| اضغط هنا لإظهار الفهرس |
← اذهب مباشرةً لتفسير الآية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 - 9 - 10 - 11 - 12 - 13 - 14 - 15 - 16 - 17 - 18

آيات 1، 2:- "بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، لأَجْلِ وَعْدِ الْحَيَاةِ الَّتِي فِي يَسُوعَ الْمَسِيحِ. إِلَى تِيمُوثَاوُسَ الابْنِ الْحَبِيبِ: نِعْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ وَالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا."
بُولُسُ
يرسل هذه الرسالة لتلميذه تيموثاوس لأنه يعلم أن الراعي تواجهه صعوبات كأمواج البحر ضد المركب (الكنيسة)، وذلك ليقويه فلا يتزعزع، وعلى الخادم أن لا يكل من الصعوبات التي تثور في وجهه واضعًا رجاؤه في المسيح فهو رأس الكنيسة، والمسيح في المركب فلماذا الخوف من الأمواج.بِمَشِيئَةِ اللهِ
= ينسب بولس رسوليته وتكليفه لمشيئة الله، هنا الإشارة لمشيئة الله تتمشى مع روح التسليم الهادئ الذي نتلمسه في متضمنات هذه الرسالة، فالمشيئة الإلهية هي التي اختارته رسولًا وقادته في كل خطوة في حياته وهي التي سمحت بسجنه ثم باستشهاده.لأَجْلِ وَعْدِ الْحَيَاةِ
= بولس قَبِل المسيحية وقَبِل أن يكون رسولًا بالرغم من كل الآلام التي واجهته لأجل وعد الحياة. كأن الرسول يقول أنا أعلم أن هناك آلام واجهتني واستشهاد ينتظرني، وأقبل هذا لأنني أومن بأن هناك حياة أفضل لِمَنْ يثبت وينتصر. وكانت هذه الحياة الأبدية موضوع كرازته، وكانت عينيه مثبتة على هذه الحياة الأبدية كمكافأة طالما انتظرها. ولأجل هذه الحياة الأبدية نحتمل نحن كل ألم.ويقول الرسول "مَعَ ٱلْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ ٱلْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ ٱلْآنَ فِي ٱلْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي ٱلْإِيمَانِ" (غل20:2). ويقول أيضاً "لِىَ الحياة هي المسيح" (فى21:1). فهو بالإيمان له حياة المسيح الأبدية، لكنه لا يرى ولا يتلامس مع أمجاد هذه الحياة. ولكنه يُصَدِّق – فـ "ٱلْإِيمَانُ َهُوَ ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى" (عب1:11). والمسيح وَعَدَ بهذا المجد في الحياة الأبدية بعد مجيئه الثانى "أَنَا أَمْضِي لِأُعِدَّ لَكُمْ مَكَانًا، وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَانًا آتِي أَيْضًا وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ، حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا" (يو 14: 2-3). وأيضاً "أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو24:17).
الابْنِ الْحَبِيبِ = نجد بولس لا يكبت المشاعر الإنسانية بل يطلقها بطريقة روحية.
آيات 3، 4:- "إِنِّي أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَجْدَادِي بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ، كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلًا وَنَهَارًا، مُشْتَاقًا أَنْ أَرَاكَ، ذَاكِرًا دُمُوعَكَ لِكَيْ أَمْتَلِئَ فَرَحًا،"
أَعْبُدُهُ مِنْ أَجْدَادِي = بولس في نهاية حياته يحلل حياته وأحداثها فيرى يد الله فيها، ويرى أن الله هيأ له بيئة صالحة يتربى فيها وأن الله رعاه منذ صغره، وربما هو يذكر أجداده إذ شعر بقرب لقائهم في السماء وها هو يقدم الشكر لله الذي أحس بعمله المستمر معه = أَشْكُرُ اللهَ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ = لقد أضطهد بولس الكنيسة وافترىَ عليها، لكنه حتى في ذلك كان ضميره طاهرًا. هو كان يبحث عن مجد الله ولكن بجهل. والله أرشده للطريق الصحيح إذ رأى أن ضميره كان طاهرًا. والضمير الطاهر يعني أنه بلا غش ولا خداع يعبد الله بلا غرض سوى ابتغاء رِضَى الله. ولاحظ أن سجن بولس وقرب انتقاله لم يمنعاه من الصلاة عن أحبائه وأولاده.
كَمَا أَذْكُرُكَ بِلاَ انْقِطَاعٍ فِي طَلِبَاتِي لَيْلًا وَنَهَارًا = هكذا كان المسيح على صليبه مهتمًا بأمه أن يسلمها ليوحنا ليعولها، بل بصالبيه ليغفر الله لهم. الصلاة هي سر قوة الخدمة هنا نرى شفاعة الأحياء في الأحياء علامة الحب في قلوبهم لبعضهم البعض وعلامة على عجز الخادم أن يقدم شيئًا لمخدوميه فيلجأ لله ليعطيهم.
ذَاكِرًا دُمُوعَكَ = ربما في الوداع الأخير شعر تيموثاوس بأنه لن يرى معلمه ثانية فبكى، وهذه المحبة كانت تملأ قلب بولس فرحًا وتعزية، فبولس نفسه يحمل مشاعر رقيقة وعواطف محبة لكل الناس.
في نهاية أيام بولس الرسول على الأرض، انفتحت عينيه فرأى فساد الأيام الأخيرة (إصحاحات3، 4) وأنبأه الله أيضًا بقرب استشهاده. نجده يتأمل في حياته السابقة وفي كل ما مرَّ به خلال حياته من أحداث. فيرى يد الله فيها وكيف ساندته ورفعته. فلا يسعه سوى أن يشكر الله على معونته التي لم تتوقف لحظة = إِنِّي أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ. ونلاحظ أننا طالما تعرضنا لمواقف مؤلمة وضيقات شديدة تبدو بلا حل وبلا تفسير، وقد نتساءل في حينها قائلين - لماذا تسمح لي يا رب بهذا وأنا بريء؟. ومع الزمن وفي نهاية أيامنا قد ندرك تفسير الكثير من الأحداث، ولماذا سمح الله بها، وكيف أخرج منها الخير لنا، وكيف أنقذنا من شدائد كان لا حل لها أبدًا. وحين ندرك تكون كلمات الشكر أضعف من أن تعبر عن الفرح بالعمل الإلهي. طبيعة حياتنا الآن على الأرض لخصها القديس يوحنا بقوله "نعلم أننا نحن من الله، والعالم كله قد وضع في الشرير" (1يو5: 19). ولكن الله يخرج من الجافي حلاوة. ويقول بولس الرسول "كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله" (رو8: 28). ويقول القديس إغريغوريوس في قداسه "حولت لي العقوبة خلاصا". بولس الرسول تحمل الكثير واضعا أمام عينيه وعد الحياة، ولكن تأمل أيضا في نتائج تعبه وعمله فوجد اسم المسيح قد تمجد في أماكن كثيرة هي ثمار عمله. بل وتأمل في كل تعزيات الله له. وهنا يشكر الله الذي أعده منذ طفولته وسمح له بالتعليم على يد غمالائيل. ثم كيف استخدمه لنشر الإنجيل وكيف سانده.
وفى محبته لمن خدمهم وعرفهم طريق الخلاص، لم ينحصر في حزنه على مفارقة هذا العالم بل نجده يعطي نصائح لتلميذه ليهتم برعيته وأولاده فهم شعب الله ويخاف عليهم أن يتبددوا كرعية حينما يُضرب هو كراعي.
*قف وتأمل أعمال الله معك في الماضي في الصلاة، والروح القدس سيفتح عينيك لتدرك كم صنع الرب معك. قال رب المجد لليهود "ولكن إن كنت أعمل، فإن لم تؤمنوا بي فآمنوا بالأعمال" (يو10: 38). قال هذا لليهود الذين عايشوا أعماله ومعجزاته. أما بالنسبة لنا فيكفي أن نتأمل حياتنا الماضية وبروح الصلاة يكشف لنا الروح القدس عن كم الحب الذي في قلب الله تجاهنا والذي ظهر في أعماله الماضية في حياتنا.
![]() |
آية 5:- "إِذْ أَتَذَكَّرُ الإِيمَانَ الْعَدِيمَ الرِّيَاءِ الَّذِي فِيكَ، الَّذِي سَكَنَ أَوَّلًا فِي جَدَّتِكَ لَوْئِيسَ وَأُمِّكَ أَفْنِيكِي، وَلكِنِّي مُوقِنٌ أَنَّهُ فِيكَ أَيْضًا."
المحبة التي أظهرها تيموثاوس لمعلمه كانت دليلًا لبولس أن وراءها إيمان قوي بالمسيح، فهي ليست محبة بشرية عادية بل هي محبة في المسيح. وهذا الإيمان ليس عارضًا بل له جذوره في العائلة، في الجدة وفي الأم. وهذا ما يفرح قلب الرسول، وجود عائلات مقدسة، كنيسة حية يتربى فيها أولاد الله.
نلاحظ أن الإيمان الصحيح يفرز حياة روحية وحياة تقويَّة سليمة، والحياة الروحية الصحيحة تؤدي للثبات في جسد المسيح (راجع تفسير أف4: 13). لذلك تكثر الكنيسة من ترديد قانون الإيمان في كل صلواتها.
آية 6:- "فَلِهذَا السَّبَبِ أُذَكِّرُكَ أَنْ تُضْرِمَ أَيْضًا مَوْهِبَةَ اللهِ الَّتِي فِيكَ بِوَضْعِ يَدَيَّ،"
قارن (آية 5) مع (آية 6) فنجد أن تيموثاوس كان فيه إيمان قوي لذلك اختاره الله لنعمة الأسقفية، لكنه عليه أن يضرمها. وبولس هنا يذكره بهذا لئلا تنسيه مشاغل الخدمة حياته الروحية. هو نال موهبة من الله ولكن عليه أن ينميها حتى لا تنطفئ. إذًا حياة النعمة هي عمل مشترك بين الله والإنسان، الله يمنح الموهبة لإنسان مؤهل لها، لكن على هذا الإنسان أن يحفظها ويصونها وينميها ويغذيها بعد الحصول عليها لئلا يطفئها بإهماله "لا تطفئوا الروح" (1 تس 5: 19)، وتنمية الموهبة يكون بالعبادة الروحانية الصادقة، ومضاعفة الصلوات والصوم والخلوات الروحية ومحاسبة النفس والتوبة والقراءة والتأملات، ومَنْ يفعل يُعْطَى ويُزاد (مت 13: 12)، والمعنى من عنده عمل أو ثمر فإنه يعطَي مواهب أكثر، ومَنْ ليس عنده عمل أو ثمر فيسحب ما عنده. ولربط ما مضى بهذه الآية نفهم أن الرسول كأنه يقول لتيموثاوس إن كنت تحبني حقيقة فاضرم موهبة الله التي فيك = وموهبة الله هي موهبة الكهنوت هنا لدرجة الأسقفية. ورسامة أسقف تحتاج لوضع يد أكثر من أسقف، وهذا ما حدث مع تيموثاوس (1تي 4: 14) ومع بولس (أع 13: 2-3). وعلى كل منا أن يضرم الروح الذي فيه = امتلئوا بالروح (اف 5: 18-21). وهذه الآيات فيها كيفية الامتلاء. وأن لم نفعل نطفئه (1تس 5: 19) فالنعمة التي نحصل عليها إما تزداد أن كنا نجاهد، أو تقل وتضمحل إن أهملنا.
آية 7:- "لأَنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ، بَلْ رُوحَ الْقُوَّةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالنُّصْحِ."
طلب الرسول من تيموثاوس في الآية السابقة أن يُضرم موهبة الله التي فيه أي أن يجاهد ليمتلئ من الروح القدس. وهنا في هذه الآية نرى ماذا يُعطيه الروح القدس لنا.
اللهَ لَمْ يُعْطِنَا رُوحَ الْفَشَلِ = فمع أن المصاعب شديدة، فهو صغير السن ومعلمه بولس سجين وسيرحل عن العالم ، وهناك مقاومين من اليهود والغنوسيين، لكن عليه ألا يخاف، ولا يتهيب فالخدمة هي خدمة الله، والله يعطي لخدامه رُوحَ الْقُوَّةِ إن كانوا لا يتهيبون، ويثقوا أن الله يعطيهم معونة. قارن ما بين بطرس بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين وكيف وقف ليعظ الآلاف ويعمدهم، وبين حال كل التلاميذ وهم خائفون في العلية. فمن أين أتت هذه القوة في مواجهة الناس بل وبعد ذلك أمام السنهدريم؟ من الروح القدس الذي انسكب عليهم.
رُوحَ الْمَحَبَّةِ = القادرة على البذل والعطاء. المحبة الحقيقية تظهر في التعب في الخدمة (1تس1: 3). والمحبة هي أول ثمار الروح القدس.
والمحبة نوعين:- أ) محبة طبيعية غريزية كمحبة الأم لأولادها. ب) محبة تفوق الطبيعة يعطيها لنا الروح القدس supernatural وهذه المحبة قادرة على أن تجعلنا نحب حتى أعداءنا. هذه تشبه محبة الله التى قيل عنها "وَلَكِنَّ ٱللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لِأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا" (رو8:5).
ملحوظة هامة: بدون محبة الأعداء لا يوجد خلاص. فمحبة الأعداء علامة على أن الروح القدس يعمل فينا ولم ينطفئ، فالمحبة هي أول ثمار الروح القدس (غل22:5). وإذا كان الروح القدس يعمل فينا فهو سيجدد طبيعتنا فنخلص (تى5:3). ويقول القديس يوحنا الرسول "نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ ٱنْتَقَلْنَا مِنَ ٱلْمَوْتِ إِلَى ٱلْحَيَاةِ، لِأَنَّنَا نُحِبُّ ٱلْإِخْوَةَ. مَنْ لَا يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي ٱلْمَوْتِ" (1يو14:3). والقديس يوحنا يقصد بالإخوة = كل الناس. أما من يظل كارها لبعض الناس، فهذا دليل على أن الروح القدس منطفئ داخله ولا يعمل. وبذلك فلن يحصل على الخليقة الجديدة التي بها يخلص.
رُوحَ النُّصْحِ = sound mind على الراعي أن يكون حكيمًا وناصحًا لرعيته. ومن أين يأتي بالحكمة؟ الروح القدس الذي فينا يعطينا كلنا حكمة ونصح فنعرف الطريق بوضوح وبلا تردد، وتكون القرارات التي نتخذها في حياتنا قرارات سليمة، فهي بإرشاد الروح القدس. ولكن الروح القدس يعطي للأسقف حكمة أكبر ليقود رعيته ويعطي للراعي فهمًا وحكمة ونصحًا. الروح ينصح الراعي، فينصح الراعي رعيته، وتكون قراراته لبناء الكنيسة. فإن كان الله يعطي روح قوة ومحبة بها نشتعل في الخدمة، وروح نصح = أي عقل سليم به نواجه الهراطقة. فلماذا الخوف ولماذا روح الفشل؟!
![]() |
آية 8:- "فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا، وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ، بَلِ اشْتَرِكْ فِي احْتِمَالِ الْمَشَقَّاتِ لأَجْلِ الإِنْجِيلِ بِحَسَبِ قُوَّةِ اللهِ،"
فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا
= إذا علمنا بمن آمنا وبعظمته وقوته ومحبته لن نخجل أن نشهد له. ولا بي أنا = كان يمكن أن يخجل من بولس لو كان بولس صانع شر.وَلاَ بِي أَنَا أَسِيرَهُ
ولم يقل أسير الرومان، بل المسيح هو الذي سمح بذلك، فهو كرسول للمسيح لا يملك شيئًا في نفسه، بل هو أسير لأجله، لمحبته له وهذا ليس عن ضعف بل هو قبول للصليب، والصليب قوة وليس ضعف. ونلاحظ أن الخجل لا يصدر إلا من الخوف والتهيب. أما من له روح القوة والمحبة والنصح فلا يخشى شيئًا ولا يخجل من شهادة ربنا يسوع المسيح (غل6: 14) وعليه ألا يخجل فقط، بل يشترك في احتمال المشقات هو أيضًا لأجل المسيح، ويشهد للإنجيل فالصليب ليس ضعف بل بالصليب تمم الله المقاصد الأزلية، فلا نخجل من الصليب، فنحن بآلامنا نكمل نقائص شدائد المسيح في أجسامنا (كو1: 24).فَلاَ تَخْجَلْ بِشَهَادَةِ رَبِّنَا = مَن هو الذى يخجل؟ هو من لا يُدرك قوة المسيح إلهنا اللانهائية، وأن صليبه هو نُصرة على الشيطان وعلى الخطية وعلى الموت. وبصليبه الذى كان صليباً للعار، حمل المسيح عنا اللعنة، وفتح لنا طريق الحياة الأبدية، بل والمجد أيضاً. وربما أن من يُقاومنا ويقاوم المسيح لا يفهم كل هذا. لكن من يؤمن يفهم. بل ويفتخر بما يؤمن به. وأما تعريف الإيمان فهو "وَأَمَّا ٱلْإِيمَانُ فَهُوَ ٱلثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَٱلْإِيقَانُ بِأُمُورٍ لَا تُرَى" (عب1:11). المؤمن يَرى الصليب الضعيف بعين الإيمان، يراه قوة غير محدودة فلا يخجل منه. أما غير المؤمن فيراه ضعفاً فيسخر منه. ولكن هناك من غير المؤمنين من رأى عمل الله العجيب مع شعبه: مثال:- المصريون إستعبدوا شعب الله في مصر، لكن الله لم يتخلى عن شعبه. ولاحظ قول الوحى أن المصريون إختَشَوْا "وَلَكِنْ بِحَسْبمَا أَذَلُّوهُمْ هَكَذَا نَمَوْا وَٱمْتَدُّوا. فَٱخْتَشَوْا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (خر12:1). وراجع قصص أباؤنا الشهداء ولاحظ كم الجنود الذين كانوا يقومون بتعذيب هؤلاء الشهداء ثم قبلوا الإيمان وإستشهدوا عندما رأوا ثبات هؤلاء الشهداء، وفهموا من هذا قوة إله هؤلاء الشهداء وأنه هو سر ثباتهم. وهؤلاء المؤمنون يملأهم الله بالروح القدس فيعطيهم قوة وحكمة تجعلهم يثبتون ويواجهون بها من يعاديهم. فالروح القدس هو "روح القوة والنصح" (الحكمة = القرار الصائب). بل ويعطيهم محبة حتى لمن يقاومهم ويعاديهم فهو "روح المحبة". والعجيب أن الله في محبته وقوته اللانهائية جعل هذه الضيقات التي تواجه شعبه، طريقاً للتنقية والإعداد للمجد الذى ينتظر شعبه. كما نصلى في القداس الغريغورى "حوَّلت لى العقوبة خلاصاً". ولهذا نفرح. وكأن هذه الألام والضيقات التي يواجهنا بها العالم هي جزء من خطة الخلاص التي أعدها الله لنا. أمثلة: 1*ألام أيوب كانت سبباً في خلاصه. 2* شوكة بولس الرسول كانت سبباً في نجاته من الكبرياء المهلك (2كو7:12). 3*بولس الرسول يسمح للشيطان أن يُهلك جسد زانى كورنثوس لكى تخلص روحه في يوم الرب (1كو5:5). 4* لذلك يقول القديس بطرس الرسول "فَإِذْ قَدْ تَأَلَّمَ ٱلْمَسِيحُ لِأَجْلِنَا بِٱلْجَسَدِ، تَسَلَّحُوا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهَذِهِ ٱلنِّيَّةِ. فَإِنَّ مَنْ تَأَلَّمَ فِي ٱلْجَسَدِ، كُفَّ عَنِ ٱلْخَطِيَّةِ" (1بط1:4). ومعنى قول القديس بطرس هذا: أنه طالما قبِلَ المسيح الألام في جسده فلنقبل نحن أيضاً أي ألم، فإذا كان رب المجد قد تألم فلماذا أرفض أنا الألم. خصوصاً أن الألم الذى سيسمح به الله لنا سيكون هو الدواء الذى ينقينا فنخلص. لذلك نصلى في القداس الغريغورى "حوَّلت لى العقوبة خلاصاً". ولهذا نفرح. وكأن هذه الألام والضيقات التي يواجهنا بها العالم هي جزء من خطة الخلاص التي أعدها الله لنا.
← وستجد تفاسير أخرى هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت لمؤلفين آخرين.
آية 9:- "الَّذِي خَلَّصَنَا وَدَعَانَا دَعْوَةً مُقَدَّسَةً، لاَ بِمُقْتَضَى أَعْمَالِنَا، بَلْ بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ،"
لئلا يظن القارئ أن إحتمال المشقات في ذاته هو ثمن خلاصنا أكد الرسول أننا مدينون في ذلك للمقاصد الإلهية والنعمة المجانية المقررة لنا منذ الأزل. فألامنا وأعمالنا ليست السبب فى خلاصنا، بل هي صارت جزء من خطة خلاصنا. بل كان هذا قصد الله أزليا وبتدبير الفداء الذي كان قرارًا إلهيًا أزليًا.
قَبْلَ الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّةِ
= الله يحبنا منذ الأزل، منذ كنا في عقله فكرة. هو أحبنا فخلقنا. وحبه لنا أبديًا (راجع تفسير الآية يو13: 1). خلقنا على صورته أحرارًا وكان يعلم أن هذا سيكلفه تجسد ابنه وصلبه. وفي حبه كان مستعدا لهذا الثمن. ولذلك كانت خطة الفداء أزلية. وأزلية فكرة الفداء تشهد لها النبوات التي تنبأت عنها قبل المسيح بألاف السنين، بل ومن لحظة سقوط آدم "وأضع عداوة بينك وبين المرأة، وبين نسلك ونسلها. هو يسحق رأسك، وأنتِ تسحقين عقبه" (تك3: 15).بِمُقْتَضَى الْقَصْدِ وَالنِّعْمَةِ = كان قصد الله الأزلى هو خلق الإنسان ليفرح الإنسان ويتمجد ويحيا أبدياً. ولما سقط الإنسان ومات، قدَّم المسيح لنا الفداء، فقصد الله لا يمكن أن يفشل. ولكنه لم يتركنا ضعافاً، بل زَوَّدنا بالنعمة وهى القوة التي تساند من يريد. ولذلك يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس "فَتَقَوَّ أَنْتَ يَا ٱبْنِي بِٱلنِّعْمَةِ ٱلَّتِي فِي ٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ" (2تى1:2).
مثال: إنسان فقير يسرق ليطعم أولاده فسجنوه. وجاء رجلٌ غنى ودفع ما على هذا الفقير فأطلقوا سراحه. لكنه من المؤكد سيعود للسرقة ليأكل هو وأولاده. لذلك كان على الرجل الغنى أن يعطيه مبلغاً من المال ليعمل به ويكسب فيعيش. وهذا ما عمله المسيح، إذ سدد الدين الذى علينا وزودنا بالنعمة (قوة تساندنا) حتى لا نعود ونسقط ثانية.
آيات 10، 11:- "وَإِنَّمَا أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ. الَّذِي جُعِلْتُ أَنَا لَهُ كَارِزًا وَرَسُولًا وَمُعَلِّمًا لِلأُمَمِ."
لقد ظهرت المراحم الأزلية والتدابير الإلهية معلنة في المسيح الذي ظهر في ملء الزمان مصلوبًا لأجل خلاصنا، وكانت سرًا قبل ذلك ومكتومة في النبوات. فمحبة الله للبشرية كانت أزلية، ومن يحتمل الآن بعض المشقات فإنما يرد الجميل لله الذي سبق وغمره بمحبته ويشترك معه في ألامه ، ثم يشترك معه في مجده (رو8: 17). لا بل ويفرح بها "فكل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله" (رو28:8) فمهما حدث لنا من ألام فهى للخير، فإلهنا صانع خيرات. وما هو الخير من الآلام؟ كما قلنا فهو للتنقية لإعدادنا للمجد. لذلك نفرح فهى تقودنا للمجد ولذلك قال القديس يعقوب الرسول "إحْسِبُوهُ كُلَّ فَرَحٍ يَا إِخْوَتِي حِينَمَا تَقَعُونَ فِي تَجَارِبَ مُتَنَوِّعَةٍ" (يع2:1).
أَبْطَلَ الْمَوْتَ = في اليونانية جعله عديم الفعالية، فالموت الآن هو مجرد انتقال لأن حياة المسيح التي فينا أبدية، هذا بالنسبة لمن يغلب. فالمسيح أبطل الموت الثاني الذي هو انفصال عن الله (رؤ2: 11) + (رؤ21: 8 + رؤ20: 6) هذا بأن نزع السم من شوكة الموت لذلك تغنَّى الرسول "أين شوكتك يا موت". فصار الموت يؤلم كعدو، لكنه لا يفصلني عن الله. شوكة تترجم في الإنجليزية sting وهي حمى (حمة) العقرب المملوءة سمًا. ولو نزعنا السم منها، تصير لدغتها مؤلمة ولكن غير قاتلة.
![]() |
وَأَنَار الْحَيَاةَ
= فتح عن بصيرتنا الداخلية للتمتع بالنور والحياة الخالدة ولم يعد الموت بالنسبة للمفديين طريق الظلمة الخارجية إنما فتح المسيح الطريق إلى الفردوس الذي كان مغلقًا في وجه الإنسان. ولأن الرسول أنار الله له طريق الحياة استهان بالآلام واشتهى الموت. عبارة وَأَنَار الْحَيَاةَ شرحها القديس يوحنا الرسول بقوله "اَلَّذِي كَانَ مِنَ ٱلْبَدْءِ، ٱلَّذِي سَمِعْنَاهُ، ٱلَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، ٱلَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ ٱلْحَيَاةِ. فَإِنَّ ٱلْحَيَاةَ أُظْهِرَتْ، وَقَدْ رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلْأَبَدِيَّةِ ٱلَّتِي كَانَتْ عِنْدَ ٱلْآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا" (1يو 1: 1-2). أي أننا كنا قبل تجسد المسيح لا نرى أمامنا سوى الموت، لذلك قال داود النبى "أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ ٱلْمَوْتِ لَا أَخَافُ شَرًّا، لِأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي" (مز4:23)، فالموت كان مخيماً على رؤوس الجميع بلا أمل في الحياة. ولكن بعد تجسد المسيح صار لنا أن نحيا أبدياً فالمسيح الذى فينا هو الحياة (يو25:11). والروح القدس ثبتنا في المسيح فأحيانا، وصرنا بالموت الجسدى ننتقل من حياة إلى حياة.الَّذِي أَبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ = ما هي نوعية هذه الحياة التي أنارها الرب؟ لاحظ أنه حتى الشيطان ومعه الأشرار سيظلون أحياء للأبد. ولكن شتان الفرق بين حياة قيل عنها "فَتَبْتَهِجُونَ بِفَرَحٍ لَا يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ" (1بط8:1)، وحياة قيل عنها "وَٱلْعَبْدُ ٱلْبَطَّالُ ٱطْرَحُوهُ إِلَى ٱلظُّلْمَةِ ٱلْخَارِجِيَّةِ، هُنَاكَ يَكُونُ ٱلْبُكَاءُ وَصَرِيرُ ٱلْأَسْنَانِ" (مت30:25). وأيضاً "وَإِبْلِيسُ ٱلَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ ٱلنَّارِ وَٱلْكِبْرِيتِ، حَيْثُ ٱلْوَحْشُ وَٱلنَّبِيُّ ٱلْكَذَّابُ وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ ٱلْآبِدِينَ" (رؤ10:20). وأيضاً وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَٱقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ ٱلْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّمَ، إِلَى ٱلنَّارِ ٱلَّتِي لَا تُطْفَأُ. حَيْثُ دُودُهُمْ لَا يَمُوتُ وَٱلنَّارُ لَا تُطْفَأُ" (مر44:43:9).
أما الحياة التي أنارها أي أعلنها وأظهرها السيد المسيح ليس هي أن نحيا إلى الأبد فقط، فحتى الشيطان وأتباعه سيحيون إلى الأبد. لكن الحياة التي أظهرها وأعلنها المسيح وننتظرها بكل إشتياق هي حياة أبدية في نور وفرح ومجد لا يُنطق به. نحيا أمام الله فيسقط علينا نوره فننير، وتكون لنا أجساد منيرة. ويسقط علينا مجده فنتمجد وتكون لنا أجساد ممجدة. المسيح "سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا (صحة الكلمة وضاعتنا وجاءت في الإنجليزية our lowly body ) لِيَكُونَ عَلَى صُورَةِ جَسَدِ مَجْدِهِ" (فى21:3). وكان هذا آخر طلب للسيد المسيح قبل أن يذهب للصليب "أَيُّهَا ٱلْآبُ أُرِيدُ أَنَّ هَؤُلَاءِ ٱلَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي يَكُونُونَ مَعِي حَيْثُ أَكُونُ أَنَا، لِيَنْظُرُوا مَجْدِي ٱلَّذِي أَعْطَيْتَنِي" (يو24:17). وطلب رب المجد أن نرى مجده، فهذا لكى ينعكس علينا مجده فنتمجد. وهذا معنى قول القديس يوحنا الرسول "أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ" (1يو2:3). ومعنى قول القديس يوحنا أننا نكون مثله، فهذا راجع لأننا سنراه كما هو. وبهذا الفهم لأفراح وأمجاد الحياة الأبدية التي آُظْهِرَت قال القديس بولس الرسول "لِيَ ٱشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ ٱلْمَسِيحِ، ذَاكَ أَفْضَلُ جِدًّا" (فى23:1).
وهذا ما حدث عملياً ليلة خميس العهد فالتلاميذ الأحد عشر كانوا مع الرب يسوع في نور العلية في شركة المحبة وشركة جسد المسيح. بينما كان الخائن يهوذا يُضمِر شراً في قلبه وقيل عنه "فَذَاكَ لَمَّا أَخَذَ ٱللُّقْمَةَ خَرَجَ لِلْوَقْتِ. وَكَانَ لَيْلًا" (يو30:13). التلاميذ كانوا ينعمون بمحبة ربهم أما يهوذا فمضى إلى الظلمة والخيانة والإنتحار والهلاك الأبدى.
بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ = الإنجيل كلمة تعنى البشارة المفرحة.
آية 12:- "لِهذَا السَّبَبِ أَحْتَمِلُ هذِهِ الأُمُورَ أَيْضًا. لكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ."
هذه كلمات رسول مفتوح العينين، يعرف من هو الذي يؤمن به ولا يخجل بصليبه، ولا يهاب الموت فهو يرى بعينيه الداخليتين إلى أين هو ذاهب.
يَحْفَظَ وَدِيعَتِي = هو مقدم نفسه للاستشهاد شهادة للمسيح وهو واثق أنه يحفظ وديعته أي روحه فلا تهلك، والله قادر أن يحميها وأن يخلصها من كل شر وأن يحفظها للحياة الأبدية إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ = يوم الدينونة ويوم الأبدية (2تي4: 8).
والآية تعني بالأكثر أن الله قادر أن يحفظ حياته حتى ينهي العمل الذي كلفه به الله. فلا نيرون ولا غيره قادر أن يمسه بسوء حتى تنتهي مهمته التي خلقه الله ليتممها (أف2: 10). وهذا ما قاله رب المجد لبيلاطس "لم يكن لك عليَّ سلطان البتة، لو لم تكن قد أعطيت من فوق" (يو19: 11). وهيرودس قتل يعقوب ولكنه لم يقدر أن يقتل بطرس، فيعقوب كان قد أنهى عمله وأما بطرس كان ما زال له عمل يعمله (أع12: 1 - 12). وتكون عبارة إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ = تعني اليوم الذي حدده الله لينتقل بولس الرسول إلى السماء بعد أن ينهي رسالته. وهذا ما حدث مع السيد المسيح نفسه، فقد حفظ الله حياته من محاولات اليهود العديدة لقتله، وذلك حتى أنهى مهمته ثم أسلم ذاته للصليب، وهذا معنى قول المزمور "الرب عن يمينك يحطم في يوم رجزه ملوكا" (مز110: 5) والمعنى أن العناية الإلهية حفظت حياته حتى أتت ساعة الصليب. وحينما وعد الله إرمياء النبي بأنه سيحفظه قائلا له "لا تخف من وجوههم لأني أنا معك لأنقذك يقول الرب (إر1: 8). وأيضًا "هانذا قد جعلتك اليوم مدينة حصينة وعمود حديد واسوار نحاس على كل الأرض. لملوك يهوذا ولرؤسائها ولكهنتها ولشعب الأرض فيحاربونك ولا يقدرون عليك لأني أنا معك يقول الرب لأنقذك" (إر1: 18 ، 19). فهم إرمياء النبي وعد الله أن الله لن يسمح له بأي تجربة. لكن بعد ما مرَّ بإرمياء من آلام وضيقات ظن أن الله لم ينفذ له وعوده. ولكن علينا أن نفهم المعنى الصحيح، أن الله يحفظ نفوسنا حتى لا نموت قبل أن نتمم رسالتنا والعمل الذي خلقنا الله لنتممه. التجارب تلاحق أولاد الله "يا بني أن أقبلت لخدمة الرب الإله فاثبت على البر والتقوى واعدد نفسك للتجربة" (سيراخ2: 1). ولكن الله ينجي أولاده حتى يتمموا عملهم. وأما التجارب تكون للتنقية "مهما نابك فاقبله وكن صابرا على صروف اتضاعك. فان الذهب يمحص في النار والمرضيين من الناس يمحصون في أتون الاتضاع" (سي 2: 4، 5). الإتضاع أي الألام والتجارب التي يعانى منها من يخدمون الله.
إذاً عبارة إِلَى ذلِكَ الْيَوْمِ قد تعنى:- 1) يوم الإنتقال أو الإستشهاد. 2) يوم الدينونة.
فلو كان المعنى هو 1) يوم الإستشهاد يصبح المعنى أن الله قادر أن يحفظ حياته حتى يتمم عمله. ولن يقدر أحد أن ينهى حياته قبل أن يتمم عمله الذى يريده الله. 2) ولو كان المعنى يوم الدينونة يصبح المعنى أن الله سيحفظ روحه حتى ينقلها إلى المجد.
آيات 13، 14:- "تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي، فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ الصَّالِحَةَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِينَا."
تَمَسَّكْ بِصُورَةِ الْكَلاَمِ الصَّحِيحِ = يحثه على عدم الانحراف عما سلمه له ، فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ = لقد طبع الرسول على قلب تلميذه صورة حية لوديعة الإيمان والمحبة التي عليه أن يتمسك بهما . الإيمان = عليه أن يتمسك بالعقيدة = الكلام الصحيح الذي تسلمه من بولس الرسول ولا يحيد عنه. أما عن المحبة فهي حياة تجاه الله وشعب الله الذي يرعاهم. والمحبة للمسيح تظهر في احتمال الألم ، والمحبة لشعبه تظهر في جهاده لأجلهم. ولاحظ قوله عن الإيمان الصحيح الَّذِي سَمِعْتَهُ مِنِّي = فالإيمان تم تسليمه شفويا قبل انتشار الإنجيل بمئات السنين. وهذا ما تسميه الكنيسة التقليد. وهذا ما سلمه بولس لتيموثاوس تلميذه. وسلمه تيموثاوس لمن بعده وهكذا. وهذا ما عَلَّم به بولس الرسول تيموثاوس أن يعمله (2تى2: 2). وقد حفظ التقليد الكنيسة، بل وحفظ الأناجيل الصحيحة مئات السنين. كانوا يحفظونه في قلوبهم قبل أن يُحفظ على ورق.
اِحْفَظِ الْوَدِيعَةَ = وديعة الإيمان السليم المستقيم والتعليم الصحيح الذي تسلمته مني. وما دام هو وديعة إذًا هو أمانة في عنقنا نحفظها بلا زيادة ولا نقصان ونسلمها للآتين بعدنا كما تسلمناها (رؤ 22: 18-19) والوديعة أيضًا هي وديعة النفوس المؤمنة التي سلمها بولس لتيموثاوس وبولس عند موته كان عنده وديعتان:
1. نفسه وهو يسلمها بين يدي الله.
2. الإيمان الصحيح ويسلمه ليد تيموثاوس أي الكنيسة عمومًا.
بِالرُّوحِ الْقُدُسِ = ليس في قدرة نفس بشرية أن تحفظ أمورًا عظيمة كهذه فهناك مؤامرات تدبرها قوات الظلمة . لكن هذا يمكن بالروح القدس . ونحن قد حصلنا كلنا على الروح القدس في سر الميرون . ومن يضرم الموهبة التي أخذها بدون عناد للروح القدس ينير له الروح طريق الإيمان الحقيقي.
آية 15:- "أَنْتَ تَعْلَمُ هذَا أَنَّ جَمِيعَ الَّذِينَ فِي أَسِيَّا ارْتَدُّوا عَنِّي، الَّذِينَ مِنْهُمْ فِيجَلُّسُ وَهَرْمُوجَانِسُ."
هجر الرسول بعض من تلاميذه وهو في السجن وكان هذا سببًا في زيادة آلام هذا الرسول ذو المشاعر الرقيقة. الذين في آسيا = هم من آسيا ولكنهم الآن في روما ولعلهم بعد أن تركوه في سجنه عادوا إلى آسيا . وآسيا هي مقاطعة في آسيا الصغرى عاصمتها أفسس. ولاحظ أن الرسول لم يلم هؤلاء الذين تخلوا عنه، لكن مدح الذين خدموه وأظهروا نحوه حنوًا و طلب أن تحل عليهم البركات.
آيات 16-18:- "لِيُعْطِ الرَّبُّ رَحْمَةً لِبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ، لأَنَّهُ مِرَارًا كَثِيرَةً أَرَاحَنِي وَلَمْ يَخْجَلْ بِسِلْسِلَتِي، بَلْ لَمَّا كَانَ فِي رُومِيَةَ، طَلَبَنِي بِأَوْفَرِ اجْتِهَادٍ فَوَجَدَنِي. لِيُعْطِهِ الرَّبُّ أَنْ يَجِدَ رَحْمَةً مِنَ الرَّبِّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ. وَكُلُّ مَا كَانَ يَخْدِمُ فِي أَفَسُسَ أَنْتَ تَعْرِفُهُ جَيِّدًا."
طلب الرسول رحمة لبيت أنيسيفورس، ويرى معظم المفسرين أن أنسيفورس كان قد انتقل من العالم في ذلك الحين، لذلك يطلب له الرسول أن يجد رحمة لدى الله في يوم الرب العظيم. وقد أخذ هذا النص كمثال للصلاة من أجل الراقدين، فنطلب لهم الراحة لا بمعنى أن الصلاة عنهم تسند الأشرار غير التائبين وإنما نطلب عنهم من أجل أي توان أو تفريط سقط فيه المؤمنون. وأيضًا صلَّى الرسول أن يهب الله رحمة لبيته وكان أنيسيفورس قد آمن على يدي بولس في أيقونية وعمل كتاجر في أفسس، وقد أراح الرسول أثناء سجنه، وربما اهتم بتضميد جراحاته أو زاره في السجن معرضًا حياته للخطر. وأيضا ما يثبت أن أنيسيفورس كان قد إنتقل هو ما جاء في قول القديس بولس الرسول "سَلِّمْ عَلَى فِرِسْكَا وَأَكِيلَا وَبَيْتِ أُنِيسِيفُورُسَ" (2تى19:4).
1. أولًا الكنيسة تصلي على الموتى طالبة الرحمة لهم وتقتدي بالقديس بولس الرسول في هذا كما ذكر عاليه.
2. نحن نصلي لأجل الخطايا التي ليست للموت كما قال معلمنا القديس يوحنا (1يو5: 16-17). وما قاله القديس يوحنا ينطبق على الأموات الذين انتقلوا "فليس موت لعبيدك بل هو انتقال" "وإله إبراهيم وإسحق ويعقوب إله أحياء وليس إله أموات" (مت22: 32) .
3. وطالما أن القاضي لم يلفظ الحكم بعد. فهناك مجال للشفاعة في الراقدين ممن رقدوا في الإيمان.
4. لكنهم كبشر لا تخلو حياتهم من توانٍ أو تفريطٍ أو خطايا غير مميتة. وفي (1يو5 : 16-17) يقول القديس يوحنا "أن الصلاة عن الإخوة تعطي حياة"، وهذا يصدق على الذين لا تؤدي خطاياهم إلى الموت. وغالبا فمعلمنا يوحنا يقصد الصلاة عن الراقدين. فنحن نصلي لجميع الناس حتى ولو كانت خطاياهم تؤدي للموت طالما هم أحياء، لعل الله يعطيهم توبة أما الذين لا فائدة من الصلاة لأجلهم فهم الراقدون الذين ماتوا في غير الإيمان، أو ماتوا بغير توبة، أما الذين ماتوا في الإيمان ولكن لا تخلوا حياتهم من هفوات غير مميتة أي لا تؤدي للموت فالصلاة عنهم والترحم عليهم بعد رقادهم يفيدهم. لذلك فالكنيسة لا تصلي على المنتحرين مثلًا ولا الهراطقة فهؤلاء خطاياهم كانت خطايا للموت. فالمنتحر هو قاتل نفس وما كان لديه فرصة للتوبة حتى آخر لحظة، والهرطوقي ظل يضلل شعب الله ويفسد الإيمان الصحيح بعناد .
5. خصوصًا أن المسيح له المجد قد قرر أن هناك من الخطايا لا تغفر لا في هذا الدهر ولا الدهر الآتي (مت 12: 31-32) + (مر 3: 29). مما يتضح معه أن هناك من الخطايا ما يمكن أن يغفر في الحياة الأخرى مثل الخطايا غير المميتة كالسهوات والهفوات.
6. ويضاف لهذا أن السيد المسيح أعطى للكنيسة سلطان الحل والربط وسلطانا لغفران الخطايا (مت16: 19 + مت18: 18 + يو20: 22-23). فالكنيسة بما لها من سلطان تصلي طالبة من الله الغفران والله له القرار. هذا السلطان يأتي من نفخة الرب يسوع في تلاميذه (يو20: 22). وهذه النفخة التي كانت للتلاميذ فقط هي خاصة بالكهنوت المعطى للتلاميذ وليست لكل المؤمنين، وإلا لتعارض قول الرب "ومن أمسكتم خطاياه أمسكت" (يو 20: 23) مع قوله "وإن لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاتكم" (مت6: 15). فهذه الأخيرة موجهة لكل المؤمنين بما فيهم الكهنة. ولكن سلطان غفران الخطايا الخاص بالكهنة، هذا بخصوص السماح بالشركة في الأسرار المقدسة، ومن لا يحق له الاشتراك. أما حينما يهين أحدهم الكاهن فعليه أن يغفر لمن أساء إليه وإلا لن يغفر الله له.
7. وأيضا هل يعقل أن لا تطلب الكنيسة الرحمة والغفران عن شعبها الذين ينتقلون، هل تموت المشاعر بسهولة!! وماذا تطلب الكنيسة لمن انتقلوا إلا الرحمة من إله الرحمة والغفران من الله الذي بيده الغفران. أليست الكنيسة أما ولدت أولادها وأحبتهم، هل يعقل أن لا تصلي الأم عن أولادها حينما يغيبون عنها وماذا في يد الكنيسة الأم أن تقدمه لهم بعد أن انتقلوا سوى طلب الرحمة .
8. كلمة أخيرة، هذا سؤال يثيره كثيرون لماذا نصلي على الموتى، وهو من نوع الأسئلة التي نضيع وقتنا فيها فهي مضيعة للوقت. فالكنيسة التي تحب أولادها لا تستطيع إلا أن تصلي عنهم، وإن لم تصلي فهي تخطئ، كما قال صموئيل النبي للشعب "وأما أنا فحاشا لي أن أخطئ إلى الرب فاكف عن الصلاة من أجلكم" (1صم12: 23) .
9. الكنيسة المجاهدة على الأرض والكنيسة المنتصرة فى السماء هما كنيسة واحدة لها رأس واحد هو المسيح، وترتبط الكنيستان بالمحبة، هم يصلون لأجلنا ويطلبوا لنا المعونة أن نكمل جهادنا وننضم إليهم، ونحن نصلى لأجلهم طالبين الرحمة لأحبائنا الذين إنتقلوا للسماء. وهذا ما أوصى به الرب في "هَكَذَا يَقُولُ ٱلرَّبُّ قُدُّوسُ إِسْرَائِيلَ وَجَابِلُهُ: اِسْأَلُونِي عَنِ ٱلْآتِيَاتِ! مِنْ جِهَةِ بَنِيَّ وَمِنْ جِهَةِ عَمَلِ يَدِي أَوْصُونِي" (إش11:45). فالرب يفرح بأن نصلى بعضنا لبعض.
10. هذا النوع من المناقشات هو من النوع الذي قال عنه الرسول "مباحثات غبية وسخيفة" (2تى2: 23). وأقول لكل من يناقشني في هذا الموضوع: إن كنت تستطيع أن لا تصلي لِمَنْ تحبهم حقيقة عندما ينتقلون - إذًا اذهب وأفعل، وانسى مَنْ أحببتهم يومًا.

← تفاسير أصحاحات تيموثاوس الثانية: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4
الكتاب المقدس المسموع: استمع لهذا الأصحاح
تفسير تيموثاوس الثانية 2![]() |
قسم
تفاسير العهد الجديد القمص أنطونيوس فكري |
مقدمة رسالة تيموثاوس الثانية![]() |
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
تقصير الرابط:
tak.la/b82bc28