St-Takla.org  >   books  >   helmy-elkommos  >   biblical-criticism  >   new-testament
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب النقد الكتابي: مدارس النقد والتشكيك والرد عليها (العهد الجديد من الكتاب المقدس) - أ. حلمي القمص يعقوب

686- هل كان هناك ضرورة مُلحَّة أن يتخذ أقنوم الكلمة جسداً بشرياً (يو 1: 14)؟ وهل خلت الطبيعة البشرية التي اتخذها أقنوم الكلمة (يو 1: 14) من الغرائز البشرية؟ وهل رأى يوحنا الحبيب مجد المسيح حتى يقول: " وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ" (يو 1: 14)؟

 

" (2 بط 1: 14).

سؤال 686: هل كان هناك ضرورة مُلحَّة أن يتخذ أقنوم الكلمة جسدًا بشريًا (يو 1: 14)؟ وهل خلت الطبيعة البشرية التي اتخذها أقنوم الكلمة (يو 1: 14) من الغرائز البشرية؟ وهل رأى يوحنا الحبيب مجد المسيح حتى يقول: " وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ" (يو 1: 14)؟

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

ج: أولًا: هل كان هناك ضرورة مُلحَّة أن يتخذ أقنوم الكلمة جسدًا بشريًا (يو 1: 14)...؟ بالطبع كان هناك ضرورة مُلحَّة وحتمية للتجسد الإلهي لإنقاذ البشرية من الضياع، ولذلك تجد أن اللَّه قد سبق وأعدَّ ذهن البشرية لقبول فكرة التجسد الإلهي، من خلال ظهوراته العديدة في العهد القديم، فقد ظهر لآدم وحواء (تك 2: 15-22؛ 3: 8)، وظهر لإبراهيم كرجل يصحبه ملاكين كرجلين (تك 18: 1-5)، وظهر ليعقوب كرجل صارعه حتى مطلع الفجر ثم باركه (تك 32: 24)، وظهر لموسى في العليقة المُشتعلة (خر 3: 2-5) وظهر لبني إسرائيل في شكل عمود السحاب والنار: " وَكَانَ الرَّبُّ يَسِيرُ أَمَامَهُمْ نَهَارًا فِي عَمُودِ سَحَابٍ..." (خر 13: 21) وإن كان السحاب يشير لناسوت السيد المسيح فإن النار تشير إلى ألوهيته، وظهر ليشوع كرئيس جند الرب (يش 5: 13-15)، وظهر لجدعون كملاك (قض 6: 11-14)، وظهر لمنوح وزوجته (قض 13: 9-20) [راجع أيضًا: (مز 78: 14؛ 105: 39)]، وظهر لإشعياء النبي وأذياله تملأ الهيكل (إش 6: 1).

لقد أخطأ آدم أصل الشجرة البشرية، ففسدت البشرية جمعاء، لأننا جميعًا كنا في آدم، وسرى على الجميع حكم الموت الأبدي والجسدي والأدبي، ولم يكن هناك مناص من ضرورة ظهور الفادي الذي يفدي البشرية من حكم الموت والفساد، وكان لا بد أن يكون الفادي إنسانًا لأن الذي أخطأ هو الإنسان، فكان لا بد من أن يتخذ أقنوم الكلمة الحي الذي لا يموت جسدًا بشريًا قابلًا للموت، ليموت عنا ويعتقنا من حكم الموت والفساد: " فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ أَيْ إِبْلِيسَ وَيُعْتِقَ أُولئِكَ..." (عب 2: 14-15). يقول "القديس إيرينيؤس": " إن الكلمة الذي كان في البدء مع اللَّه، والذي به خُلقت كل الأشياء، والذي كان حاضرًا دائمًا مع الجنس البشري، اتحد مع خليقته. في هذه الأيام الأخيرة، حسب الوقت المُعين من الآب، إذ أنه صار إنسانًا قابلًا للألم، (فيتبع ذلك) أن كل ما يعترض به القائلون: { إن كان ربنا قد وُلِدَ في ذلك الوقت، فلا يكون للمسيح وجود سابق } يُطرح جانبًا، لأني قد أوضحت أن ابن اللَّه لم يبدأ وجوده (في ذلك الوقت) لكونه كان مع الآب من البدء، لكن حينما تجسد وصار إنسانًا فإنه بدأ من جديد، بشرية جديدة، وأعطانا الخلاص، بطريقة مختصرة وشاملة، حتى أن ما قد فقدناه في آدم، أي أن نكون على صورة اللَّه ومثاله نسترجعه في المسيح يسوع " (ك 3 ف 18: 1)" (65).

بمجرد أن خالف آدم الوصية وأكل من شجرة معرفة الخير والشر بدأت تدب في جسده عوامل الانحلال والفساد: " فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ" (رو 7: 18)، فصار الجسد يشيخ ويضعف ويموت ويتحلل: " لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تك 3: 19)، وبالطبع: " وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ" (1 كو 15: 50). لذلك لبس أقنوم الكلمة جسدًا نقيًا طاهرًا بلا خطية، حتى يمنحنا هذه الطبيعة الجديدة الخالية من الفساد، ويُعيد للإنسان المجد والكرامة والبهاء والسلطان والنِعَم العظيمة التي جُبل عليها. وقد سبق لنا الحديث عن بركات التجسد الإلهي، مثل نعمة الفداء والعتق من الموت والفساد، وتجديد الطبيعة البشرية (باركت طبيعتي فيك)، وتجديد معرفتنا باللَّه، وبالتجسد نال الإنسان الولادة الجديدة وأخذ نعمة التبني، وعادت له كرامته وبهائه وسلطانه... إلخ، حتى صار التجسد الإلهي هو الذي يُميز المسيحية عن كافة الديانات الأخرى (راجع: "أسئلة حول حتمية التجسد الإلهي" س 56).

 

ثانيًا: هل خلت الطبيعة البشرية التي اتخذها أقنوم الكلمة (يو 1: 14) من الغرائز البشرية؟ لو أن السيد المسيح اتخذ طبيعة بشرية خالية من الغرائز البشرية، فهو إذًا من طبيعة غير طبيعتنا، لكن عندما تجسد أقنوم الكلمة فإنه أخذ طبيعة بشرية من نفس العجينة البشرية، مثل طبيعتنا تمامًا بدون الخطية، لقد شابهنا في كل شيء، فطبيعته البشرية من لحم ودم البشرية وليس غريبًا عنها، وبلغة بولس الرسول: " فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا" (عب 2: 14)... " مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا بِلاَ خَطِيَّةٍ" (عب 4: 15). فقد شابهنا في التكوين الطبيعي البيولوجي، وفي تجسده لم يظهر فجأة إنما حُمل به كجنين، وأمضى فترة الحمل الطبيعية تسعة أشهر، ومرَّ بمراحل النمو التي يمر بها أي جنين، وولد طفلًا ونما قليلًا قليلًا بشبه البشر، ولكن طبيعته البشرية لم يشبها أي خطية أو شر أو شبه شر، أنها طبيعة آدم الإنسان الأول قبل السقوط، ونفس البراءة التي عاش فيها آدم وحواء قبل السقوط، طبيعة تحمل الغرائز البشرية الطبيعية، فكان يجوع، وكان يعطش، وكان يتعب من السفر، وفي حاجة إلى الراحة والنوم. كانت له المشاعر الإنسانية فيفرح ويغضب ويحزن ويبكي ويضطرب، ولكنه لا يشتهي شهوة رديئة، فهو الكمال المُطلّق.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

 

ثالثًا: هل رأى يوحنا الحبيب مجد المسيح حتى يقول: " وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يو 1: 14)...؟ الكلمة اليونانية المُستخدمة هنا للتعبير عن الرؤيا تفيد الرؤيا الفعلية بالعينين، الملموسة بالحواس. وقوله " كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ" وهنا " كَمَا" ليست للتشبيه بمعنى: وكأنه وحيد للآب وهو ليس هكذا. إنما " كَمَا" هنا للتأكيد أنه الابن الوحيد الجنس "أمونوجينيس". فالكاف هنا للتأكيد مثل قول الكتاب: " 3أُورُشَلِيمُ الْمَبْنِيَّةُ كَمَدِينَةٍ مُتَّصِلَةٍ كُلِّهَا" (مز 122: 3) وبلا شك هيَ مدينة عظيمة وليست شبه مدينة. وقد تتحدث إلى إنسان وتقول له: وأنت كإنسان كريم فعلت ...، وأنت لا تقصد على الإطلاق أن تنفي عنه صفة الإنسانية. يقول "القديس يوحنا الذهبي الفم": " تعبير " كَمَا " لا يعني هنا المُشابهة أو المقارنة، وإنما لفظة تحقيق وتحديد خالٍ من الشك، كأنه قال: { ورأينا مجده كما وجب أن يمتلكه ابن وحيد خالص لإله الخليقة كلها وملكها }..."(66). وعندما قال يوحنا الحبيب عن السيد المسيح " وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ" أنه كان ماثل أمام عينيه:

1- منظر يسوع وهو يعتمد من يوحنا المعمدان، وكان يوحنا الحبيب تلميذًا للمعمدان، وإذ السماء انشقت وسُمع صوت الآب: "هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ" (مت 3: 17) وحلَّ عليه الروح القدس مثل حمامة استقرت عليه.

2- مجد يسوع المسيح الذي حوَّل الماء إلى خمرًا ممتازًا: " هذِهِ بِدَايَةُ الآيَاتِ فَعَلَهَا يَسُوعُ فِي قَانَا الْجَلِيلِ وَأَظْهَرَ مَجْدَهُ فَآمَنَ بِهِ تَلاَمِيذُهُ" (يو 2: 11).

3- مجد يسوع وقد: " وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ" (مت 17: 2) على جبل التجلي.

4- قوة مجد يسوع عند قبر لعازر، وحديثه مع مرثا التي قالت: " قَدْ أَنْتَنَ لأَنَّ لَهُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ. قَالَ لَهَا يَسُوعُ أَلَمْ أَقُلْ لَكِ إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللَّـهِ" (يو 11: 40)، فعاين يوحنا لعازر خارجًا من القبر حيًا.

5- مجد يسوع المسيح الابن الوحيد الجنس (يو 1: 18؛ 3: 16، 18؛ 4: 9) المتفرد في مجده، الابن المحبوب (أف 1: 6) موضع مسرة الآب (2بط 1: 17). فهو من ذات طبيعة الآب وليس غريبًا عنه، مجده من ذات مجد الآب، ولا يُشاركه في هذا المجد أي كائن آخر سواء من الملائكة أو البشر. يقول "القديس أثناسيوس الرسولي": " إن (الابن) وهو من طبيعة الإله الحق، وهو (الكلمة)، وهو حكمة (الآب)، قد صار بمسرة (الآب) إنسانًا في الجسد من أجل خلاصنا جميعًا... ليس مخلوقًا، فإن كل مخلوق قابل للتغيُّر، لكن (الكلمة) بذل جسده عنا حتى لا تكون ثقتنا ورجاؤنا في إنسان، وإنما لتكون ثقتنا في اللَّه (الكلمة) ذاته، حتى أنه صار إنسانًا، أبصرنا مجده مجدًا كما لوحيد من الآب مملوءًا نعمة وحقًا. لأن ما قبله (الكلمة) في جسده قد مجَّده من حيث هو اللَّه. أنه جاع في الجسد، لكنه كإله أشبع الجياع... إنه كإنسان سأل عن لعازر أين وضعوه، لكنه كإله أقامه من بين الأموات..." (رسائل القديس أثناسيوس - الرسالة 61 إلى مكسيموس فقرة 3) (67).

6- منظر يسوع المسيح المملوء نعمة وحقًا: " وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِه" (لو 4: 22)... " لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ" (كو 1: 19)... " الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ" (كو 2: 3). لقد تلامس بولس الرسول أيضًا مع مجد نعمته، فاستحضر هذه النعمة الإلهية في مقدمات رسائله (رو 1: 7؛ 1كو 1: 3؛ 2 كو 1: 2؛ غل 1: 3؛ أف 1: 2؛ في 1: 2؛ كو 1: 2؛ 1تس 1: 1؛ 2 تس 1: 2؛ 1 تي 1: 2؛ 2 تي 1: 2؛ تي 1: 4؛ فل 3) وكذلك ختم بعض رسائله بالنعمة.

7- منظر مجد يسوع ملك المجد الذي عاينه يوحنا الرائي في رؤياه كشبه ابن الإنسان المُتسربل بثوب إلى الرجلين، ومُمنطقًا بمنطقة من ذهب، وعيناه كلهيب النار، ووجهه كالشمس في قوتها (رؤ 1: 12-18).

8- يوحنا الحبيب الذي كان يتكئ على صدر يسوع المسيح أكثر من كان يشعر بمجد المسيح وجماله وكماله الأدبي وبره الكامل، فلم يرى منه قط أدنى شر أو شبه شر، فهو القدوس وحده الذي قال: " مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ" (يو 8: 46) ففيه تجلت جميع الفضائل وتوازنت، فلم تطغوا فضيلة على الأخرى، أعطى حُبًا متناهيًا بلا تدليل، جمع بين الرحمة والعدل والحنو والحسم، أحب الخُطاة والعشارين وأدان الشر، قبل المرأة الخاطئة رافضًا خطيتها، هو الوحيد الذي جمع بين النعمة والحق، تجلَّت النعمة في الهبات التي وهبها لمن لا يستحقها، فالخاطئ الأثيم الذي يستحق النقمة والعقاب وجد عند يسوع النعمة والمغفرة والصفح، ومن يستحق الغضب وجد الإحسان، وهو الحق المُطلّق (يو 14: 6) الذي أخرج الحق للنور، وحمل عقاب خطايانا في جسده على الصليب... ألم يُعاين يوحنا الحبيب أمجاد الحُب الإلهي الذي تجلى على صليب العار فوق جبل الجلجثة؟!!

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

(65) ترجمة د. نصحي عبد الشهيد - ضد الهرطقات، جـ2، ص89.

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/helmy-elkommos/biblical-criticism/new-testament/686.html

تقصير الرابط:
tak.la/kbw24jp