St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

740- هل عندما قال يسوع ليهوذا: "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بأَكْثَرِ سُرْعَةٍ" (يو 13: 27) كان يعد تشجيعاً وتحريضاً ليهوذا ليتمم خيانته، مع أن: " الرَّبُّ مُتَكَلِّمٌ بِالصِّدْقِ مُخْبِرٌ بِالاسْتِقَامَةِ" (إش 45: 19)؟ وكيف لصليب العار والفضيحة أن يمجد الآب والابن: " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ الله فِيهِ" (يو 13: 31)، وهل الوقت العصيب الذي مرَّ به يسوع ليلة آلامه سمح بأن ينصح تلاميذه بالمحبة؟ ولماذا دعاها وصية جديدة مع أنها قديمة؟ وكيف يعرف الجميع محبة التلاميذ لبعضهم بعض (يو 13: 34، 35)؟ ولماذا لم يجب يسوع بطرس عندما سأله: " يَا سَيِّدُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟" (يو 13: 36) بل أجابه يسوع "حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي" (يو 13: 36)؟

 

سؤال 740: هل عندما قال يسوع ليهوذا: "مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بأَكْثَرِ سُرْعَةٍ" (يو 13: 27) كان يعد تشجيعًا وتحريضًا ليهوذا ليتمم خيانته، مع أن: " الرَّبُّ مُتَكَلِّمٌ بِالصِّدْقِ مُخْبِرٌ بِالاسْتِقَامَةِ" (إش 45: 19)؟ وكيف لصليب العار والفضيحة أن يمجد الآب والابن: " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ الله فِيهِ" (يو 13: 31)، وهل الوقت العصيب الذي مرَّ به يسوع ليلة آلامه سمح بأن ينصح تلاميذه بالمحبة؟ ولماذا دعاها وصية جديدة مع أنها قديمة؟ وكيف يعرف الجميع محبة التلاميذ لبعضهم بعض (يو 13: 34-35)؟ ولماذا لم يجب يسوع بطرس عندما سأله: " يَا سَيِّدُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟" (يو 13: 36) بل أجابه يسوع "حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي" (يو 13: 36)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: هل عندما قال يسوع ليهوذا: " مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ" (يو 13: 27) كان يعد تشجيعًا وتحريضًا ليهوذا ليتمم خيانته، مع أن: " الرَّبُّ مُتَكَلِّمٌ بِالصِّدْقِ مُخْبِرٌ بِالاسْتِقَامَةِ" (إش 45: 19)...؟ اتفق يهوذا مع القيادات الدينية على تسليم مُعلِّمه لهم مقابل الفضة، وكان يتحيّن الفرصة ليُسلمه لهم، وإذ دخل الشيطان يهوذا، فرأى يهوذا أن هذا الوقت أنسب وقت لتسليم مُعلِّمه، وأراد أن ينطلق إليهم، وربما وجد حرجًا إذ كيف يترك جماعة القديسين وينصرف، ولهذا رفع مُعلِّمه عنه هذا الحرج، وكأنه يُرسله في مهمة ليتممها، واستغل يهوذا الفرصة لا ليُعيد تفكيره وترتيب أوراقه إنما ليتمم المشورة الشيطانية التي تمكنت منه، ولم يتأمل قول مُعلِّمه: " مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأكْثَرِ سُرْعَةٍ" ولم يهتز كيانه من كون مُعلِّمه يعلم كل شيء، وهو لا يخشى الموت، فقوله هذا يعني موافقته على مشوار الصليب، وكأنه يوقع على قرار صلبه بالموافقة، لأنه قرر أن يضع نفسه عن أحبائه، وهو القائل: " لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا" (يو 10: 18)، ولو لم يضعها من ذاته ما جرؤ أحد أن يأخذها منه، فقد قدم يسوع ذاته للصليب بإرادته هو وليس بإرادة القيادات الدينية الفاسدة ويهوذا الخائن. وقول يسوع ليهوذا: " مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ..." يشبه قوله للفريسيين المُعاندين: " فَامْلأُوا أَنْتُمْ مِكْيَالَ آبَائِكُمْ" (مت 23: 32) بسبب إصرارهم على عنادهم وشرهم.

ولم يكن قول السيد المسيح ليهوذا تشجيعًا وتحريضًا له ليتمم خيانته الشنعاء، فهو لم يقل له: "ما أنت ستعمله..." إنما قال " مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ..." لأن يهوذا كان قد شرع في الخيانة، وقبض الفضة واحتواها في جيبه، وهو مُصِر على استكمال مسيرته في درب الخيانة إلى نهايته، بالرغم من تحذيرات المُعلِّم له: " وَاحِدًا مِنْكُمْ سَيُسَلِّمُنِي" (يو 13: 21)... " إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ" (مر 14: 21). فيهوذا رفض رفضًا تامًا الإصغاء لنداءات التوبة مُقسّيًا قلبه، ولذلك قال له يسوع: " مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ" واندفع يهوذا للخارج، وما أروع تعليق يوحنا الإنجيلي في قوله: " خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلًا" (يو 13: 30)، فالليل مُرتبط بأعمال الظُلمة، خرج للوقت من دائرة النور بعد أن غشته الظُلمة، فخرج للظُلمة الخارجية. ويقف العقل مشدوهًا أمام صبر واحتمال ومحبة هذا المُعلِّم، ومدى رقته وسماحته، إذ بالرغم من تألمه كثيرًا من خيانة يهوذا إلاَّ أنه لم يشأ أن يفضحه ويكشف سره أمام إخوته الذين كانوا شغوفين جدًا بمعرفة الذئب الذي يرتدي ثياب الحملان وسطهم. كما قال يسوع ليهوذا هذا القول لأنه شاء أن يخلي مكان القديسين من رائحة الخيانة النتنة، فلينصرف يهوذا من اجتماع القديسين لأن ملك القديسين يُريد أن يسري حديثه الوداعي مع أخصائه بلا عائق ولا مانع. يقول "أديب يسى": " بخروج يهوذا انقشعت السحابة السوداء التي كانت تُخيم على الجماعة الصغيرة... لقد تطهَّر الجور وانفرد المسيح بتلاميذه لكي يكشف لهم كل مكنونات قلبه. لم يُذكر في إنجيل يوحنا موضوع عشاء الرب الذي رسمه في نهاية عشاء الفصح. ونفهم من (مت 26؛ مر 14) أن الرب رسم العشاء بعد خروج يهوذا إذ لم يكن من حق هذا الخائن أن يشترك في هذا الامتياز" (351).

 

ثانيًا: كيف لصليب العار والفضيحة أن يُمجد الآب والابن: " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ الله فِيهِ" (يو 13: 31)...؟ لقد طُرحت الخيانة خارجًا بعيدًا عن جماعة القديسين فتجلى مجد المسيح في وسط كنيسته. بخروج يهوذا الخائن ليُكمل مشوار خيانته صار الصليب على الأبواب، ودخل مرحلة التنفيذ الفعلي. يقول "القديس أغسطينوس": " ماذا قال النهار عندما ذهب الليل...؟ "الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ"... أليس ليُظهِر أن تواضعه العظيم (بالصليب) قد اقترب، والقيود والحكم والإدانة والسخرية والصلب والموت قد صاروا على وشك الحدوث؟ ... " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَان "... مُشيرًا إلى الاعتزال الكامل لرئيس الخطاة (يهوذا) عن أصحابه، فيبقى حول (المسيح) قديسوه" (352).

أيضًا تمجَّد ابن الإنسان خلال رحلة آلامه، فالجمع الذي اندفع بسيوف وعصي ليقبضوا عليه، عندما يُعلن عن ذاته: " أَنَا هُوَ" يسقطون تحت قدميه، وعندما عُلق على الصليب فإذ بالشمس تظلم والأرض تتزلزل والصخور تتشقق والقبور تتفتح، وقائد المئة يعترف به أن ابن الله. بالصليب ظهر مجد طاعة ابن الإنسان لأبيه الصالح، لأنه: " هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو 3: 16)... " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإنْسَانٍ وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في 2: 8). تمجّد ابن الإنسان بإعلان حُبه للبشرية البائسة حتى الموت، موت الصليب، فالصليب هو قمة إعلان محبة الله لنا " وَلكِنَّ الله بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رو 5: 8). بالصليب ظهر مجد الآب ومجد الابن، ولذلك صلى السيد المسيح قائلًا: " أَيُّهَا الآبُ قَدْ أَتَتِ السَّاعَةُ. مَجِّدِ ابْنَكَ لِيُمَجِّدَكَ ابْنُكَ أَيْضًا" (يو 17: 1). عندما أدرك بولس الرسول مجد الصليب صرخ قائلًا: " فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللَّهِ" (1 كو 1: 18). " وَأَمَّا مِنْ جِهَتِي فَحَاشَا لِي أَنْ أَفْتَخِرَ إِلاَّ بِصَلِيبِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (غل 6: 14). فعلًا الصليب يُعلن عن مجد وقوة الله، ونصرته على الشيطان ومملكته: " إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ أَشْهَرَهُمْ جِهَارًا ظَافِرًا بِهِمْ فِيهِ" (كو 2: 15). من يسمع ويرى خوف ورغبة الشيطان الذي يسكن إنسانًا أمام علامة الصليب، ويصرخ على أنها نار تحرقه يُدرك قوة الصليب، وقد شبه أحد الآباء هذا الموقف بكلب ضار يحوم حول محل جزارة، وإذ بالجزار يضربه بعصا غليظة فيفر هاربًا، وكلما عاد ليحوم حول محل الجزار، وإذ بالجزار يشهر أمامه العصا، فلوقته يفر هاربًا. وكثيرًا ما يُشير الكتاب إلى الأمور المُستقبلية في زمن الماضي علامة التأكيد على أنها ستحدث، لذلك قال السيد المسيح: " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ" فقوله " الآنَ" باعتبار القيامة والصعود وانتشار الكرازة وامتداد الملكوت بعد رحلة الصليب. يقول "القديس أغسطينوس": " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ... ربما تشير كلمة " الآنَ تَمَجَّدَ " لا إلى الآلام الوشيكة الحدوث، بل إلى ما يتبعها مباشرة من قيامته، كما لو كان الأمر قد تم فعلًا" (353). يقول "القديس كيرلس الكبير": " حقًا، أنه قد تمجد بطرق أخرى، وقد نال شهرة عظيمة جدًا بأنه يمتلك السلطان الإلهي (الذي ظهر من خلال المعجزات) ولكن الاكتمال التام لمجده وملء شهرته ستصل إلى قمتها في آلامه لأجل حياة العالم وقيامته التي سيفتح بها باب القيامة للجميع. فنحن إن فحصنا سر عمله كما ينبغي، فسنجد أنه لم يمت لنفسه، ولا لأجل نفسه خاصة، بل أنه من أجل البشرية تألم، وأكمل الآلام والقيامة التي تبعتها. لأنه مات حسب الجسد، وبذلك قدم حياته كمقابل لأجل حياة الكل... فقد حقق في نفسه إبطال فعل اللعنة القديمة إبطالًا تامًا... لذلك فالمسيح، بعد أن أطاع الله حتى الموت، موت الصليب، بحسب قول بولس، فإنه مُجِدَ مجدًا عاليًا، ونال الاسم الذي هو فوق كل اسم (انظر في 2: 8-9) فإنه هو الذي كان يُظَن أنه مجرد إنسان، قد تمجد بمجد فائق جدًا على البشرية، إذ قد أُعترف به أنه الله بالحقيقة وابن الله" (354).

ويقول "الأب أندره سكريما": " لفظة "الآنَ" في مفهوم يوحنا تشير إلى إتمام سر يفوق الزمان ويخرج عنه، وهو كما رأينا سر الصليب والقيامة والصعود والعنصرة... هذا هو إعلان مجد الله الذي لا يُوصف ولا يُتوقع ولا يُتصوَّر، والذي هو أكثر رهبة من ظهورات العهد القديم التي كانت تزلزل المسكونة... لقد قيل أن إنجيل يوحنا يتصل "بالرؤية" (كأنه تصوير سينمائي video) بينما الأناجيل الإزائية الثلاثة تتصل بالسمع (كأنه تصوير صوتي oudio). فلدي يوحنا حِس صوري أيقوني (iconographique)... والآن في صرخة العلية التي يستهل بها يسوع خطابه الوداعي فهو يُهيئنا لرؤية ظهور ما، لمعاينة الظهور الإلهي الأكثر روعة... لأن سر الصليب يُظهِر لنا الآن لُجة مجد الله ومحبته أكثر من أي خطاب بشري" (355). ويطول الحديث عن مجد وبهاء وعظمة وقوة الصليب، فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: "أسئلة حول الصليب" ولا سيما س3، وس 54.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثالثًا: هل الوقت العصيب الذي مرَّ به يسوع ليلة آلامه سمح بأن ينصح تلاميذه بالمحبة؟ ولماذا دعاها وصية جديدة مع أنها قديمة؟ وكيف يعرف الجميع محبة التلاميذ لبعضهم بعض (يو 13: 34-35)...؟ أوصى السيد المسيح تلاميذه ليلة آلامه: " وَصِيَّةً جَدِيدَةً أَنَا أُعْطِيكُمْ أَنْ تُحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بِهذَا يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّكُمْ تَلاَمِيذِي إِنْ كَانَ لَكُمْ حُبٌّ بَعْضًا لِبَعْضٍ" (يو 13: 34-35). بالرغم من أن الوقت كان عصيب إلى أن التلاميذ كانوا في حاجة لهذه الوصية، ولا سيما أنهم كانوا من لحظات يتشاحنون فيما بينهم عمن هو الأعظم، ومن الذي سيشغل أعلى المناصب في المملكة التي ينتظرونها، فهم كانوا في احتياج شديد لمثل هذه الوصية، وأن يعد كل واحد نفسه ليكون شهيد المحبة يتحمل بلا حدود، وينأى بنفسه عن الإدانة والتحزب. وأيضًا السيد المسيح كمُعلِّم لم يكف عن التعليم في أحلك الظروف وأقساها، عندما أقبل يهوذا مع الجنود والخدم وقبَّله: " فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ يَا صَاحِبُ لِمَاذَا جِئْتَ؟" (مت 26: 50). " يَا يَهُوذَا أَبِقُبْلَةٍ تُسَلِّمُ ابْنَ الإِنْسَانِ؟!" (لو 22: 48). وعندما لطمه خادم حنان رئيس الكهنة: " أَجَابَهُ يَسُوعُ إِنْ كُنْتُ قَدْ تَكَلَّمْتُ رَدِيًّا فَاشْهَدْ عَلَى الرَّدِيِّ" (يو 18: 23)، حتى وهو مُعلق على الصليب لم يكف عن تعليم البشرية الصفح والمغفرة: " فَقَالَ يَسُوعُ يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" (لو 23: 34).

وقد دعى السيد المسيح وصية المحبة " وَصِيَّةً جَدِيدَةً"، مع أنها ليست جديدة، بل هيَ قديمة، فقد أوصى الرب شعبه قديمًا: " تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ" (لا 19: 18)، فهيَ قديمة في مبناها، ولكنها جديدة في معناها، فقد وضع السيد المسيح لها مقياسًا جديدًا غالبًا يُساوي محبة المسيح لنا، فقال: " كَمَا أَحْبَبْتُكُمْ أَنَا تُحِبُّونَ أَنْتُمْ أَيْضًا بَعْضُكُمْ بَعْضًا"، فهيَ محبة جديدة تصل إلى محبة الأعداء، وهيَ ثمرة عمل الروح القدس فينا: " مَحَبَّةَ الله قَدِ انْسَكَبَتْ فِي قُلُوبِنَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ الْمُعْطَى لَنَا" (رو 5: 5)... " وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ مَحَبَّةٌ..." (غل 5: 22). أنها محبة جديدة كل يوم لا تشيخ، أنشودة حية وأغنية جميلة في كل صباح، والمكان الذي تجد فيه المحبة تجد فيه الله، حتى أن العلامة ترتليان يخبرنا بأن الوثنيين كانوا يقولون لبعضهم عن المسيحيين: " انظروا كم يحبون بعضهم بعضًا، فأنهم مُستعدون لبذل حياتهم بعضًا من أجل بعض"(356)، واتهم "لوقيان الساموسطائي" المسيحيين بالغباء لأنهم يحبون بعضهم بعضًا، حتى أنه لأي إنسان وثني أن يُسيئ استغلال هذا الحُب فيجمع منهم مبالغ ضخمة. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " يا لعظمة الحب! أقوى من النار ذاتها، يصعد إلى السماء عينها، لا يوجد من يعوقه" (357).

ونلاحظ أن كل ما هو مرتبط بعمل المسيح الخلاصي يُدعى جديدًا. فالمحبة " وَصِيَّةً جَدِيدَةً" (يو 13: 34)، والعهد الذي أقامه بجسده ودمه هو " الْعَهْدُ الْجَدِيدُ" (لو 22: 20؛ 1 كو 11: 25)، والخليقة في المسيح صارت " خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ" (2 كو 5: 17؛ غل 6: 15) والإنسان صار " إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا" (أف 2: 15؛ 2 كو 4: 16)، والسماء والأرض صارتا سماءً وأرضًا جديدتان (2 بط 3: 13؛ رؤ 21: 1)، وأخذ المؤمن " اسْمٌ جَدِيدٌ" (رؤ 2: 17) وأورشليم السمائية هيَ " أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدةِ" (رؤ 3: 12) والسمائيون يُرنمون " تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً" (رؤ 5: 9؛ 14: 3) (راجع القاموس الموسوعي للعهد الجديد ص328). ومن الملاحظ أيضًا أنه في هذا الموقف الوحيد يدعو السيد المسيح تلاميذه " يَا أَوْلاَدِي" (يو 13: 33) وفي الأصل اليوناني "أولادي الصغار" وهذه دعوة جديدة تهدف إلى الدعم والمساندة النفسية في تلك الظروف العصيبة. يقول "وليم باركلي": " لقد أحب (يسوع) تلاميذه بأسمى درجات التضحية، فلم تكن هناك حدود للمحبة التي تقدم بها. أننا نحن في دائرة محدودة ونتوقف عند حدود تلك الدائرة. ولكن يسوعنا أحب وضحى حتى وصل به الأمر أخيرًا إلى التضحية بنفسه، وكما قيل "الجود بالنفس أسمى غاية الجود". إن محبته لم تستعظم أية تضحية. ولم يتراجع أمام عظم التكلفة. فلو اقتضت المحبة الصليب فرحًا بالآلام، والهزء، والعار، والجلجثة، والصليب. أننا كثيرًا ما نُخطئ فهم المحبة، فنظن أنه ينبغي أن تضمن لصاحبها السعادة. ولكن طريقها قد يكون مُمتلئًا بأشواك الألم والتضحية، وربما الموت... نعم قد تتطلب المحبة الصليب" (358).

ويقول "دكتور وليم إدي": " وَصِيَّةً جَدِيدَةً... لم يقصد بكونها جديدة أن اللَّه لم يوصي بها شعبه قبلًا، لأنها في سفر اللاويين (لا 19: 18) بل حسبها جديدة لأربعة أسباب:

(1) إن المسيح جعلها حينئذ علامة لتلاميذه يعرفهم الناس بها وعلامة تلمذتهم الحقيقية بالنظر إلى اللَّه. امتاز اليهود شعب اللَّه القديم برسوم الختان وتمييز الأطعمة والملبوسات، فأراد يسوع أن يمتاز تلاميذه بالمحبة كقول الرسول " وَهذِهِ هِيَ وَصِيَّتُهُ أَنْ نُؤْمِنَ بِاسْمِ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَنُحِبَّ بَعْضُنَا بَعْضًا كَمَا أَعْطَانَا وَصِيَّةً" (1يو 3: 23) انظر أيضًا (غل 6: 2؛ 1تس 4: 9؛ 2تس 1: 3؛ 1بط 1: 22؛ 2بط 1: 7).

(2) إن الدواعي إلى طاعتها (طاعة الوصية) جديدة. فالداعي إلى محبة الناس بعضهم لبعض أنهم خلق اللَّه وأولاد أب واحد هو آدم. كان الداعي لمحبة اليهود بعضهم لبعض أنهم أمة واحدة من أب واحد هو إبراهيم. وأما الدواعي إلى محبة المسيحيين بعضهم لبعض فمنها علاقتهم بفادٍ واحد هو المسيح، وهم عشيرة واحدة بالإيمان به. ومنها أن المسيح كلفهم بها قبل موته وكانت آخر وصاياه لهم فالتزموا بها حُبًا وشكرًا له.

(3) إن نموذجها جديد وهو محبة المسيح لنا.

(4) إن المسيح وسع نطاق المحبة، فإن المحبة عند اليهود كانت مُقيدة بحب اليهودي لليهودي. أمَّا المسيح فأوجبها على المؤمن، لكل مؤمن من كل أمة في كل عصر ومكان" (359).

أما عن التساؤل كيف يعرف الجميع ما هو كائن فينا؟ نقول أن المحبة ليست مجرد إحساس نفسي أخلاقي إنما هيَ تواجدنا في حضرة المسيح الغائب عنا، أنها تُعبر عن حياة المسيح فينا. المحبة هيَ ظهور صورة ووجه المسيح على محيانا، والإنسان يُعرف من وجهه، ونحن نُصلِّي: " قد ارتسم علينا نور وجهك يا رب". من كانت له حياة المسيح يكون له صورة المسيح ووجه المسيح الذي يفيض بالمحبة، والمحبة مقرؤة على وجوهنا ومرئية في محيانا، فبمجرد النظرة إلى وجوهنا يعرف الجميع أننا تلاميذ يسوع، لأننا نصير أيقونة المسيح (راجع الأب أندره سكريما - دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص257).

 

رابعًا: لماذا لم يجب يسوع بطرس عندما سأله: " يَا سَيِّدُ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ؟" (يو 13: 36) بل أجابه يسوع " حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي" (يو 13: 36)...؟ السيد المسيح العالِم بكل شيء يعلم كم ستكون صدمة التلاميذ عندما يعلمون بأن مُعلِّمهم سيُعلق على الصليب بعد ساعات ويموت، فمن رقة مشاعر يسوع لم يرد أن يُثقل على التلاميذ بتلك الأخبار الصادمة. كان يكفيهم الصدمة الأولى عندما أخبرهم مُعلِّمهم أن واحدًا منهم سيُسلمه إلى أيدي اليهود والرومان الذين أجمعوا على الخلاص منه. يقول "القديس كيرلس الكبير": " لأن المسيح يعرف تمامًا أن الحزن الذي سيُعاني منه تلاميذه سيكون ثقيلًا وغير مُحتمل بالمرة لو قال بصراحة أنه على وشك أن يمضي إلى السماء ويتركهم على الأرض محرومين من حضوره... لذلك فهو يستعمل أسلوبًا في الحديث وقد كيّفه بحكمة ليناسب مشاعرهم الحالية، وبلطف يتحاشى أن يعطيهم معرفة تامة بما هو في ذهنه. وهكذا إذ يراهم في جهل يتركهم هكذا، لأن الحكماء قد اعتادوا أن يخفوا مؤقتًا بواسطة كلمات غامضة ما يبدو أنه سيُسبب ألمًا للآخرين" (360).

كما يقول "القديس كيرلس الكبير": " رغم غيرة بطرس العجيبة في هذا الأمر، فإنه ما يقوله يفوق قدرته على أن يُتممه، فالمسيح إذ يعرف بشاعة العاصفة المُقبلة، ويعلم جيدًا كم التجربة قاسية جدًا، والاضطهاد سيكون مُرًَّا جدًا... فهو كأنه يصيح قائلًا: أنت يا بطرس تضع نفسه عني، وتقول أنك لا تخاف بالمرة من هذا الأمر...؟ أنت لا تعرف الثقيل الفظيع للتجربة القادمة... أن قلبك سيخونك كلية..."... فهو إذ تنبأ أن قوة شجاعة بطرس ليست متكافئة مع نغمة تأكيداته الغيورة، وأنه سوف يسقط وينهار تمامًا حتى أنه يستسلم بمجرد الإنذار بالخطر المقبل... أن طبيعة الإنسان كانت لا تزال ضعيفة ولا تستطيع تحمل خطر الموت، فالموت لم يكن قد جرد من قوته بعد بواسطة القيامة... أما الآن بعد أن حطم مُخلصنا رباطات الموت، فإن اقتراب الموت يكون مُبهجًا للذين يحبون المسيح، رغم أنه قد يأتي مصحوبًا بمرارة وألم، لأن الحياة الأبدية قد حلت مكان الموت، مُحطمة قوة الفساد" (361). قال السيد المسيح لبطرس: " حَيْثُ أَذْهَبُ لاَ تَقْدِرُ الآنَ أَنْ تَتْبَعَنِي وَلكِنَّكَ سَتَتْبَعُنِي أَخِيرًا" (يو 13: 36) وفعلًا تحقق هذا، فبطرس الذي خشى الموت وارتعب وجدف، بعد القيامة واجه رؤساء الكهنة وأعضاء مجمع السنهدريم ولم يخشى الموت، وعندما قبض عليه هيرودس وأودعه السجن ليذبحه، كان نائمًا مطمئنًا. يقول "وليم باركلي" عن نظرة الرب يسوع لبطرس: " إنه يرى البطل المغوار في الرعديد الجبان"(362).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(351) إنجيل يوحنا، ص223.

(354) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص120، 121.

(355) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص248، 249.

(356) أورده الأب أندره سكريما - دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص257.

(358) ترجمة دكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص302.

(359) الكنز الجليل في تفسير الإنجيل - إنجيل يوحنا، ص159.

(360) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص132، 133.

(361) المرجع السابق، ص135، 136.

(362) ترجمة دكتور عزت زكي - شرح بشارة يوحنا، جـ2، ص307.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/740.html

تقصير الرابط:
tak.la/6ctaxhz