سؤال 726: كيف احتدم الجدل بين اليهود ويسوع في هذا الموقف (يو 8: 33-58) وانتهى بمحاولة قتله؟ ولماذا لم يرد على اتهام اليهود بأنه سامري (يو 8: 48)؟ وقال السيد المسيح: " إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ" (يو 8: 51) فإن كان المسيحيون يحفظون كلام المسيح فلماذا يموتون؟ ومتى رأى إبراهيم السيد المسيح الذي قال: " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ" (يو 8: 56)؟

ج: أولًا: كيف احتدم الجدل بين اليهود ويسوع في هذا الموقف (يو 8: 33-58) وانتهى بمحاولة قتله؟ ولماذا لم يرد على اتهام اليهود بأنه سامري (يو 8: 48)...؟ لو نظرنا نظرة مُتسعة للموقف الذي عرضه يوحنا الرسول في (يو 8: 33-58) نجد أن اليهود قد قدموا ثلاث اعتراضات دفاعًا عن أنفسهم، ووجهوا ثلاثة اتهامات للسيد المسيح:
اعتراضات اليهود للدفاع عن أنفسهم:
1- " وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ" (يو 8: 33): عندما قال السيد المسيح: " إِنَّكُمْ إِنْ ثَبَتُّمْ فِي كَلاَمِي فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ تَلاَمِيذِي وَتَعْرِفونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ" (يو 8: 31-32) اعترضوا و" أَجَابُوهُ إِنَّنَا ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَلَمْ نُسْتَعْبَدْ لأَحَدٍ قَطُّ" وتغافلوا عبوديتهم في أرض مصر مئات السنين من زمن يوسف إلى زمن موسى وقد تمرَّرت حياتهم في السخرة وصناعة الطوب، وكم مرة تعرضوا للعبودية والمذلة في عصر القضاة، وعبوديتهم لمملكتي آشور وبابل وما تعرضوا له من سبي، وعبوديتهم لمملكة مادي وفارس، ثم مملكة اليونان، والآن النسر الروماني ما زال جاسمًا على صدورهم فيؤدون الجزية رغمًا عنهم، وبعد قليل من أجل الخلاص من يسوع سيصرخون في ساحة بيلاطس: " لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَر" (يو 19: 15). هذا من جهة العبودية الجسدية، أمَّا من جهة العبودية الروحية فحدث ولا حرج: " الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ الْخَطِيَّةَ هُوَ عَبْدٌ لِلْخَطِيَّةِ" (يو 8: 34)... " أَنْتُمْ عَبِيدٌ لِلَّذِي تُطِيعُونَهُ إِمَّا لِلْخَطِيَّةِ لِلْمَوْتِ أَوْ لِلطَّاعَةِ لِلْبِرِّ" (رو 6: 16)... " لأَنَّ مَا انْغَلَبَ مِنْهُ أَحَدٌ فَهُوَ لَهُ مُسْتَعْبَدٌ أَيْضًا" (2 بط 2: 19). أمَّا عن مشاعر اليهود فأنهم يعتقدون أنهم ما داموا ذرية إبراهيم فهم أحرار، فيقول "الربي أكييبا" Rabbi Akiba الذي مات عام 135م: " يُنظر حتى إلى أفقر الأشخاص في إسرائيل كأحرار، هؤلاء الذين فقدوا ممتلكاتهم، لأنهم أبناء إبراهيم وإسحق ويعقوب. كل الأمة تعتز بهذه الكرامة الخاصة بانتسابها لهؤلاء الآباء العظماء، لا بكثرة ممتلكاتهم" (255). بينما يقول "القديس أغسطينوس": " أين يهرب عبد الخطية؟ فإنه يحمل (سيده) أينما هرب... لأن الخطية التي يرتكبها هيَ في داخله، يرتكب الخطية لكي يحصل على شيء من اللذة الجسدية. تَعبُر اللذة وتبقى الخطية. ما يبتهج به يعبر، وتبقى الشوكة خلفها. يالها من عبودية شريرة!... لنهرب جميعًا إلى المسيح، ونحتج ضد الخطية إلى اللَّه كونه مُخلصنا" (256).
2- " أَبُونَا هُوَ إِبْرَاهِيمُ" (يو 8: 39): والسيد المسيح قال لهم: " أَنَا عَالِمٌ أَنَّكُمْ ذُرِّيَّةُ إِبْرَاهِيمَ" (يو 8: 37)... " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ" (يو 8: 56) ولكن لم تكن أعمالهم صالحة مثل أعمال إبراهيم: " قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ" (يو 8: 39). ولا يظن أحد أن هناك تناقض بين قول السيد المسيح " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ" وقوله " لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ"، فيقول "القديس كيرلس الكبير": " ولا يفترض أحد أن يسوع عندما يقول " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ (مات) "إنه يناقض نفسه، لأنه في موضع ما يُباعد بينهم وبين إبراهيم قائلًا: " لَوْ كُنْتُمْ أَوْلاَدَ إِبْرَاهِيمَ لَكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أَعْمَالَ إِبْرَاهِيمَ" (يو 8: 39)، أما الآن فهو يدعوكم أبناء إبراهيم، ولكن ينبغي أن تعرف أنه في الحالتين فهو يتجه بحديثه إلى الحق لأنه في الحالة الأولى إذ يتحدث عن نوع السمو الروحي، فإنه يتحدث عن القرابة بتشابه العادات، أمَّا في الحالة الثانية فهو يُخصص لهم القرابة الجسدية، وبذلك يصدق في الحالة الأولى، وفي الحالة الثانية لا يكذب"(257).
3- " إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" (يو 8: 41): يريد اليهود أن يؤكدوا أنهم من نسل إبراهيم، وأنهم ليسوا من نسل موآب ولا من نسل عمون، اللذان (موآب وعمون) ولدا نتيجة علاقة خاطئة بين لوط وابنتيه (تك 19: 36-38) كما أن اليهود في دفاعهم عن أنفسهم وجهوا أصابع الاتهام للسيد المسيح له المجد، فيقول "القديس كيرلس الكبير": " إن اليهود المُتجاسرين جدًا كانوا مُصابين بأفكار مُرة وغير مُقدَّسة عن مُخلصنا المسيح، لأنهم ظنوا أن العذراء القديسة قد انفسدت، وأنها حملت بطفل ليس من الروح القدس أو بعمل من فوق بل من أحد الذين على الأرض. ولكونهم غير مؤمنين بالمرة وبلا فهم، فإنهم إما لم يعتبروا الكتابات النبوية، رغم أنهم يسمعون علنًا: "هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا" (إش 7: 14)... وغير مُفكرين في الطبيعة (الإلهية) التي تعمل ما يفوق النطق، والتي لا يصعب عليها عمل أي شيء، وكل شيء يبدو حسنًا له (للَّه) فهو ميسور. وهم يعتبرون أنه لا يمكن لامرأة أن تحمل في بطنها إلاَّ بمعاشرة لزوجها. وإذا كانوا مرضى بمثل هذا الظن، فإن هؤلاء التعساء تجاسروا أن يتقوَّلوا كذبًا على الولادة بالروح للمولود الإلهي العجيب. وحين يضعهم خارج القرابة مع إبراهيم وينسبهم إلى أب آخر فأنهم يغضبون جدًا وينفثون بلا كبح غضبهم المتأصل فيهم. ويسبُّون قائلين: " إِنَّنَا لَمْ نُولَدْ مِنْ زِنًا. لَنَا أَبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ اللهُ" لأنهم يقولون بطريقة غامضة... أنت لك أبوان، وأنت لم تُولَد من زواج شريف، أمَّا نحن فلنا أب واحد وهو اللَّه"(258)... " فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ لَوْ كَانَ الله أَبَاكُمْ لَكُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي... أَنْتُمْ مِنْ أَبٍ هُوَ إِبْلِيسُ وَشَهَوَاتِ أَبِيكُمْ تُرِيدُونَ..." (يو 8: 42-44).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
اتهامات اليهود للسيد المسيح:
1- " إِنَّكَ سَامِرِيٌّ وَبِكَ شَيْطَانٌ" (يو 8: 48): بينما كان هناك عداء مُستحكم بين اليهود والسامريين، فإن السيد المسيح قد جاء من أجل هؤلاء وأولئك. اتهموه أنه سامري لأنه يقبل الآخر، ويساوي بين اليهود والسامريين. أمَّا هو فلم يرد على هذا الاتهام لأنه جاء من أجل خلاص جميع شعوب العالم بما فيهم السامريين، وإن كان بولس الرسول المُلتهب من أجل خلاص البشر قد صار كل شيء لكل البشر لكي يربح على كل حال قومًا: " فَصِرْتُ لِلْيَهُودِ كَيَهُودِيٍّ لأَرْبَحَ الْيَهُودَ. وَلِلَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ كَأَنِّي تَحْتَ النَّامُوسِ لأَرْبَحَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ. وَلِلَّذِينَ بِلاَ نَامُوسٍ كَأَنِّي بِلاَ نَامُوسٍ... صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لأَرْبَحَ الضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ لأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَال قَوْمًا" (1 كو 9: 20-22). فما بالك برب بولس الرسول؟!! لقد سعى نحو خلاص المرأة السامرية ومدينة السامرة، ومدح السامري الأبرص الذي عاد ليشكر (لو 17: 16-17)، وفي مَثَل السامري الصالح أوضح بأجلى بيان بأن الرجل السامري صنع الرحمة التي لم يصنعها لا الكاهن ولا اللاوي، حتى صار من ألقاب السيد المسيح لقب "السامري الصالح" والأمر الرائع أن معنى "سامري" أي "حارس" وهو اللقب الذي أعطاه ملك آشور لمن أرسلهم من بين النهرين ليكونوا كحراس لأرض إسرائيل بعد سبي المملكة الشمالية، والسيد المسيح هو الحارس الحقيقي، هو حارس إسرائيل الذي لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4) و" إِنْ لَمْ يَحْفَظِ الرَّبُّ الْمَدِينَةَ فَبَاطِلًا يَسْهَرُ الْحَارِسُ" (مز 127: 1). ويقول "البابا غريغوريوس (الكبير)": "وجه ضده اتهامان: جحد اتهام (بك شيطان) وأظهر قبوله للثاني (أنك سامري) بصمته. إنه قد صار حارسًا على الجنس البشري. فلو أنه قال أنه ليس بسامري يجحد أنه الحارس. كان صامتًا بخصوص ما يعلم أنه حقيقي، وبطول أناة رفض ما قيل عنه باطلًا. انظروا كيف أنه عندما شُتم الرب لم يكن غاضبًا، ولا كانت ردود فعله كلمات أثيمة" (259).
أمَّا الاتهام الثاني " وَبِكَ شَيْطَانٌ" فهو اتهام متكرر من اليهود: " لأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّ مَعَهُ رُوحًا نَجِسًا" (مر 3: 30)... " وَأَمَّا قَوْمٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا بِبَعْلَزَبُولَ رَئِيسِ الشَّيَاطِينِ يُخْرِجُ الشَّيَاطِينَ" (لو 11: 15)، ورد عليهم السيد المسيح بأن المملكة المنقسمة لابد أن تخرب، وسألهم: وأبناؤكم بمن يخرجون؟ (لو 11: 17-21). هنا لم يناصبهم العداء، إنما حاول أن يفهمهم الحقيقة لينقذهم من الهلاك: " أَجَابَ يَسُوعُ أَنَا لَيْسَ بِي شَيْطَانٌ لكِنِّي أُكْرِمُ أَبِي وَأَنْتُمْ تُهِينُونَنِي" (يو 8: 49).
2- " أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينـَا إِبْرَاهِيمَ" (يو 8: 53): قال السيد المسيح: " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ" (يو 8: 51)، وهو يقصد بالطبع الموت الروحي، أمَّا اليهود فقد ظنوه أنه يتكلم عن الموت الجسدي، فقالوا له: " قَدْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَالأَنْبِيَاءُ... أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ" (يو 8: 52-53) والسيد المسيح لم يقل لهم: نعم أنا أعظم من إبراهيم، حتى لا يثير غضبهم أكثر فأكثر، إنما أوضح لهم بأن مجده يفوق مجد إبراهيم: " أَجَابَ يَسُوعُ إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئًا. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي..." (يو 8: 54) وكان من المفروض أن يسأل هؤلاء اليهود أنفسهم: هل إبراهيم أظهر سلطانه على الطبيعة والأرواح، والأمراض، والأسماك، والنباتات وحتى الموت؟!! يقول "القديس كيرلس الكبير": " الغاية من الحديث هيَ مُتجهة نحو إبراهيم القديس والأنبياء، ولكن المُخلِّص يحوّل المعنى إلى نفسه بطريقة مقنعة، وهو لا يجهل أن الفريسي ميَّال للغضب -حتى بدون سبب يدعوه إلى ذلك- وأن الفريسي يجعل كل واحدة من كلماته (كلمات المسيح) سببًا إضافيًا للتآمر بعنف أكثر من قتله... واليهود كانوا يندفعون ويناقضون ما يقوله هو، وهم يتكلمون دائمًا وكثيرًا جدًا عن إبراهيم المغبوط والأنبياء... فكان ينبغي على الرب إذًا أن يدافع بعبارات جلية عن هذه الأمور، ويقول بوضوح: أنا أعلى وأعظم من إبراهيم والأنبياء. لكن اليهودي صاحب الذهن المتعالي لم يكن ليحتمل هذا الكلام، بل كان سيغضب على الفور بسبب ذلك ويتظاهر بأنه مُحب للآب (إبراهيم)، وإذ يدَّعي أنه يدافع عن مجد القديسين، فإنه يُهاجم المسيح بأكثر حدة، وفي غيظه يبدو أنه مُتعطش تمامًا للدماء، ولذلك كان الرب إذ يحوّل الكلام عن نفسه يقول: "إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئًا"(260). ثم قال لهم: " أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي" (يو 8: 54).
3- " أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ" (يو 8: 57): قال السيد المسيح لليهود: " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ. فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" (يو 8: 56-58). يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " لماذا لم يقل: "قبل أن كان إبراهيم أنا كنتُ" بل "أَنَا كَائِنٌ"... يستخدم المسيح هذا التعبير ليعني استمرار الكائن فوق كل زمان. لهذا حُسب هذا التعبير (أنا كنتُ) تجديفًا"(261). ويقول "القديس أغسطينوس": "لتزفوا الكلمات، ولتتعرفوا على السر "قَبْلَ أَنْ يَكُونَ (أي يُخلَق Was made) أَنَا كَائِنٌ". لتفهموا أن "خُلِق" تشير إلى الخلق البشري، أما "أَنَا كَائِنٌ" فتشير إلى الجوهر الإلهي. لم يقل "قبل أن يكون (was) أنا كنت" ذاك الذي لم يُخلَق إلاَّ بي أنا الكائن. ولم يقل "قبل أن يُخلَق إبراهيم أنا خلقتُ"... لتميزوا بين الخالق والمخلوق" (262).
وقال بعض النُقَّاد أن عبارة السيد المسيح: " قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ" المقصود بها أنه كان كائنًا في علم اللَّه قبل إبراهيم، وهذا ضد العقل والمنطق لأن إبراهيم كان أيضًا كائنًا في علم اللَّه، وقد عاش إبراهيم قبل يسوع بنحو ألفي عام فكيف يكون السيد المسيح سابقًا له في الوجود في علم اللَّه؟!! أيضًا تأمل قول يسوع " أَنَا كَائِنٌ" أي دائم الوجود منذ الأزل وإلى الأبد، ومع أن السيد المسيح كان يُعلن عن نفسه بطريقة مغلَّفة، ولكن عندما كان يواجه بأذان ثقيلة كان يكشف عن لاهوته بطريقة صريحة، مثلما فعل هنا، حتى لو أدى الأمر إلى احتدام الصراع مع اليهود، حتى إلتقطوا حجارة ليرجموه. يقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": "وبهذه اللغة الحجرية الجامدة، أرادوا أن يقذفوا المسيح... قلوب حجرية بين ضلوعهم، ومواد حجرية في أياديهم. وكم من "حجارة" يتناولها اليوم كثيرون، ليرجموا بها المسيح، في مدارس النقد الإباحي، وفي برية الشكوك، وقيافي العلم الغبي، وظُلمات العناد. فالحجارة هيَ، في كل عصر، جواب محبي الظُلمة على ناشر النور. ولكن إذا كانت الظُلمة تُحارب النور بالأحجار، فهل تقوى الأحجار على إطفاء النور؟ فهل إذا رجمتَ الشمس بالأحجار كل صباح، تكف عن الإشراق؟! وهل عوي الذئاب بقادر أن يمنع جبار الفضاء عن المسير في فلكه؟!" (263).
ويقول الإنجيل: " أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازًا فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هكَذَا" (يو 8: 59)، ويعلق "القديس كيرلس الكبير" قائلًا: "يقول "وَمَضَى هكَذَا"، وهو يعني أنه مضى ليس بحذر، أو بحبس النفس، أو بمُمارسة المناورات التي يعملها الذين يُريدون الهروب، بل بخطوته العادية، وبدون أي انزعاج، لأنه أخفى نفسه بقوته الإلهية التي لا يُعبَّر عنها. ثم تجنب نظر الذين كانوا يُريدون قتله، لأنه لم يكن بعد يُريد أن يموت ولا أن يسمح لرغبات مُضطهديه أن تحدد ساعة موته بدون إرادته"(264).
ثانيًا: قال السيد المسيح: " إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَـوْتَ إِلَى الأَبَدِ" (يو 8: 51) فإن كان المسيحيون يحفظون كلام المسيح فلماذا يموتون...؟ هناك أنواع من الموت، فالخطية موتًا روحيًّا وأدبيًّا وجسديًّا. الموت الروحي أي انفصال الإنسان عن اللَّه، لأن بالخطية يصير الإنسان ظُلمة، ويستحيل أن تواجه الظُلمة النور الإلهي، فتنفصل الصورة عن الأصل، ويسري على الإنسان حكم الموت الأبدي، فهو ميت حي حتى لو كان حيًّا بالجسد، كقول الكتاب: " وَأَمَّا الْمُتَنَعِّمَةُ فَقَدْ مَاتَتْ وَهِيَ حَيَّةٌ" (1 تي 5: 6). والموت الأدبي أن يغشى الإنسان خزي الخطية فيشعر أنه عريان أمام اللَّه وليس من يستره، ذات الشعور الذي انتاب أبونا آدم عند ارتكاب الخطية الأولى، فبعد أن كان يُسرع ويُلقي بنفسه في الأحضان الإلهية الأبوية قبل السقوط، صار يهرب من صوت اللَّه: " فَقَالَ سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ" (تك 3: 10). أمَّا الموت الجسدي فهو مُفارقة روح الإنسان جسده: " فَيَرْجعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ وَتَرْجعُ الرُّوحُ إِلَى الله الَّذِي أَعْطَاهَا" (جا 12: 7)... " وُضِعَ لِلنَّاسِ أَنْ يَمُوتُوا مَرَّةً ثُمَّ بَعْدَ ذلِكَ الدَّيْنُونَةُ" (عب 9: 27). والسيد المسيح عندما قال: " إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كَلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ" كان يقصد الموت الروحي وليس الموت الجسدي، مثلما قال: " مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَـارُ مَاءٍ حَيٍّ" (يو 7: 38)... " اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ مَنْ يَسْمَعُ كَلاَمِي وَيُؤْمِنُ بِالَّذِي أَرْسَلَنِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَلاَ يَأْتِي إِلَى دَيْنُونَةٍ بَلْ قَدِ انْتَقَلَ مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ" (يو 5: 24).
ويفسر "متى هنري" معنى قول السيد المسيح في (يو 8: 51) فيقول: " ليس معنى هذا أن أجساد المؤمنين لن تذوق طعم الموت. إذًا فما معنى هذا الوعد القائل بأن المؤمن "فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ"؟ سوف تتغير خاصية الموت بالنسبة لهم حتى أنهم لن يروه كموت، ولن يروا رعب الموت. ولن تنتهي قدرتهم على الإبصار بالموت، لكنهم ينظرون بكل وضوح من خلال الموت، ويرون ما بعده، حتى أنهم يتخطون الموت فلا يرونه ولن يروا الموت إلى الأبد. وسيأتي اليوم حين تجد أنه قد "ابتلع الموت إلى غلبة". فلقد خلصوا تمامًا من الموت الأبدي، وسوف تكون الحياة الأبدية من نصيبهم حيث "لا يكون موت بعد" وحيث "لا يمكن أن يموتوا"..."(265).
ثالثًا: متى رأى إبراهيم السيد المسيح الذي قال: " أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ" (يو 8: 56)...؟ عندما قدم إبراهيم ذبائحه من عجلة ثلثية (أي عمرها ثلاث سنوات) وعنزة ثلثية وكبشًا ثلثيًا ويمامة وحمامة، وعندما مالت الشمس للمغيب وقع سبات على إبرام وتحدث اللَّه معه وقطع معه ميثاقًا (تك 15: 9-21) في هذا الموقف رأى إبراهيم أقنوم الكلمة الفادي، وأيضًا عندما استضاف إبراهيم اللَّه الكلمة ومعه ملاكين عند بلوطات ممرا (تك 18) رأى إبراهيم الفادي الديان، أمَّا المرة التي تجلى فيها البار فكانت عندما قدم إبراهيم ابنه وحيده حبيبه إسحق ذبيحة، وعندما رفع السكين ناداه ملاك الرب ونهاه عن ذبح ابنه وأرشده للكبش المُوثق بشجرة الصليب، فكان كل من إسحق والكبش رمزًا ليسوع المصلوب القائم من الأموات. لقد رأى إبراهيم السيد المسيح بعد مسيرة ثلاثة أيام وبعد أن ذُبح إسحق بالنية، وعاد مع أبيه حيًا، وقال "القديس أمبروسيوس" إن إبراهيم رأى يوم المسيح عندما أقسم اللَّه له بذاته أنه بالبركة يُباركه (تك 22: 16-18).
وما أجمل قول بولس الرسول لسان العطر: " فِي الإِيمَانِ مَاتَ هؤُلاَءِ أَجْمَعُونَ وَهُمْ لَمْ يَنَالُوا الْمَوَاعِيدَ بَلْ مِنْ بَعِيدٍ نَظَرُوهَا وَصَدَّقُوهَا وَحَيُّوهَا" (عب 11: 13). لقد عرف إبراهيم بسر الفداء مثلما عرف موسى وإيليا وداود وإشعياء وغيرهم عبر النبوءات التي أُعلنت لهم، ولهذا عندما ظهر موسى وإيليا على جبل التجلي: " تَكَلَّمَا عَنْ خُرُوجِهِ الَّذِي كَانَ عَتِيدًا أَنْ يُكَمِّلَهُ فِي أُورُشَلِيمَ" (لو 9: 31).
_____
(255) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص616.
(256) المرجع السابق، ص619، 620.
(257) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص649.
(258) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص615، 616.
(259) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص648.
(260) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص642.
(261) أورده القمص تادرس يعقوب - الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص660.
(262) المرجع السابق، ص660.
(263) شرح بشارة يوحنا، ص378.
(264) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الثاني، ص461.
(265) التفسير الكامل للكتاب المقدَّس، جـ1 الأناجيل الأربعة، ص652، 653.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/726.html
تقصير الرابط:
tak.la/c264ask