسة كلها إيمان" لذلك قال "قوة خرجت مني" (لو 8: 46).
وما يكشفه الروح القدس من خلال هذه الحواس الروحية قال هو عنه "أننا ننظر كما في لغز أو مرآة" (1كو13: 12) ولكن ما يكشفه كافٍ جدًا أن نقول معه "لي إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح فذاك أفضل جدًا.." (فى1: 23).
← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.
آية 11:- "لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ."
نستطيع أن نفهم أن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق الله بالنظر لأنفسنا فلا يوجد من يعرف ما في داخلي سوى نفسي، خفايا قلبي لا يعلمها سواي، هكذا لا يعلم أمور الله سوى روح الله. لذلك نفهم أننا بالعقل يستحيل أن ندرك أمور الله أو نعرف الله، ما لم يعلن الروح القدس لنا "ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس" (1كو 12: 3).
آية 12:- "وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ،"
روح العالم = قد تعني: 1) الروح التي اتخذت معرفتها وحكمتها من هذا العالم الغريب عن الله. 2) وقد تعني الروح التي لم تتجدد بعد ويسود عليها الشيطان الذي يطمس بصيرتها فلا يمكن أن تفهم أو تقبل البركات الروحية المذخرة لنا في الصليب، كما يقول القديس بولس الرسول "وَلَكِنْ إِنْ كَانَ إِنْجِيلُنَا مَكْتُومًا، فَإِنَّمَا هُوَ مَكْتُومٌ فِي ٱلْهَالِكِينَ، ٱلَّذِينَ فِيهِمْ إِلَهُ هَذَا ٱلدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ، لِئَلَّا تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ المسيح (2كو4:4). + (أف 6: 11-12). وكيف يُعمى الشيطان أعين الناس؟ يكون ذلك بأن يشغلهم بملذات هذا العالم الحسية وهو قادر على ذلك فهو رئيس هذا العالم (يو30:14). 3) وقد تعني روح العالم روح إبليس الذي قيل عنه "الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية" (أف 2: 2).
بل الروح الذي من الله = نحن أخذنا نعمة الروح الذي أعطى لنا من الله لكي نعرف ما وهبه لنا الله، بل أصبحنا نفهم أسرار الله بسهولة كسر الفداء والتجسد.
وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ .. لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ = إذاً لقد صرنا كما يقول القديس بولس الرسول "هيكل الله .. يسكن فينا الروح القدس (1كو16:3). وماذا سيحصل عليه من يسكن فيه الروح القدس:-
1) لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ عَلَيْكُمْ" (أع8:1). إذاً الروح يعطى قوة.
2) "وَأَمَّا ٱلْمُعَزِّي، ٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ، ٱلَّذِي سَيُرْسِلُهُ ٱلْآبُ بِٱسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ" (يو26:14). إذاً الروح يعزى ويُعَلِّم = لنعرف. ويقول الرسول لأهل تسالونيكى "إِذْ قَبِلْتُمُ ٱلْكَلِمَةَ فِي ضِيقٍ كَثِيرٍ، بِفَرَحِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (1تس6:1). إذاً الروح يعزى وقت الضيق.
3) "وَٱبْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ ٱلرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا" (أع4:2). + " لِأَنَّ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ يُعَلِّمُكُمْ فِي تِلْكَ ٱلسَّاعَةِ مَا يَجِبُ أَنْ تَقُولُوهُ" (لو12:12). إذاً الروح القدس يعطينا ما نتكلم به بل وبألسنة لو أن هناك ضرورة. ونحن نحتاج لموهبة ألسنة في خدمتنا الآن، ولكن لا أن نتكلم بلغات متعددة ولكن نحتاج: لسان يعزى الحزين، ولسان يبكت المستهتر، ولسان يشجع اليائس وهكذا. فما يوجه لخاطئ يائس من الغفران لا يصلح أن نقوله لمستهتر مستبيح.
4) "الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ" (الآية الآتية). إذاً الروح القدس يعلمنا ما نتكلم به.
5) "وَأَمَّا هُوَ (إسطفانوس) فَشَخَصَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ مِنَ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ ٱللهِ" (أع55:7). إذاً من يمتلئ من الروح القدس، يفتح الروح عينيه ليرى السماء ومجد الله كما في (الآية9) هنا.
6) "اَلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَٱلْمَوْلُودُ مِنَ ٱلرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. لَا تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ. اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ، وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا، لَكِنَّكَ لَا تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلَا إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ ٱلرُّوحِ" (يو3: 6-8). نحن مولودين من الماء والروح في المعمودية. ونرى هنا أن المولود من الروح يسمع صوت الروح القدس = تسمع صوتها.
7) "لِأَنَّ ٱهْتِمَامَ ٱلْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلَكِنَّ ٱهْتِمَامَ ٱلرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلَامٌ" (رو5:8). ومن يسلك بحسب ما يهتم به الروح ويوجهه إليه تكون له حياة ويحيا في سلام. الروح يثبتنا في المسيح، والمسيح هو الحياة (يو25:11) فنحيا. ومن يثبت في المسيح يحيا في سلام "قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فىَّ سلام" (يو33:16).
8) "الروح القدس يبكت "على خطية وعلى بر وعلى دينونة"(يو8:16). ليصحح مسارنا ونتوب فنخلص. (كلمة يبكت في أصلها اليوناني تعنى = يقنع / يوبخ / يدين).
9) "الروح القدس يُعطي معونة ويشفع فينا" (رو8: 26-28).
10) "قَدْ أَقْنَعْتَنِي يَارَبُّ فَٱقْتَنَعْتُ، وَأَلْحَحْتَ عَلَيَّ فَغَلَبْتَ" إر7:20). الروح القدس في داخلنا يقنعنا لنقتنع، وهو لا يجبرنا على شيء. الروح يقنعنا ليعلمنا لنفهم ولِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ ونفهم أسرار الله.
11) "نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ، وَمَحَبَّةُ ٱللهِ، وَشَرِكَةُ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ مَعَ جَمِيعِكُمْ" (2كو14:13). هذه هي صلاة البركة الرسولية التي علمها القديس بولس الرسول للكنيسة. ونرى الروح القدس شريكاً لنا في كل عمل صالح.
12) الروح القدس له ثمار (غل 5: 22-23) ويعطى مواهب (1كو12).
13) "لِأَنَّ ٱللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ ٱلْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ ٱلْقُوَّةِ وَٱلْمَحَبَّةِ وَٱلنُّصْحِ"(2تى7:1). الروح القدس يُعطي قوة ونصح وإرشاد، وأول ثماره هي المحبة.
14) يقول القديس بولس الرسول "لِأَنَّ كُلَّ ٱلَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ ٱللهِ، فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ ٱلله" (رو14:8). إذاً الروح القدس يقودنا ويوجهنا ومن لا يقاومه يثبت في المسيح كإبن لله.
15) ولكن لِمَنْ يُعْطَى الروح القدس؟ لمن تم عماده فولِدَ من الماء والروح، ثم في سر الميرون يسكن الروح القدس في المعمد. ولكن نمتلئ بالروح 1) سؤال الله أن نمتلئ (لو13:11). 2) (أف5: 18-21). 3) بطاعته "وَٱلرُّوحُ ٱلْقُدُسُ أَيْضًا، ٱلَّذِي أَعْطَاهُ ٱللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ" (أع32:5). وهذا عكس ما قاله الرسول لليهود "يَا قُسَاةَ ٱلرِّقَابِ، وَغَيْرَ ٱلْمَخْتُونِينَ بِٱلْقُلُوبِ وَٱلْآذَانِ! أَنْتُمْ دَائِمًا تُقَاوِمُونَ ٱلرُّوحَ ٱلْقُدُسَ" (أع51:7). ومن يقاوم الروح القدس يحزنه (أف30:4) ثم مع إستمرار العناد ينطفئ (1تس19:5). وإذا إستمر العناد والمقاومة يُنزع الروح القدس من هذا الشخص (مز51: 11؛ 1 صم 16: 14).
* ويُسَمِّى الرسول الإنسان المولود من الروح والذى سكن فيه الروح وإختبر عمل الروح فيه الإنسان الروحى. وأما الإنسان الذى لم يولد من الماء والروح (أي لم يعتمد)، أو الذى إعتمد ثم أطفأ الروح بخطاياه رافضا التوبة، فمثل هذا يقول عنه الرسول الإنسان الطبيعى أو الإنسان الجسدانى. (الطبيعى = هكذا هو مولود كما يقول المرنم "بالخطية ولدتنى أمى". وهذا يشبه خامات المعادن التي توجد في الطبيعة على هيئة ترابية raw material، وبعد معالجتها وإزالة الشوائب منها يظهر المعدن بلمعانه (ذهب / فضة / نحاس ... إلخ). فنحن نولد كمادة خام ثم نعتمد، ثم يسكن فينا الروح القدس بالميرون. ويبدأ الروح القدس عمله في تجديد الإنسان "وَلَكِنْ حِينَ ظَهَرَ لُطْفُ مُخَلِّصِنَا ٱللهِ وَإِحْسَانُهُ - لَا بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغُسْلِ ٱلْمِيلَادِ ٱلثَّانِي (المعمودية) وَتَجْدِيدِ ٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ" (تى 3: 4-5).
هناك تطابق بين معاملة الله معنا ليغيرنا من شكل الإنسان الطبيعى إلى صورة أولاد الله أي الإنسان الروحى، وبين التعامل مع المادة الخام raw material لإستخراج المعدن منها. فنحن ندخل مياه المعمودية لتحترق وتموت خطايانا ويموت إنساننا العتيق ونخرج كأولاد لله بدون أي خطية. ولاحظ أننا نفهم أن مياه المعمودية لها قوة النيران الحارقة من: 1) مقارنة الآيتين قول رب المجد "إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ ٱلْمَاءِ وَٱلرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ ٱللهِ"، وقول القديس يوحنا المعمدان "هُوَ سَيُعَمِّدُكُمْ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ وَنَارٍ" (مت11:3). فالروح في قول الرب هو الروح القدس في قول يوحنا المعمدان. فنستنتج أن النار إشارة لأن ماء المعمودية له قوة نارية تحرق الخطية. 2) قول إشعياء النبى "إِذَا غَسَلَ ٱلسَّيِّدُ قَذَرَ بَنَاتِ صِهْيَوْنَ، وَنَقَّى دَمَ أُورُشَلِيمَ مِنْ وَسَطِهَا بِرُوحِ ٱلْقَضَاءِ وَبِرُوحِ ٱلْإِحْرَاقِ" (إش4:4). لذلك نفهم أن مياه المعمودية بقوة عمل الروح القدس لها قوة الإحراق أي موت خطايانا، وذلك لأننا في المعمودية نُدفن مع المسيح ونموت فتموت معنا خطايانا "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي ٱلْمَعْمُودِيَّةِ" (كو12:2). ولكن نتيجة حياتنا في العالم يؤثر فينا العالم بخطاياه فتتشوه طبيعتنا ثانية. وهنا يُكمل الروح القدس عمل المسيح الفدائى، ويعمل على تنقيتنا ثانية كما قال الرسول عنه "تجديد الروح القدس" في الآية السابقة. وقد يكون ذلك عن طريق التأديب ببعض التجارب المؤلمة "لِأَنَّ ٱلَّذِي يُحِبُّهُ ٱلرَّبُّ يُؤَدِّبُهُ" (عب6:12). إذاً يتحول الإنسان الطبيعى إلى إنسان روحى بإجتيازه مياه المعمودية النارية لقتل الخطية المولود بها. ثم بعد ذلك يجدده الروح القدس بإستمرار كلما تأثر بجو الخطية التي في العالم كما يقول القديس يوحنا الرسول " نَعْلَمُ أَنَّنَا نَحْنُ مِنَ ٱللهِ، وَٱلْعَالَمَ كُلَّهُ قَدْ وُضِعَ فِي ٱلشِّرِّيرِ" (1يو19:5).
وهذا هو نفسه تماما ما يحدث مع خامات المعادن إذ يدخلونها في أفران لتنصهر ويعزلون منها الخبث (الشوائب التي كانت في المادة الخام) فيخرج المعدن اللامع. ولكن نتيجة وجود الرطوبة في الجو المحيط بالمعدن يصدأ المعدن. وحتى يظل المعدن لامعاً نأتى بمبرد نبرد به الصدأ ونزيله فيعود المعدن للمعانه. فيكون فرن صهر المعدن مناظر لمياه المعمودية النارية، والمبرد يناظر عمل تجديد الروح القدس طوال الحياة ليظل الإنسان المعمد إنساناً روحياً.
والإنسان الطبيعى أو الجسدي هو من لم تتجدد طبيعته ولم يولد من جديد، ولم يحل عليه الروح القدس، ولم تعمل فيه نعمة الروح القدس فلم يتجدد قلبياً وذهنياً، يعيش فقط لحياته الجسدانية وشهواته، مثل هذا الإنسان تكون كل مقاييسه مادية ولا يفهم الروحيات، فلأن الروح القدس لا يسكن فيه فلا توجد لديه أدوات استقبال روحية، فهو لذلك لا يقبل التعاليم الروحية.
هذا الإنسان الطبيعى لا يستمتع بكل أعمال وثمار ومواهب الروح القدس السابق ذكرها.
ومما مضى يسهل الحكم على الشخص، هل هو روحى أم طبيعى. وحينما وجد بولس الرسول أن أهل كورنثوس منقسمين ووجدهم أحزاب قال لهم أنتم جسديين.
أما أهم صفات الإنسان الروحى: - 1) المحبة للجميع حتى الأعداء، فأول ثمار الروح المحبة. 2) الإنسان الروحى هو مملوء بالروح، والروح يفتح عينيه على المسيح وعلى ما أعده لنا المسيح في السماء، فيرى المسيح بوضوح فيحبه ولا يعود ينشغل بسواه، ويتعلق فكره بالسماء التي سوف يذهب إليها. هذا الإنسان الروحى يكون كما لو كان له جهاز إستقبال روحى يستقبل به أفكار وتعاليم يضعها الروح القدس فيه، ويفرح بها وينقاد لصوت الروح القدس الذى يسمعه. أما الجسدى فهو إما مشغول أساسا بنفسه وملذاته، أو مهموم بهموم هذا العالم [(مت22:13) - مثل الزارع]. ويتعصب لرأيه ولمن هو يتبعه أو يتحزب له.
آية 13:- "الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ."
الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا = 1*الروح القدس ليس فقط يفتح أعيننا على ما أعده الله لنا فى السماء، 2*بل هو الذى يعطينا ما نتكلم به، 3*فبحكمة من الروح القدس نتكلم في الروحيات وليس بحكمة بشرية كالتى يستخدمها البشر في تعاليمهم. 4*الأشياء التي وهبت لنا من الله هي التي نفتخر بها ونعلم بها، 5*ولكن طالما هي روحيات فالأمر متروك لا لحكمتنا البشرية، بل لما يرشدنا إليه الروح القدس ويضعه في أفواهنا.
قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ = 1) بالروح القدس ننعم بمقاييس روحيه صادقة فلا نحكم على الروحيات بمقاييس بشرية زمنية، 2) بل نقارن الأفكار الروحية بأفكار روحية 3) والحقائق الروحية نفسرها بحقائق روحية بإرشاد الروح القدس. 4) فبالمقاييس الروحية فمن يترك العالم ويبيع كل ما يملك ويوزعه على الفقراء ويذهب للدير، هذا يعتبر نوع من الجنون، ولكن بالمقاييس التي يعطيها الروح القدس أن مثل هذا الإنسان، إذ عرف الرب يسوع ومحبته حسب كل الأشياء نفاية (في 3 : 8). 5) وبالمقاييس البشرية فلا أحد يقبل الآلام والصليب، أما بالمقاييس الروحية فالمؤمن يفرح بها فهي الطريق الوحيد للكمال، بل أن داود طلبها ليتنقى "جَرِّبْنِي يَا رَبُّ وَٱمْتَحِنِّي. صَفِّ كُلْيَتَيَّ وَقَلْبِي" (مز 26: 2)، ولنتشبه بالمسيح (عب2 : 10) وليحيا فىَّ المسيح (غل 2 : 20).
ومن هذه الآية نفهم خطورة استخدام الآية الواحدة.
مثال:- هناك من إعتمد على قول رب المجد وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ" (مر16:16) ويطمئن نفسه أنه قد دخل إلى السماء ولن يدان لأنه آمن بالمسيح. ولم يكلف هذا الشخص نفسه بقراءة باقى الأية ليسمع أن هناك شرط آخر غير الإيمان "مَنْ آمَنَ وَٱعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ".
إذاً لكى نفهم شروط عدم الدينونة فلنجمع كل الآيات التي تتكلم عن عدم الدينونة.
إن أردت أن تفهم موضوع إجمع كل الآيات حول هذا الموضوع،
فمقارنة آية بآيات أخرى هى مقارنة روحيات بروحيات
فكل الآيات موحَى بها من الروح القدس.
أمثلة:- 1) إنسان يسعى للكمال. لو كان يفكر بمقاييس عالمية سيفهم الكمال أنه في زيادة علمه وشهاداته أو أمواله ... إلخ. ومن يعمل فيه الروح القدس سيذكره الروح بتعليم المسيح "قَالَ لَهُ يَسُوعُ (قال الرب هذا للشاب الغنى): إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلًا فَٱذْهَبْ وَبِعْ أَمْلَاكَكَ وَأَعْطِ ٱلْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي ٱلسَّمَاءِ، وَتَعَالَ ٱتْبَعْنِي" (مت21:19).
2) إنسان يتمنى أن يصبح قوياً لينفذ إرادته. لو فكر بمقاييس عالمية سيفكر في تنمية أ) قوته الجسدية أى عضلاته، أو ب) زيادة أمواله ليستخدمها في تنفيذ ما يريده، أو ج) أن يجمع حوله مجموعة يساندونه بالقوة. أو د) يلتصق بأصحاب النفوذ ... إلخ. أما الروحى فسيذكره الروح القدس بقول داود النبى "إن لم يبنى الرب البيت فباطلا يتعب البناؤون.." (مز1:127)، ويذكره بقول بولس الرسول "تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لِأَنَّ قُوَّتِي فِي ٱلضَّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِٱلْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ ٱلْمَسِيحِ... لِأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ" (2كو 12: 8-9). وهذا المنطق الكتابى مرفوض تماما عند الإنسان الطبيعى.
3) إنسان مبتدئ روحيًّا. هذا في مستوى أعلى روحياً من الإنسان الطبيعى لكنه غير ممتلئ من الروح. لو أصابت هذا الإنسان تجربة. مثل هذا يتذمر على الله متسائلاً لماذا؟ (كما حدث مع أيوب مثلاً)، بل أن أيوب تصور أن الله أخطأ معه. ومثل ها الإنسان يتصور أنه لو طلب الشفاء من الله فالله لابد أن يستجيب. وحينما لا يستجيب الله يظن أن الله لا يريد الإستجابة له إذ أن الله لا يحبه. أما الإنسان الروحى فيسمع صوت الروح القدس "كيف يهملك الله وهو أبٌ لك، الله كأب لك سمح بهذه الألام لأن بها سوف تكمل (عب10:2). ويستمر الروح القدس في الإقناع إلى أن يجعل هذا الإنسان الروحى يصرخ لله قائلا لتكن مشيئتك" لأنك أنت أَبَا = أي بابا "ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ ٱللهُ رُوحَ ٱبْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخًا: يَا أَبَا ٱلْآبُ" (غل6:4). + "اَلرُّوحُ نَفْسُهُ أَيْضًا يَشْهَدُ لِأَرْوَاحِنَا أَنَّنَا أَوْلَادُ ٱللهِ" (رو16:8) + ويصرخ هذا الإنسان الذى أقنعه الروح القدس بمحبة الآب له: أنت تحبنى يا ربى ولا تكرهنى وأنا مقتنع أن ما يحدث أنما هو لخلاص نفسى، أشكرك يا رب.
آية 14:- "وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا."
الإنسان الطبيعي = هو الإنسان المولود بحسب الطبيعة من أب وأم، وُلِدَ من دم ومن مشيئة جسد، مشيئة رجل (يو 1: 13). مثل هذا الإنسان يقول عنه (المزمور 51: 5) " هانذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي " ويسميه الرسول هنا " الجسدي" (1كو 3: 1-4) ويسميهم في (رو 8: 5-8) الذين هم حسب الجسد. والإنسان الجسدي هو من لم تتجدد طبيعته ولم يولد من جديد، ولم يحل عليه الروح القدس، ولم تعمل فيه نعمة الروح القدس فلم يتجدد قلبيًا وذهنيًا، يعيش فقط لحياته الجسدية وشهواته، مثل هذا الإنسان تكون كل مقاييسه مادية ولا يفهم الروحيات. لا يقبل التعاليم الروحية التي يعلم بها روح الله، بل تبدو أمامه كما لو كانت غير منطقية أو كأنها جهالات (1كو 1: 23). فالمرأة ساكبة الطيب تصور البعض أن ما عملته هو إتلاف. والولادة الثانية من الماء والروح لم يستطع نيقوديموس أن يفهم معناها. هذا الإنسان الجسدي لا قدرة له على فهم الأمور الروحية فهذه لا يمكن فهمها إلاّ بواسطة الاستنارة التي يعطيها الروح القدس وهذه ليست موجودة عند الإنسان الطبيعي. مثل هذا الإنسان الطبيعي من طبيعته أنه بسبب الأنا الموجودة فيه يدخل في خصومات وشقاقات ويكون كثير المشاكل (1 كو 3: 1-4). هذا الإنسان يكون غير خاضع لعمل الروح القدس الذي يملأ القلب محبة. هذا الإنسان الطبيعي يريد إثبات ذاته فيتشاجر ويحسد، والحسد فكر داخلي يترجم لعمل خارجي هو الخصومات.
لأنه عنده جهالة = الإنسان الطبيعي يعتبر التجسد والصليب والفداء والقيامة جهل.
يحكم فيه روحيًا = كل مالروح الله لا يميزه إلاّ من يسكن عنده روح الله فيعطيه استنارة ويحرك ذهنه ليقتنع، وحينئذ يطيع الإنسان الوصية بالفكر والإرادة والعاطفة.
آية 15:- "وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَ يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ."
وأمّا الروحي = الإنسان الروحي هو من آمن واعتمد وحل عليه الروح القدس، ويحيا في توبة ونقاوة، فتكون حواسه الروحية مفتوحة. هذا الإنسان الروحي لم يعد إنسانًا طبيعيًا بل صار مولودًا من الله (يو 1: 12). هذا عملت فيه النعمة فجددت ذهنه وفتحت حواسه، صار خليقة جديدة في المسيح (2 كو 5: 17). لقد أعاد الروح القدس تشكيله من جديد. وهناك مشكلة فإن بعض المؤمنين إذ يسقطون في خطايا كثيرة يعطون لأنفسهم العذر، أنهم مثل باقي البشر، وهذا فيه إنكار لعمل الفداء وتجديد الروح القدس. ولنعلم أن من لا يصير خليقة جديدة تختلف عن العالم فلا نصيب له في السماء (غل 6: 15). الإنسان الروحي لو أهين سيسمع صوت الروح القدس " لا تنتقم لنفسك " فيقول لمن أهانه " الله يسامحك". مثل هذا الإنسان يسمع عظة أو يقرأ في الكتاب المقدس فيتزلزل داخله، صارت له حساسية لصوت الله، ولو دعاه أحد لخطية ينفر نفورًا شديدًا.
وكيف نكون روحيين؟ بأن نمتلئ من الروح. وكيف نمتلئ من الروح؟ بالصلاة والطلب بلجاجة أن نمتلئ (لو 11: 13،9 + لو 18: 1 – 8 + أف 5: 18-21) ولاحظ أن الإنسان الطبيعي أقصى ما يصل إليه أن يعيش بحسب حكمة هذا العالم، لكنه لا يستطيع أن يمتد ببصره إلى السماء، يفرح بها أو يشتهيها أو يراها. أما الروحي فيستطيع أن يرى السماويات ولكن قطعًا كما في لغز كما في مرآة (1كو 13: 12). فالروحي حصل على الروح القدس الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله.
ولكن عمل الروح القدس يكون تدريجى: 1* يبدأ بالتبكيت على الخطية وعلى البر.. 2* ومَن يستجيب يبدأ الروح يعلمه، فهو يعلم ويذكر بما قاله المسيح 3* وبعد هذا يخبرنا عن المسيح فنحبه 4* ومن يمتلئ قلبه حبا تنكشف له السماويات (يو 16: 8 – 10) + (يو 14: 26) + (يو 16: 14) + (1 كو 2: 10). 5* هذا أسماه الرسول "محبة المسيح الفائقة المعرفة" أي الدخول في علاقة محبة متبادلة مع المسيح، فيعرفنا المسيح أسرار فائقة لا يدركها الإنسان الطبيعي (أف3: 19).
ولاحظ أن الرسول هنا يعاتب أهل كورنثوس على التحزبات والشقاقات بينهم (من يتبع بولس ومن يتبع أبلوس، ولكن وراء كل هذا الأنا). ومعنى كلام الرسول أن من لا يزال في شقاق فهو جسداني. أمّا الروحاني الذي انكشفت له أمجاد السماء، فهو في فرح بما انكشف له، وما عاد منشغلًا بأي تفاهات في هذا العالم، بل ما عاد منشغلًا بذاته ولا بهذه الأنا.
ولاحظ السلم الروحي الذي في هذه الآيات. فقاع السلم، من فقدوا الحواس الروحية، ولم يعرفوا المسيح فصلبوه. ومثل هؤلاء اليوم من لا يوافق على أحكام الله ويصطدم به. وقمة السلم الإنسان الروحاني وعينه مفتوحة على السماء، أحب المسيح وشبع به، ورأى أمجاد السماء.
هذا الإنسان الروحي الذي تجدد بالروح القدس ويقوده روح الله. فهذا تكون له الإمكانية أن يحكم في كل شيء، فهو يستطيع أن يحكم على الأشياء المادية بحكم أنه إنسان. ويستطيع أيضًا أن يحكم في الروحيات بفاعلية الروح القدس الذي يسكن فيه. لقد صار له روح التمييز، فالروح القدس يفتح الحواس الروحية. أما الإنسان الطبيعي فلا يُدرك حقيقة الإنسان الروحي ولا الأمور الروحية.
آية 16: - "«لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ."
لأن من عرف فكر الرب فيعلمه = الاقتباس من (أش 40: 13) أي الإنسان الطبيعي لا يُدرك ولا يستطيع أن يدرك الإنسان الروحي، فهو غير مستنير بروح الله، وهذا لا يستطيع أن يعرف فكر الله ومشيئته. مثل هذا الإنسان ليس من حقه أن يحكم علينا أو يعلمنا لأنه لا يعرف فكر المسيح. ما يُريد الرسول أن يقوله أن حُكم الفلاسفة على تعليمي باطل فهم لا يعرفون فكر الله. أمّا من عَرِف فكر الرب فهذا يستطيع وله الحق أن يُعَلِّمَهُ للناس، وهذا ما يعمله الرسول. وأمّا نحن فلنا فكر المسيح = الله في محبته حين رآنا غير قادرين أن نقترب إليه بسبب آثامنا، اقترب هو إلينا ليخلصنا، ووضع فينا أن نثبت في المسيح وتكون لنا الحياة هي المسيح (في 1: 21) (راجع في المقدمة - نقطه (Ι) في "كيف فهم بولس الرسول أهمية الألم والصليب") وبهذا وضع الله فينا كل ما للمسيح حتى فكر المسيح، وفكر المسيح هو فكر باذِل(2) وليس فكر شقاق وخصومات. وإن كان الله يعطينا فكره فكيف ننحاز لأشخاص. وهذا هو موضوع الإصحاح القادم الذي يتكلم عن الشقاقات.
ملحوظة :- مَن له فكر المسيح كيف يُحكم فيه من أحد.
ولا يعنى هنا أننا صرنا نعرف كل ما يعرفه المسيح،
بل أن ما نعرفه هو من عنده.
وأيضا نفرح بعمله وندرك مقاصده ولا نعترض عليها،
ناسبين له الحكمة المطلقة فى كل ما يعمله.

← تفاسير أصحاحات كورنثوس الأولى: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
تفسير كورنثوس الأولى 3![]() |
قسم
تفاسير العهد الجديد القمص أنطونيوس فكري |
تفسير كورنثوس الأولى 1![]() |
_____
(1) إضافة من الموقع: السفسطة: "(سفسط) أي غالَط وأتى بحكمة مضللة (من اليونانية: σόφισμα) - (السفسطة) قياس مركب من الوهميات والغرض منه إفحام الخصم وإسكاته - (السفسطي) المنسوب إلى السفسطة - (السوفسطائية) فرقة ينكرون الحسيات والبديهيات وغيرها (الواحد سوفسطائي). المرجع: كتاب المعجم الوسيط - إبراهيم مصطفى، أحمد الزيات، حامد عبد القادر، محمد النجار - تحقيق: مجمع اللغة العربية.
(2) إضافة من الموقع: باذِل، أي يبذل نفسه عن الآخرين ويضحي من أجلهم.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/5f55wv4