St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

727- هل سؤال التلاميذ: " يَا مُعَلِّمُ مَنْ أَخْطَأَ هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" (يو 9: 2) تعكس إيمانهم بعقيدة تناسخ الأرواح؟ وهل برْكَة سلوام (يو 9: 7) لا وجود لها، وهذا يعكس جهل الكاتب بجغرافية أورشليم؟ وهل تفتيح عيني المولود أعمى (يو 9: 6، 7) مُعجزة شفاء أم أنها مُعجزة خلق؟

 

سؤال 727: هل سؤال التلاميذ: " يَا مُعَلِّمُ مَنْ أَخْطَأَ هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" (يو 9: 2) تعكس إيمانهم بعقيدة تناسخ الأرواح؟ وهل بـِرْكَة سلوام (يو 9: 7) لا وجود لها، وهذا يعكس جهل الكاتب بجغرافية أورشليم؟ وهل تفتيح عيني المولود أعمى (يو 9: 6-7) مُعجزة شفاء أم أنها مُعجزة خلق؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: هل سؤال التلاميذ: " يَا مُعَلِّمُ مَنْ أَخْطَأ هذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟" (يو 9: 2) تعكس إيمانهم بعقيدة تناسخ الأرواح...؟ لعل التلاميذ عندما رأوا وسمعوا السيد المسيح وهو يقول للمفلوج قبل أن يشفيه: " يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ" (مر 2: 5) كما قال لمريض بيت حسدا بعد أن شفاه: "هَا أَنْتَ قَدْ بَرِئْتَ فَلاَ تُخْطِئْ أَيْضًا لِئَلاَّ يَكُونَ لَكَ أَشَرُّ" (يو 5: 14) فارتبطت في أذهانهم الصلة بين الخطية والمرض، وظنوا أن كل مرض أو عاهة أو كارثة خلفها خطية رابضة، ولهذا سألوا مُعلمهم عن سبب هذا العمى، هل هيَ نتيجة خطية هذا الرجل، وإذا كان وُلِدَ أعمى قبل أن يرتكب أي خطية، فلعل هذا العمى نتيجة وثمرة خطايا أبواه؟

أمَّا عقيدة تناسخ الأرواح وإعادة التجسد Reincarnation فهيَ عقيدة هندوسية، حيث يعتقدون أن الروح بعد أن تُفارق الجسد بالموت تعود لتسكن في جسد آخر، ونوعية هذا الجسد تتحدَّد بناءً على أعمالها في حياتها السابقة، فإذا كانت أعمالها شريرة تعود في جسد مشوَّه أعمى أو أصم أو أعرج، بل يمكن أن يكون جسد حيوان، أمَّا إذا كانت أعمالها صالحة فأنها تعود لتسكن في جسد أفضل فترتقي مثلًا من جسد حيوان إلى جسد إنسان، أو من جسد إنسان فقير بائس إلى جسد إنسان غني أو ملك.

وهذه العقيدة لا أثر لها لا في الأسفار المقدَّسة ولا في البيئة اليهودية، فمن أين آتى بها التلاميذ وهم من الناس البسطاء الذين لم يُسافروا إلى الهند ولا السند، ولم يطلعوا على تلك الثقافات الهندوسية؟!! ولم يكونوا ضالعين في الفلسفة اليونانية، ولا يعرفون أن "أفلاطون" في "نظرية المثل" اعتقد بتناسخ الأرواح، ولم يصغوا إلى "أوريجانوس" الذي اعتقد في فترة من حياته أن الأرواح لها وجود سابق على الأجساد، وظن أن فكرة تناسخ الأرواح صحيحة، وأن اللَّه يُعاقب الأرواح التي تُخطئ إذ يطردها من العالم الروحاني إلى العالم المادي فيسكنها في جسد بمثابة حبس وسجن لها لتكفر عن خطاياها في حياتها السابقة. ثم أدرك أوريجانوس خطأ وخطورة هذا الفكر، فاعتذر عنه كتابة في بعض كُتبه (راجع موسوعة الأنبا غريغوريوس جـ 16 - الكتاب المقدَّس جـ 5 - تفسير إنجيل القديس يوحنا ص203). إذًا فمن أين لهؤلاء التلاميذ هذه العقيدة الهندوسية؟!!

وقال البعض أن سفر الحكمة تحدث عن تناسخ الأرواح عندما قال: " وَقَدْ كُنْتُ صَبِيًّا حَسَنَ الطِّبَاعِ وَرُزِقْتُ نَفْسًا صَالِحَةً ثُمَّ بِازْدِيَادِي صَلاَحًا حَصَلْتُ عَلَى جَسَدٍ غَيْرِ مُدَنَّسٍ" (حك 8: 19-20) والحقيقة أن القصد من قوله: "حَصَلْتُ عَلَى جَسَدٍ غَيْرِ مُدَنَّسٍ" أي أنني وصلت إلى حياة الطهارة والعفة بنفس الجسد الذي أعيش به، وليس المقصود إعادة التجسد، فهو هنا يتحدث عن الجهاد الروحي من أجل الوصول إلى حياة القداسة والعفة في هذه الحياة التي لا تتكرر ثانية أبدًا، وفي الآية التالية مباشرة أرجع الفضل في الحصول على هذه الحياة الطاهرة للَّه فقال: " وَلَمَّا عَلِمْتُ بَأَنِيَّ لاَ أَكُونُ عَفِيفًا مَا لَمْ يَهَبْنِيَ اللهُ الْعِفَّةَ وَقَدْ كَانَ مِنَ الْفِطْنَةِ أَنْ أَعْلَمَ مِمَّنْ هذِهِ الْمَوْهِبَةُ تَوَجَّهْتُ إِلَى الرَّبِّ وَسَأَلْتُهُ مِنْ كُلِّ قَلْبِي..." (حك 8: 21). قال "القديس كيرلس الكبير": " كم هو تافه حقًا وبعيد عن الصواب أن يُفكر أحد أن النفوس أخطأت قبل وجود أجسادها، ولهذا صارت في أجساد وأرسلت إلى هذا العالم" (266).

ويقول "مارديونيسيوس يعقوب ابن الصليبي": " قال ساويرس في هذا الصدد: يدَّعي الوثنيون أن النفس سابقة بوجودها بالجسد، وأنه ليس فيها محبة اللَّه وإنما اللَّه ربطها في الجسد لأجل الخطية وشبهوا الجسد بالقبر الذي تُسجن فيه النفوس كما تُلقى الأجساد في القبور، فلاشى مُخلصنا هذا الرأي الكاذب بقوله: لم يُخطئ هذا. أي ما كانت الروح قبل الجسد، ولا كانت محرومة الفضيلة حتى يقتص منها فتُربط بجسد أعمى، وبقوله: لم يُخطئ أبواه أعلن له المجد أن اللَّه لا يُجازي الابن بخطايا والديه، بل أن النفس التي تأثم هيَ تموت موتًا، كما قال حزقيال" (267).

وفكرة ارتباط الأمراض والعاهات والكوارث بالخطية، كانت محط تفكير وأبحاث علماء اليهود، فبعضهم نسب كل المصائب التي تصيب الإنسان إلى خطايا البشر مُعتمدين على ما جاء في (تك 3: 16-19) (راجع أيضًا لو 13: 1-4؛ يو 8: 34؛ رو 5: 12-19)، والبعض إدَّعى أن الإنسان يمكن أن يُخطئ قبل ولادته مُعتمدين على ما جاء في (أي 14: 4؛ مز 51: 5)، والبعض اعتقد أن المصائب التي تلحق بالأبناء هيَ نتيجة خطايا والديهم مُعتمدين على ما جاء في (خر 20: 5؛ 34: 7؛ عد 14: 18، 33؛ إر 32: 18؛ حز 18: 2)، وشاعت بعض أقوال الربيين الذين يؤيدون هذا الاتجاه، فمن أقوالهم: "من يتطلع إلى عقب امرأة سيولد له أطفال معوقين"(268). " ليس موت بدون خطية ولا ألم بدون شر" (المرجع السابق ص670) كما قالوا أن من يُعاشر زوجته وقت الطمث يُولد له أطفال مُصابين بمرض الصرع. ولكن فكرة ربط الأمراض والعاهات والكوارث بالخطية، ليست في المُطلّق بدليل أن هناك أبرار قد تعرضوا للتجارب القاسية والآلام المريرة مثل يوسف الصديق وأيوب البار، وغيرهما الكثير، ومن الجانب الآخر قد تجد أشرارًا يعيشون في صحة وترف ورفاهية.

ويجب أن نعي أنه عندما قال السيد المسيح: " لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ" لم يقصد أنهم أبرار لم يفعلوا خطية قط، إنما قصد أن ينفي أن سبب العمى خطية ما. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " قول السيد المسيح عن الأعمى "لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ" ليس مُبرئًا لأبويه من الخطايا، لأنه لم يقل على بسيط ذات القول: "لاَ هذَا أَخْطَأَ وَلاَ أَبَوَاهُ" لكنه أكمل "لكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ الله فِيهِ" لأن هذا الأعمى قد أخطأ هو ووالداه، إلاَّ أن عماه هذا ليس بسبب هذا، لأنه لا يجوز أن يُعاقب أحد إذا أخطأ آخر، فقد أزال هذا الوهم بلسان حزقيال النبي، إذ قال... (حز 18: 1-4). هذا وقد قال موسى النبي: "لاَ يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلاَدِ وَلاَ يُقْتَلُ الأَوْلاَدُ عَنِ الآبَاءِ. كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ" (تث 24: 16)" (269). كما يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم " أيضًا: " لا يلزم من قول السيد المسيح أن ذلك الأعمى كان بلا خطية وأن أبواه لم يقترفا إثمًا، فإنه من المقرَّر الثابت أن الخطية الأصلية، وخطايا والديه قائمة بل لحكمة يعرفها اللَّه، سمح أن يفقد هذا الإنسان بصره قبل أن يُولد لكي يُظهِر اللَّه قوته فيستنير الأعمى جسدًا ونفسًا ويكون شفاؤه سببًا في خلاص آخرين"(270). ومن الملاحظات الهامة التي يجب الالتفات إليها أن اللَّه إذا سمح بعجز مُعيّن في حاسة من حواس الإنسان، فإنه يُعوضه في بقية الحواس، كما أن اللَّه يحنو عليه مثلما تحنَّن على هذا الرجل، حتى صار عماه سببًا في خلاصه. قال الأنبا أنطونيوس للقديس ديديموس الضرير: " طوباك يا ديديموس إذ خسرت عينين ترى بهما التراب ولكن لك عينين ترى بهما السماء". دائمًا اللَّه يحوّل كل نقائصنا إلى خير لنا.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثانيًا: هل بِرْكَة سلوام (يو 9: 7) لا وجود لها، وهذا يعكس جهل الكاتب بجغرافية أورشليم...؟ بِرْكَة سلوام حقيقة واقعة يذكر لنا التاريخ أن مدينة أورشليم كانت تفتقر للمياه، فلا يوجد داخل أسوارها ينابيع مياه، وكان سكان المدينة يستقون من "ينبوع العذراء" في وادي قدرون، ففي أيام الملك حزقيا ملك يهوذا خشى أن ملوك آشور يحاصرون المدينة فتهلك عطشًا أو تُسلّم للأعداء، ولا سيما أن سنحاريب حاصر السامرة عاصمة المملكة الشمالية حصارًا مُرًا، فشرع الملك حزقيا في حفر قناة في باطن الأرض الحجرية القاسية الصلدة تصل المياه من نبع العذراء إلى بركة سلوام داخل أسوار أورشليم، وكان من المفروض أن يكون طول هذه القناة (366) ياردة ولكنها وصلت إلى (600) ياردة لأنها أخذت خطًا مُتعرجًا بحسب طبيعة الأرض، وهذه القناة كانت تتسع وتضيق أيضًا بحسب طبيعة الأرض الصخرية، ففي بعض الأماكن كان عرض القناة لا يتعدى القدمين بعمق ستة أقدام، وعلى جدار هذه القناة نُقشت العبارات الآتية: "بينما كان العمال يضربون بمعاولهم في الجدران الصخرية، سمع الفريقان صوت أحدهما ينادي الآخر، فقد كان هناك شق في الصخر أوصل النداء. وفي نفس اليوم تدفقت المياه عبر القناة"(271).

وعن هذه القناة جاء في سفر الملوك الثاني: " وَبَقِيَّةُ أُمُورِ حَزَقِيَّا وَكُلُّ جَبَرُوتِهِ وَكَيْفَ عَمِلَ الْبِرْكَةَ وَالْقَنَاةَ وَأَدْخَلَ الْمَاءَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَا هِيَ مَكْتُوبَةٌ فِي سِفْرِ أَخْبَارِ الأَيَّامِ لِمُلُوكِ يَهُوذَا" (2 مل 20: 20). وجاء في سفر أخبار الأيام: " وَحَزَقِيَّا هذَا سَدَّ مَخْرَجَ مِيَاهِ جَيْحُونَ الأَعْلَى وَأَجْرَاهَا تَحْتَ الأَرْضِ، إِلَى الْجِهَةِ الْغَرْبِيَّةِ مِنْ مَدِينَةِ دَاوُدَ" (2 أي 32: 30). وكلَّم الرب إشعياء النبي الذي عاصر حزقيا الملك قائلًا: " لأَنَّ هذَا الشَّعْبَ رَذَلَ مِيَـاهَ شِيلُوهَ الْجَارِيَةَ بِسُكُوتٍ..." (إش 8: 6) والمقصود بمياه شيلوه مياه بركة سلوام الكائنة في أورشليم، ودُعيت هذه البركة "بركة سلوام" ومعنى "سلوام" أي "مُرسَل"، فقال يوحنا الحبيب: " بِرْكَةِ سِلْوَامَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ مُرْسَلٌ" (يو 9: 7) و"سلوام" كلمة أرامية مُشتقة من كلمة שָׁלַח "شلح" العبرية ومعناها أرسل، ولعل من كلمة "شلح" جاءت كلمة شيلوه (إش 8: 6). ودعيت البِرْكَة "مُرسَل" لأن مياهها العذبة المُتدفقة مُرسَلة من نبع العذراء، وهيَ مياه جارية ترتفع وتنخفض بحسب مستوى المياه المُتدفقة إليها، وكانت حدائق الملك تُروى من مياه تلك البِرْكَة، وربما دُعيت البِرْكَة "مُرسَل" لأنها مُرسَلة كهدية من السماء إلى أورشليم مدينة إلهنا، ورأى هذه البِرْكَة القديس جيروم (347-420م) وذكرها في شرحه للآية (إش 8: 6).

ولأن معالم هذه البِرْكَة كانت قد اختفت تمامًا في القرن الثامن عشر الميلادي لذلك كثرت أقوال النُقَّاد بأن هذه البِرْكَة لا وجود لها، وظلت هذه الشكوك نحو مائة عام، ولكن مع نهاية القرن الثامن عشر تم اكتشاف هذه البِرْكَة والقناة، وهيَ مُلاصقة للجدار الجنوبي للمدينة (راجع الأب متى المسكن - شرح إنجيل يوحنا جـ1 ص592، والدكتور القسم إبراهيم سعيد - شرح بشارة يوحنا).

ثالثًا: هل تفتيح عيني المولود أعمى (يو 9: 6-7) هيَ معجزة شفاء أم أنها معجزة خلق...؟ هذا الرجل وُلِدَ أعمى أي ليس له عينان بين مقلتيه، والسيد المسيح خلق له عينين كاملتين من طين الأرض مثلما جبل اللَّه آدم الأول من تراب الأرض: " وَتَفَلَ عَلَى الأَرْضِ وَصَنَعَ مِنَ التُّفْلِ طِينًا وَطَلَى بِالطِّينِ عَيْنَيِ الأَعْمَى" (يو 9: 6). وإن كان استعمال البُصاق في عصرنا الحالي يبدو أمرًا شاذًا ومُنفّرًا، فإنه في ذلك الزمان كانوا يعتقدون أن بُصاق العُظماء يمكن أن يشفي الأمراض. لقد أعاد السيد المسيح لذاكرة الإنسان الصورة التي جُبل عليها وأصل جسده الترابي: " وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ" (تك 2: 7) (راجع تك 3: 19)، وقال أليهو: " أَنَا أَيْضًا مِنَ الطِّينِ تَقَرَّصْتُ" (أي 33: 6)، وقال الرب على لسان إشعياء النبي: " وَيْلٌ لِمَنْ يُخَاصِمُ جَابِلَهُ... هَلْ يَقُولُ الطِّينُ لِجَابِلِهِ مَاذَا تَصْنَعُ" (إش 45: 9) وقال إشعياء: " وَالآنَ يَا رَبُّ أَنْتَ أَبُونَا. نَحْنُ الطِّينُ وَأَنْتَ جَابِلُنَا وَكُلُّنَا عَمَلُ يَدَيْكَ" (إش 64: 8).

ولعل أحد يتساءل: ألم يكن في مقدرة السيد المسيح أن يخلق عينين بكلمة منه؟ ويُجيب على هذا التساؤل "القديس كيرلس الكبير" فيقول: " فربما يقول أحد: لماذا، رغم أن الرب يستطيع بسهولة أن يجعل كل الأشياء صحيحة، بكلمة، فلماذا يصنع من التفل طينًا، ويطلي عيني الأعمى ويبدو وكأنه يصف لنا إجراء من نوع ما، بقوله: "اذْهَبِ اغْتَسِلْ فِي بِرْكَةِ سِلْوَامَ"؟ إنني أعتقد أن هناك بالتأكيد معنى عميق مُختبئ وراء هذه الكلمات، لأن المُخلِّص لا يصنع شيئًا بدون هدف، فهو بواسطة طلائه بالطين يُكمل ما كان ناقصًا وعاطلًا في طبيعة العين، وبذلك يبين أنه هو بذاته الذي شكَّلنا من البدء، وأنه هو خالق ومصدر الكون"(272).

ونُعيد القول أن السيد المسيح استخدم الطين الذي يعمي العينين السليمتين ليخلق عينين تبصران كل شيء. قال "القديس يوحنا الذهبي الفم": " أخذ ترابًا من الأرض وذلك بنفس الطريقة هو يخلق. حقًا لو أنه قال: "أنا هو الذي أخذَ ترابًا من الأرض وشكَّل الإنسان" لكان الأمر شاقًا وبغيضًا على سامعيه أن يحتملوه. لكنه إذ أظهر الأمر خلال العمل الواقعي لا يقف شيء أمامه. لذلك إذ أخذ ترابًا ومزجه باللعاب يُعلن مجده الخفي. فإنه ليس بالأمر الهين أن يؤمنوا أنه صانع الخليقة"(273). ويقول "مارأفرام السرياني": "صنع العينين من الطين. انبعث النور من التراب، وذلك كما حدث في البداية... أمر النور، فوُلِدَ من الظُلمة. هكذا هنا أيضًا صنع طينًا بلعابه. وقدم كمالًا لما كان ناقصًا في الخلقة، وذلك منذ البداية، ليُظهِر أن ما كان في يديه هو أن يُقدم كمالًا لما هو ناقص في الطبيعة... وإذ كانوا لا يُريدون أن يؤمنوا أنه قبل إبراهيم. برهن لهم بالعمل أنه ابن ذاك الذي شكَّلت يداه آدم الأول من التراب" (274).

أيضًا استخدم السيد المسيح الطين مع هذا الرجل ليُظهِر عِظم طاعته، تلك الطاعة التي تدين كبرياء الكتبة والفريسيين، فهذا الرجل سلَّم وجهه لإنسان يُقال له يسوع (يو 9: 11) لم يره من قبل ولا سمعه، ولكنه يؤمن به، فيُطلي عينيه بالطين!!! لم يقل الرجل إذا كان الطين يعمي العينين السليمتين، فكيف يهبني البصر؟!! ولم يقل إذا كان هذا الطين سيهبني البصر فلماذا أذهب لأغتسل في بِرْكَة سلوام؟!! أليس الماء يزيل الطين الذي لطخ وجهي؟!! وإذا كان في ماء البِرْكَة قوة الشفاء ما لزوم الطين الذي لطخ وجهي؟!! وهناك أسئلة عديدة لا يعرف إجابتها، لكنه أطاع وإنصاع لأمر مُخلصنا الصالح. وسار في شوارع أورشليم ولم يهتم بسخرية الناس من إنسان لطخ الطين عينيه ويسعى بجد ونشاط ليبلغ مياه بِرْكَة سلوام. والحقيقة أن الذين شاهدوه والطين يعلو عينيه واندهشوا أو سخروا منه، ثم شاهدوه ثانية عائدًا أدراجه فرحًا مُتهلالًا مُبصرًا صاروا شهود لحقيقة هذه المعجزة. ويقول "القس أبو الفرج": " قال يوحنا فم الذهب أن المسيح أنار الأعمى بواسطة الطين وهو مُضر وجالب العمى ليُبين أنه شفاه بقوة تفوق الطبيعة لا بقوة طبيعية وأنه جابل الجبلة الطبيعية وخالق البارية بأسرها. وليُوضح لنا أنه غير مقيَّد بوسيلة واحدة لإظهار آياته وعجائبه، فتارة يشفي المريض بكلمة وتارة باللمس وتارة بالتفل في عينيه ووضع يديه عليه (مر 8: 23)" (275).

ومعجزة الخلق هذه حققت قول السيد المسيح " لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ الله فِيهِ" (يو 9: 3) فظهر عمل اللَّه في خلقة عينين جديدتين، وأيضًا في خلاص هذا الإنسان وآخرون، فيقول "القس أبو الفرج" أن اللَّه: " سمح أن يفقد هذا الإنسان بصره قبل أن يُولد لكي يُظهِر اللَّه قدرته فيستنير الأعمى جسدًا ونفسًا، ويكون شفاؤه سببًا في خلاص آخرين. وقال بعض المُفسرين ليس العمى علة في ظهور قدرة اللَّه، بل أن حكمة اللَّه سمحت بحصول العمى فكانت الرحمة بشفائه علة في ظهور القدرة. وقيل أن أعمال اللَّه لم تكن علة في ولادة هذا أعمى بل أن ولادته أعمى كانت سببًا لإظهار أعمال اللَّه به، فإنه لو لم يعرض له العمى لما احتاج إلى الشفاء، ولو لم يقبل الشفاء لما أظهر المسيح فيه تلك المعجزة الكبرى. ولو لم تحصل هذه المعجزة لما آمن هو ولا آمن غيره بسببه"(276).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(266) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص655.

(267) الدر الفريد في تفسير العهد الجديد، ص375.

(270) أورده البابا تاوضروس الثاني - مفتاح العهد الجديد، جـ 1، البشائر الأربعة، ص233.

(271) وليم باركلي - ترجمة دكتور عزت زكي - شرح لبشارة يوحنا، جـ2، ص92.

(272) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد وآخرون - شرح إنجيل يوحنا - المجلد الأول، ص669.

(275) تفسير المشرقي - إنجيل يوحنا، ص540.

(276) المرجع السابق، ص539.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/727.html

تقصير الرابط:
tak.la/9vta9z7