سؤال 725: كيف يكون يسوع هو الله، بينما يتلقى تعليمه من الله: " أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي" (يو 8: 28) كما قال: " تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 7: 16)؟ أليس المُعلم أكمل علمًا وأوفر ممن يُعلمه، والمُتعلم في حاجة للعلم ليزيل ظُلمات الجهل، ولو كان المسيح هو اللَّه لقال: عِلمي من ذاتي لأني أنا المُعلِّم الأكبر؟ وهل هناك فرق بين قول السيد المسيح: "خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ" (يو 8: 42)، وقوله: "ذَاكَ أَرْسَلَنِي (يو 8: 42)؟ وهل قول السيد المسيح: " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ" (يو 8: 46) لا تعني العصمة، فربما لم يكن أحد من الحاضرين يعرف له خطية، لكن أحد الغائبين يعرف له خطية، ومن الجائز أن يكون له خطايا مُستترة لا يعرفها إلاَّ هو وربه، ومن الجائز أن اللَّه يعرف له، وهو لا يدري بها، ومن الممكن أنه لم يُخطئ حتى هذه اللحظة وقد أخطأ بعدها؟

ج: أولًا: كيف يكون يسوع هو الله، بينما يتلقى تعليمه من الله: " أَتَكَلَّمُ بِهذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي" (يو 8: 28) كما قال: " تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي" (يو 7: 16)؟ أليس المُعلِّم أكمل علمًا وأوفر ممن يعلمه، والمُتعلم في حاجة للعلم ليزيل ظُلمات الجهل، ولو كان المسيح هو الله لقال: علمي من ذاتي لأني أنا المُعلِّم الأكبر...؟ يتشبث كثير من النُقَّاد بالآيات التي تختص بالناسوت مثل الجوع والعطش والتعب والألم والموت ويستخدمونها كما استخدمها أريوس قديمًا في الطعن في ألوهية المسيح، ويغضون الطرف عن أن السيد المسيح إله كامل وإنسان كامل، يحمل الطبيعة الإلهية بكل خصائصها، كما أنه يحمل الطبيعة البشرية بكل خصائصها. أنه ذو طبيعة واحدة من طبيعتين مُتحدتين بدون اختلاط وبدون امتزاج وبدون تغيير. السيد المسيح الإله الحقيقي المُتجسد والمُتأنس من أجل خلاص جنسنا لبس صورة التواضع إذ صار عبدًا، وقد أخلى مجده لذلك تجده ينسب علم اليوم والساعة للآب: " وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ الابن إِلاَّ الآبُ" (مر 13: 32)، وقد سبق مناقشة هذا الموضوع فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد جديد جـ 6 س529. بينما بحسب لاهوته يُظهِر مساواته الكاملة مع الآب، فيقول للآب: " وَكُلُّ مَا هُوَ لِي فَهُوَ لَكَ وَمَا هُوَ لَكَ فَهُوَ لِي" (يو 17: 10) كما يقول: " أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ" (يو 10: 30) واحد في الجوهر والكيان والطبيعة. والسيد المسيح بحسب لاهوته كلي العلم والمعرفة عرف الأشخاص قبل أن يلتقي بهم، مثل سمعان بن يونا (يو 1: 42)، ونثنائيل (يو 1: 47-48). أليس هو الذي جبلهم؟! وعَلِمَ الأفكار التي لم يفصح عنها أصحابها (مت 9: 4؛ 12: 25؛ 16: 8؛ لو 6: 6-10؛ 7: 36-50؛ يو 6: 60-61)، وعرف الأحداث التي كانت تدور بعيد عنه (مر 9: 23-24؛ يو 11: 11-13) وعرف سمكة بطرس (مت 17: 27) والجحش المربوط وأصحابه (مر 11: 1-6) وحامل الجرة ووجهته (لو 22: 10) وأخبر مرارًا وتكرارًا عن رحلة آلامه بالتفصيل، وأنبأ بخراب أورشليم وعلامات الأزمنة الأخيرة... إلخ، وقد سبق مناقشة معرفة المسيح الكلية بالتفصيل فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: "أسئلة حول ألوهية المسيح" س14، س15، س16.
ثانيًا: هل هناك فرق بين قول السيد المسيح: " خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ الله" (يو 8: 42)، وقوله: " ذَاكَ أَرْسَلَنِي" (يو 8: 42)...؟ هناك ثلاث كلمات في اللغة اليونانية التي كُتب بها الإنجيل تُعبر عن نوع "الخروج". الأولى: تعبر عن الخروج مع الابتعاد والانفصال، وهذا التعبير استخدمه التلاميذ في بداية معرفتهم بالسيد المسيح " اَلآنَ نَعْلَمُ أَنَّكَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَلَسْتَ تَحْتَاجُ أَنْ يَسْأَلَكَ أَحَدٌ. لِهذَا نُؤْمِنُ أَنَّكَ مِنَ الله خَرَجْتَ" (يو 16: 30). والثانية: تُعبر عن الخروج مع البقاء كزمالة ومُصاحبة، وهذه استخدمها السيد المسيح للتعبير عن وجهة نظر تلاميذه فيه: " لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ الله خَرَجْتُ" (يو 16: 27). والثالثة: الخروج مع البقاء في الجوهر، كقول السيد المسيح: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ وَقَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ" (يو 16: 28) فهو تجسَّد وجاء إلى العالم، ومع ذلك لم ينفصل عن الآب قط: " الابن الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ" (يو 1: 18). وهذا التعبير الثالث الذي استخدمه السيد المسيح هنا (يو 8: 42) فهو يُشبه خروج الفكر من العقل دون أن يُفارق العقل، وخروج الشعاع من الشمس دون أن ينفصل عن الشمس. قول السيد المسيح: " خَرَجْتُ مِنْ قِبَلِ اللَّـهِ" يشير إلى ولادة الابن من الآب ولادة أزلية أبدية مُستمرة، بلا انقطاع، إله حق من إله حق، وقد اسْتُخْدِمَت هذه الآية (يو 8: 42) في مجمع نيقية لإظهار ألوهية السيد المسيح. أما قول السيد المسيح " بَلْ ذَاكَ أَرْسَلَنِي" فهذا حدث في الزمن، عندما تجسّد أقنوم الكلمة ولبس جسدًا في ملء الزمان منذ ألفي عام. فقد أرسل الآب الابن من أجل فداء الإنسان: " لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ الله ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ" (يو 3: 17).
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ثالثًا: هل قول السيد المسيح: " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ" (يو 8: 46) لا تعني العصمة، فربما لم يكن أحد من الحاضرين يعرف له خطية، لكن أحد الغائبين يعرف له خطية، ومن الجائز أن يكون له خطايا مُستترة لا يعرفها إلاَّ هو وربه، ومن الجائز أن الله يعرف له، وهو لا يدري بها، ومن الممكن أنه لم يُخطئ حتى هذه اللحظة وقد أخطأ بعدها...؟ كثيرًا ما يأخذ النُقَّاد آية أو جزء منها ويشكّكون فيها، وهم يظنون أنهم بهذا يهدمون عقيدة هامة من العقائد المسيحية، ويتجاهلون أنه لا توجد عقيدة مسيحية تقوم على عبارة واحدة. وهؤلاء النُقَّاد يتحاشون تمامًا دراسة أي موضوع برمته وجوانبه المُختلفة دراسة كاملة مُتكاملة لأن النتائج الصحيحة والحقيقة الناصعة لا تروق لهم. هذا من جانب، ومن جانب آخر كثيرًا ما تجد أن الناقد أحادي النظرة، حتى أن كثيرًا ما يهاجم عقيدة هو يؤمن ويعتقد بها... أليس الإسلام يعترف ويقر بعصمة الأنبياء (رغم أنه يذكر خطاياهم)؟!! فكيف يحاول الدكتور محمد علي زهران وهو يؤمن بعصمة الأنبياء أن ينسب أو يلصق خطية ما للسيد المسيح كلمة اللَّه، الوجيه في الدنيا والآخرة الذي لم يجد الشيطان له فيه موضعًا؟!! (راجع إنجيل يوحنا في الميزان ص216، 217). هل إلى هذه الدرجة يناقض الناقد نفسه، ويناقض عقيدته، ويتفلسف لكيما يُلصق خطأ أو عيب لمن هو بلا خطية وحده؟! لماذا لم يصرح بأن القرآن نسب الخطايا لآدم ولإبراهيم ولنوح ولموسى ولمحمد وغيرهم ولم ينسب أي خطية للسيد المسيح القدوس وحده الذي بلا خطية. أن العالم كله: " الْكُلُّ قَدْ زَاغُوا مَعًا فَسَدُوا. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحًا لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ" (مز 14: 3) (راجع رو 3: 10-12) فإن السيد المسيح قال عنه رئيس الملائكة جبرائيل للعذراء مريم: " فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللَّـهِ" (لو 1: 35). شهدت له زوجة بيلاطس قائلة: " ذلِكَ الْبَارَّ" (مت 27: 19) وصدق بيلاطس على شهادتها قائلًا: " إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ" (مت 27: 24). شهد له قائد المئة بعد موته قائلًا: " بِالْحَقِيقَةِ كَانَ هذَا الإِنْسَانُ بَارًّا" (لو 23: 47) وشهد بولس الرسول قائلًا عنه: " قُدُّوسٌ بِلاَ شَرّ وَلاَ دَنَسٍ" (عب 7: 26)، وبطرس الرسول: " الْقُدُّوسَ الْبَارَّ" (أع 3: 14)... " الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ" (1بط 2: 22). وقد سبق مناقشة هذا الموضوع بالتفصيل وأن السيد المسيح قدوس بلا خطية وحده، فيُرجى الرجوع إلى كتابنا: "أسئلة حول ألوهية المسيح" س12.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/725.html
تقصير الرابط:
tak.la/g629vdm