سؤال 732: لو أن معجزة إقامة لعازر بعد أربعة أيام حقيقية (يو 11: 1-44)، فكيف تتجاهلها الأناجيل الإزائية الثلاثة؟ وهل معجزة إقامة لعازر (يو 11: 1-44) هيَ مؤامرة أو تمثيلية دبرها يسوع مع لعازر وأختيه كقول "رينان"، أو أن لعازر لم يمت بل تعرَّض فقط للإغماء، أو أن قصة لعازر مجرد مَثَل رمزي؟ وإن كان بيت مرثا ومريم في قرية من قرى الجليل (لو 10: 38-39) فكيف يقول يوحنا أن بيتهما في بيت عنيا (يو 11: 1)، بل ويذكر اسم مريم أولًا مع أنها أصغر من مرثا؟ ولماذا مكث يسوع في بيرية يومين (يو 11: 6) ولم يتحرك على الفور إلى بيت عنيا عندما علم بمرض لعازر؟ وكيف يدعو السيد المسيح الموت نومًا: " لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ" (يو 11: 11)؟

ج: أولًا: لو أن معجزة إقامة لعازر بعد أربعة أيام حقيقية (يو 11: 1-44)، فكيف تتجاهلها الأناجيل الإزائية الثلاث...؟
1- كل إنجيل من الأناجيل الأربعة له إنفراداته، وكون المعجزة أو الحديث أو التعليم ذُكر في إنجيل واحد، فلا مجال للتشكّيك فيه بحجة أنه لم يرد في بقية الأناجيل، لأن كل الكتاب هو موحى به من اللَّه، فهل معجزة إقامة ابن أرملة نايين مشكوك فيها لأنها وُردت في إنجيل لوقا فقط (لو 8: 40-56) دون بقية الأناجيل؟! بلا شك كل ما جاء في أي إنجيل أو أي موضع في الأسفار القانونية هو صادق وأمين وحق، وأيضًا الأناجيل تكمل بعضها البعض، فما إنفرد به أي إنجيل له قدسيته وكماله مثل أي حدث ذكر في أكثر من إنجيل. أو ذُكر في الأناجيل الأربعة. كما أننا لا ننسى أن الأناجيل الأربعة لم يرد فيها كل معجزات وتصرفات وتعاليم السيد المسيح، فبينما سجلت الأناجيل الأربعة (35) معجزة فقط فإن السيد المسيح أجرى معجزات كثيرة جدًا: " وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ" (مت 8: 16)... " وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ إِذْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ وَالْمَجَانِينَ... فَشَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَخْرَجَ شَيَاطِينَ كَثِيرَةً" (مر 1: 32، 34)... " وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو 4: 40)... " وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ الله..." (يو 20: 30-31)... " وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ" (يو 21: 25).
2- ركزت الأناجيل الإزائية على خدمة السيد المسيح "في الجليل" بينما جرت معجزة إقامة لعازر في اليهودية.
3- لقد وصلت قساوة اليهود إلى أنهم أرادوا قتل لعازر بعد قيامته: " فَتَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ لِيَقْتُلُوا لِعَازَرَ أَيْضًا" (يو 12: 10) ولذلك لم يذكر الإنجيليون الثلاثة معجزة إقامة لعازر حتى لا يثيروا حفيظة اليهود ضد لعازر الذي حلَّل رؤساء الكهنة إهدار دمه، فخشوا أن كتابتهم تجلب عليه نقمة اليهود، مما يجدّد الأحزان والأشجان لأختيه. أمَّا عندما كتب يوحنا الحبيب إنجيله، فقد كان لعازر قد بلغ الأبدية فلا خوف عليه لذلك ذكر هذه المعجزة تاج جميع المعجزات، ويقول "القديس أبيفانيوس" أن عمر لعازر عند إقامة السيد المسيح له كان نحو ثلاثين عامًا، وبعد القيامة كرز بِاسم المسيح وصار أسقفًا على قبرص وعاش نحو ثلاثين سنة أخرى، فعندما كتب يوحنا إنجيله كان لعازر المحبوب قد سكن في مساكن النور.
4- معجزة إقامة لعازر تتوافق وتنسجم تمامًا مع أقوال وتعاليم السيد المسيح، وليست أمرًا غريبًا عنه، فقد تحدث السيد المسيح عن إقامته للموتى، سواء الموتى بالخطايا والآثام، أو الموتى بحسب الجسد: " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ يَسْمَعُ الأَمْوَاتُ صَوْتَ ابْنِ الله وَالسَّامِعُونَ يَحْيَوْنَ" (يو 5: 25)... " تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ، فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ، وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ" (يو 5: 28-29). وقال يسوع لتلميذي يوحنا المعمدان: " اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يُوحَنَّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ" (مت 11: 4-5) وبلا شك أن السيد المسيح أقام أموات عددين ذكرت الأناجيل منها: ابنة يايرس وابن أرملة نايين ولعازر، وقيامته هو.
5- من إنفرادات إنجيل يوحنا معجزة عُرس قانا الجليل أول المعجزات، ومعجزة إقامة لعازر تاج المعجزات، جرت الأولى في جو عائلي بهيج، والثانية في جو عائلي أليم، وترتب على كل منهما إيمان التلاميذ، فعن الأولى: "هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ، فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ" (يو 2: 11)، وعن الثانية قال يسوع: " وَأَنَا أَفْرَحُ لأَجْلِكُمْ... لِتُؤْمِنُوا" (يو 11: 15).
6- تم اكتشاف كهف في جبل الزيتون قرب أورشليم عبارة عن مقبرة، قام بدراستها عالِم الأثار الإيطالي P. Bagatti وعالِم الأثار الفرنسي Clales - Ganneau فوجدا بها رسم صليب، واسم يسوع، وأسماء لعازر ومرثا ومريم، وعملات تحمل اسم الحاكم Varius Grattus (راجع موقع هوليبايبل - اكتشاف مقبرة تؤكد ما قاله الكتاب المقدَّس عن لعازر).
ثانيًا: هل معجزة إقامة لعازر (يو 11: 1-44) هيَ مؤامرة أو تمثيلية دبرها يسوع مع لعازر وأختيه كقول "رينان" أو أن لعازر لم يمت بل تعرض فقط للإغماء، أو أن قصة لعازر مجرد مَثَل رمزي...؟
1- قال "إرنست رينان" المؤرخ والكاتب الفرنسي (1823-1892م) أن هذه القصة مجرد مؤامرة دبرها يسوع مع لعازر وأختيه، فتظاهر لعازر بالموت وحملوه ووضعوه في المقبرة، ولحبك القصة جاء يسوع للقبر بعد أربعة أيام ونادى عليه بصوت عظيم فخرج من القبر... وهنا نقف أمام أسئلة عديدة بلا إجابة، مثل:
أ- متى تم تدبير المؤامرة...؟ كان يسوع في منطقة بيريه بعيدًا عن بيت عنيا بمسيرة يوم كامل أو ما يزيد، وعندما تعرَّض لعازر لخطر الموت أرسلوا إلى يسوع يستدعونه.
ب- الذين كفنوا لعازر أخذوا وقتًا في لف الأكفان وتلامسوا مع جسده، فكيف لم يلاحظوا أن قلبه ما زال ينبض بالحياة، وما زال يتنفس مما يؤكد أنه ما زال حيًا فيحاولون إسعافه وليس دفنه، أم أن هؤلاء المكفّنون كانوا شركاء في تلك المؤامرة أيضًا؟!!
جـ- هل أخلاق يسوع ولعازر وأختيه تسمح بمثل هذه التمثيلية الهزلية لخداع الناس؟!! وإذا كان من الثابت أن يسوع أقام موتى آخرين عديدين والجموع تعرف هذا، فما هو الجديد الذي أضافته معجزة إقامة لعازر وتستحق المؤامرة والخداع؟!!
د- ألم يوجد إنسان على قدر من الذكاء خلال ثمانية عشر قرنًا اكتشف قبل رينان أن معجزة إقامة لعازر مؤامرة وتمثيلية وخداع؟!!
هـ- لابد أن هذه المعجزة، تاج المعجزات، قد احتفظ بها الذهن البشري عبر التقليد، ولذلك عندما كتب القديس يوحنا إنجيله، قبلته الكنيسة على الفور، دون أن يُشكّك أي إنسان في مصداقية هذه المعجزة. وما زالت "قرية لعازرية" (بيت عنيا) قائمة للآن تشهد لصحة معجزة إقامة لعازر.
2- قال بعض النُقَّاد أن لعازر تعرَّض لإغماءة طويلة، فظنوه أنه قد مات وسريعًا ما كفَّنوه ودفنوه، وبعد أن وُضع في القبر وأُغلق عليه فاق من إغمائه، ولكن الأكفان أُمسكت به وشلت حركته فلم يستطع الخروج من القبر... ونقف هنا أمام تساؤل هام وهو إن كان الضعف قد أخذ بلعازر في اليوم الأول والأكفان شلت حركته فعجز عن الخروج من القبر، فلا بد أنه بعد أربعة أيام بلا ماء ولا طعام تضاعف ضعفه وإزداد فكيف استطاع أن يخرج من القبر؟!! ولماذا لم ينهض بمجرد أن فُتح باب القبر، وقبل أن يُصلِّي يسوع، وقبل أن يصرخ صرخته المدوية " لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجًا"؟! لماذا ارتبط وقت قيامته بوقت مناداة يسوع عليه؟!!
3- قال آخرون أن قصة إقامة لعازر مؤلفة كمَثَل رمزي رائع يشرح قول السيد المسيح: " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ"، ويثبت صحة قول إبراهيم في مَثَل الغني ولعازر: " إِنْ كَانُوا لاَ يَسْمَعُونَ مِنْ مُوسَى وَالأَنْبِيَاءِ وَلاَ إِنْ قَامَ وَاحِدٌ مِنَ الأَمْوَاتِ يُصَدِّقُونَ" (لو 16: 31)... وهنا نقف أمام تساؤلات بلا إجابة، مثل:
أ- كيف يؤلف القديس يوحنا الحبيب قصة تخيلية، ويسجلها على أنها قصة حقيقية، حدثت في أرض الواقع...؟! أليس هذا نوعًا من الخداع؟!
ب- الإنجيل هو نتيجة عمل مشترك إلهي بشري، عمل مشترك للروح القدس مع الكاتب، فكيف يوافق الوحي الإلهي على هذا الخداع؟!
جـ - ألم يظهر إنسانًا يُشكّك في مصداقية هذه المعجزة، ولا سيما أن وقت كتابة يوحنا لإنجيله كان ما زال هناك من حضروا هذا الحدث، أو سمعوا عنه؟!
د - لو كانت هذه القصة مَثَل رمزي، فكيف ترتب عليها نتائج خطيرة، مثل غضبة الفريسيين: " وَقَالُوا مَاذَا نَصْنَعُ فَإِنَّ هذَا الإِنْسَانَ يَعْمَلُ آيَاتٍ كَثِيرَةً. إِنْ تَرَكْنَاهُ هكَذَا يُؤْمِنُ الْجَمِيعُ بِهِ..." (يو 11: 47-48)... " فَمِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ تَشَاوَرُوا لِيَقْتُلُوهُ. فَلَمْ يَكُنْ يَسُوعُ أَيْضًا يَمْشِي بَيْنَ الْيَهُودِ عَلاَنِيَةً" (يو 11: 53-54)... " فَتَشَاوَرَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ لِيَقْتُلُوا لِعَازَرَ أَيْضًا" (يو 12: 10) والذين استقبلوا يسوع في دخوله إلى أورشليم كملك: " وَكَانَ الْجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ أَنَّهُ دَعَا لِعَازَرَ مِنَ الْقَبْرِ وَأَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (يو 12: 17).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: إن كان بيت مرثا ومريم في قرية من قرى الجليل (لو 10: 38-39) فكيف يقول يوحنا أن بيتهما في بيت عنيا (يو 11: 1)، بل ويذكر اسم مريم أولًا مع أنها أصغر من مرثا...؟ قال القديس لوقا عن خدمة السيد المسيح في الجليل: " وَفِيمَا هُمْ سَائِرُونَ دَخَلَ قَرْيَةً فَقَبِلَتْهُ امْرَأَةٌ اسْمُهَا مَرْثَا فِي بَيْتِهَا. وَكَانَتْ لِهذِهِ أُخْتٌ تُدْعَى مَرْيَمَ الَّتِي جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْ يَسُوعَ وَكَانَتْ تَسْمَعُ كَلاَمَهُ" (لو 10: 38-39) بينما قال يوحنا الإنجيلي: " وَكَانَ إِنْسَانٌ مَرِيضًا وَهُوَ لِعَازَرُ مِنْ بَيْتِ عَنْيَا مِنْ قَرْيَةِ مَرْيَمَ وَمَرْثَا أُخْتِهَا" (يو 11: 1)، والاحتمال الغالب أن هذه الأسرة كانت تسكن في الجليل ثم غيرت محل إقامتها في بيت عنيا بالقرب من أورشليم، مثلما فعل يوحنا الحبيب إذ كان يُقيم في الجليل في بيت صيدا، ولكن بعد القيامة والصعود كان ملازمًا أورشليم واشترى بيتًا حيث أقامت معه العذراء القديسة مريم إلى زمن نياحتها، ثم انطلق للكرازة خارج أورشليم لليهودية والسامرة ثم أنطاكية خلال الفترة من 50-63م وبعدها في أفسس نحو سنة 67م ونُفي إلى جزيرة بطمس لمدة عام ونصف عاد بعدها إلى أفسس حيث كتب إنجيله وانتهت حياته في أفسس (راجع مدارس النقد - عهد جديد جـ 8 س631). ويقول "القمص تادرس يعقوب": " نقرأ عن مريم ومرثا في (لو 10: 38 إلخ.) أنهما تعيشان في الجليل. فإن كان الأمر هكذا، فغالبًا ما قامتا بتغير إقامتهما في ذلك الحين من الجليل. واضح أن ربة البيت هيَ مرثا، الأخت الكبرى... ذكر القديس يوحنا مريم أولًا مع أنها الأصغر، ربما لأن مريم كانت أكثر شهرة في الكنيسة الأولى، وهيَ التي سكبت الطيب على قدمي السيد المسيح (يو 12: 3) كما اختارت النصيب الذي لا يُنزع منها (لو 10: 42)" (302).
رابعًا: لماذا مكث يسوع في بيرية يومين (يو 11: 6) ولم يتحرك على الفور إلى بيت عنيا عندما علم بمرض لعازر؟... اسم "لعازر" اختصار لاسم "اليعازار" أي "إلهي يسند ويعضد"، ومعنى "بيت عنيا" أي بيت البؤس والعناء، ولعازر هذا غير لعازر البلايا الذي جاء ذكره في مَثَل الغني ولعازر (لو 16: 25). كان لعازر في بيت عنيا التي تقع جنوب شرقي أورشليم بنحو خمسة عشر غلوة (الغلوة 185م) أي 2775 مترًا، نحو ثلاثة كيلومترات، وهيَ المسافة المسموح للإنسان اليهودي أن يقطعها يوم السبت، وهيَ تدعى الآن اليعازرية، بينما كان السيد المسيح مع تلاميذه يكرز في منطقة بيريه التي تبعد عن بيت عنيا مسيرة يوم كامل. فبعد أن انطلق رسول مرثا ومريم من بيت عنيا للسيد المسيح في بيريه، مات لعازر، وبعد أن أبلغ الرسول خبر مرض لعازر ليسوع، مكث يومين في بيريه، ثم تحرك نحو بيت عنيا فاستغرق يومًا رابعًا، لذلك قالت مرثا " يَا سَيِّدُ قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ" (يو 11: 39). الأمر الرائع أن مرثا ومريم أرسلتا للمعلم تخبرانه: " يَا سَيِّدُ هُوَذَا الَّذِي تُحِبُّهُ مَرِيضٌ" (يو 11: 3) دون أن تطلبا منه أن يُسرع بالحضور ليشفيه، إنما جاء هذا الطلب ضمنًا، فما دام لعازر الذي يحبه مريض فلا بد أنه سيسرع نحوه، وهنا نقف أمام سمو الطلب الذي يرتدي رداء الصلاة المثالية. أُستهل بلقب " يَا سَيِّدُ" فهو السيد صاحب السلطان الكامل، ويعكس الطلب التسليم الكامل للمشيئة الإلهية، وجاء الطلب مُشابهًا إلى حد بعيد طلب العذراء مريم في عرس قانا الجليل: " لَيْسَ لَهُمْ خَمْرٌ"، وجاءت إجابة السيد واضحة وصريحة: " هذَا الْمَرَضُ لَيْسَ لِلْمَوْتِ بَلْ لأَجْلِ مَجْدِ اللَّـهِ" (يو 11: 4)، إجابة تحمل روح الرجاء والتعزية والطمأنينة، فمهما اشتد المرض على لعازر فإنه لن يموت. وإن قال أحد: بل أنه مات، نقول له: وماذا بعد؟! ألم يعد للحياة بعد أربعة أيام فقط؟!
أمَّا يسوع فقد مكث في الموضع الذي كان فيه يومين ليُكمل خدمته في تلك المنطقة التي لن يعود إليها ثانية، وأيضًا تأخر اليومين ليتعظم عمل اللَّه أكثر فأكثر، فلو لم يمت لعازر لحسبت معجزة شفاء، ولكن كون لعازر يموت ويُدفن ويمضي عليه أربعة أيام فقد جعل هذه المعجزة بالحقيقة تاج جميع المعجزات، لقد ترك السيد المسيح لعازر للموت لمدة أربعة أيام، لأن الربيون كانوا يعتقدون أن الروح بعد أن تترك الجسد تظل تحوم حوله وتحاول الرجوع إليه لمدة ثلاثة أيام، ولكن بعد أن تبدأ عوامل الانحلال والفساد تحل به، تشمئز منه وتتركه بلا رجعة، فمن يعيدها من الهاوية إلاَّ رب الحياة؟!! وقد سجل هذا التقليد "باركبَّارا" الرابي اليهودي نحو سنة 200م، و"ليفي" الرابي اليهودي نحو سنة 300م، فمعنى مرور أربعة أيام أن الروح انصرفت بعيدًا وتمامًا عن جسد الميت. (راجع الأب متى المسكين - شرح إنجيل القديس يوحنا جـ 1 ص674). أيضًا تأخر السيد المسيح ولم يسرع إلى بيت عنيا ليزداد إيمان التلاميذ به، فقال لهم: " لِعَازَرُ مَاتَ. وَأَنَا أَفْرَحُ لأَجْلِكُمْ إِنِّي لَمْ أَكُنْ هُنَاكَ، لِتُؤْمِنُوا" (يو 11: 14-15). فقد كان إيمانهم متوقفًا عند قدرة المُعلِّم على شفاء المرضى، ولكن بعد المعجزة آمنوا بسلطانه المُطلق على الموت. يقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " كان موت لعازر حادثة وقتية في سجل الزمن، لأنه قام من ذلك الموت، وكذلك كانت قيامته، لأنه مات بعد تلك القيامة. لكن الخبر الروحي التي أنتجته القيامة، قد طُبع بطابع الخلود" (303).
خامسًا: كيف يدعو السيد المسيح الموت نومًا: " لِعَازَرُ حَبِيبُنَا قَدْ نَامَ" (يو 11: 11)؟ تشبيه الموت بالرقاد والنوم كان أمرًا شائعًا منذ العهد القديم، فقال الرب لموسى: " هَا أَنْتَ تَرْقُدُ مَعَ آبَائِكَ" (تث 31: 16). وكان كلام الرب لداود عبر ناثان النبي: "مَتَى كَمُلَتْ أَيَّامُكَ وَاضْطَجَعْتَ مَعَ آبَائِكَ" (2 صم 7: 12) (راجع أيضًا 1 مل 1: 21؛ 2: 10؛ 11: 21)... " ثُمَّ اضْطَجَعَ سُلَيْمَانُ مَعَ آبَائِهِ وَدُفِنَ" (1 مل 11: 43)، وقيل عن يربعام: " ثُمَّ اضْطَجَعَ مَعَ آبَائِهِ" (1 مل 14: 20). كما دعى الإنجيل الموت نومًا، فقال السيد المسيح عن ابنة يايرس: " الصَّبِيَّةَ لَمْ تَمُتْ لكِنَّهَا نَائِمَةٌ" (مت 9: 24) وقال سفر الأعمال عن الشهيد استفانوس: " وَإِذْ قَالَ هذَا رَقَدَ" (أع 7: 60)، وقال بولس الرسول عن الذين عاينوا المسيح القائم وماتوا: " وَلكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا" (1 كو 15: 6) وقال لأهل تسالونيكي: " لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهةِ الرَّاقِدِينَ" (1 تس 4: 13). والحقيقة أنه أمام السيد المسيح رب الحياة: " أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ" (يو 11: 25) يستوي الموت مع النوم.
ويقول "متى هنري": " وجدير بنا أن نلاحظ هنا كيف يُسمي المسيح المؤمن، وكيف يصف موته. فهو يدعو المؤمن حبيبه: " لِعَازَرُ حَبِيبُنَا " وأولئك الذي يسر المسيح بأن يدعوهم أحباءه، يجب على تلاميذه أيضًا أن يتخذوهم أحباء لهم. والمسيح يتحدث عن لعازر كالصديق المشترك بينهم جميعًا: "حَبِيبُنَا" والموت نفسه لا يستطيع أن يُحطم الصداقة والمحبة القائمة بين المسيح والمؤمن، فلعازر قد مات، ومع ذلك فهو لا يزال "حَبِيبُنَا" كما أنه يُسمى موت المؤمن نومًا: "قَدْ نَامَ". أنه لأمر طيب أن نخلع على الموت هذه الأسماء والألقاب، لأن في ذلك ما يساعدنا على اعتبار الموت أمرًا عاديًا، ويُخفف من رهبته. ولماذا لا يحملنا إيمان الرجاء في القيامة إلى الحياة الأبدية على أن يكون من السهل علينا أن نخلع هذا الجسد ونموت كما لو أننا نخلع ملابسنا ونذهب للنوم؟ فموت المؤمن الحقيقي ما هو إلاَّ نوم، لقد استراح من أتعابه طوال نهار حياته، وهو ينعش نفسه استعدادًا للصباح التالي. فالموت بالنسبة للمؤمن هو فراش، وكل أربطته كالأربطة الملساء الناعمة لنوم هادئ مُريح، فما هو إلاَّ خلع ملابسنا لكي نغيرها استعدادًا ليوم العرس" (304).
_____
(302) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 2، ص670.
(303) شرح بشارة يوحنا، ص477.
(304) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس جـ 1 - الأناجيل الأربعة، ص677.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/732.html
تقصير الرابط:
tak.la/kgxscr5