حينما أريد أن انظر إلى العذراء والدة الإله وتجول فقط في خاطري الأفكار المتعلقة بها، فعند أول بادرة يبدو لي إن صوتًا من جهة الله باني صارخا بقوة في أذن لينبآني:"لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ" (خر 3: 5).
![]() |
في الواقع يجب أن نتخلص من كل تصور جسدي منحل، مثلما نخلع الحذاء من أرجلنا، حينما نحاول أن نصعد بروحنا إلى التأمل في أحد الأشياء الإلهية. فأي موضع لاهوتي يمكن تأمله أجل شانًا من والدة الإله؛ وأي المواضيع يعلوا عليه!؟ أن الاقتراب منها هو الاقتراب من المكان المقدس أو هو بلوغ السماء. كانت فعلًا تنتمي إلى الأرض لأنها كانت تشترك مع الإنسانية بطبيعتها وكانت بشرا مثلنا، إلا إنها كانت نقية طاهرة من كل دنس، وأثمرت من أحشائها ذاتها كما من السماء الإله المتجسد. حملت وولده بطريقة إلهية تمامًا ليس إنها أعطت المولود الطبيعة الإلهية، لأن هذه كانت لع قبل كل بدء وقبل كل الدهور، لكنها أعطته الطبيعة البشرية لدون استحالة، وذلك منها ذاتها ومن الحلول الذي لا ينطق به السري الذي للروح القدس.
وإذا كنت تريد أن تعرف كيف كان ذلك فانك تجد أبحاثك متوقفة بختم البتوليه الذي لم ينقضه هذا الميلاد، وما يكون مختوما يكون غير محسوس تمامًا، هذا يبقى سرًا ولا يمكن أن نتكلم عنه: لذلك يصرخ شخص كيعقوب عجبا فيقول: «مَا أَرْهَبَ هذَا الْمَكَانَ! مَا هذَا إِلاَّ بَيْتُ اللهِ، وَهذَا بَابُ السَّمَاءِ» (تك 28: 17).
أن الإله الذي على الكل نزل أيضًا قديمًا، حينما أعطى الناموس على جبل سيناء "كَانَ مَنْظَرُ مَجْدِ الرَّبِّ"، كما يقول الكتاب المقدس "كَنَارٍ آكِلَةٍ عَلَى رَأْسِ الْجَبَلِ أَمَامَ عُيُونِ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (خر 24: 17). لم يكن ذلك مظهرا لجوهر أو للذات بل مظهر مجد الرب الأزلي. وكان مصحوبًا أيضًا بدخان وبسحابه مملوءة ظلامًا. وبصوت البوق القوي، وببروق سريعة وبكل ما يمكن أن يثير الخزف ويبعد عن الجبل كل الذين يقفون حوله. وهذا بينما كان هؤلاء الواقفون مقدسين ومطهرين، لأن الحيوانات بطبيعتها كانت مهددة بالضرب بالحجارة والسهام، إذ يقول "لاَ تَمَسُّهُ يَدٌ بَلْ يُرْجَمُ رَجْمًا أَوْ يُرْمَى رَمْيًا. بَهِيمَةً كَانَ أَمْ إِنْسَانًا لاَ يَعِيشُ" (خر 19: 13).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
كل ذلك حدث لكي يثير الخوف. كان الله يقترب من بين إسرائيل مثلما يقترب من أشخاص ما زالوا خاضعين لعبادة الأصنام المصرية تستبد بهم الأهواء الحيوانية، فكان في كل مكان يثير الخوف فيهم، ويلقي الرعب في قلبوهم بالأصوات، وبهذه الطريقة يجعلهما طائعين جدًا في مكان الناموس.
وكان بولس الرسول يشير إلى هذا الفصل حينما كان يقول أيضًا للذين امنوا بالإنجيل: "إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أيضًا لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ»" (رو 8: 15). كان الله فعلًا يريد أن يعلمهم سلفًا بالخوف ويصلحهم بالناموس. وبعد أن يرفعوا فوق درجة الخدام، يقترب منهم كما من أولاده بطريقة أكثر كمالا وأكثر محبة.
ومع ذلك لم يستفيدوا إطلاقًا من هذا الدرس. لكنهم بالعنف جرفوا بزيادة خطاياهم بتيار جارف فكانوا سبب غرق المعرفة التي كانت تؤنبهم من ذلك التعليم.
هكذا الله في جوده المتناهي يعطيهم نعمته وروح التبني الذي له بكرم أكثر وبسخاء أوفر، يخضع بالمحبة هكذا أولئك الذين لم يجذبهم بالخوف. وبعد أن اظهروا أنفسهم خدامًا مبغضين، جعل منهم أبناء مختارين. فحق عليهم قول بولس الرسول الحكيم: "حَيْثُ كَثُرَتِ الْخَطِيَّةُ ازْدَادَتِ النِّعْمَةُ جِدًّا" (رو 5: 20).
هناك كانت روح العبودية، وكان الجبل يدخن، لأنه لم يأخذ سوى مظهر مجد الرب الأزلي على هيئة نار آكلة، وكان موسي الخادم يقوم بدور الوسيط.
أما هنا، حيث نعمة التبني، فبالعكس، ذلكم الجيل الروحاني العذراء التي تتألق بالطهارة وتتلألأ بحلول الروح القدس. فليس هنا مظهر مجد الرب الأزلي فحسب، بل هو الله نفسه، الابن، الكلمة. انه لا يسير فقط على قمة الجبل لكنة يتجسد ويولد من " الجبل بدون استحالة: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا،" (يو 1: 14) انه يعمل بشخصه ويعطينا نعمته ولا يستخدم آخر، لأن العبد لا يملك أن يعطي نعمة التبني لهذا السبب يتمجد بعظمته الإلهية ويصرخ قائلًا: "كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (مت 20: 28).
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-mother-of-god/virgin-mary.html
تقصير الرابط:
tak.la/w24dkrw