St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

730- لماذا شبه السيد المسيح بالراعي (يو 10: 11)؟ وهل هو الراعي، أم أنه الحمل (يو 1: 29، أع 8: 32، رؤ 7: 14)، وكيف يكون هو الراعي ويضرب الراعي (مت 26: 31)، هل يضرب نفسه بمعنى أن ينتحر؟ وإن كان الأجير وليس الراعي هو الذي يترك القطيع ويهرب وقت الخطر (يو 10: 13) فلماذا هرب يسوع من وجه هيرودس (مت 2: 13، 14) وبولس من يهود دمشق (أع 9: 24، 25)؟ وهل خاصة المسيح تعرفه (يو 10: 14، 15) أم أن الآب وحده هو الذي يعرفه (مت 11: 27)؟ وهل الابن إله بالتبعية لأنه يخضع لأبيه ويقبل منه الوصية (يو 10: 18)؟

 

سؤال 730: لماذا شبه السيد المسيح بالراعي (يو 10: 11)؟ وهل هو الراعي، أم أنه الحمل (يو 1: 29؛ أع 8: 32؛ رؤ 7: 14)، وكيف يكون هو الراعي ويضرب الراعي (مت 26: 31)، هل يضرب نفسه بمعنى أن ينتحر؟ وإن كان الأجير وليس الراعي هو الذي يترك القطيع ويهرب وقت الخطر (يو 10: 13) فلماذا هرب يسوع من وجه هيرودس (مت 2: 13-14) وبولس من يهود دمشق (أع 9: 24-25)؟ وهل خاصة المسيح تعرفه (يو 10: 14-15) أم أن الآب وحده هو الذي يعرفه (مت 11: 27)؟ وهل الابن إله بالتبعية لأنه يخضع لأبيه ويقبل منه الوصية (يو 10: 18)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: لماذا شبه السيد المسيح بالراعي (يو 10: 11) وهل هو الراعي، أم أنه الحمل (يو 1: 29؛ أع 8: 32؛ رؤ 7: 14)، وكيف يكون هو الراعي ويضرب الراعي (مت 26: 31)، هل يضرب نفسه بمعنى أن ينتحر...؟ قال السيد المسيح: " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ" (يو 10: 11)، وقد حملت هذه الكلمات الذهبية معاني عميقة سامية:

1- قال السيد المسيح: "أنا هو"... أنه "يهوه" بنفس اللقب الذي جاء في مزمور الراعي: " الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز 23: 1)، هو يهوه الراعي والمخلص، الذي صرخ له داود النبي: " خَلِّصْ شَعْبَكَ وَبَارِكْ مِيرَاثَكَ وَارْعَهُم وَاحْمِلْهُم إِلَى الأَبَدِ" (مز 28: 9) (راجع مز 77: 20؛ 78: 52؛ 80: 1؛ 100: 3؛ إش 40: 11؛ إر 31: 10؛ حز 34: 11-16). صورة المسيح الراعي موضع نبؤات العهد القديم: " وَأُطَهِّرُهُمْ فَيَكُونُونَ لِي شَعْبًا وَأَنَا أَكُونُ لَهُمْ إِلهًا. وَدَاوُدُ عَبْدِي يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ وَيَكُونُ لِجَمِيعِهِمْ رَاعٍ وَاحِدٌ... وَعَبْدِي دَاوُدُ رَئِيسٌ عَلَيْهِمْ إِلَى الأَبَدِ" (حز 37: 23-25).

2- صورة الراعي مُريحة للنفس، وقد ركزت الأسفار المقدَّسة على صورة اللَّه الراعي الصالح الذي يرعى شعبه بأمانة وبر:

† " الرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" (مز 23: 1).

† " هَدَيْتَ شَعْبَكَ كَالْغَنَمِ بِيَدِ مُوسَى وَهارُونَ" (مز 77: 20).

† " أَمَّا نَحْنُ شَعْبُكَ وَغَنَمُ رِعَايَتِكَ نَحْمَدُكَ إِلَى الدَّهْرِ" (مز 79: 13).

† " يَا رَاعِيَ إِسْرَائِيلَ اصْغَ يَا قَائِدَ يُوسُفَ كَالضَّأْنِ" (مز 80: 1).

" هَلُمَّ نَسْجُدُ وَنَرْكَعُ وَنَجْثُو أَمَامَ الرَّبِّ خَالِقِنَا لأَنَّهُ هُوَ إِلهُنَا وَنَحْنُ شَعْبُ مَرْعَاهُ وَغَنَمُ يَدِهِ" (مز 95: 6-7).

" هُوَ صَنَعَنَا وَلَهُ نَحْنُ شَعْبُهُ وَغَنَمُ مَرْعَاهُ" (مز 100: 3).

" كَرَاعٍ يَرْعَى قَطِيعَهُ. بِذِرَاعِهِ يَجْمَعُ الْحُمْلاَنَ وَفِي حِضْنِهِ يَحْمِلُهَا وَيَقُودُ الْمُرْضِعَاتِ" (إش 40: 11).

(راجع إر 23: 1-4؛ حز 34؛ مت 9: 36؛ مر 6: 34؛ 14: 27؛ لو 15: 4؛ يو 21: 15-18؛ عب 13: 20؛ 1 بط 2: 25).

السيد المسيح أطلق على نفسه " الرَّاعِي الصَّالِحُ" وكلمة " الصَّالِحُ" هيَ ترجمة للكلمتين اليونانيتين، الأولى ἀγαθός "أجاثوس" وأُستخدمت في إنجيل يوحنا كإشارة للأشياء، والثانية καλός "ثالوس" (كالوس) وأُستخدمت في السبعينية كإشارة للخير مقابل الشر، والسيد المسيح استخدم الكلمتين معًا في قوله: " الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ فَيَحْفَظُونَهَا فِي قَلْبٍ جَيِّدٍ صَالِحٍ" (لو 8: 15) (راجع د. بوب إتلي - إنجيل يوحنا والرسالة 1، 2، 3 ليوحنا ص107). ومن معاني " الصَّالِـحُ" في الأصل اليوناني "الجميل"، و"البديع"، و"الحسن"، و"الشريف"، و"النبيل"، و"الأخلاقي"، و"المستحق". السيد المسيح هو وحده " الرَّاعِي الصَّالِحُ" (يو 10: 11، 14) صلاح مُطلّق، وهو " الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ" (مت 19: 16)... , " لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحًا إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ الله" (مت 19: 17). وجاء في "القاموس الموسوعي للعهد الجديد": " في إنجيل يوحنا، يسوع هو "الرَّاعِـي الصَّالِحُ" [Kalos] وتُبرز كلمة Kalos هنا وظيفته في أوج تفردها، وتناقضها مع الادعاءات الزائفة التي يطلقها الرعاة الزائفون (يو 10: 11، 14). فهو الراعي الشرعي، لأنه يواجه الذئب دفاعًا عن خرافه مُخاطرًا بحياته، ونموذج المسيح يتوجب أن يُنظر إليه على أساس خلفية العهد القديم للرب يهوه كراعٍ (تك 49: 24؛ مز 23 إلخ.). وفي (يو 10: 32) يتكلم يسوع عن أعماله الكثيرة الحسنة [ Kalos ] في سياق مجادلة مع اليهود. ولم يكن الجدل يدور حول المعجزات (الأعمال الحسنة) نفسها، بل (عمله) المسياني، والدليل عليه واضح في هذه الأعمال" (288).

3- أرض فلسطين أرض المراعي، ومنظر الراعي الذي يقود قطيعه منظر مألوف، فالسيد المسيح كان يخاطب الجموع من واقع البيئة التي يعيشونها، والخراف بدون الراعي تعجز عن حماية ورعاية نفسها، بل تتعرَّض للتشتت والموت. لذلك عندما علم موسى النبي الراعي الأمين بدنو أجله خشى على القطيع فقال للرب: " لِيُوَكِّلِ الرَّبُّ إِلهُ أَرْوَاحِ جَمِيعِ الْبَشَرِ رَجُلًا عَلَى الْجَمَاعَةِ يَخْرُجُ أَمَامَهُمْ وَيَدْخُلُ أَمَامَهُمْ وَيُخْرِجُهُمْ وَيُدْخِلُهُمْ لِكَيْلاَ تَكُونَ جَمَاعَةُ الرَّبِّ كَالْغَنَمِ الَّتِي لاَ رَاعِيَ لَهَا" (عد 27: 16-17). الراعي الفلسطيني يحمل على ظهره مزود طعامه من خبزات وجبن وحبات الزيتون، وربما حبات تمر وبعض ثمار التين المُجفف، معه مقلاعه الذي يجيد استخدامه بمهارة، وعصاه وعكازه، وربما يترنم بمزمور الراعي: " عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي" (مز 23: 4) فعصا الراعي طويلة ومعقوفة تطال أي خروف يحاول أن يشت بعيدًا عن القطيع، وعكازه غليظ طرفه مُدبب بالمسامير يتصدى به للذئاب التي تحاول خطف خروف من القطيع. حياة الراعي الفلسطيني شاقة بسبب طبيعة الأرض المزدحمة بالتلال، وبالجبال الصخرية التي تطل على مُنخفضات، أرض غير مستوية، بلا أسوار، لا تخلو من الذئاب المفترسة التي تتخذ كهوف الجبال والمغائر مساكن لها، مما يستلزم من الراعي اليقظة الدائمة، يقظة داود بن يسى الذي خلَّص الشاة من فم الأسد وفم الدب، ويتحمل الراعي حر النهار وبرودة الليل. يقول "وليم باركلي": "هذه هيَ صورة الراعي... يقظة دائمة... شجاعة لا تهاب الموت... ومحبة باذلة لكل فرد من أفراد قطيعه" (289). فالراعي يظل يبذل حتى نفسه من أجل سلامة القطيع، واستخدم يوحنا الحبيب تعبير " يَبْذِلُ" كثيرا في إنجيله (يو 3: 16؛ 6: 51؛ 10: 11، 15، 17؛ 15: 13؛ إلخ...). كتب "دكتور طومسون" في كتابه "الأرض والكتاب المقدَّس": " كثيرًا ما كنت أستمع إلى قصص الرعاة، وأخبار صراعهم مع الوحوش واللصوص، وكيف أنهم في عراكهم، لا يحسبون حسابًا لحياتهم. بل أنني أعرف أكثر من حالة، بذل فيها الراعي نفسه عن رعيته. وآخر ما بلغني من أنباء، عن راعٍ فقير كان يرعى رعيته بالقرب من طبرية، حينما هاجمه ثلاثة من البدو المسلحين بالخناجر. وبدلًا من الهروب وترك الرعية للصوص، واجههم بكل شجاعة، وسقط جسدًا مُمزقًا داميًا وسط رعيته، التي دافع عنها بكل أمانة" (290).

4- السيد المسيح هو الراعي الصالح في العهدين القديم والجديد، ففي القديم ظن اليهود أنهم شعب اللَّه المختار، أمَّا بقية الشعوب فخُلقت من أجل خدمتهم وليكونوا عبيدًا لهم، وفي النهاية يكونون حطبًا لجهنم النار، ولم يدركوا أن اختيار اللَّه لأبيهم إبراهيم كان اختيارًا مؤقتًا لحين دخول الأمم للإيمان، ويتحقق وعد اللَّه لإبراهيم أن بنسله تتبارك كل قبائل الأرض (راجع مدارس النقد - عهد قديم جـ 2 س108). أمَّا في العهد الجديد فقد فتحت الحظيرة أبوابها لتضم اليهود مع الأمم معًا، وتحقَّقت نبؤات دخول جميع الشعوب في حظيرة الراعي الصالح: " وَأَبْنَاءُ الْغَرِيبِ الَّذِينَ يَقْتَرِنُونَ بِالرَّبِّ لِيَخْدِمُوهُ وَلِيُحِبُّوا اسْمَ الرَّبِّ لِيَكُونُوا لَهُ عَبِيدًا كُلُّ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ السَّبْتَ لِئَلاَّ يُنَجِّسُوهُ وَيَتَمَسَّكُونَ بِعَهْدِي. آتِي بِهِمْ إِلَى جَبَلِ قُدْسِي وَأُفَرِّحُهُمْ فِي بَيْتِ صَلاَتِي، وَتَكُونُ مُحْرَقَاتُهُمْ وَذَبَائِحُهُمْ مَقْبُولَةً عَلَى مَذْبَحِي لأَنَّ بَيْتِي بَيْتَ الصَّلاَةِ يُدْعَى لِكُلِّ الشُّعُوبِ" (إش 56: 6-7) (راجع إش 42: 6؛ 49: 6). لذلك قال الراعي الصالح " وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هذِهِ الْحَظِيرَةِ يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضًا فَتَسْمَعُ صَوْتِي وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ" (يو 10: 16) وهو الراعي الصالح الذي سلم نفسه للذئب الأكبر (الموت) فالذئب ابتلعه ولكن عجز عن أن يحتويه، فإذ بالراعي يشق بطن الذئب ويُخرج للحرية الذين ابتلعهم: " فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ أَيْ إِبْلِيسَ وَيُعْتِقَ أُولئِكَ..." (عب 2: 14-15). الراعي الصالح هو " رَاعِيَ الْخِرَافِ الْعَظِيمَ" (عب 13: 20)،... " لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ كَخِرَافٍ ضَالَّةٍ لكِنَّكُمْ رَجَعْتُمُ الآنَ إِلَى رَاعِي نُفُوسِكُمْ وَأُسْقُفِهَا" (1 بط 2: 25)، هو " رَئِيسُ الرُّعَاة" (1 بط 5: 4).

5- السيد المسيح هو الراعي، وهو الحمل. هو الراعي الذي قال عن نفسه " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ" (يو 10: 11)، وهو الحمل الذي قال عنه إشعياء النبي: " كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاه" (إش 53: 7)، وقال عنه يوحنا المعمدان: " هُوَذَا حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29). هو الحمل والراعي مثلما هو الباب والبواب، وهو الذبيحة والكاهن، هو الكلمة والمتكلم، هو الرسالة والرسول.

6- كيف يكون هو الراعي ويضرب الراعي (مت 26: 31)، هل يضرب نفسه، بمعنى أن ينتحر...؟ قال السيد المسيح لتلاميذه ليلة آلامه: " كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِىَّ فِي هذِهِ اللَّيْلَةِ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنِّي أَضْرِبُ الرَّاعِيَ فَتَتَبَدَّدُ خِرَافُ الرَّعِيَّةِ" (مت 26: 31) وفي هذا يذكركم بنبؤة زكريا النبي: " اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي يَقُولُ رَبُّ الْجُنُودِ. اِضْرِبِ الرَّاعِيَ فَتَتَشَتَّتَ الْغَنمُ" (زك 13: 7) وقوله " رَاعِيَّ" يقصد به السيد المسيح " الرَّاعِي الصَّالِحُ" (يو 10: 11، 14)، وقوله " رَجُلِ رِفْقَتِي" إشارة للعلاقة بين الابن والآب، فكلمة "رفيق" في العبرية تعني فكرة الشركة بين متساويين، فالسيد المسيح: " لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلًا للَّـهِ" (في 2: 6)، والقول " اِضْرِبِ الرَّاعِيَ" أي أن القبض على السيد المسيح ورحلة الآلام والصلب والموت كلها كانت بسماح من اللَّه الآب، الذي شاء أن يُقدِّم ابنه ذبيحة حية من أجل خلاص البشرية ليحمل عقاب خطايانا: " لكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ الله..." (إش 53: 4-6). كان على الفادي أن يبذل نفسه حاملًا عقاب خطايانا، ليوفي العدل الإلهي حقه: " أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ" (إش 53: 10) وقال السيد المسيح: " لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 6: 38)، فقصة الفداء هيَ مبادرة حُب الثالوث القدوس للإنسان: "هكَذَا أَحَبَّ الله الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ" (يو 3: 16). إذًا ضرب الراعي بالصلب كان بحسب إرادة الآب، ورضى الابن: " وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ" (في 2: 8). لقد قبل الابن الموت طوعًا واختيارًا من أجل خلاص جنسنا: " لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي" (يو 10: 18). إذًا ليس المفهوم هنا أن الراعي يضرب نفسه أي أن السيد المسيح ضرب نفسه، كمن أقدم على الانتحار، ولكن المفهوم أن ضربة الصليب تمت بسماح من اللَّه الآب، ورضى كامل وطاعة من الابن الذي أطاع حتى الموت موت الصليب، فظهر في الصورة أن الضارب هو الآب والمضروب هو الابن " أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحَزَنِ" (إش 53: 10)... " وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَابًا مَضْرُوبًا مِنَ الله" (إش 53: 4).

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: إن كان الأجير وليس الراعي هو الذي يترك القطيع ويهرب وقت الخطر (يو 10: 13) فلماذا هرب يسوع من وجه هيرودس (مت 2: 13-14)، وبولس من يهود دمشق (أع 9: 24-25)...؟ قال السيد المسيح: " وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ وَلَيْسَ رَاعِيًا، الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلًا وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ فَيَخْطَفُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا. وَالأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ" (يو 10: 12-13). والحقيقة في قصة هروب الطفل يسوع عندما أخذ القديس يوسف النجار الطفل وأُمه وهرب إلى أرض مصر كان بناءً على تكليف سمائي عن طريق الملاك الذي ظهر له في حُلم (مت 2: 13) وعاد من مصر أيضًا بناءً على أمر إلهي (مت 2: 20)، فبالرغم من أن السيد المسيح جاء ليبذل نفسه من أجل نجاة الإنسان، ولكن ساعة موته لم تكن قد جاءت بعد، لذلك هرب من بطش هيرودس الملك الذي ارتكب مذبحة أطفال بيت لحم، ومع هذا فقد فشل في ذبح الملك المسيح، وعندما بدأ السيد المسيح خدمته اصطدم بالقيادات الدينية الفاسدة، وأكثر من مرة رفعوا حجارة ليرجموه أمَّا هو فاجتاز في وسطهم ومضى (يو 8: 59؛ 10: 31؛ 11: 8). وقد أوصى السيد المسيح تلاميذه أنهم متى طُردوا من مدينة يهربوا إلى الأخرى (مت 10: 23)، وهكذا هرب بولس من دمشق (أع 9: 24-25) وهرب بولس وبرنابا من مدينة أيقونية (أع 14: 6) وهرب البابا أثناسيوس من جنود الإمبراطور، وكثيرون من القديسين هربوا وتواروا من وجه الشر بحسب وصايا الكتاب:

† " هُوَذَا مَخَافَةُ الرَّبِّ هِيَ الْحِكْمَةُ وَالْحَيَدَانُ عَنِ الشَّرِّ هُوَ الْفَهْمُ" (أي 28: 28).

" حِدْ عَنِ الشَّرِّ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ" (مز 34: 14).

" اتَّقِ الرَّبَّ وَابْعُدْ عَنِ الشَّرِّ" (أم 3: 7).

" اُهْرُبُوا مِنَ الزِّنَا" (1 كو 6: 18).

" أَمَّا الشَّهَوَاتُ الشَّبَابِيَّةُ فَاهْرُبْ مِنْهَا" (2 تي 2: 22).

والسيد المسيح لم يهرب ولم يترك القطيع للذئاب، إنما قدم ذاته فدية عن القطيع، فقال: " أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. وَأَمَّا الَّذِي هُوَ أَجِيرٌ وَلَيْسَ رَاعِيًا الَّذِي لَيْسَتِ الْخِرَافُ لَهُ فَيَرَى الذِّئْبَ مُقْبِلًا وَيَتْرُكُ الْخِرَافَ وَيَهْرُبُ. فَيَخْطَفُ الْخِرَافَ وَيُبَدِّدُهَا. وَالأَجِيرُ يَهْرُبُ لأَنَّهُ أَجِيرٌ وَلاَ يُبَالِي بِالْخِرَافِ" (يو 10: 11-13). إذًا نحن أمام مبدأين غير مُتعارضين، أولهما: مبدأ الهروب من وجه الشر بشرط عدم إنكار الإيمان، وثانيهما: أن الراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف، هكذا عرَّض داود الراعي نفسه للخطر عندما خلص الشاة من الأسد والدب (1 صم 17: 34-36)، وهكذا فعل البابا بطرس في استشهاده، إذ أشار على الضابط أن ينقب الجدار الخلفي من السجن ليقتاده إلى ساحة الاستشهاد ليفتدي أولاده المرابضين أمام باب السجن.

 

ثالثًا: هل خاصة المسيح تعرفه (يو 10: 14-15) أم أن الآب وحده هو الذي يعرفه (مت 11: 27)...؟ قال السيد المسيح: " وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُني وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ" (يو 10: 14-15). السيد المسيح يعرف خاصته كخالق وجابل لها، وهيَ تعرفه على أنه الراعي الصالح الذي يبذل نفسه من أجلها، ومعروف أن "كما" أداة تشبيه، فمعرفة الخاصة للراعي الصالح قوية ومتينة تشبه معرفة الآب للابن، مع الفرق الشاسع بين هذه المعرفة وتلك، الخاصة تعرف الراعي الصالح معرفة محدودة، معرفة المخلوق للخالق، وهيَ ليست من طبيعته. أمَّا معرفة الآب للابن فهيَ معرفة فريدة كاملة شاملة لأن الآب والابن لهما نفس الطبيعة الإلهية الواحدة. معرفتنا بالابن معرفة نسبية بقدر ما يكشف الابن لنا. أمَّا معرفة الآب للابن فقال عنها السيد المسيح: " وَلَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الابن إِلاَّ الآبُ وَلاَ أَحَدٌ يَعْرِفُ الآبَ إِلاَّ الابن وَمَنْ أَرَادَ الابن أَنْ يُعْلِنَ لَهُ" (مت 11: 27). المعرفة المتبادلة بين الآب والابن على مستوى الجوهر الإلهي، لم ولن يصل إليها أي كائن عاقل آخر، والسيد المسيح يكشف لخاصته عن طبيعته وشخصيته لكي نتلامس مع محبته وقداسته وعدله، فالقياس مع الفارق، مثلما قال السيد المسيح: " فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (مت 5: 48) وبالطبع كمال اللَّه مُطلّق وفريد وكامل، أمَّا كمال الإنسان فهو كمال نسبي، كمال اللَّه ذاتي أمَّا كمال الإنسان فهو مُكتسب، كمال اللَّه لا يتغير، أما كمال الإنسان فينمو شيئًا فشيئًا بقدر اقتراب الإنسان من اللَّه.

 

رابعًا: هل الابن إله بالتبعية لأنه يخضع لأبيه ويقبل منه الوصية (يو 10: 18)...؟ أوضح السيد المسيح أنه سوف يُقدِّم ذاته للموت بإرادته في الساعة التي يحدّدها، ويسترد روحه البشرية ويقوم من بين الأموات في الساعة التي يحددها، فقال: " لِهذَا يُحِبُّنِي الآبُ لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذَهَا أَيْضًا. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي" (يو 10: 17-18). وقوله: "هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي" يُظهِر وحدة المشيئة بين الآب والابن، فهناك اتفاق تام على فداء الإنسان، ولكل أقنوم من الأقانيم الثلاثة عمله في الفداء. أمَّا عن التساؤل بأن هل عبارة "هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي" تجعل منه إلهًا تابعًا للآب؟ فقد أجاب على هذا التساؤل "القديس كيرلس الكبير" فقال: " الرب بهذه الكلمات التي يقولها "قبلت وصية" يبيّن أن الآب أيضًا موافق وراضٍ عن هذا، ويوضح أنهما يتممان هذا الأمر برأي واحد رغم أنه هو مشورة الآب. وهذه المشورة متناغمة أيضًا مع تدبير تجسده. وبقوله أنه قَبِل ما يبدو صوابًا في عيني أبيه، قبله كوصية، فإذ هو بالطبيعة اللَّه لا يجعل نفسه بهذا القول أقل من الآب، بل يشير إلى ما يناسب اشتراكه في طبيعة البشر. وهو يذكرنا بأنه هو نفسه "النبي" الذي قال عنه الآب: "سوف يتكلم بحسب ما أوصيته" (تث 18: 18)[س] متحدثًا عن المشورة المشتركة للآب والابن معًا"(291).

فليس معنى قبول الابن وصية من أبيه الصالح يعني أن طبيعة الابن صارت في وضع أدنى من طبيعة الآب، والوصية التي أعطاها الآب للابن كانت من أجل التدبير الإلهي لخلاص الإنسان، وتعني اتفاق مشيئة الابن مع مشيئة الآب، ويقول "القديس كيرلس الكبير": " فبما أن الوصية لا صله لها بجوهر الابن، فهذا لا يجعلها سببًا للاعتراض على جوهره، فالابن لا يأخذ كيانه من الآب، بقبوله وصية من الآب، ولا يمكن جعل الوصية هيَ التي تحدد جوهره. لذلك فالابن إذ هو مشورة الآب وحكمته، فهو يعرف ما يقرّره بطريقة مناسبة، فإذا قَبِل ما قرره كوصية فلا تتعجب، فهو يستخدم كلامًا بشريًا عاديًا لكي يشير به إلى أشياء تفوق التغير ولا يُنطق بها. والأمور (التي) لا نستطيع نحن أن نعبر عنها، ينزل هو بها إلى كيفية التعبير العادية السائدة بيننا حتى يمكننا أن نفهمها"(292). أمَّا عن طبيعة هذه الوصية وفحواها، فيقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": "هذه الوصية قبلتها من أبي". إن سألت السيد المسيح: وما هيَ هذه الوصية؟ أجابك: هيَ أن أموت عن العالم" (293).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(288) فرلين د. فيربروج - القاموس الموسوعي للعهد الجديد - المفردات اللاهوتية، ص335.

(289) ترجمة د. عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص112.

(290) أورده وليم باركلي - شرح بشارة يوحنا، جـ2، ص125.

(291) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص734، 735.

(292) المرجع السابق، ص736.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/730.html

تقصير الرابط:
tak.la/5r8fsnc