St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

687- ما الذي قصده يوحنا المعمدان من مناداته: " الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي" (يو 1: 15)؟ ومن هو قائل الأعداد (يو 1: 16-18) هل هو يوحنا المعمدان، أم تلميذه يوحنا الحبيب؟ وما معنى: " وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" (يو 1: 16)؟ وما دام مصدر ناموس موسى، ونعمة وحق يسوع المسيح (يو 1: 17) واحد، فما الفرق بينهما؟

 

سؤال 687: ما الذي قصده يوحنا المعمدان من مناداته: " الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي" (يو 1: 15)؟ ومن هو قائل الأعداد (يو 1: 16-18) هل هو يوحنا المعمدان، أم تلميذه يوحنا الحبيب؟ وما معنى: " وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" (يو 1: 16)؟ وما دام مصدر ناموس موسى، ونعمة وحق يسوع المسيح (يو 1: 17) واحد، فما الفرق بينهما؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: ما الذي قصده يوحنا المعمدان من مناداته: " الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي" (يو 1: 15)؟ أورد الإنجيليون الثلاثة السابقون شهادات أنبياء العهد القديم للسيد المسيح، وبذلك تكاملت شهادات القدماء مُتمثلة في الأنبياء، مع شهادة المعاصرين مُتمثلة في يوحنا المعمدان، وشهادة المعمدان لها قدرها ولها وزنها، لأنه أعظم مواليد النساء، وقد أطنب يوسيفوس المؤرخ اليهودي في مدحه، فهو النبي، وهو الكاهن ابن الكاهن، وهو الناسك العابد رجل البراري، وهو القوي الشجاع الذي لا يُهاب الملوك ولا الموت، وهو الذي سمع صوت الآب ورأى روح اللَّه القدوس عند عماده للسيد المسيح، فجاءت شهادته المُتكررة للسيد المسيح قوية وفعالة، وقال الرب يسوع لليهود: " أَنْتُمْ أَرْسَلْتُمْ إِلَى يُوحَنَّا فَشَهِدَ لِلْحَقِّ" (يو 5: 33). فقد قدم المعمدان عدة شهادات:

1- " الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي " (يو 1: 15).

2- " وَهذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ مَنْ أَنْتَ" (يو 1: 19).

3- " فِي وَسْطِكُمْ قَائِمٌ الَّذِي لَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ...الَّذِي لَسْتُ بِمُسْتَحِقّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ" (يو 1: 26-27).

4- " هُوَذَا حَمَلُ الله الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو 1: 29).

5- " وَشَهِدَ يُوحَنَّا قَائلًا إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلًا مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ" (يو 1: 32).

6- شهادته أمام اثنين من تلاميذه: " هُوَذَا حَمَلُ اللَّـهِ" (يو 1: 36).

وبينما كانت مناداة الأنبياء في العهد القديم أن يرجع الشعب إلى اللَّه، فإن يوحنا المعمدان وجه أنظار الشعب تجاه المسيح المُخلِّص، وركز يوحنا في شهادته ومناداته على الإعلان:

1- بأن يسوع هو المسيا الذي طالما انتظرته البشرية.

2- عن أزلية اللوغوس، فإن كان يوحنا المعمدان من جهة الجسد هو أكبر من السيد المسيح بستة أشهر، فإن المسيح الكلمة كائن قبله، فهو الإله الخالق الذي جبله وهو في بطن أمه.

3- عن مجد المسيح الذي يفوق مجد جميع المخلوقات الأرضية والسمائية، وقال المعمدان أنه غير مستحق أن يحل سيور حذائه.

4- عن المسيح الفادي، فهو حمل اللَّه الذي يحمل خطية العالم.

5- عن العريس الذي له العروس، وأوضح المعمدان أنه ليس هو العريس، بل هو صديق العريس الذي يسمع صوت العريس ويفرح.

 

ثانيًا: من هو قائل الأعداد (يو 1: 16-18) هل هو يوحنا المعمدان أم تلميذه يوحنا الإنجيلي؟... واضح أن هذه الأعداد نطق بها يوحنا الإنجيلي استكمالًا لحديثه السابق (يو 1: 1-14)، فالحديث مُتصل خلال الأعداد (يو 1: 1-18) فقط يأتي العدد (يو 1: 15) كجملة اعتراضية تحمل شهادة المعمدان للسيد المسيح، فيمكن دمج (يو 1: 16-18) لما سبقه (يو 1: 14): " وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا... وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَة..." وأيد هذا الرأي القديس كيرلس الكبير، والقديس يوحنا الذهبي الفم، والقديس أغسطينوس وغيرهم. وقال كثيرون من الدارسين أنه من سمات إنجيل يوحنا التداخل بين الحدث التاريخي والتعليم، فقول المعمدان ورد في العدد (يو 1: 15) فقط، وما جاء بعده فهو قول يوحنا الحبيب تلميذ يوحنا المعمدان. وسواء كان من نطق بهذه العبارات الرائعة المعمدان أو الحبيب، فهيَ أولًا وأخيرًا من كلام الإنجيل الموحى به من الروح القدس، ولا يوجد أدنى فارق إذا كان القائل هذا أو ذاك.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: ما معنى: " وَمِـنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنـَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" (يو 1: 16)...؟ كلمة " مِلْئِهِ" في الأصل اليوناني πλήρωμα "بليروما" التي استخدمها الغنوسيون لوصف الوسطاء بين الإله الأعلى الأسمى وبين المخلوقات من الكائنات الأدنى، فأراد يوحنا الرسول أن يؤكد أنه لا وجود لهذه السلسلة من الوسطاء، سواء كانوا آلهة أو ملائكة أو أيونات (انبثاقات)، لأن السيد المسيح هو الوسيط الوحيد بين اللَّه والناس، وهذا ما أكده بولس الرسول أيضًا: " لأَنَّهُ يُوجَدُ إِلهٌ وَاحِدٌ وَوَسِيطٌ وَاحِدٌ بَيْنَ الله وَالنَّاسِ الإِنْسَانُ يَسُوعُ الْمَسِيحُ" (1 تي 2: 5)... " فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو 2: 9) (راجع كو 1: 19؛ أف 1: 23؛ 4: 13). وقال يوحنا الحبيب: " مِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعًا أَخَذْنَا" لأن السيد المسيح هو النبع الذي يفيض ولا ينضب قال عنه بولس الرسول: " الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ" (أف 1: 7)، وهو " الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (أف 1: 23). ويقول "الدكتور القس إبراهيم سعيد": " ليس المسيح شخصًا "منعمًا عليه" ولا هو شخص عارف بالحق، لكنه مملوء نعمة وحقًا. أو قل: هو النعمة مجسَّمة، وهو الحق متأنّسًا. العبارة "مملوءًا نعمة وحقًا" حاليَّة تصف الكلمة" (68).

وقال يوحنا " نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" وكلمة " نِعْمَةً" في الأصل اليوناني: χάρισμα "خاريزما" وتحمل معنى "كل ما يجلب الانشراح" وهيَ الهبة التي كان يهبها الملك لموظفي الدولة والجنود في يوم عيد ميلاده، أو يوم تتويجه ملكًا، ونعم اللَّه هيَ نِعَم وهبات مجانية، فيهبها اللَّه لنا ليس بموجب استحقاقنا، ولا لأجل برنا، بل لأنه صالح ومُحب البشر، وهيَ:

أ- نِعَم عامة مُتاحة للجميع، مثل نِعمة الخلقة على صورة اللَّه ومثاله، نعمة الوجود، نعمة التمتع بالرعاية الإلهية، نعمة الفداء... فهيَ متاحة للجميع.

ب- نِعَم روحية حتى نتغير للأفضل، وهذه تحتاج إلى أن نسعى إليها ونجتهد ونجاهد لاقتنائها مثل نعمة الطهارة والقداسة، ونعمة الامتلاء بالروح " امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ" (أف 5: 18). والنعمة تنسكب دائمًا من أعلى إلى أسفل، من اللَّه أبو النِعَم للإنسان المحتاج للنِعَم الإلهية، ودعى العرش الإلهي بعرش النعمة: " فَلْنَتَقَدَّمْ بِثِقَةٍ إِلَى عَرْشِ النِّعْمَةِ لِكَيْ نَنَالَ رَحْمَةً وَنَجِدَ نِعْمَةً عَوْنًا فِي حِينِهِ" (عب 4: 16)، ونحن نحصل على النِعَم الإلهية من خلال الابن: " النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا" (يو 1: 17). النِعَمة تمثل هبات اللَّه المجانية للبشرية، والحق يُمثل العدل الإلهي، وقدم النعمة على الحق، لأن الإنسان في مسيس الحاجة لنِعمة المسيح، ومتى جاز هذه النعمة، فالنعمة ذاتها تستحضر وتجلب الحق ليعمل في الإنسان الضعيف...

" نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" تعني أن كل نعمة نحصل عليها هيَ تمهد الطريق لنعمة أخرى، فهيَ مقدمة لنعمة أخرى: " عَالِمِينَ أَنَّ الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً" (رو 5: 3-4) وكأن النِعَم سلسلة لا تنتهي تنادي بعضها البعض، وهيَ لا تنضب، بل هيَ جديدة كل صباح تتدفق على الإنسان وتغمره: " لَيْسَ بِكَيْل يُعْطِي الله الرُّوحَ" (يو 3: 34). نعم يهب اللَّه نعمة بلا حدود، والإنسان يحتاج إليها في جميع ظروف حياته، في حالات الفشل حتى تسنده ولا يُصاب بصغر النفس، وفي نجاحه حتى لا يسقط في الكبرياء. ويقول "القمص تادرس يعقوب": " هكذا مع تمتعنا بالنعمة وتذوقنا لها نعطش بالأكثر إلى فيض جديد من النعمة، فكل نعمة في داخلنا تنادي نعمة، وتجذبها إلى أعماقنا. فتصير أعماقنا هدفًا لفيض لا ينقطع من النِعَم الإلهية المتناغمة معًا"(69).

" نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" أي أن نعمة المسيح فوق نعمة الناموس، نعمة العهد الجديد فوق نعمة العهد القديم، فالسيد المسيح هو صاحب العهدين الجديد والقديم. يقول "متى هنري": " كل ما أخذناه من المسيح لُخِص في هذه الكلمة الواحدة... "نعمة" فيالها من عطية عظيمة، غنية، لا تقدَّر، فلم نأخذ أقل من النعمة، بل أنها نعمة مضاعفة... "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ".

أ- البركات التي نلناها: أنها النعمة من مشيئة اللَّه الصالحة من نحونا، وعمل اللَّه الصالح. فكما أن الصهريج يأخذ ماءه من ملء الينبوع، والفروع تحصل على العصارة من ملء الجذور، ونور النهار من ملء الشمس، هكذا نحن أيضًا نأخذ النعمة من ملء المسيح.

ب- طريقة أخذها: "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" والعبارة فريدة، ويعطيها المفسرون معاني مختلفة كل منها يصور الغنى الذي لا يستقصى لنِعَمة المسيح، وعبارة "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" توحي بالآتي:

- سخاء هذه النعمة: أنها تُمنح على مبدأ النعمة. نحن نأخذ نعمة ليس لاستحقاقنا، بل هي نعمة لنا من استحقاق الرب يسوع المسيح.

- "ملء" هذه النعمة: "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" تعني غزارة النعمة... أنها بركات تغمرنا حتى الملء وهيَ نعمة تأتي بنعم أكثر.

- الفائدة العُظمى لهذه النعمة: "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" تعني نعمة من أجل تعزيز وزيادة النعمة. أنها ضمانات كريمة للأداء الطيب، والنعمة ما هيَ إلاَّ وزنة يتاجر بها.

- حلول نعمة العهد الجديد:... بدلًا من نعمة العهد القديم. وهذا المعنى تأكد بما تبع ذلك في (يو 1: 17) لأن العهد القديم كانت نعمته رموزًا، أما العهد الجديد نعمته حقيقة وليست رمزًا.

- العبارة تفيد تزايد النعمة واستمراريتها "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" تعني أن نعمة تُحسّن، وتؤكد، وتكمل نعمة أخرى.

- "نِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ" هيَ نعمة فينا تتطابق مع نعمة فيه، مثلما تتطابق بصمة الختم على الشمع على شكل الختم نفسه بكل تفاصيله. والنعمة التي نأخذها من المسيح تغيرنا "إلى تلك الصورة عينها"..." (70).

وأفاض القديس أثناسيوس الرسولي في الحديث عن النعمة، وعنوان رسالة الدكتوراة التي قدمها الخادم المرحوم الدكتور وهيب قزمان: "النعمة عند القديس أثناسيوس". كما استفاض القمص تادرس يعقوب في الحديث أيضًا عن النعمة، فتحدث عن نعمة الخلق، ونعمة حرية الإرادة، ونعمة الناموس، ونعمة القيامة، ونعمة التبني، ونعمة الروح القدس ـ ونعمة إقتناء المسيح، ونعمة الفضيلة، ونعمة معرفة الآب والابن، ونعمة ميراث الملكوت، ونعمة الخلود، ونعمة معرفة الحق الإلهي، ونعمة الثبات في الآب والابن، ونعمة الشبع والفرح، ونعمة النور، ونعمة الكرازة والشهادة ... إلخ (راجع الإنجيل بحسب يوحنا، جـ 1 ص 159-182).

 

رابعًا: ما دام مصدر ناموس موسى، ونعمة وحق يسوع المسيح (يو 1: 17) واحد، فما الفرق بينهما...؟ بلا شك أن مصدر ناموس موسى، ونعمة وحق يسوع المسيح واحد، لأن السيد المسيح هو رب العهدين، وإن كان العهد القديم يُمثل جذور الشجرة فإن العهد الجديد هو الشجرة الوارفة الممتدة نحو السماء، ومن المستحيل فصل الشجرة عن جذورها. وإن كان العهد القديم يُمثل أساسات المبنى فالعهد الجديد هو المبنى الشاهق نحو السماء، ومن المستحيل فصل المبنى عن أساساته. يستحيل يستحيل فصل أحد العهدين بدون تشويه الآخر، فالجديد مخفي في القديم، والقديم مشروح في الجديد ومُمتد فيه. وقد أفضنا الحديث عن ترابط العهدين والرد على الذين يُهاجمون العهد القديم، فيُرجى الرجوع إلى مدارس النقد - عهد قديم جـ 2 الفصل الثالث عشر من س97 إلى س107... بنعمة الناموس أدركنا كم نحن خُطاة ونحتاج للخلاص، وبنعمة وحق يسوع المسيح قد نلنا الخلاص. أُعطي الناموس لموسى على جبل سيناء وسط ظواهر طبيعية مُرعبة: " وَكَانَ جَبَلُ سِينَاءَ كُلُّهُ يُدَخِّنُ... وَصَعِدَ دُخَانُهُ كَدُخَانِ الأَتُونِ وَارْتَجَفَ كُلُّ الْجَبَلِ جِدًّا. فَكَانَ صَوْتُ الْبُوقِ يَزْدَادُ اشْتِدَادًا جِدًّا" (خر 19: 18-19) فارتعب الشعب وفوَّضوا موسى لكي يصغى لصوت الرب ويخبرهم. بينما دخل أقنوم الكلمة إلى العالم مُتجسدًا كطفل صغير وديع لطيف، ونما قليلًا قليلًا بشبه البشر، وظهر كملك للسلام، فقد جاء إلينا ليصنع صُلحًا بيننا وبين أبيه الصالح، ويصالح السمائيين بالأرضيين: " لأَنَّ الْمَسِيحَ إِذْ كُنَّا بَعْدُ ضُعَفَاءَ مَاتَ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لأَجْلِ الْفُجَّارِ" (رو 5: 6). والنعمة والحق اللذان صارا بيسوع المسيح لم يهدما شريعة موسى: " لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ" (مت 5: 17). قارن يوحنا الحبيب بين ناموس موسى وناموس المسيح، فلاحظ أن موسى طالب شعبه بتقديم ذبائح حيوانية، أما السيد المسيح فقدم ذاته ذبيحة حية... موسى بسط يديه على الجبل بشبه الصليب، أمَّا المسيح فبسط يديه على الصليب... موسى أوجب اللعنة على من لا يلتزم بالمكتوب، أمَّا المسيح فصار لعنة لأجلنا...

يقول "القديس كيرلس الكبير": " ما هو الفرق بين الناموس والنعمة التي صارت بواسطة المخلص؟ لقد أدان الناموس الخليقة... لأنه بالناموس أغلق اللَّه على الكل تحت الخطية (غل 3: 22) وأظهر أننا تحت العقاب، أما المُخلص فقد أعطى الحرية للإنسان: " لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لأُخَلِّصَ الْعَالَمَ " (يو 12: 47). ومع أن الناموس أعطى نعمة معرفة اللَّه للإنسان وجذبه من عبادة الأصنام التي أضلت الإنسان، وبالإضافة إلى ذلك أشار إلى الشر وعلَّم الخير، وإن كان بطريقة غير كاملة، لكنه كان كمعلِّم نافع، أمَّا النعمة والحق اللذان بالابن الوحيد، الذي لم يقدِّم لنا الخيرات في رموز، ولا رسم الأمور النافعة في ظلال، بل بوصايا مجيدة ونقية، يقودنا بيده، لكي ننال معرفة كامل للإيمان.

كان الناموس يعطي "روح العبودية أيضًا للخوف"، أما المسيح فقد أعطى " رُوحَ التَّبَنِّي " للحرية (رو 8: 15). كان الناموس يختن اللحم وهو لا شيء (لأن ختان اللحم ليس شيئًا) كما يقول بولس (1كو 7: 19)، إنما ربنا يسوع المسيح فهو مانح "خِتَانُ الْقَلْبِ بِالرُّوحِ " (رو 2: 29). الناموس يغسل الذي تدنس بمياه، أمَّا المُخلِّص فهو يعمد بالروح القدس ونار (مت 3: 11)، الناموس يأتي بخيمة كرمز للأشياء الحقيقية، أمَّا المُخلِّص فيدخل إلى السماء نفسها (عب 9: 24) ويقدمنا إلى السكن الحقيقي الذي نصبه الرب لا إنسان (عب 8: 2)... فبولس المبارك بكلمات قليلة قدم الحل، وقال عن الناموس ونعمة المخلص ما يلي: "إِنْ كَانَتْ خِدْمَةُ الدَّيْنُونَةِ مَجْدًا فَبِالأَوْلَى كَثِيرًا تَزِيدُ خِدْمَةُ الْبِرِّ فِي مَجْدٍ" (انظر 2 كو 3: 9)... وهكذا لخص بولس اللابس الروح طبيعة الفرق الدقيق بين الناموس والنعمة لأن الناموس الذي يدين أُعطيَ بموسى، أما النعمة التي تُبرر فقد صارت بواسطة الابن الوحيد. فكيف لا يكون المسيح فائق في المجد بما لا يمكن مقارنته؟" (71).

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(68) شرح بشارة يوحنا، ص43.

(69) الإنجيل بحسب يوحنا، جـ1، ص133.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/687.html

تقصير الرابط:
tak.la/hnyb5gj