St-Takla.org  >   books  >   fr-tadros-malaty  >   holy-spirit
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر - القمص تادرس يعقوب ملطي

29- ما هو الفارق بين معمودية يوحنا المعمدان والمعمودية المسيحية؟

 

2. ما هو الفارق بين معمودية يوحنا المعمدان والمعمودية المسيحية؟

عرف اليهود أنواعًا من المعموديات منها معمودية المتهودين الدخلاء Prosolytes. كان متى قَبِل وثني اليهودية يعتمد هو وأولاده بطقس يهودي معروف باسم "معمودية الدخلاء". في هذا الطقس يعلنون أنهم قد كرسوا حياتهم لحساب إسرائيل مع التزامهم بالوصايا والنواميس الإلهية. أما معمودية يوحنا فقد جاءت رمزًا للمعمودية المسيحية، يقبلونها للتوبة، تستمد قوتها في الغفران والتمتع بالخلاص من خلال المرموز إليه، وذلك كما حَملت الحية النحاسية قوة الشفاء خلال الصليب الذي ترمز إليه، وكما وهب عبور البحر الاحمر خلاصًا للشعب خلال المرموز إليه "المعمودية".

St-Takla.org Image: Baptism of Jesus from St. John the Baptist, Coptic art by Tasony Sawsan صورة في موقع الأنبا تكلا: صورة معمودية المسيح من يوحنا المعمدان، فن قبطي لتساوني سوسن

St-Takla.org Image: Baptism of Jesus from St. John the Baptist, Coptic art by Tasony Sawsan.

صورة في موقع الأنبا تكلا: صورة معمودية المسيح من يوحنا المعمدان، فن قبطي لتساوني سوسن.

معمودية يوحنا كانت عاجزة عن أن تهب البنوة لله، الأمر الذي انفردت به المعمودية المسيحية لدخول السيد المسيح "الابن الوحيد" إليها.

يقول العلامة ترتليان [471] أن المعمودية التي أعلنها يوحنا أثارت سؤالًا في ذلك الحين هل هي من السماء أم من عند الناس؟ (مت 21: 25؛ مر 11: 30؛ لو 20: 4). ويجيب العلامة ترتليان أنها بلا شك إلهية، لأن يوحنا تمم ما قد أُمر به من الله، لكنها بشرية في نفس الوقت، لأنها كانت للتوبة لا تهب الروح القدس ولا غفران الخطايا (أع 19: 1-7). كانت معمودية أشبه بطالبة للمغفرة والتقديس إذ تهيئ الطريق للتبعية للسيد المسيح. معموديته كانت إعدادًا للطريق، فقد شهد يوحنا بنفسه أن معموديته لا تقدم ما هو سماوي، قائلًا: "الذي يأتي من فوق هو فوق الجميع، والذي من الأرض هو أرضيّ من الأرض يتكلَّم. الذي يأتي من السماء هو فوق الجميع" (يو 3: 31). لقد قال: "أنا أعمدّكم بماءٍ للتوبة. ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى مني... هو سيعمدّكم بالروح القدس ونارٍ" (مت 3: 11). هكذا إذ لم تكن في معموديته عطية الروح، بالتالي لم يكن لها غفران الخطايا.

يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم [472]: لماذا يقول لوقا: [فجاء إلى جميع الكورة المحيطة بالأردن يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا مع أنها لم تكن تغفر الخطايا؟ يجيب بأنه وإن كانت معمودية يوحنا لم تقدم هذه العطية أي مغفرة الخطايا لكنها قدمتها خلال المعمودية التي جاءت بعدها، حيث فيها نُدفن مع المسيح، ويُصلب إنساننا العتيق، كما ذكرنا أيضًا هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت في أقسام أخرى. لقد عُرف اليهود في ذلك الوقت بعدم شعورهم بالخطايا، فجاء يوحنا المعمدان ليدخل بهم إلى الإحساس بالخطايا، وبهذا هيأهم للإيمان بالذي يأتي بعده فينالوا غفران الخطايا.]

ويرى القديس كيرلس الأورشليمي [473] أن معمودية يوحنا تغفر الخطايا وتخلص من العقاب الأبدي (ربما من أجل ما حملته من رمز لمعمودية السيد المسيح(474)) إذ يقول: [كان هذا الرجل يعمد في الأردن فخرجت كل أورشليم" (مت 3: 5)، لتتمتع بباكورات العماد، إذ يوهب لأورشليم امتياز في كل عمل صالح. تعلموا يا سكان أورشليم كيف كان يُعمد الخارجين إليه، المعترفين بخطاياهم (مت 3: 6). لقد كانوا يكشفون له جراحاتهم، وهو يقدم لهم بعد ذلك العلاج، فيخلص الذين يؤمنون من النار الأبدية. وإن أردت فحص هذه النقطة، أي أن عماد يوحنا يخلصهم من التهديد بالنار اسمع ما يقوله: "يا أولاد الأفاعي مَنْ أراكم أن تهربوا من الغضب الآتي" (مت 7:3).]

_____

الحواشي والمراجع لهذه الصفحة هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت:

[470] De Bapt. Christii.

[471] De Baptismo 10.

[472] In Matt. Hom 10:2.

[473] Cat. Lect. 3:7.

(474) توضيح من الموقع: نحن لا نؤمن بعصمة أحد قط إلا في حالة تسجيله للأسفار المقدسة، فمن الممكن أن يقول أحد الآباء قولًا لا يتفق مع القاعدة العامة، فنعتبره مجرد رأي شخصي..  فهناك فرقًا بين أقوال الآباء وأقوال الوحي الإلهي، ومرجعنا الرئيسي هو الكتاب المقدس، ولا نعتمد على أقوال الآباء إلا في ضوء الكتاب المقدس والمعرفة العامة للكنيسة.  ومن الممكن أن يكون القول يحمل في طياته معنى آخر بخلاف النقد الموجه إليه، أو تكون هناك أقوال أخرى لنفس الأب تشرح الفكرة بكاملها.

والكتاب المقدس واضحًا أنه لا خلاص إلا بدم المسيح وحده (عب 9: 22)، وأن السيد المسيح أتى من أجل هذا (يو 3: 16؛ 1 يو 2: 2): "لأَجْلِ هذَا أَتَيْتُ إِلَى هذِهِ السَّاعَةِ" (يو 12: 27).. ولكن ربما كان المقصود هو النظر للمعمودية كنظرة مستقبلية كخطوة في طريق الخلاص، كما كان الختان أو الذبائح في العهد القديم خطوة في طريق الخلاص، وبالفعل خلص أهل العهد القديم المؤمنين بأثر رجعي بعد فداء السيد المسيح، إذ آمَنُوا "عَلَى الرَّجَاءِ" (رو 4: 18).  بل حتى خَلُص الذين اعتمدوا بمعمودية يوحنا فقط وماتوا قبل معمودية الروح القدس بمفاعيل دم المسيح.

والدليل أن معمودية يوحنا لم تكن كافية، هو أن الآباء الرسل أعادوا تلك المعمودية مرة أخرى ليحل الروح القدس على المُعمَّدين بمعمودية التوبة (أع 19: 1-6)، والذين كانوا يعرفون معمودية يوحنا فقط كان الرسل يشرحون لهم العقيدة السليمة (أع 18: 25-26). بل أن القديس العظيم يوحنا المعمدان أقر أن معموديته للتوبة فقط، على أن يلحقها معمودية أخرى يحل فيها الروح القدس على المؤمن (مت 3: 11).