St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-of-antioch
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب البطريرك القديس أنبا ساويرس الأنطاكي - يوسف حبيب

8- الفصل السادس: جهاد القديس في حفظ الإيمان المستقيم

 

محتويات: (إظهار/إخفاء)

(1) مقاومة يوليانوس الهرطوقي
(2) تجديف "كالكسيليمس"
(3) إرجاع ديونيسيوس عن ضلاله
(4) رجوع أناستاسيوس إلى الإيمان المستقيم
(5) مقاومة مقدونيوس الكافر

بعد أنْ تعبد القديس سنين طويلة في الأديرة وفي الصحارى ورأى ما حدث من الانشقاق والمحاربات الكثيرة للكنيسة من الهراطقة صمم أنْ يخرج عن عزلته وينطلق من وحدته ليدافع عن الإيمان المستقيم كما فعل القديس العظيم أنبا أنطونيوس إذ ترك عزلته وجاء إلى الإسكندرية مرتيْن ليُشدد عزائم المؤمنين وليدحض بدعة أريوس الكافر، كما انطلق الأنبا شنودة رئيس المتوحدين مع القديس العظيم كيرلس الكبير إلى مجمع أفسس لمحاكمة نسطور المبتدع.

قيل عنه أنَّه مضى دفعة ليستقى ماء فحمل الوعاء على كتفه ومضى فلقيه الشيطان في شبه رجل أسود أعرج وهو يمشي قدامه ويديه على رأسه وهو يبكي بصوت عال ويقول أنِّي أقمت قلقًا عظيمًا واضطهادًا قويًا حتى تسببت في إراقة دماء بريئة - وفي البغضاء والقتل والزنى جلبت ويلات كثيرة، وأقمت انشقاقات في الكنيسة، وقاومنى إغريغوريوس ثيؤلوغوس وأثناسيوس الرسولي وباسيليوس وإغريغوريوس وأغناطيوس وألكسندروس وكيرلس وديسقورس، لكني أخيرًا بنيت فلكًا فيه أصنع ما يرضيني، وهو المجمع الخلقيدونى - واليوم جاء ساويرس الأسد المزمجر وسيغلب التنين ويسحق رأسه وأنا هو هذا التنين...

تسببت أوذكسيا في اضطهاد القديس يوحنا ذهبي الفم، واضطهدت بلخاريا القديس ديسقورس، أمَّا ساويرس فيريد أنْ يخرجنى، نظر القديس هذا وسمعه من الشيطان فقال له: "الله يزجرك... " وعند ذلك مضى عنه الشيطان.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* (1) مقاومة يوليانوس الهرطوقي:

وعن النسخة الحبشية الإنجليزية قيل أنَّ يوليانوس(1) الهرطوقي كتب رسالة إلى الأب ساويرس جاء فيها:

"...ولو إنِّي لم أرَك ولم أقابلك منذ الأيام التي أقمت فيها معك في Tiberias فإنِّي أرغب في أنْ أراك الآن وقد بلغني عنك إنَّك تركت تعقلك الأول وحكمتك التي تعلمناها سويًا، ويقولون إنَّك تركت عنك تعاليم مجمع خلقيدونية ونبذتها، وتبعت مجمع المائتيْن بأفسس وتعاليم كيرلس وديسقورس الذي نُفى وقُطع لأنَّه قاوم تعاليم بابا رومه ليؤ " Leo "، فانتبه إلى نفسك وكن يقظًا وانظر إلى المجد الذي تركته، فالشيطان يدخل في قلوب الرهبان يقلقهم، مريدًا بذلك أنْ يقطع رجاءهم من الراحة والاستقرار الذين هم فيه فيحركهم لمثل هذا العمل، وقد كتبت لك هذا وأنا أكبر منك سنًا في سلام الرب آمين... ".

ثم أنَّ الأب ساويرس الغيور "إيليا الثاني" ثار لمجد الرب الصباؤوت حالما قرأ هذا الخطاب وتبيَّن فيه مقاومته للسيد الرب، فرد عليه ردًا طويلًا مُعنفًا إيَّاه على مسلكه ومبيِّنًا ضلاله(2)...

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* (2) تجديف "كالكسيليمس":

وانطلق آخر بتجديفات كثيرة وكان يُدعى Kelikselimos (كليكسيليموس)(3)، وأعلن أنَّه سيحارب الروح القدس، وقد رد عليه ساويرس ردودًا مفحمة مُحرمًا اعتقاداته وأنذره كما أنذر يوليانوس وسائر الهراطقة أتباع الشيطان مبيِّنًا عاقبة ضلالهم.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* (3) إرجاع ديونيسيوس عن ضلاله:

بعد هذا قام آخر يدعى ديونيسيوس الفيلسوف المتجبر وكان ساكنًا معه في الدير وأتى تعاليم مخالفة، فلما سمع به القديس ساويرس رده عن طريق ضلاله وأعاده إلى الإيمان الصحيح مثل صياد ماهر.

طلب ساويرس لقاءه ولكنه خاف لئلاَّ تُوبخ أعماله المنافقة فهرب من الدير إذ كان ساويرس كالأسد في قوة حجته وكان ديونيسيوس يقول إذا وقعت في يده وعَرَفَ فِعلى فسيضطهدنى، ولذلك خرج من الدير لكن الله المهتم بكل أحد لم يشأ أنْ يهلك هذا الإنسان ويضيع تعبه فما أنْ ابتعد عن الدير نحو ميل حتى رأى في رؤيا جماعة من الشياطين متفرقين يقاتلون مثل البربر، فقلق قلبه وحزن ولم يستطع المضى معهم وإذ وقف بعيدًا ينظر إليهم ظهر له ملاك الرب بهيئة راهب وقال له: "لماذا تركت طريق السلام وسقطت في وسط هذا الدمار... ارجع إلى بيتك والله يريحك ولا تستحى أنْ تظهر خطيتك فإنَّه لن يدينك ولن يلحق بك ضررًا، وستجده في لقائك في منتصف الطريق، إنَّه طيب القلب يُسر جدًا بكل الذين يرجعون إلى المعتقد القويم ".

للحال عاد ديونيسيوس أدراجه إلى الدير حيث تقابل مع ساويرس، قال له الأب ساويرس على الفور متنبئًا: "حسنًا إذ قابلت رجلًا يخاف الله " فرد ديونيسيوس إنَّ ذلك كان بتدبير من الله وأنَّه لم يقع في أيدي اللصوص.

وقال له ساويرس أيضًا " امرأة كان بها شيطان قد قتل لها سبعة أزواج، أخذه هذا الرجل الذي رأيته وربطه بالسلاسل وبقيت المرأة مع رجلها سالمة.

وفتح عيني إنسان أعمى بمرارة سمكة "، فقال له ديونيسيوس أين مسكنه وما اسمه حتى أمضي إليه وآخذ بركته، قال له ساويرس: "مسكنه في السماء واسمه رافائيل - أمَّا الحرب التي رأيتها بين هؤلاء القوم فهم الشياطين الذين يحاربون في الهواء ".

فلما قال هذا الكلام سر جدًا ثم علمه الأب ساويرس الاعتراف الصحيح وأزال عنه كل الأفكار والمعتقدات الرديئة.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

St-Takla.org Image: Saint Severus of Antioch the Patriarch, private collection, United States of America, 1732 A.M. (2015-2016 - which corresponds with the year 6257 according to the ancient Egyptian calendar), Coptic art, used with permission - by Gerges Samir (Orthodox Iconographer) صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة معلمنا البطريرك القديس ساويرس الأنطاكي، مقتنيات خاصة، أمريكا، 1732 ش. (2015-2016 م. - والذي يوافق سنة 6257 حسب التقويم المصري القديم)، فن قبطي، موضوعة بإذن - رسم الفنان جرجس سمير: كاتب الأيقونة الأرثوذكسية

St-Takla.org Image: Saint Severus of Antioch the Patriarch, private collection, United States of America, 1732 A.M. (2015-2016 - which corresponds with the year 6257 according to the ancient Egyptian calendar), Coptic art, used with permission - by Gerges Samir (Orthodox Iconographer)

صورة في موقع الأنبا تكلا: أيقونة معلمنا البطريرك القديس ساويرس الأنطاكي، مقتنيات خاصة، أمريكا، 1732 ش. (2015-2016 م. - والذي يوافق سنة 6257 حسب التقويم المصري القديم)، فن قبطي، موضوعة بإذن - رسم الفنان جرجس سمير: كاتب الأيقونة الأرثوذكسية

* (4) رجوع أناستاسيوس إلى الإيمان المستقيم:

خرج ساويرس ذات مرة وسار في الطريق للقاء الملك وعلم بذلك أسقف إحدى المدن ويدعى أناستاسيوس ولم يكن يعرفه، وكان ساويرس ممتطيًا دابته، وفي الطريق وجد عين ماء في وسط الغابة فركن إلى الراحة قليلًا.

وكان أناستاسيوس هاربًا في ذلك الطريق من وجه القديس ساويرس ومعه آخرون، فلما رآهم ساويرس من بعيد قال لخادم الملك الذي كان معه: "اذهب إلى الأسقف وأخبره بأنِّى أرسلتك إليه ". وحدث أنْ اقترب أناستاسيوس ومَنْ معه من عين الماء ليشربوا، وضجر أناستاسيوس وثار وابتدأ يهاجم مقدونيوس ويقول ليكن هذا الإنسان مستوجبًا الحريق بالنار لأنَّه أثار علينا هذا الأسد من عرينه ليُخرجنا من مدينتنا مشيرًا إلى ساويرس كأسد، أثارتنا كتاباته لما كان في ديره وقضَّت علينا مضاجعنا...

قال له الرسول: "عندك أنَّ ساويرس رجل عظيم إلى هذا الحد " قال أناستاسيوس لم أر وجهه قط بل رأيته في هذه الليلة في رؤيا وقد دخل مدينتي وأحرق البيعة وكل كتبها وصنع بيعة جديدة وعمل ترتيبًا جديدًا كمَنْ له سلطان، وكان ساويرس يسمع كلامه هذا.

ويأتي واضع السيرة بهذا الحوار، فيقول الرسول لأناستاسيوس: "إنْ كان منظره في المنام قد أخافك فإذا رأيته في اليقظة كيف يكون حالك؟ "، ويرد عليه أناستاسيوس قائلًا: "لقد تركت مدينتي حتى لا أنظره، وقد علمت أنَّه خرج من ديره ومعه أمر من الملك بإمضاء قوله أنَّه قطعًا يهلكنا إذا وجدنا لا نوافقه "، وكانت هذه إجابته:

" إنَّ ساويرس لم يهلك أحدًا قط بل إنَّ كلامكم وقصصكم وتعاظم قلوبكم يهلك نفوسكم كالعدو المتأهب للقتل في كل زمان... هكذا كل مَنْ يتخلى عن طريق الله، فليس هذا الموت الذي ينالكم بشئ بل الموت يكون وقت سماعكم قول السيد الملك الحقيقي ابعدوا عني يا ملاعين إلى النار المؤبدة... هؤلاء هم الذين جعلوا نصيبهم مع الوثنيين... إنَّ كل إنسان إنَّما يقتني لنفسه برأيه ما يريد أنْ يقتنيه إنْ خيرًا وإنْ شرًا، إمَّا موت وإمَّا حياة، كل واحد منا حسب عزيمته وإرادته... أنتم فعلة الظلم وقد أنكرتم وحدانية السيد المسيح... ".

ثم حدثه ساويرس كثيرًا عن تركه الإيمان الحقيقي وأبان له أنَّ باب التوبة مفتوح له كما قال الرسول أنَّ الله فتح باب المعرفة للأمم، قال: "الآن يا أناستاسيوس هوذا باب التوبة مفتوح لطالبيه في كل زمان... ".

فاقترب إلى ساويرس وقبَّله وكتب بيده الأمانة الأرثوذكسية رافضًا مجمع خلقيدونية ومعترفًا بالإيمان الصحيح وأمانة الثلاثمائة والثمانية عشر المجتمعين بنيقية... وكان الأب ساويرس قد قال له أنْ يكتب في الأمانة المستقيمة بيده عن الثالوث ويقول فيها أؤمن بالآب والابن والروح القدس المساوي وفي وحدانية لاهوتية بلا افتراق ولا تبديل لمجدها ونسجد له بوحدانية، الآب هو آب والابن هو ابن والروح القدس هو روح قدس برباط الوحدانية... ففعل ذلك.

أمَّا ساويرس ففرح جدًا إذ ردَّ نفسًا قد ضلَّت إلى الحظيرة.

وسأله أناستاسيوس أنْ يأخذه معه إلى مدينة القسطنطينية، فقال له الأب ساويرس ما أقدر لأنَّ الملك لم يستدع أحدًا غيري، وعاد أناستاسيوس إلى مدينته يسبح الله كالخادم وزير الحبشة الذي اجتمع بفيلبس التلميذ الذي عمده... فلم يرجع أناستاسيوس إلى التجديف بعد هذا بالمرة بل كان يتذكر دائمًا كلام ساويرس ويتفهمه وثبت عليه.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

* (5) مقاومة مقدونيوس الكافر

في تلك الأيام ظهر أسقف على مدينة القسطنطينية يُسَمَّى مقدونيوس -وهو غير مكدونيوس بطريرك القسطنطينية الذي انعقد بسببه مجمع القسطنطينية سنة 381 م، وكان قد جدف على الروح القدس- وقد طلبت إليه المحكمة أنْ يأخذ قوانين الملك زينون وأنْ يكتب بحرم كل الهراطقة المخالفين فيقبلوه أبًا لهم - فكتب لهم مقدونيوس كما أرادوا، في غش وخداع، وصار مقبولًا لديهم كما كان نسطوريوس الذي أقيم أسقفًا وبعدئذ علَّم تعاليم مخالفة.

واتصل مقدونيوس برهبان الأديرة وكان Kalemekestimos (كاليمكستيموس) رئيسًا للدير وكان مقدونيوس بجرأة يُعلِّم تعاليم هرطقة بأنَّ الذي صُلب هو المسيح الإنسان وإنَّه لم يقدر أنْ يُخلِّص نفسه فانقسم الشعب المؤمن واضطرب لأنَّ التجديف الذي هدأ منذ زمان قد أذاعه الآن مقدونيوس، ويشهد الله والناس عليه إنَّه مخالف رديء...

وإذ كان صيت ساويرس الراهب ذائعًا في المعرفة والعلم والقداسة، كتب الملك إلى رؤساء الدير الذي كان يقيم فيه ساويرس وهم رومانوس ويوحنا وقال لهما: "أرجو أنْ يعلم الآباء أنَّنا نعتقد يقينًا في قلوبنا ونؤمن بأنْ يظهر نور الإيمان الحقيقي ويشع كالمصباح الذي يضيء من على المنارة فيضئ لكل مَنْ في البيت "، ثم تكلم عن ساويرس الراهب قائلًا: "إنَّ مثل هذا الراهب ينبغي عدم إخماد نشاطه وفورته ".

ولما قرأوا خطاب الملك أظهروه لساويرس وكانا صامتيْن، حينئذ قال لهما: "بما أنَّ هذا الأمر يتعلق بالإيمان ولست أسقفًا ولا يمكننى أنْ أوقع حرمًا أو تأديبًا على أعداء الإيمان فأرجو أنْ يُعقد مجمع عام ليظهر هذا الأمر "، ثم أضاف إنَّه راهب فقير أكثر من الكل، غير إنِّي كابن مطيع لأبيه مستعد لأنْ ينفذ الأوامر، لا بل مستعد لبذل دمه من أجل الإيمان المستقيم.

وبدأ الآباء يتشاورون كيف يرسلونه إلى مدينة الملك حيث الأعداء كثيرون ومعرفة جميع أعوان الهراطقة لأنَّه وضع مؤلفات عن الإيمان الصحيح ملأتهم خزيًا، وكل كتاباته ذاعت في جميع أنحاء سوريا وبالأخص كتابه " الرد على الهراطقة ".

عند ذلك قرر الآباء أنْ يتولى ساويرس الرد، وكتب ساويرس:

"... ساويرس الراهب يكتب بشجاعة إلى السيد الملك التقى المستحق للحياة الأبدية بسبب أعماله التقوية التي يقوم بها، لأنَّه في أيامك انبثق التعليم الصحيح وإنَّك تقطع الأعداء المخالفين، هؤلاء الذين انتشر بواسطتهم الشقاء في المملكة، هؤلاء الذين خالفوا تعاليم الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفًا المجتمعين بنيقية... ثم تحدث طويلًا وأشار إلى الذين يرشقونه بالحجارة في كل طريق ويقاومونه.

ثم طلب إلى الملك قائلًا:

أرجو أنْ تكتب لي حتى أستطيع أنْ أفعل شيئًا لأنَّك تعلم أنَّهم غير مستقيمى القلوب، وعندما تصلنى رسالتكم سأعرف منها مدى استجابتكم... ".

وحالما وردت رسالة ساويرس تعجب الملك هو وجميع أكابر المملكة وقرروا جميعًا في اتفاق كامل ما يلي:-

" ليحضر ساويرس لأنَّه هو بالحقيقة الذي يمكنه أنْ ينقض على مقدونيوس، وإذا كانت هناك أسباب تعوقه فلنذهب نحن إليه ".

وكتب الملك إلى ساويرس يدعوه بسرعة الحضور... ولما قرأ ساويرس الخطاب تشددت عزيمته وتقوَّى بالروح القدس الساكن فيه وأخذ معه الإنجيل المقدس الذي بمقتضاه يقاوم أعداء الله.

ولما سمع الهراطقة بقدوم ساويرس وبأنَّه تسلم رسالة من الملك انطلق الرعاة المخالفين من أماكنهم وهربوا منها...

ولما حضر ساويرس اضطرب مقدونيوس جدًا وتوقع أنَّه سوف يُحاججه ويُظهر هرطقته وإنكاره الإيمان الصحيح، لم ينطق مقدونيوس ببنت شفة وكان يخشى صياح الجماهير التي كانت تصرخ وتحيى ساويرس البطل، أمَّا ساويرس فلم ينظر إليه بالمرة لأنَّه كان حزينًا جدًا بسبب إنكاره الإيمان الصحيح.

وجلسوا جميعًا وكانوا صامتين برهة من الزمن ثم نهض مقدونيوس وقال: "ما بالكم قد تجمعتم في فزع وقلق كأنَّما خرجتم لمقابلة مجدف أو قاتل، وبالنسبة لساويرس الذي تظنون فيه أنَّه يعرف الإيمان الحقيقي فقد حان الوقت لكي أواجهه ".

بدأ مقدونيوس هكذا:

" إنَّهم يقولون أيُّها المصلوب ارحمنا بدلًا من أنْ يقولوا يا صانع العجائب والقوات ارحمنا، وأنَّه بالحقيقة لضعف أنْ يقال أنَّ الله الكلمة مات ".

فقال ساويرس:

" هكذا قال نسطور... وإنْ فعل القوات جميعها هو لأجل قلة أمانة اليهود أمَّا تألمه وصلبه وموته فهو لأجل خلاص العالم، وأيضًا قيامته إنَّما كانت ليُقيم الموتى معه، لأنَّ أفعال جسدنا ولدت لنا الموت فأبطل عنا الموت عند تعليقه على الصليب... وافتخارنا بالخطية ولد لنا فساد الجحيم والعذاب وقد حلَّ الحمل المقدس على الصليب عنا وثق إبليس وسحقه... ".

وأخذ ساويرس يفسر حقائق الإيمان الأرثوذكسى المستقيم كما تعترف به الكنيستان القبطية والسريانية...

ثم عاد إلى مخاطبة مقدونيوس هكذا قائلًا:

" إنَّك تقول هذا الكلام بلسانك وبقلبك مصدقًا ما على لسانك؟"

قال مقدونيوس:

" إنَّ القوانين التي أسسها الأساقفة الآباء الذين كانوا في خلقيدونية هي التي أقبلها ".

وردَّ عليه ساويرس:

" إنْ كنت تقبل قوانين أولئك وتحفظها فمن الآن لست غريبًا عن نسطور في شيء جملة لأنَّ ذلك فرَّق اللاهوت من الناسوت... ".

فأجاب مقدونيوس بوقاحة:

" وما هو خطأ نسطور حتى نُفى مفروزًا وحُرم... "، قال ساويرس:

" بالحقيقة إنَّ دقلديانوس لم يُتعب البيعة مثل نسطور ومجمع خلقيدون... ".

وردَّ مقدونيوس قائلًا:

" لو اجتمع العالم عليَّ لما استطاع أنْ يميل قلبي إلى التجديف على مجمع الأساقفة الذين اجتمعوا هناك "، ويقصد المجمع الخلقيدونى...

وهكذا في القسطنطينية انطلق القديس (508-511 م) لمقاومة أصحاب البدع والهرطقات وبالأخص بدعة مقدونيوس وكان من الضرورى أنْ يتخذ إجراء مضادًا قويًا فعالًا حتى يصد تيار الهرطقات، وانطلق القديس مع مائتى فلسطيني ناسك يقود حملة المجادلة وإفحام المخالفين، وفي القسطنطينية انحل عقد الهراطقة بسبب قوة حجة القديس ساويرس الرادعة، وانعقد مجمع الأساقفة في حضور القديس ساويرس وقرروا قطع مقدونيوس ونفيه وكان ذلك سنة 511 م.

وفرح الشعب الصحيح الإيمان وكان يصيح: "نعم حضورك... يا ساويرس يا نور المسكونة... الملح الذي لا يفسد... ".

وقد وجدنا تفصيلات كثيرة جدًا بالمراجع التي اطلعنا عليها حول هرطقة مقدونيوس والمناقشات التي دارت وانتهت بقطعه وإبعاده - ولا نرى هنا محلًا للخوض فيها.

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(1) من القسطنطينية وقد حرمه البابا تيموثاوس البطريرك.

(2) في صفحة 609 وما بعدها من النسخة الحبشية الإنجليزية، كذا في مخطوطة دير السريان 299 ميامر وجدنا ألفاظًا واردة لا نعتقد أنَّ القديس فاه بها كقوله كيف أوقرك أيُّها العجوز الشرير والخبيث والمجنون الذي منذ صباه لم يدخر شيئًا من الصلاح لشيخوخته... إنِّي أرى أنَّك أطلقت لسانك كالحية ضد القديسين كيرلس وديسقورس حفظة الإيمان... وأنَّك تختم رسالتك بالسلام والسلام بعيد عنك... إلخ.

(3) في الحاشية ذُكر أنَّ المقصود هو "Felicissimus" (فيليسيسيموس).


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-of-antioch/struggle.html

تقصير الرابط:
tak.la/sakq8b5