ومن ناحية أخرى فإنه من المؤكد أن الجسد كان أيضًا يتغذي مع الروح في نفس الوقت وانه كان يشعر بالفرح بمشاركة خاصة بالروح برباط الطبيعة المشترك. في الواقع كما أنه منذ أن لبس آدم القمصان الجلدية، بعد أن تعدي الوصية، قد لبس الفناء الذي يتبع الحكم بالموت، والثقل والوزن اللذين يأتيان عنه(1)، (والجلد هو علامة الموت)، أصبحت الأطعمة ثقيلة منذ ذلك الوقت، تغذي الجسد، وتسر النفس وكأنها تطوقها بسبب اتحادهما الوثيق؛ وكذلك أيضًا، قبل تعدي الوصية، كان الجسد بسبب خفته وقلة وزنه مرفوعًا ومحمولًا إلى فوق مع الروح في نفس الوقت. بيد أنه حاليًا يجر الجسد الروح إلى أسفل، فنشتاق بشراهة وقابلية نحو الأطعمة المادية؛ وحينما كان الروح له الأهمية الأولى، بفضل طبيعته، وكان يجر الجسد نحو الخيرات العالية، كان الإنسان يشتهي باشتياق أطعمة الفردوس التي كانت قبل كل شيء غير مادية(2). ونتج عن ذلك أنه اتجه إلى ثمرة الشجرة المحرمة، بعدما لم يكبت شدة الرغبة بالرغم من وصية الله، وأن عنف الرغبة هذا كان من الروح وليس من الجسد، وأن ذلك تبينه اغراء الخداع بقوله: "أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ" (تك 3: 5). وهذه الرغبة في أن يصير الإنسان إلهًا، ولو أنها ضرب من الجنون رغبة غير مادية من الروح وليست للجسد.
وإذا قال أحد: "لماذا إذن جعل الله الأرض التي خلقها أولًا خضراء بوضعه فيها نبات القمح المغذي والنباتات الأخرى إن لم يكن يلزم للإنسان أن يتغذى بها؟" فسوف أجيبه: "ذلك لكونه أيضًا طبيب، فهو يعد الأدوية قبل المرض. وكيف أنت نفسك لا تترك ما يليق في الوقت الذي فيه نقر بأن الله يستطيع مثل الطبيب أن يتخذ سلفًا الاجراءات وهو الذي يعرف كل المستقبل بوضوح؟ ولأننا أصبحنا مرضي وسقطنا تحت عبودية الحالة الجسدانية، فقد أعد الله لنا مقدمًا أطعمة مناسبة. ولكن كما أن الطبيب يغذي المريض بينما يزيل الأسباب الفعلية للأمراض فيجعله يعود إلى الصحة الطبيعية، كذلك الله يغذينا من الناحية الجسدية مثل المرضي، ويجعلنا نعود إلى حالة سكنى الفردوس وفي الحالة الأولى السليمة، وذلك برسمه الصوم عن الأطعمة المادية وبتذكرته للروح بكرامتها الأولى بواسطة الناموس والأنبياء وأيضًا بوصايا الأناجيل والرسل.
![]() |
قرر موسي أن يكون اليوم العاشر من الشهر السابع الذي هو يوم التكفير، يومًا مقدسًا مدعوًا ويوم صيام، أي مدعوًا من الله وليس من اختراع الناس: "وَيَكُونُ لَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً، أَنَّكُمْ فِي الشَّهْرِ السَّابعِ فِي عَاشِرِ الشَّهْرِ تُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ، وَكُلَّ عَمَل لاَ تَعْمَلُونَ: الْوَطَنِيُّ وَالْغَرِيبُ النَّازِلُ فِي وَسَطِكُمْ لأَنَّهُ فِي هذَا الْيَوْمِ يُكَفِّرُ عَنْكُمْ لِتَطْهِيرِكُمْ. مِنْ جَمِيعِ خَطَايَاكُمْ أَمَامَ الرَّبِّ تَطْهُرُونَ. سَبْتُ عُطْلَةٍ هُوَ لَكُمْ، وَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ فَرِيضَةً دَهْرِيَّةً." (لا 16: 29 - 31).
هكذا بولس الرسول أيضًا أطلق على نفسه اسم المدعو والرسول: "بُولُسُ، عَبْدٌ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْمَدْعُوُّ رَسُولًا، الْمُفْرَزُ لإِنْجِيلِ اللهِ" (رو 1: 1) "بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (غل 1: 1). لأنه ليس من قبل الناس وليس بإنسان، بل بالمسيح يسوع مخلصنا وإلهنا، دعي من السماء إلى الكرازة، وما كان قبل ذلك رسولًا مثل الآخرين، وبهذه الطريقة دعا نفسه رسولًا. ولكن نظرًا لأن العبرانيين كانوا في حالة وضيعة جدًا وكانوا متعلقين بالجسد، فكان المُشتَرِع يقول لهم: "وَتُذَلِّلُونَ نُفُوسَكُمْ" (لا 16: 31)، وذلك بعد أن أطلق على الصوم، باعتباره يومًا عظيمًا، اسم اليوم المقدس المدعو.
وأشعياء النبي وهو يقيمهم من هذه الهوة كان يرفعهم ويجذب عقولهم إلى فوق بإعلانه عظمة الصوم؛ فيدفعهم إلى التهليل الروحاني ويطرد من أرواحهم الحزن والحداد، وهو يصيح فيهم قائلًا: "أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ، يُحْنِي كَالأَسَلَةِ رَأْسَهُ، وَيْفْرُشُ تَحْتَهُ مِسْحًا وَرَمَادًا. هَلْ تُسَمِّي هذَا صَوْمًا وَيَوْمًا مَقْبُولًا لِلرَّبِّ؟ أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. «حينئذ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا، وَيَسِيرُ بِرُّكَ أَمَامَكَ، وَمَجْدُ الرَّبِّ يَجْمَعُ سَاقَتَكَ. حِينَئِذٍ تَدْعُو فَيُجِيبُ الرَّبُّ. تَسْتَغِيثُ فَيَقُولُ: هأَنَذَا." (أش 58: 5 - 9).
لذلك فإن ربنا بينما كان يعلن بهاء وسرور الصوم، كان يأمر أيضًا بصوت واضح قائلًا: "وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ" (مت 6: 17). فكان يشير إلى بريق وطهارة الروح عن طريق الأعضاء الرئيسية في الجسم. إذ أن معظم الحواس تتجمع في اتجاه الفكر والسمع، الذوق، البصر، الشم، التي بواسطتها كخدام، يباشر العقل نشاطه فتخدمه فيما يلزم عمله وتعمل معه بطريقة مشتركة إما الشر أو الفضيلة. فربنا نفسه يأمر أن نغتسل ونتطهر بامتناعنا عن الشر، ومن جهة أخرى أن نتزين ونضئ بممارستنا الخير الذي تنيره النعمة الروحية. إذن فإنه تعالي يحب الذين يصومون لا لشيء سوى أنهم يمجدونه من أجل خليقته.
فبعد أن أطاح الفساد والموت والثقل بالجسد إلى أسفل، أصبح الناس كأنما يعيشون في الفردوس يغذون أرواحهم بأطعمة عقلية غير مادية، ونظرًا لأن ذلك يحدث لدى موازنته كفتي الميزان، فإن قوة دفع الأشياء العالية تجعلهم يقودون الجسد ليرتقوا به إلى فوق.
من أجل هذا نسي بولس الرسول، حينما شرع في الكلام إلى تلاميذ ترواس الذين اجتمعوا حوله يكسروا خبزًا ويتناولوا الطعام، نسي الطعام المحسوس؛ فقد كان يتغذَّى في نفسه بالأفكار السماوية، فأطال خطابه حتى منتصف الليل. ويمكننا أن نرى حالًا ثمرة مثل هذه الفلسفة. فقد كان هناك شاب يدعى افتيخوس جالسًا فوق نافذة، (وكان للمنزل ثلاثة سقوف)، فسقط ميتًا. فأقام بولس الرسول هذا الشاب الملقى على الأرض بأن اضطجع فوق جسده ببساطة. وكان يصيح نحو الواقفين حوله محاولًا أن يبسط عظمة المعجزة ويكتمها بروح متواضعة قائلًا: «لاَ تَضْطَرِبُوا! لأَنَّ نَفْسَهُ فِيهِ!» (أع 20: 10). وبعد ذلك صعد إلى المنزل وكسر الخبز دون أن يتوقف عن الكلام بأشياء ممتازة. بل أن فجر اليوم كان قد لاح بينما كان بولس الرسول لا يزال يتكلم، لأنه كان قد نسى ساعة النوم:
"وَأَمَّا نَحْنُ فَسَافَرْنَا فِي الْبَحْرِ بَعْدَ أَيَّامِ الْفَطِيرِ مِنْ فِيلِبِّي، وَوَافَيْنَاهُمْ فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ إِلَى تَرُوَاسَ، حَيْثُ صَرَفْنَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَفِي أَوَّلِ الأُسْبُوعِ إِذْ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِيَكْسِرُوا خُبْزًا، خَاطَبَهُمْ بُولُسُ وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَمْضِيَ فِي الْغَدِ، وَأَطَالَ الْكَلاَمَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. وَكَانَتْ مَصَابِيحُ كَثِيرَةٌ فِي الْعِلِّيَّةِ الَّتِي كَانُوا مُجْتَمِعِينَ فِيهَا. وَكَانَ شَابٌّ اسْمُهُ أَفْتِيخُوسُ جَالِسًا فِي الطَّاقَةِ مُتَثَقِّلًا بِنَوْمٍ عَمِيق. وَإِذْ كَانَ بُولُسُ يُخَاطِبُ خِطَابًا طَوِيلًا، غَلَبَ عَلَيْهِ النَّوْمُ فَسَقَطَ مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّالِثَةِ إِلَى أَسْفَلُ، وَحُمِلَ مَيِّتًا. فَنَزَلَ بُولُسُ وَوَقَعَ عَلَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ قَائِلًا: «لاَ تَضْطَرِبُوا! لأَنَّ نَفْسَهُ فِيهِ!». ثُمَّ صَعِدَ وَكَسَّرَ خُبْزًا وَأَكَلَ وَتَكَلَّمَ كَثِيرًا إِلَى الْفَجْرِ. وَهكَذَا خَرَجَ. وَأَتَوْا بِالْفَتَى حَيًّا، وَتَعَزَّوْا تَعْزِيَةً لَيْسَتْ بِقَلِيلَةٍ." (أع 20: 6- 12).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
وبعد ذلك فورًا أخذ طريقه إلى مكان آخر. كان ينظر إلى الأعمال التي يقوم بها من أجل الكرازة كأنها شيء مفضل؛ لذلك كان يقول مبينًا ذلك بوضوح: "لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ تَحْصُرُنَا" (2 كو5: 14). لأن قيام وحياة الذين يحبون الله قوامها المحبة فقط.
بذلك استطاع موسي أن يحتمل صومًا متصلًا لمدة أربعين يومًا، حينما كان يأخذ التعليمات المتعلقة بالناموس على الجبل وكان يتغذَّى بالتأمل في الله. وبذلك أيضًا أمضى هو نفسه أربعين يومًا دون أن يتناول طعامًا، حينما كان على وشك الاتصال بالله بقدر الإمكان، في مغارة حوريب.
ومن أجل ذلك، قبل إيليا توسلات الشعب الذي كان قد أخطأ وخلصه من غضب الله، فأوقف الله المطر، وليس ذلك فقط بل أوقف حتى قطرات الندي لمدة ثلاث سنين وستة أشهر، في الوقت الذي كان الله فيه يعاقب شر إسرائيل بالجفاف. وبعد ذلك أعاد إلى الأرض ريها من جديد بأمطار غزيرة جدًا؛ فبالصلاة التي هي ثمرة الصوم صنع هاتين المعجزتين. "مُوسَى وَهَارُونُ بَيْنَ كَهَنَتِهِ، وَصَمُوئِيلُ بَيْنَ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِاسْمِهِ. دَعَوْا الرَّبَّ وَهُوَ اسْتَجَابَ لَهُمْ." (مز 99: 6). في الواقع كان يراهم يرفعون روحهم ويسمون بها نحو كرامتها الأولى ويغذون بها جسدهم، فكان يكافئهم كخدام حقيقيين.
أن الرسل وكذلك الذين تبعوهم، كانوا يمارسون الصوم طوال حياتهم، وكانوا يصنعون كل الأشياء بعد الشروع أولًا في الصوم والصلاة.
Les apôtres, ainsi que ceux qui les suivirent, pratiquaient le Jeune toute leur vie, et ils faisaient toutes choses, après avoir mis en œuvre auparavant le jeune et la prière.
ويشهد سفر الأعمال بذلك في هذه العبارات: "وَبَيْنَمَا هُمْ يَخْدِمُونَ الرَّبَّ وَيَصُومُونَ، قَالَ الرُّوحُ الْقُدُسُ: «أَفْرِزُوا لِي بَرْنَابَا وَشَاوُلَ لِلْعَمَلِ الَّذِي دَعَوْتُهُمَا إِلَيْهِ». فَصَامُوا حِينَئِذٍ وَصَلُّوا وَوَضَعُوا عَلَيْهِمَا الأَيَادِيَ، ثُمَّ أَطْلَقُوهُمَا." (أع 13: 2- 3).
وفي مكان آخر، يقول أيضًا بخصوص بولس وبرنابا: "وَانْتَخَبَا لَهُمْ قُسُوسًا فِي كُلِّ كَنِيسَةٍ، ثُمَّ صَلَّيَا بِأَصْوَامٍ وَاسْتَوْدَعَاهُمْ لِلرَّبِّ الَّذِي كَانُوا قَدْ آمَنُوا بِهِ." (أع 14: 23). ولذلك كانوا يصنعون عجائب كثيرة ويشفون الأمراض من كل نوع.
لكن، حينما تسمع ذلك، قد تقول: "أن هؤلاء لديهم دافع حقيقي إلى الصوم، إذ قد وصلوا إلى كمال عظيم بهذا المقدار وكانوا تلاميذًا؛ أما أنا، فإني رجل خاطئ ولا شيء".
عجبًا في هذا! هل كان الصوم نافعًا وضروريًا للرسل، لكنه زائد عن الحاجة لك أنت الخاطئ؟
نعم، أقول، لأن هؤلاء كانوا يصومون لكي يصنعوا المعجزات والعجائب، أما أنا فلا أطلب سوى أن آكل واشرب وأسير في العالم دون أن تكون على أية مسئولية".
ولكن أولًا، من خواص روح الخنزير والثور ألا تكون عنده أية محبة للفضيلة وللشركة مع الله بل بالعكس لا ينظر إلا إلى بطنه. ثم، أن الرسل كانوا يصومون لكي يروضوا أجسادهم، ولم يكونوا يعملون بقصد إظهار عجائبهم؛ لأنهم لم يكونوا عبيدًا للمجد الباطل.
Ensuite, les apôtres jeunaient pour dompter leur corps; et ils n`ouraient pas leur palais pour faire montre de prodiges, car ils n'étaient pas esclaves de la vaine gloire.
وبولس الرسول يشهد بذلك حينما يكتب إلى أهل كورنثوس: "بَلْ أَقْمَعُ جَسَدِي وَأَسْتَعْبِدُهُ، حَتَّى بَعْدَ مَا كَرَزْتُ لِلآخَرِينَ لاَ أَصِيرُ أَنَا نَفْسِي مَرْفُوضًا." (1 كو 9: 27).
هكذا إذن فإن هدف الصوم هو قمع الجسد، وكانت العجائب من المسيح الذي يصنعها، فكان يكرم فضيلتهم وفي نفس الوقت يفيد الآخرين الذين كان من أجلهم يحدث ظهور هذه العجائب، لكي يؤمنوا بالإنجيل.
لكن سوف نقول أيضًا: "إن هؤلاء كانوا يتحملون الصوم بسهولة؛ أما أنا فحينما أصوم، أظن أن جسدي ينحل وأوصالي تتمزق وتكاد تزهق روحي".
لماذا تحاول بهذه الحجج أن تهرب من الصوم، مثلما يفعل خادم تجاه سيد شديد، بينما يأمرك الله بما يجلب لك الخلاص؟ هل تظن فعلًا، أنه كان يعامل جسده بقسوة قليلة ذاك الذي يقول "أَقْمَعُ جَسَدِي"، لأن القمع يعني الغصب "وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ" (مت 11: 12).
لكن الذي تصرف هكذا بعنف، بطريقة خاصة، جعل من العنف طبيعته، لأن الله لم يأمرنا أيضًا بأشياء مستحيلة، بل ذهب إلى حد القول: "مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي" (غل 2: 20).
يجب إذن أن نعامل ميل الجسد إلى الشر بقسوة خفيفة، فتدخل حينئذ تعزية الله بدلًا منها، وكذلك السرور الذي يتأتَّى عنها الذي يتمم الكلمة المليئة بالفلسفة التي قالها المرنم: "عِنْدَ كَثْرَةِ هُمُومِي فِي دَاخِلِي، تَعْزِيَاتُكَ تُلَذِّذُ نَفْسِي." (مز 94: 19).
Il faut done que nous traitions avec une légère violence la concupiscence de la cbair; et il entrera et il entrera désormais à la place de celle - ci la consolation de Dieu, ainsi que la joie qui en vient, laquelle accomplit la parole pleine de philosophie dite par le psalmiste.
منذ ذلك الحين فإن السعادة التي تتبع ذلك، تسري ذاتها في الجسد وتجعله ناجحًا وبصحة جيدة كما هو مكتوب: "اَلْقَلْبُ الْفَرْحَانُ يَجْعَلُ الْوَجْهَ طَلِقًا، وَبِحُزْنِ الْقَلْبِ تَنْسَحِقُ الرُّوحُ." (أم 15: 13).
إذا كانت عين الروح متطهرة وإذا كانت تتلذذ بالتأمل السامي وبالإعلانات السماوية، فإن ظهور هذه السعادة والفرح بها يسريان أيضًا في العظام ويدخلانها مثل العطر وهذا ما يؤكده الكتاب المقدس بقوله: "نُورُ الْعَيْنَيْنِ يُفَرِّحُ الْقَلْبَ. اَلْخَبَرُ الطَّيِّبُ يُسَمِّنُ الْعِظَامَ." (أم 15: 30).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثم يستشهد القديس ساويرس بالقديس اثناسيوس فيقول: "كتب القديس اثناسيوس، الشعلة السماوية بين الأساقفة، شيئًا مماثلًا في سيرة حياة القديس أنطونيوس، قدوة حياة النسك كان القديس أنطونيوس فعلًا قد ذهب إلى مكان في هذه المناطق التي لم تطأها الأقدام ولا عاش بها إنسان، وتوغل في الصحراء الداخلية، ومكث هناك طويلًا في حياة قاسية وشديدة جدًا أبعد من كل حد. وحدث أن بعض الناس ضايقوه بعد أن فتحوا بابه بقوة شديدة. يقول أثناسيوس: "فخرج أنطونيوس إليهم، كما من داخل مكان مقدس لا يصل إليه أحد متعلمًا من الأسرار ومتمسكًا بالله. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها خارج قلعته للذين أتوا ليبحثوا عنه. وحينما رأوه تعجبوا فقد كان لجسده نفس الشكل، لم يكن قد سمن بسبب قلة التمرين، ولم يكن أيضًا قد نحف بسبب الأصوام ومحاربة الشياطين، لكنه كان كما عرفوه قبل ذهابه. ومن ناحية أخرى فقد كانت لروحه صفات طاهرة؛ فلم تكن في الواقع منكسرة (abattue) بسبب الحزن، أو متراخية بسبب اللذة، ولم يكن يأخذ بها الضحك أو الكآبة لأنه لم يضطرب لرؤية الجمع، ولم يفرح بتحيات كل هؤلاء الزوار. لكنه في كل شيء كان رزينًا ينقاد بالعقل لأنه كان على سجيته.
Mais en tout il itait ègal comme s'il eut été conduit par la raison et parce qu'il ètait dans la nature.
هكذا إذن فإن الإنسان بالطبيعة يهيئ قوة للروح بالأصوام وبأعمال حياة النسك وبتغذية الجسد بالأغذية الغير مادية التي تليق بها.
فحتى متى نظل خارج الطبيعة ونحسب بجهالة، أننا نقطع أسباب هذه الحياة الغير مجدية، لو حفظنا الصوم في هذه الأيام القليلة؟
فإن لم يكن لدينا حافز على الصوم باعتباره فضيلة أفلا نكرم ابن الله، الكلمة الكائن قبل الدهور الذي تواضع من أجلنا، لدرجة أنه نزل أيضًا من السماء، وتجسد وتأنس بدون استحالة وقدم ذاته فداء عنا بالصليب لكي يطهر العالم، وتألم بالجسد، ألا نكرمه تذكارًا لآلامه وقيامته، ألا نسلم له فنتألم بالصوم عوضًا عن آلامه من أجل خلاصنا؟
ألا ترى أن محاربة الشياطين على الأبواب؟ ما كنت أقول لكم ذلك مقدمًا، إن لم يكن هناك من يستهزئون قائلين: "حتى متى هذه التوسلات العلنية، وهذه القداسات المرتلة وهذه الصلوات؟، هل تبقى إذن تحت هذا الاحتقار؟ عندما تقوم الأعداء علينا، فإننا نحمي الأسوار والأبواب، محاولين درء الهزيمة، افلا نحمي أنفسنا حينما تهاجمنا الأرواح اللعينة الشريرة للغاية، أعداء البشر، بسبب خطايانا، ألا ندافع بالسور الروحاني: الصوم والصلاة؟
ومكتوب: «هذَا الْجِنْسُ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَخْرُجَ بِشَيْءٍ إِلاَّ بِالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ» (مر 9: 29).
لا نيأس إذن، ولنتب كلية، دون أن نرجع أبدًا إلى الوراء، لأن ساعة واحدة من التوبة الحقيقية تكفي لإبعاد أشد الغضب. وهده الأيام المقدسة المكرمة هي نوع من المعونة لنا(3). فلننتهز الفرصة، والذي مَجَدَ هذه الأيام بآلامه شخصيًا وبقيامته، سوف يسمع لنا ويخلصنا. له المجد إلى أبد الدهور آمين.
_____
(1) la lourdeur et la pasanteur qui en découlent
.(2) ربما لا يعني أنها غير مادية فعلًا، لكن الإنسان لكونه غير جسداني أي ليست له شهوات جسدية مضادة لشهوات الروح لا يشعر في الأكل بشهوة جسدية إذ كان فرحه بالرب يبتلع كل طاقاته.
(3) Ces jours saints et Vénérables sont pour nous une sorte de secours.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-fasting/human-condition-after-fall.html
تقصير الرابط:
tak.la/pn8jwj5