سؤال 731: لماذا لم يرد "عِيدُ التَّجْدِيدِ" (يو 10: 22) ضمن الأعياد اليهودية الطقسية؟ وهل قول السيد المسيح: " وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي" (يو 10: 26) يُلقي تبعية المسئولية على الله الذي لم يختارهم ليكونوا من خرافه؟ وهل هناك فرقًا بين يد المسيح: " وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي" (يو 10: 28) ويد الله: " وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي" (يو 10: 29)، أم أن يد المسيح هيَ يد الله؟ ولماذا قال السيد المسيح: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) ولم يقل: أنا الله فاعبدوني؟ وكيف يصير الإنسان إلهًا كقول السيد المسيح: " أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ" (يو 10: 34)؟

ج: أولًا: لماذا لم يرد "عِيدُ التَّجْدِيدِ" (يو 10: 22) ضمن الأعياد اليهودية الطقسية؟ لم يرد اسم "عِيدُ التَّجْدِيدِ" ضمن الأعياد اليهودية الطقسية، ولم يرد لا في توراة موسى ولا في أسفار الأنبياء، ولا في أي سفر من الأسفار القانونية سوى سفر المكابيين الأول (1مك 4: 59)، لأنه بدأ الاحتفال به في القرن الثاني الميلادي، ولم يكن معروفًا قبل هذا التاريخ، ولم يرد ضمن الأعياد السبعة الطقسية، وهيَ:
1- عيد الفصح: وهو أول الأعياد الطقسية يوم 14 من الشهر الأول، وبه إشارات واضحة للمسيح المصلوب " لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا" (1 كو 5: 7).
2- عيد الفطير: وهو يعقب عيد الفصح مباشرة، حتى أن كلا العيدين كان يُسميان بعيد الفصح أو عيد الفطير، ومدتهما ثمانية أيام، اليوم الأول الفصح والسبعة التالية الفطير، وخلال عيد الفطير يختفي الخمير من البيوت تمامًا، ويأكلون خبزًا غير مُختمر يذكرهم بالخبز الذي أخذوه معهم من أرض مصر عند الخروج المفاجئ لهم، والخميرة تشير هنا للشر: " إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ" (1 كو 5: 8).
3- عيد الباكورات: حيث يُقدِّمون باكورة حزم الحصاد في أول يوم أحد بعد الفصح، وباكورة الحصاد تشير للمسيح القائم من الأموات، فهو " بَاكُورَةَ الرَّاقِدِينَ" (1 كو 15: 20).
4- عيد الخمسين: ويأتي بعد خمسين يومًا من تقديم حزمة الترديد، ويشير إلى حلول الروح القدس وتكوين الكنيسة.
5- عيد الأبواق: يوافق اليوم الخامس من الشهر السابع، ويشير إلى رجوع الشعب اليهودي للَّـه.
6- يوم الكفارة العظيم: يوافق اليوم العاشر من الشهر السابع، وهو يشير إلى يوم الجمعة العظيمة، يوم صلب مُخلصنا الصالح.
7- عيد المظال: وهو آخر الأعياد، ويأتي في الخريف من اليوم الخامس عشر من الشهر السابع لمدة سبعة أيام (ويوافق سبتمبر/ أكتوبر) حيث يتركون منازلهم ويعيشون في مظال ذكرى حياتهم في البرية.
فواضح أن "عِيدُ التَّجْدِيدِ" لا يدخل ضمن الأعياد اليهودية الطقسية، إنما هو عيد مُستجد، مثله مثل "عيد الفوريم" الذي استحدثه الشعب كذكرى لنجاتهم من المذبحة التي دبرها هامان لإبادة جميع اليهود في كل الأرض في أيام الملك أحشويرس وأنقذهم اللَّه بيد أستير الملكة ومردخاي، كما هو واضح في الأصحاح الثامن من سفر أستير.
أما "عِيدُ التَّجْدِيدِ" فيذكر لنا التاريخ، ولا سيما في سفري المكابيين أن "أنطيوخس أبيفانيوس" مَلَكَ على سوريا (175-164 ق.م) وقد عشق الثقافة اليونانية الهلينية، وأراد أن يفرضها على كافة أرجاء مُلكه، بما فيهم اليهود بديانتهم وثقافتهم العبرية، وحاول أولًا تطبيق سياسته في التأغرق (أي نشر الثقافة الإغريقية) بالطرق السلمية والترغيب، فوجد ترحيبًا من بعض اليهود، بينما رفض غالبية اليهود هذا الغزو الديني الثقافي، فحشد جنوده وحاصر أورشليم سنة 170ق.م، وعندما اقتحمها نجس الهيكل إذ ذبح خنازير على مذبح المحرقة لينجسه، وحطم محتويات الهيكل مثل مذبح الذهب ومنارة النور ومائدة خبز الوجوه ومجامر الذهب وغيرها، واستباح جنوده الهيكل فسكروا وعربدوا ومارسوا الدعارة في مخادع الهيكل من خلال عبادتهم لإلههم "باخوس"، وأقام تمثالًا للإله زيوس في منطقة الهيكل، ونهب خزائنه نحو 1800 وزنة من الذهب، وأمر بحرق الكتب المقدَّسة، وكل من يحتفظ بورقة منها يُذبح، ومنع اليهود من مُمارسة الختان، والأم التي تختن أطفالها تُصلب ويُعلق أطفالها في رقبتها، ومنع تقديم الذبائح والاحتفال بالأعياد وعطل العبادة في الهيكل تمامًا، وقتل عشرات الآلاف من اليهود، حتى أنهم تواروا في كهوف الجبال والمغائر، وقاد المقاومة متأثيًا الكاهن وأبناؤه الخمسة وأشهرهم البطل المغوار يهوذا المكابي الذي حرّر الأرض سنة 164 ق.م، وطهَّر الهيكل وأعاد العبادة، وأقاموا احتفالات عظيمة على مدار ثمانية أيام، وأخذوا يحتفلون بهذه الذكرى من عام إلى عام ابتدأ من 25 كانون الأول (يقابل 19 ديسمبر) في الشتاء (1 مك 4: 36-61). وكان اليهود يحتفلون بهذا العيد على مدار ثمانية أيام يُضاء خلالها الهيكل، وأيضًا مساكن أورشليم، والأنوار علامة البهجة. ويُدعى عيد التجديد "الحنُّوكا" Hanukkah أي التدشين نظرًا لإعادة تدشين الهيكل، كما دُعيَ "عيد الأنوار"، وكان اليهود يفرحون ويسرون بهذا العيد ذكرى الخلاص الذي صنعه اللَّه على يد يهوذا المكابي، وينتظرون الخلاص الأكبر الذي سيصنعه المسيا عندما يأتي، وقد جاء السيد إلى هيكله أمَّا خاصته فلم تعرفه ورفضته لأنهم ليسوا من خرافه الخاصة. جاء المسيا ودخل إلى الهيكل في عيد التجديد، آخر عيد عيده السيد المسيح قبل صلبه بنحو ثلاثة أشهر سنة 29م. دخل الهيكل وكان يتمشى بسبب برودة الجو في رواق سليمان.
ثانيًا: هل قول السيد المسيح: " وَلكِنَّكُمْ لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ لأَنَّكُـمْ لَسْتُمْ مِنْ خِرَافِي" (يو 10: 26) يُلقي تبعية المسئولية على الله الذي لم يختارهم ليكونوا من خرافه...؟ اللَّه بسابق علمه يعلم من هم له، الذين سيؤمنون به ويخلصون، لذلك اختارهم قبل أن يولدوا، بل قبل تأسيس العالم: " كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ" (أف 1: 4). والاختيار ليس لشخص دون الآخر، ولا لفئة دون الأخرى، لأن اللَّه: " يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ" (1تي 2: 4)... " هَلْ مَسَرَّةً أُسَرُّ بِمَوْتِ الشِّرِّيرِ يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. أَلاَ بِرُجُوعِهِ عَنْ طُرُقِهِ فَيَحْيَا" (حز 18: 23) (راجع أع 17: 30؛ 2بط 3: 9). الذي يحدد مصير الإنسان، هذا للملكوت وهذا خارج الملكوت، ليس علم اللَّه السابق، إنما كل إنسان يُحدّد مصيره بنفسه من خلال إيمانه وأعماله. وقد سبق لنا مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: رسالة أفسس - الأصحاح الأول ص40-42). يقول "وليم باركلي": "هذه العقيدة، عقيدة الاختيار تثير أكثر من مشكل في أذهان الناس، وفي العهد الجديد، نستطيع أن نرى الاختيار المسبَّق، والإرادة الحرة، تتمشيان جنبًا إلى جنب. فكل شيء في الوجود، يتم في حدود دائرة مقاصد اللَّه وترتيبه، لكنه في نفس الوقت يحدث، بحيث يفسح المجال لمسئولية الإنسان في حدوثه، ومديونيته أمام اللَّه. فترتيب اللَّه صحيح، ولكنه لا ينفي إرادة الإنسان الحرة. هؤلاء اليهود، علم اللَّه منذ البدء، ورتب، أنهم لا يقبلوا "يسوع". ومع ذلك كما يؤكد البشير، لن يكون في ذلك عذر لهم، أو ذريعة لتخفيف المسئولية والمذنوبية الواقعة عليهم. وهناك فريق غير أولئك، فتح الصدر لقبول يسوع" (294).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل هناك فرقًا بين يد المسيح: " وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ من يَدِي" (يو 10: 28) ويد الله: " وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي" (يو 10: 29)، أم أن يد المسيح هيَ يد الله...؟ نسب السيد المسيح الحفظ تارة لنفسه (يو 10: 28)، وتارة للآب (يو 10: 29) وإن تساءل أحد: هل الحفظ للابن أم للآب؟ نجد الإجابة في الآية التالية مباشرة: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) واحد في الطبيعة الإلهية الواحدة، فعندما اتهم اليهود السيد المسيح بأنه يخالف مشيئة اللَّه الآب أوضح وحدانية الكيان الإلهي بينه وبين الآب، وأنه يطيع مشيئة الآب: " هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي" (يو 10: 18). إذا نظرنا لليد على أنها قوة اللَّه وقدرته، فقوة اللَّه واحدة، قوة الابن هيَ قوة الآب، قوة اللاهوت غير المحدودة، وإذا نظرنا لليد من منظار التجسد الإلهي، فإننا نجد أن أقنوم الكلمة المتجسد هو ذراع اللَّه: " يَمِينُكَ يَا رَبُّ مُعْتَزَّةٌ بِالْقُدْرَةِ يَمِينُكَ يَا رَبُّ تُحَطِّمُ الْعَدُوَّ" (خر 15: 6)... " خَلَّصَتْهُ يَمِينُهُ وَذِرَاعُ قُدْسِهِ" (مز 98: 1)... " فَرَأَى أَنَّهُ لَيْسَ إِنْسَانٌ وَتَحَيَّرَ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ شَفِيعٌ. فَخَلَّصَتْ ذِرَاعُهُ لِنَفْسِهِ" (إش 59: 16) (راجع إش 63: 5). يقول "القديس أغسطينوس": " هل للآب والابن يد واحدة، أم نقول أن الابن نفسه هو يد الآب؟ إن كنا نفهم باليد القوة فإن قوة الآب والابن واحدة، ولكن إن كنا نعني باليد بالطريقة التي تكلم بها النبي: "وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ" (إش 53: 1) فإن ذراع الآب هو الابن نفسه، ليس بالمعنى الذي به نفهم أن اللَّه شكل بشري، أو له أعضاء جسمية، وإنما به كل شيء كان" (295).
رابعًا: لماذا قال السيد المسيح: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) ولم يقل: أنا الله فاعبدوني...؟ لم يعلن السيد المسيح عن لاهوته بصورة مباشرة، ولم يقل للناس: أنا اللَّه فاعبدوني، لعدة أسباب:
1- هل تدري رد فعل اليهود لو ظهر شخص حتى لو كان نبيًا أو أعظم من نبي، مهما بلغت عظمته وقال: أنا اللَّه فاعبدوني؟! حتمًا كانوا سينقضون عليه ويقتلونه، غيرة منهم على مجد اللَّه " وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ" (لا 24: 16) وبالرغم من أن السيد المسيح عمل أعمالًا عجيبة لا يعملها إلاَّ اللَّه وحده، مثل معجزات الخلق، ولكن عندما قال لهم " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" فعلى الفور: " فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ" (يو 10: 31). فلو قال لهم صراحة: أنا اللَّه فاعبدوني لقتلوه قبل أن يُكمل رسالته التي تجسد من أجلها، وهيَ أن يُعرّف البشرية باللَّه الآب، وأن يُسفك دمه كذبيحة حية على عود الصليب، فإنه لم يأتِ ليموت رجمًا بالأحجار.
2- من المعروف أن السيد المسيح في فترة تجسده: " أَخْلَى نَفْسَهُ آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ" (في 2: 7). كما أنه أخفى لاهوته عن الشيطان، لأنه لو أعلن لاهوته، من كان يجرؤ على مقاومته أو محاولة قتله؟!! وهل كان الشيطان يجرؤ على التحريض لقتله؟! أو هل كان يجرؤ على الهجوم عليه في ساعة موته لينتزع روحه منه؟!! وقال الكتاب: " لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ" (1 كو 2: 8)، وقالت الشياطين: " أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله فَانْتَهَرَهُمْ وَلَمْ يَدَعْهُمْ يَتَكَلَّمُونَ لأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ أَنَّهُ الْمَسِيحُ" (لو 4: 41). ومعرفة الشياطين بالمسيح معرفة تشكيكية وليست معرفة يقينية. لقد بذل الشيطان قصارى جهده ليعرف إن كان السيد المسيح هو ابن اللَّه الحقيقي، أم أنه ابن اللَّه مجازًا كقول الإنجيل عن آدم " آدَمَ ابْنِ الله" (لو 3: 38) وعجز وفشل وسقط في الفخ الذي نصبه له ابن اللَّه، إذ اصطاده بالصليب وقيده وجرده من سلطانه، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى كتابنا "أسئلة حول الصليب" س19.
3- من يتمعن في تعبير: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" يدري أنه يُعادل قول السيد المسيح أنا معادل ومساوي للَّه، وبما أن اللَّه واحد، إذًا فأنا هو اللَّه، ولذلك كثيرًا ما قال عن نفسه "أنا هو" أي أنا "يهوه" ومن هو يهوه غير اللَّه ذاته؟!! أيضًا من يُماثل أو يعادل اللَّه، فلا يوجد أي كائن آخر في الوجود كله يمكن مقارنته باللَّه، ولذلك قال اللَّه: " فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَ الله وَأَيَّ شَبَهٍ تُعَادِلُـونَ بِهِ" (إش 40: 18)... " فَبِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي فَأُسَاوِيهِ يَقُولُ الْقُدُّوسُ" (إش 40: 25)... "بِمَنْ تُشَبِّهُونَنِي وَتُسَوُّونَنِي وَتُمَثِّلُونَنِي لِنَتَشَابَهَ" (إش 46: 5).
4- عندما قال السيد المسيح: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" أيد أقواله بأعماله، فقد صنع أعمالًا لا يصنعها أي كائن آخر غير اللَّه، مثل الخلقة، وعلم الغيب، ومنح الحياة، ولهذا قال: " اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي" (يو 10: 25)... " وَلكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ" (يو 10: 38)... " صَدِّقُونِي أَنِّي فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ وَإِلاَّ فَصَدِّقُونِي لِسَبَبِ الأَعْمَالِ نَفْسِهَا" (يو 14: 11).
5- كلمة "الآب" استخدمها اليهود المُتأخرون ليدلوا بها على ذات اللَّه، فالآب (بالمَدة وليس بالهمزة) تعني اللَّه ذاته (راجع الأخ وحيد - المسيح اللوغوس كلمة اللَّه ص66). ولهذا أدرك اليهود على الفور معنى قول السيد المسيح: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" فيقول الإنجيل: " فَمِنْ أَجْلِ هذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ بَلْ قَالَ أَيْضًا إِنَّ الله أَبُوهُ مُعَادِلًا نَفْسَهُ بِاللَّـهِ" (يو 5: 18). واعتبروه أنه يُجدف إذ يؤلّه نفسه فحكموا عليه بالقتل.
6- عندما قال فيلبس للسيد المسيح: " يا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا. قَالَ لَهُ يَسُوعُ أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ. أَلَسْتَ تُؤْمِنُ أَنِّي أَنَا فِي الآبِ وَالآبَ فِيَّ" (يو 14: 8-10).
7- لم يقل السيد المسيح "اعبدوني"، ولكن عندما قُدّمت له العبادة لم يرفضها، بل قبلها، بينما ملاك سفر الرؤيا رفض قبول سجود العبادة من يوحنا الرائي (رؤ 19: 10). أما المولود أعمى عندما قال له السيد المسيح: " أَتُؤْمِنُ بِابْنِ الله. أَجَابَ ذَاكَ وَقَالَ مَنْ هُوَ يَا سَيِّدُ لأُومِنَ بِهِ؟ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ قَدْ رَأَيْتَهُ وَالَّذِي يَتَكَلَّمُ مَعَكَ هُوَ هُوَ. فَقَالَ أُومِنُ يَا سَيِّدُ. وَسَجَدَ لَهُ" (يو 9: 35-38). " وَالَّذِينَ فِي السَّفِينَةِ جَاءُوا وَسَجَدُوا لَهُ قَائِلِينَ بِالْحَقِيقَةِ أَنْتَ ابْنُ الله" (مت 14: 33). كما سجدت له أم ابني زبدي (مت 20: 20) والمريمتان فجر القيامة (مت 28: 9)... إلخ. قَبِل السيد المسيح سجود العبادة، وهو الذي قال للشيطان: " لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ" (مت 4: 10). ومن له أذنان للسمع فليسمع قبل أن يستيقظ من غفوته على الحقيقة بعد مرور الوقت.
خامسًا: كيف يصير الإنسان إلهًا كقول السيد المسيح: " أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ" (يو 10: 34)؟ ... احتج اليهود بشدة على دعوة السيد المسيح نفسه بأنه ابن اللَّه: " أَجَابَهُمْ يَسُوعُ أَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لأُولئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ الله وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ أَتَقُولُونَ لَهُ إِنَّكَ تُجَدِّفُ لأَنِّي قُلْتُ إِنِّي ابْـنُ اللَّـهِ" (يو 10: 34-36). وعندما قال: " مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ" لم يقصد بالناموس التوراة فقط أي أسفار موسى الخمسة، إنما قصد الناموس بالمعنى الواسع أن التوراة والمزامير والأنبياء، جميع الأسفار القانونية، فعندما قال: " مَكْتُوبًا فِي نَامُوسِكُمْ" كان يشير إلى قول اللَّه للقضاة في سفر المزامير: " أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ وَبَنُو الْعَلِيِّ كُلُّكُمْ" (مز 82: 6)، فقد دعاهم مجازًا آلهة لأن كلمة اللَّه صارت إليهم، وليس لأن طبيعتهم تغيَّرت وتحوَّلت إلى طبيعة إلهيَّة، ولذلك قال في الآية التالية مباشرة: " لكِنْ مِثْلَ النَّاسِ تَمُوتُونَ وَكَأَحَدِ الرُّؤَسَاءِ تَسْقُطُونَ" (مز 82: 7). فالسيد المسيح هنا يؤكد وأيضًا يشرح قول المزمور، فمن باب المجاز يمكن أن يدعي الكهنة والقضاة والحكام بأنهم آلهة، إذ لهم سلطان الحكم في القضايا، وهذه السلطة مُفوَّضة لهم من اللَّه (تث 1: 17؛ 19: 17) فقد استمدوا سلطانهم من السلطان الإلهي. وقد دعى اللَّه موسى إلهًا لهارون، فقال: " وَهُوَ يُكَلِّمُ الشَّعْبَ عَنْكَ. وَهُوَ يَكُونُ لَكَ فَمًا وَأَنْتَ تَكُونُ لَهُ إِلهً" (خر 4: 16) بمعنى أنك تعطه الكلام الذي يتكلم به. أيضًا: " فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى انْظُرْ أَنا جَعَلْتُكَ إِلهًا لِفِرْعَوْنَ" (خر 7: 1) أي كلمتك نافذة أمام فرعون وليس بمعنى أن فرعون سيؤلّه موسى ويعبده، إنما سينصاع إلى قوله، فبكلمة من فم موسى تحل الضربة بشعب مصر، وبكلمة منه تزول الضربة، كما أن هناك فرق بين كلمة "إله" و"اللَّه" لأن "اللَّه" واحد، أما إله فهيَ مثل "رب" يمكن أن تُطلّق على الإنسان كقولنا "رب البيت" و"رب الأبل". (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ 6 س593). قال إرميا النبي: " وَقَالَ الرَّبُّ لِي هَا قَدْ جَعَلْتُ كَلاَمِي فِي فَمِكَ. اُنْظُرْ قَدْ وَكَّلْتُكَ هذَا الْيَوْمَ عَلَى الشُّعُوبِ وَعَلَى الْمَمَالِكِ لِتَقْلَعَ وَتَهْدِمَ وَتُهْلِكَ وَتَنْقُضَ وَتَبْنِيَ وَتَغْرِسَ" (إر 1: 9-10).
ويقول "القديس كيرلس الكبير": " والآن إذ هو يوبخ اليهود... فهو يقول: "إن كنت بسبب قولي إني إله، أبدو (في نظركم) أني أُجدف، فلماذا حينما قال الآب بواسطة الناموس لبعض الناس "أنتم آلهة" لم تحكموا بأن هذا هو تجديف...؟ إن كان الناس الذين أُرسلت إليهم كلمة اللَّه، دعوا آلهة، وقد صاروا لامعين بكرامة الألوهية، بنوالهم وإدخالهم كلمة اللَّه إلى داخل نفسهم، فكيف لا يكون هو بالطبيعة إله ذلك الذي بواسطته صار هؤلاء آلهة، لأن الكلمة كان اللَّه بحسب قول يوحنا، والكلمة أيضًا هو الذي سكب هذا البهاء (بها المجد) على الآخرين" (296).
ويعلق "الدكتور القس إبراهيم سعيد" على قول السيد المسيح: " أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ" فيقول: " يقع هذا الاحتجاج المنطقي في حجتين مُتدرجتين، من الأدنى إلى الأعلى. الدرجة الأولى: إذا كان كتابكم الذي بين أيديكم قد قال عن قضائكم، وهم بشر مثلكم، أنهم آلهة (ألوهيم) (مز 82: 6)، ولم تستطيعوا أن تتهموا هذا الكتاب بالتجديف" لأنه "لاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ"، فعلى فرض إني لست سوى بشر كأحد قضاتكم، وقلت عن نفسي إني إله، فلماذا تتهمونني أنا بالتجديف مع إني لم أقل إلاَّ ما قاله كتابكم المعصوم؟ الدرجة الثانية: إذا جاز لكتابكم أن يخلع هذا اللقب الجليل على بشر، لأنهم كانوا يحكمون بِاسم الله، حال كونهم خطاة، وقد تكون أحكامهم خاطئة -كما يشهد بذلك العدد الثاني من ذات المزمور- فكم بالحري يحق لي أنا، أن أقول عن نفسي، إني ابن اللَّه، حال كوني أنا "الكلمة" الحي المعصوم، وقد قدسني الآب وكرسني منذ الأزل"(297).
وقال "القديس أثناسيوس" بنفس المنطق: " تأنس الإله ليؤلّه الإنسان"(298). وعندما خاطب السيد المسيح الآب: " لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِدًا كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا..." (يو 17: 21-22) ليس معنى هذا أننا صرنا شركاء في الجوهر الإلهي، أو أننا حزنا جوهر اللاهوت. الوحيد الذي مع الآب في الجوهر الإلهي هو ابنه الوحيد الجنس، ولذلك قال: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" واحد في الجوهر الإلهي مع الآب والروح القدس، وأيضًا واحد مع الآب في المشيئة والإرادة الصالحة، وكذلك واحد معه في العمل الإلهي، فكل شيء من الآب بالابن في الروح القدس، وقال القديس "أكليمنضس السكندري" أن اللَّه خلق الإنسان لكي يكون إلهًا، أي له السيادة التي أرادها اللَّه له (تك 1: 26-28) (الإنجيل للقديس يوحنا - اللجنة المشكلة بمعرفة البابا كيرلس السادس)، ويقول "وليم ماكدونالد": " فإن كانت التسمية "آلهة" قد أُطلقت في العهد القديم على القضاة الظالمين، فكم بالحري يحق له هو القول أنه ابن اللَّه. كانت كلمة اللَّه قد صارت إلى أولئك. أما هو فهو اللَّه. إلى ذلك (أولئك) لم يكن قط ليصح فيهم القول أن الآب قد قدَّسهم، وأرسلهم إلى العالم. فهم وُلِدوا في العالم، وذلك على غرار سائر أولاد آدم الساقطين. أمَّا يسوع، فكان اللَّه الآب قد قدَّسه منذ الأزل ليكون مُخلِّص العالم، كما أرسله إلى العالم من السماء، من حيث كان يُقيم دائمًا مع أبيه، لذا كان ليسوع كل الحق بأن ينسب لنفسه المساواة للَّه. كما أنه لم يكن يجدف عندما صرَّح بأنه ابن اللَّه، المساوي للآب. فإن كان اليهود قد درجوا على إطلاق التسمية "آلهة" على أناس فاسدين، كانوا مجرد ناطقين بِاسم اللَّه أو قضاته، فالأولى كثيرًا أن يحق للمسيح أن يستعمل هذا اللقب لنفسه، أي أنه كان وما يزال هو اللَّه" (299).
وقد قلب اليهود الحقيقة، فقالوا للسيد المسيح: " فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا" (يو 10: 33) بينما الحقيقة أنه هو الإله الذي ظهر في الهيئة كإنسان. أنه إله تأنس، وليس إنسانًا تألَّه، أما اليهود الأردياء فقد اعتبروه مجدّفًا: " وَمَنْ جَدَّفَ عَلَى اسْمِ الرَّبِّ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. يَرْجُمُهُ كُلُّ الْجَمَاعَةِ رَجْمًا..." (لا 24: 16) وأسرع بعضهم وأحضر أحجارًا من الوادي واستعدوا لرجمه " فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضًا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ" (يو 10: 31) وبلغ بهم العمى أنهم أرادوا رجمه في منطقة الهيكل التي لا يجوز الرجم فيها. أما السيد المسيح فقد قابل الموقف بهدوء بعيدًا عن روح الغضب محاولًا أن يفتح بصائرهم: " أَجَابَهُمْ يَسُوعُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي. بِسَبَبِ أَيِّ عَمَل مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي" (يو 10: 32). لو كنت مُجدفًا فكيف يصنع اللَّه هذه المعجزات الباهرات بواسطتي؟!! وعندما رأى السيد المسيح إصرار اليهود على قتله " فَطَلَبُوا أَيْضًا أَنْ يُمْسِكُوهُ فَخَرَجَ مِنْ أَيْدِيهِمْ" (يو 10: 39). خرج من منطقة الخطر بعيدًا عن الجو المُلتهب، ومضى هكذا، لم يجرؤ أحد أن يقذفه بحجر لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد: " وَمَضَى أَيْضًا إِلَى عَبْرِ الأُرْدُنِّ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِيهِ أَوَّلًا وَمَكَثَ هُنَاكَ" (يو 10: 40)، وفي هذه المنطقة الريفية الهادئة وجد حُبًا وترحيبًا وأمانًا لم يجدهم في أورشليم مدينة المؤامرات والدسائس. ويقول "الأب متى المسكين": "عجبي على هؤلاء اليهود! كم مرة حاولوا هذه المحاولة الفاشلة، ولكن إلحاحهم على التخلص منه يعكس مدى الضيق الذي ألَّم بهم بسبب الحق الظاهر في حياته وأعماله، والذي يوبخ ويدين حياتهم وأعمالهم. ولكن العجب الأكثر هو محاولتهم: "أن يمسكوه" مع أنه كان في التو يقول لهم أن لا أحد يقدر أن يخطف خروفًا واحدًا من يده، فبرهنوا على أنهم فعلًا يسمعون ولا يفهمون!! فهل استطاع الذئب الذي لم يقو على خطف الخروف من يد الراعي أن يضع يده على الراعي ويخطفه؟ لذلك يسخر منهم ق. يوحنا ويصف كيف انشلت أيديهم، وخرج الرب ويدهم قابضة على الريح. مقارنة تحكي صورة ساخرة بين أيديهم التي لم تقو على الإمساك به، ويده التي تمسك ولا أحد يخطف البتة" (300).
ومن الأصحاح القادم الحادي عشر تبدأ رحلة الآلام بإقامة لعازر من بين الأموات، وتبدأ رحلة ارتفاعه من أورشليم الأرضية إلى أورشليم السمائية. يقول "أندره سكريما": " أما بداية الارتفاع فيحصل في الأصحاح الحادي عشر لصعود الرب إلى أورشليم... ولكن صعود الرب الآن إلى الفصح صعود فريد، أنه صعوده الأخير إلى أورشليم اليهودية، وفيه يتجاوز أورشليم الأرضية هذه ليفتح أبواب أورشليم السماوية مدينة المجد. أن الأبدية تنحدر إلى الزمان وتجتاحه... يبدأ (الأصحاح) بإقامة لعازر" (301).
_____
(294) ترجمة د. عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص147، 148.
(295) أورده القمص تادس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ2، ص755.
(296) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص744.
(297) شرح بشارة يوحنا، ص453.
(298) أورده الأستاذ يوسف دره الحداد - صوفية المسيحية - الإنجيل بحسب يوحنا، ص361.
(299) تفسير إنجيل يوحنا، ص467.
(300) شرح إنجيل القديس يوحنا، جـ2، ص649.
(301) دراسات كتابية 3 - إنجيل يوحنا قراءة وتعليق، ص160.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/731.html
تقصير الرابط:
tak.la/87yzqjk