St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

741- كيف تتغافل الأناجيل الإزائية الحديث الوداعي للسيد المسيح (يو ص14-16) وصلاته الوداعية (يو ص17)؟ وهل عندما قال السيد المسيح: " فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ" (يو 14: 2) كان يقصد الأماكن أو المكانات؟ وهل هناك أماكن كثيرة أم أنه سيمضي ليعد لهم مكاناً (يو 14: 2)؟ وهل السيد المسيح هو الطريق بحسب بشريته، وهو الحق والحياة بحسب لاهوته كقول توما الأكويني؟ وهل يصح القول بأن الطريق يؤدي إلى الحق، والحق يؤدي للحياة (يو 14: 6)؟ وعندما قال السيد المسيح: " لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ" (يو 14: 7) فهل فعلاً رأى التلاميذ الآب؟

 

سؤال 741: كيف تتغافل الأناجيل الإزائية الحديث الوداعي للسيد المسيح (يو 14- 16) وصلاته الوداعية (يو 17)؟ وهل عندما قال السيد المسيح: " فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ" (يو 14: 2) كان يقصد الأماكن أو المكانات؟ وهل هناك أماكن كثيرة أم أنه سيمضي ليعد لهم مكانًا (يو 14: 2)؟ وهل السيد المسيح هو الطريق بحسب بشريته، وهو الحق والحياة بحسب لاهوته كقول توما الأكويني؟ وهل يصح القول بأن الطريق يؤدي إلى الحق، والحق يؤدي للحياة (يو 14: 6)؟ وعندما قال السيد المسيح: " لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ" (يو 14: 7) فهل فعلًا رأى التلاميذ الآب؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: كيف تتغافل الأناجيل الإزائية الحديث الوداعي للسيد المسيح (يو 14-16) وصلاته الوداعية (يو 17)؟... أثار هذا النقد "دكتور موريس بوكاي" ثم قال: "ولنقل فورًا أنه لا يمكن الإتيان بأية إجابة، فاللغز يستغلق تمامًا بالنسبة لهذه الثغرة الكبيرة في رواية المُبشرين الثلاثى الأولى" (363). وقد تغافل أن الأناجيل الأربعة تتكامل فيما بينها، فهو إنجيل واحد اشترك في كتابته أربعة أشخاص، ولكل كاتب انفراداته، والحديث الوداعي والصلاة الوداعية ليس هم الانفراد الوحيد ليوحنا الإنجيلي، فقد انفرد بنحو 90% مما جاء في إنجيله، مثل المقدمة الرائعة التي بدأ بها الإنجيل (يو 1: 1-18)، ومعجزة قانا الجليل ومريض بيت حسدا، والمولود أعمى، وإقامة لعازر، والأحاديث مع نيقوديموس والسامرية... إلخ. فهل يُعقل التشكيك في كل هذه الانفرادات؟!! وقد ناقشنا هذا الموضوع من قبل بالتفصيل، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س634. ولماذا يتغافل دكتور موريس بوكاي أن القرآن كله جاء عن طريق شخص واحد، وكثير من القصص والأحداث ذُكرت مرة واحدة مثل قصة أهل الكهف، فلماذا لم يقل عنها أنها لغز مُستغلق؟! وإن كان مقياس التصديق هو التكرار، فلما يرفض هذا الناقد قصة الصلب التي تحدث عنها الأناجيل الأربعة بالتفصيل؟!!

 

ثانيًا: هل عندما قال السيد المسيح: " فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ" (يو 14: 2) كان يقصد الأماكن أو المكانات...؟

1- يقصد الاثنين معًا المكان والمكانة، فكل إنسان عاش حسب وصايا الإنجيل فإن له مكانًا في السماء وأيضًا مكانة، ولن تضيق السماء بأحد القديسين، ولن يُرفض إنسان أمين عاش بحسب الوصايا الإلهيَّة من سكنى الملكوت، فالملكوت يكفي ويتسع جميع الأبرار. هذا من جانب، ومن جانب آخر سيقف كل إنسان أمين أمام الديان العادل ليُكافأ عن كل ما صنعه، وجزاء ومكافأة ومكانة كل واحد تتناسب مع تعبه وعمله وبذله وتضحيته، بل تفوق هذا بما لا يُقاس، لأن كل تعب الإنسان زمني، أما المكافآت فأبدية: " فَإِنِّي أَحْسِبُ أَنَّ آلاَمَ الزَّمَانِ الْحَاضِرِ لاَ تُقَاسُ بِالْمَجْدِ الْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا" (رو 8: 18). مبدأ المجازاة يُعد خطًا واضحًا في الكتاب المقدَّس:

† " فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ" (مت 16: 27).

" كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ" (1 كو 3: 8).

" لأَنَّ نَجْمًا يَمْتَازُ عَنْ نَجْمٍ فِي الْمَجْدِ" (1 كو 15: 41).

" وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعًا وَأُجْرَتِي مَعِي لأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ " (رؤ 22: 12).

2- هل هناك أماكن كثيرة أم أنه سيمضي ليعد لهم مكانًا...؟ قال السيد المسيح: " فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ" (يو 14: 2) فهو يؤكد أن الأماكن مُعدة وأنها كثيرة تكفي جميع القديسين. ثم قال: " أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ" (يو 14: 2-3)، وبحسب تفسير بعض الآباء فإن المقصود بالإعداد هنا هو تهيئة وإعداد الطريق للملكوت. يقول "القديس كيرلس الكبير": " يقول لهم أنه يوجد في بيت أبيه منازل كثيرة... معلمًا (مُعلنًا) لهم بهذا أن السماء واسعة جدًا وتكفي الجميع... فلو أن المنازل في بيت اللَّه الآب لم تكن كثيرة العدد، لكان قد قال أنه ماضٍ قبلهم، أي ليعد مُقدمًا مساكن للقديسين، ولكنه لأنه يعلم أن هذه المنازل كثيرة، وهيَ مُعدة تمامًا في انتظار وصول الذين يحبون اللَّه، لذلك يقول أنه سيمضي ليس لإعداد منازل، ولكن لأجل تأمين وجود الطريق المؤدي إلى المنازل التي في الأعالي، أي ليجهز عبورًا آمنًا " لَكُمْ "، وليُمهد الطريق الذي كان مُغلقًا كلية في القديم. فقد كانت السماء في السابق غير ممكن الدخول إليها بالنسبة "للإنسان المائت"، ولم يكن أحد ذو جسد قد دخل إلى المجال النقي والكلي القداسة حيث يوجد الملائكة، ولكن المسيح هو الأول الذي كرَّس لنا طريقًا للدخول إلى نفسه، ووهب للإنسان طريقًا للدخول إلى السماء، مُقدمًا نفسه قربانًا للَّه الآب "كباكورة للراقدين" (انظر 1 كو 15: 20) والذين كانوا في القبور، وهو الأول بين جنس البشر الذي ظهر في السماء على الإطلاق" (364).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت. 

 

ثالثًا: هل السيد المسيح هو الطريق بحسب بشريته، وهو الحق والحياة بحسب لاهوته كقول توما الأكويني؟ وهل يصح القول بأن الطريق يؤدي إلى الحق، والحق يؤدي للحياة (يو 14: 6)...؟ هدأ السيد المسيح تلاميذه في ليلة آلامه قائلًا لهم: " لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ باللَّه فَآمِنُوا بِي... وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ" (يو 14: 1، 4)... " قَالَ لَهُ تُومَا يَا سَيِّدُ لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ" (يو 14: 5)، فقد ظن توما أن السيد المسيح سيلجأ إلى مكان هادئ بعيدًا عن الضجيج مثل الصحراء أو أحد قمم الجبال ليختلي مثلما فعل قديمًا إبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى ويشوع وجدعون وإيليا وإشعياء وحزقيال ويونان، وتوما هو صاحب العقل المُفكر والمُجادل أثار هنا تساؤلًا منطقيًا، فالسيد المسيح يقول لتلاميذه: " وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ" أما توما فقال له: " يَا سَيِّدُ لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ" (يو 14: 5)، فمن المفروض أن الإنسان يعرف المكان الذي يقصده ثم يحدد الطريق الأنسب للوصول إليه، وفوجئ توما برد السيد المسيح، إذ لم يحدد المكان الذي سيذهب إليه، إنما أشار لهم إلى شخصه قائلًا: " أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ" (يو 14: 6). وهو يقصد أنه هو اللَّه الابن " أَنَا هُوَ" ولا يستطيع أي إنسان أن يصل إلى اللَّه إلاَّ عن طريقه، فهو الطريق الوحيد للَّه الآب. يقول "القديس أغسطينوس": " يقول الرب أنهم يعرفون الأمرين (أين هو يذهب، وما هو الطريق)، أما (توما) فيعلن أنه لا يعرفهما، أي لم يعرف الموضع الذي يذهب إليه (السيد) والطريق للبلوغ إليه. لم يعرف (توما) أنه ينطق بكلمات باطلة، إذ هم يعلمون ذلك، لكن لا يعرفون أنهم يعلمون. فالسيد يقنعهم بأنهم بالفعل عرفوا ما يظنون أنهم يجهلونه، إذ يقول: " أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ " (يو 14: 6)... إذ عرفوا الذي هو الحق، فإنهم يعرفون الحق. إذ عرفوا ذاك الذي هو الحياة، فقد عرفوا الحياة. انظروا لقد اقتنعوا أنهم عرفوا ما لم يعرفوا أنهم عرفوه" (365).

أما عن قول توما الأكويني بأن السيد المسيح هو الطريق بحسب بشريته، وهو الحق والحياة بحسب لاهوته، فنقول أنه لا يمكن تمزيق المسيح إلى ناسوت ولاهوت بعد الاتحاد، فلا يمكن تصوُّر الناسوت بدون اللاهوت، ولا اللاهوت بدون الناسوت. عندما قال السيد المسيح " أَنَا هُوَ" فقد عبّر عن كيانه الذاتي بدون أن يُفرق بين لاهوته وناسوته، فهو شخص واحد وليس شخصين، هو طبيعة واحدة من طبيعتين. ولو قال أحد أن السيد المسيح هو الطريق بحسب بشريته، فهل معنى هذا أنه ليس هو الطريق بحسب لاهوته؟! ولو قال أحد أن السيد المسيح هو الحق والحياة بحسب لاهوته، فهل معنى هذا أنه ليس الحق والحياة بحسب ناسوته؟!

أيضًا القول بأن الطريق يؤدي إلى الحق، والحق يؤدي إلى الحياة، فيه خلط، لأن السيد المسيح هو الطريق المؤدي للآب، لذلك استكمل الآية قائلًا: " لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي" (يو 14: 6) فهو الطريق الوحيد والباب الوحيد المؤدي للَّه الآب. وفي السيد المسيح (الطريق) نجد الحق والحياة، ففيه استعلان الحق الإلهي، وفيه نبع الحياة: " مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا" (يو 11: 25). يقول "الأب متى المسكين": " يرى بعض علماء اللاهوت الغربيين أن "الطريق" هو الأساس، ويأتي بعد ذلك "الحق" و"الحياة"، بمعنى أن المسيح هو الطريق، وأن الحق والحياة هما مجرد شرح للطريق، وهذا خلط لا ينبغي أن يكون. والخطأ واضح هنا، لأن المسيح اتخذ كلًا من الطريق والحق والحياة معيارًا لاهوتيًا قائمًا بذاته، وكلًا بمفرده جعله هويته، أي منسوبًا لذاته وكأنه هو، بمعنى: أنا هو الطريق، أنا هو الحق، أنا هو الحياة! فالطريق والحق والحياة لم تعد صفات في ذاتها يمكن التمايز والتواصل بينها، بل صفات لذاته. وذاته يستحيل التمايز فيها ما هو أول وثانٍ وثالث. هذه الصفات التي اتخذها هوية ذاتية له، طرحها أمام تلاميذه لتكون ملكًا لهم بالإيمان به. فيعرفون الطريق به، ويعرفون الحق فيه، ويعرفون الحياة معه، والمعرفة في الإلهيات خبرة ومُمارسة وشركة وهكذا يطرح المسيح أمامهم معرفته، لتكون لهم منهجًا كاملًا للحياة الأبدية مع اللَّه" (366).

 

رابعًا: قال السيد المسيح: " لَوْ كُنْتُمْ قَدْ عَرَفْتُمُونِي لَعَرَفْتُمْ أَبِي أَيْضًا. وَمِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ" (يو 14: 7) فهل فعلًا رأى التلاميذ الآب...؟ اللَّه الآب لم يره أحد قط: " الله لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ" (يو 1: 18) وقديمًا عند طلب موسى أن يراه: " وَقَالَ لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَاني وَيَعِيشُ" (خر 33: 20). ولكننا رأينا الآب غير المنظور في صورة ابنه المنظور، فالابن من نفس طبيعة وجوهر وكيان الآب، لذلك قال: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) واحد في الجوهر الإلهي وليس في الأقنومية، فالابن هو " بَهَاءُ مَجْدِهِ وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ" (عب 1: 3)، وفي تجسده أعلن لنا الآب: " الابن الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو 1: 18)... " وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ مَنْ هُوَ الابن إِلاَّ الآبُ وَلاَ مَنْ هُوَ الآبُ إِلاَّ الابن وَمَنْ أَرَادَ الابن أَنْ يُعْلِنَ لَهُ" (لو 10: 22). لذلك عندما قال فيلبس للسيد المسيح: " يَا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا. قَالَ لَهُ يَسُوعُ أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ" (يو 14: 8-9)، وحديث السيد المسيح مع فيلبس لا يخلو من رنة الألم والحزن، فما دمت يا فيلبس لم تعرف الآب للآن، فأنك لا تعرف شخصيتي وهويتي، لأني في الآب، والآب فيَّ، والروح القدس هو روحي وروح الآب، وأقوالي وأعمالي ترجع للآب الكائن في: " الْكَلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي لكِنَّ الآبَ الْحَالَّ فِيَّ هُوَ يَعْمَلُ الأَعْمَالَ" (يو 14: 10). يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " ربما يسأل فيلبس... أنا أطلب أن أرى إياك، وأنت تقول لي: لم تعرفني؟ أية علاقة بين هذا وبين السؤال؟ بالتأكيد العلاقة وثيقة جدًا. فإن كان هذا (الابن) هو الذي له الآب وما زال هو الابن فإنه من خلاله يعرف الذي ولده. فمن أجل التمييز بين الأقنومين يقول: "اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ" لئلا يظن أحد أن الآب نفسه هو الابن بعينه. لماذا لم يجبه: أنت تطلب أمورًا مستحيلة لا يُسمح بها لإنسان، وإنما هيَ مُمكنة لي وحدي... بل انتهره قائلًا: "أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ؟". لقد تمتعت بمثل هذا التعليم، ورأيت المعجزات التي فعلتها بسلطان، وكل ما يخص اللاهوت، التي يفعلها الآب وحده من غفران للخطايا وإعلان عن الأسرار الخفية وإقامة من الموت، وخلقة من التراب، ولم تعرفني؟" (367).

ويقول "القمص تادرس يعقوب": " لقد حسب السيد المسيح أن من رآه فقد رأى الآب، وذلك أن اكتشف حقيقة السيد. لهذا عاتب السيد المسيح فيلبس لأنه لم يعرفه بعد عِشرة دامت حوالي ثلاث سنوات. أنه لم يلمه لأنه يشتهي رؤية الآب، وإنما لأنه لم يُدرك من هو المسيح، وبالتالي لم يستطع طوال هذه المدة أن يتمتع برؤية الآب، ولم يُدرك أن ملء اللاهوت في المسيح جسديًا (كو 2: 9)، فالآب هو فيه في كمال لاهوته. ما يعمله السيد المسيح يشترك فيه الآب بكونه العمل الإلهي الواحد" (368).

وإن كان من المستحيل أن الإنسان المحدود أن يرى اللَّه الغير محدود، لكن الإنسان يستطيع أن يرى الآب من خلال ابنه المتجسد، ولذلك قال السيد المسيح لتلاميذه: " مِنَ الآنَ تَعْرِفُونَهُ وَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ" (يو 14: 7). وقوله "مِنَ الآنَ" أي من هذه اللحظات التي دخلت فيها قضية الصليب حيز التنفيذ. وفعل " تَعْرِفُونَهُ" في الأصل اليوناني جاء في زمن المضارع القابل للامتداد، أي تعرفونه من لحظات الصلب وامتدادًا للقيامة والصعود: " الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ الله فِيهِ" (يو 13: 31)، وقال يوحنا الحبيب في رسالته: " أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، لأَنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الآبَ" (1 يو 2: 13).

لقد عاينا عمق المحبة الإلهيَّة للَّه الآب في صليب ابنه. من السهل أن يتصوّر الإنسان إلهًا قويًا جبارًا مُتسلطًا يسحق ويمحق من يقف أمامه، لكن عندما نواجه إلهًا يبذل ابنه الحبيب الوحيد الجنس على مذبح صليب الهوان والموت، فأي حُب هذا؟!! وهل بعد هذا يقول أحد أنني لا أعرف الآب؟! أن السيد المسيح قدم لنا تعاليم اللَّه الآب، وقلب الآب، ومشاعر الآب، ورأينا محبة وحنو وعطف وشفقة الآب عندما فتح الابن أعين العميان وفتح أذان الصُم وطهر البرَّص وأقام المُقعدين والموتى.

 

ويقول "القديس كيرلس الكبير": " وكأن المسيح يقول: لو كان الآب قد كلمكم بأي شيء، لما قال كلمات أخرى غير هذه التي أتكلم أنا بها الآن... أن كلامي هو كلامه، وكل ما أعمله هو أعماله نفسها، لأنه "حَالَّ فِيَّ"... فحيث أن الألوهية واحدة في الآب وفي الابن وفي الروح القدس، فكل كلمة تأتي من الآب، إنما يأتي بالابن بواسطة الروح... الابن لكونه في الآب، والآب فيه أيضًا، فهو يقول أن الآب هو الذي يعمل الأعمال... هو يقول: " لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ مِنْ نَفْسِي"، ويعني "بدون أي انفصال أو عدم اتفاق مع اللَّه الآب"... لا تظنوا أن امتيازًا عظيمًا وغير عادي قد مُنح للناس القدماء برؤيتهم للَّه في منظر نار، وسماعهم صوته مُتكلمًا إليهم. فأنتم بالحقيقة قد رأيتم الآب من خلالي وفيَّ، حيث إني قد ظهرت بينكم، وأنا اللَّه بطبيعتي، وقد أتيت منظورًا بحسب كلمات المُرنم (انظر مز 49: 3) [سبعينية] وتيقنوا تمامًا أنكم بسماعكم كلامي فأنتم قد سمعتم كلام الآب، وقد صرتم شاهدين لأعماله، وللقدرة التي فيه. لأن الآب يتكلم بواسطتي، إذ إني أنا كلمته، وبي أيضًا هو يُجري ويُنجز أعماله المعجزية، كما بقوته الذاتية الخاصة به" (369).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(363) القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، ص125.

(364) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص143.

(366) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص827.

(368) المرجع السابق، ص952.

(369) ترجمة دكتور نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص166.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/741.html

تقصير الرابط:
tak.la/kx75xbd