St-Takla.org  >   pub_Bible-Interpretations  >   Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament  >   Father-Antonious-Fekry  >   10-Resalet-Afasos
 

شرح الكتاب المقدس - القس أنطونيوس فكري

تفسير رسالة أفسس - المقدمة

 

محتويات:

(إظهار/إخفاء)

* تأملات في كتاب رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس:
تفسير رسالة أفسس: مقدمة رسالة أفسس | الرسالة إلى أهل أفسس 1 | الرسالة إلى أهل أفسس 2 | الرسالة إلى أهل أفسس 3 | الرسالة إلى أهل أفسس 4 | الرسالة إلى أهل أفسس 5 | الرسالة إلى أهل أفسس 6 | ملخص عام

نص رسالة أفسس: الرسالة إلى أهل أفسس 1 | الرسالة إلى أهل أفسس 2 | الرسالة إلى أهل أفسس 3 | الرسالة إلى أهل أفسس 4 | الرسالة إلى أهل أفسس 5 | الرسالة إلى أهل أفسس 6 | الرسالة إلى أهل أفسس كامل

أفسس هي عاصمة المقاطعة الرومانية المسماة آسيا، وهي في آسيا الصغرى (تركيا حاليًا). وكانت أفسس ملتقى للطرق التجارية، واشتهرت بهيكلها العظيم للإلهة أرطاميس، وهي إلهة تمثل أماً ، لها في صدرها كثير من الثُدِّيّ فهي مُرْضِعة جميع البهائم والحيوانات. وتعتبر أرطاميس Artemis إلهة القمر عند اليونان وتقابل ديانا عند الرومان. وكان أهل أفسس متهافتين على الوثنية والسحر والخلاعة (أع19:19). 

 كتبها بولس الرسول من سجن روما (السجن الأول سنة 62 - سنة 63 م.) حين أُذِنَ له أن يستأجر بيتا لمدة سنتين (أع30:28). وهناك كتب رسائل الأسر الأول وهي: أفسس وفيلبى وكولوسي وفليمون. وبهذا تحوّل السجن إلى كرازة انتشرت عبر الأجيال ولآلاف السنين.

ورسالة أفسس تكلمنا عن مفهوم الكنيسة، وكيف أن كل منا لا يحيا كفرد منعزل بل كل منا هو عضو في الجسد المقدس (جسد المسيح). وهي تختلف مثلًا عن الرسائل الأخرى كغلاطية وكورنثوس، فلا توجد في أفسس أخطاء عقائدية أو أخطاء سلوكية يعالجها الرسول في رسالته. لذلك لا توجد نبرة غضب كالتي نجدها في رسائل (غل، 1كو، 2كو) ولكن الرسول وهو في فرحه بهذه الكنيسة يبحث عن النمو الروحي لمن هم سالكون في الطريق الصحيح. وهذا النمو في نظر بولس الرسول هو نمو بلا حدود، فيطلب أن نمتلئ إلى كل ملء الله (أف 3: 19). وليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم (3: 17). فالمسيحي الحقيقي يجب أن ينمو دائمًا.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

تأسيس كنيسة أفسس:

كان بأفسس كثير من اليهود لهم الجنسية الرومانية. وكرز لهم بولس الرسول في زيارته لأفسس حوالي سنة 54 م. في نهاية رحلته التبشيرية الثانية. وكرز بولس في المجمع اليهودي وترك أكيلا وبرسكيلا يكملان عمله (أع18: 21). وفي غيبته جاء أبلوس من الإسكندرية، وكان من تلاميذ يوحنا المعمدان. وجاهر بما عرفه عن السيد المسيح في المجمع. وقام أكيلا وبرسكيلا بتعليمه طريق الرب بأكثر تدقيق (أع24:18 -26) ورجع بولس الرسول إلى أفسس حسب وعده في خريف سنة 54م في رحلته التبشيرية الثالثة حيث وجد بعض التلاميذ لم يقبلوا سوى معمودية يوحنا فبشرهم بالسيد المسيح وعمدهم، وإذ وضع يده عليهم حل الروح القدس عليهم فطفقوا يتكلمون بلغات ويتنبأون (أع19: 3-9).

وعظ بولس الرسول في مجمع اليهود 3 أشهر ولما قاومه اليهود اعتزلهم (أع19: 8-12). وظل يعلِّم في مدرسة تيرانس سنتين لليهود ولليونانيين. فقبل كثير من اليهود والأمم الإيمان. ونتيجة الإيمان أحرق كثيرون من السحرة كتب السحر (أع19:19). ولما انهارت عبادة أرطاميس قام صنَّاع الفضة بثورة (أع19: 24-29).

St-Takla.org Image: Artemis of Ephesus statue (Diana), copy from an original of 2nd century BC, marble with bronze inlays, 115 cm - Capitoline Museums (Musei Capitolini), Rome, Italy. It is located in Piazza del Campidoglio, on top of the Capitoline Hill. It was established in 1734. - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, September 21, 2014. صورة في موقع الأنبا تكلا: تمثال أرطاميس الأفسسيين (أرتميس الإلهة - ديانا)، نسخة من تمثال من القرن الثاني الميلادي، رخام مع برونز بمقاس 115 سم. - صور متاحف كابيتوليني، روما، إيطاليا. وهو مجموعة متاحف في متحف واحد، موجود في أعلى تل كاپيتوليني، وأنشئ عام 1734 م. - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 21 سبتمبر 2014.

St-Takla.org Image: Artemis of Ephesus statue (Diana), copy from an original of 2nd century BC, marble with bronze inlays, 115 cm - Capitoline Museums (Musei Capitolini), Rome, Italy. It is located in Piazza del Campidoglio, on top of the Capitoline Hill. It was established in 1734. - Photograph by Michael Ghaly for St-Takla.org, September 21, 2014.

صورة في موقع الأنبا تكلا: تمثال أرطاميس الأفسسيين (أرتميس الإلهة - ديانا)، نسخة من تمثال من القرن الثاني الميلادي، رخام مع برونز بمقاس 115 سم. - صور متاحف كابيتوليني، روما، إيطاليا. وهو مجموعة متاحف في متحف واحد، موجود في أعلى تل كاپيتوليني، وأنشئ عام 1734 م. - تصوير مايكل غالي لموقع الأنبا تكلاهيمانوت، 21 سبتمبر 2014.

وتأسست في أفسس كنيسة عظيمة لها قسوسها (أع20) (تقع ميليتس جنوب أفسس). وبعد أن ترك بولس أفسس خدم فيها تلميذه تيموثاوس (اتى1: 3). وأرسل بولس هذه الرسالة إلى أفسس بيد تلميذه تيخيكس (أف 6: 21+ 2تى 12:4). وأفسس هي إحدى الكنائس السبع التي أرسل لها السيد المسيح رسائل في سفر الرؤيا. وفي أفسس قضى القديس يوحنا اللاهوتي أواخر أيامه، وتنيح في جزيرة بطمس وهي في مقابل أفسس. وفي سنة 431 م. انعقد فيها مجمع مسكوني. وصارت أفسس الآن قرية أفيس ولا يوجد بها مسيحيون تنفيذًا لنبوة السيد المسيح أنه سيزحزح منارتها لأنها تركت محبتها الأولى (رؤ 2: 5).

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

السر:

يتحدث الرسول في رسالة أفسس عن السر الذي أعلنه له المسيح شخصياً. ويقصد به خلاص الأمم مع اليهود (أف2: 14) . ووحدة اليهود مع الأمم ستكون نموذجاً لما سيتم في توحيد كل العالم في المسيح، إذ تنتهي كل عداوة بين البشر، وكانت أصعب عداوة هي التي بين اليهود والأمم. عموماً فالله خلق العالم في وحدة، فالله خلق آدم واحد، ومنه أُخِذت حواء، ومن كليهما أتى الأولاد، أي كل الخليقة هي جسد آدم. والمفروض أن تكون هناك وحدة بين البشر. ولكن الخطية سببت الانقسام وقام قايين وقتل أخيه. ولكن المسيح أتى ليعيد هذه الوحدة، (يو17: 21)، أتى المسيح ليجعل الكل واحد في جسده، أي سيجعل كل اثنين متنافرين متخاصمين واحداً. بل أن المسيح قد وَحَّد السمائيين بالأرضيين (أف 10:1). وصار هو رأساً لكليهما. لذلك نجد في (رؤ9:5) أن السمائيين صاروا يسبحون على الخلاص الذي تم للأرضيين، هم صاروا يتكلمون بالنيابة عنا، ويفرحون لنا، فلقد صرنا واحدا. فنرى الكاروبيم والأربعة والعشرون قسيسا يسبحون المسيح قائلين "ولما اخذ السفر خرت الأربعة الحيوانات والأربعة والعشرون قسيسا أمام الخروف ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورا هي صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة قائلين مستحق أنت أن تأخذ السفر وتفتح ختومه لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة. وجعلتنا لإلهنا ملوكًا وكهنة فسنملك على الأرض" (رؤ5 : 8 - 10) فهل المسيح ذُبِحَ على الصليب لأجل السمائيين؟! وهل هم صاروا ملوكا على الأرض؟! أو هم في محبة يتكلمون ويسبحون بلساننا وهم في حالة فرح بخلاص البشر.

وهذه الوحدة تمت الإشارة لها رمزياً في حادثتين: الأولى التقى فيها المسيح بسفينتين، وكان صيد سمك وفير وكان هذا في بداية خدمة السيد المسيح (لو1:5ـ10) والثانية كانت في نهاية أيام المسيح على الأرض بالجسد، وكانت بعد القيامة إذ التقى بسفينة واحدة (يو21: 3 - 11) والسمك رمز للمؤمنين، والسفينة رمز للكنيسة، التي كانت سفينتين قبل عمل السيد المسيح الفدائي، وصارت سفينة واحدة أي كنيسة واحدة بعد أن أتم المسيح عمله "جعل الاثنين واحدا" (أف14:2).

ونلاحظ أن بولس يذكر أيضًا في رسالة كولوسي كلمة السر الذي عرفه، لكنه في كولوسي يقصد سر المسيح. ففي أفسس يكلمنا بولس عن الكنيسة جسد المسيح أنها عائلة واحدة، بل جسد واحد يجمعها الله من وسط العالم، من كل شعب ولسان وأمة، وسيستمر في جمعها عبر السنين إلى أن تكمل، وهو يعدها لمصير أبدي مجيد. إذًا وفي أفسس يتكلم عن الكنيسة (أف 5: 22-32 +أف 1: 23) وأنها جسد المسيح الواحد. أمّا في كولوسي فهو يتكلم عن من هو المسيح وأنه رأس هذه الكنيسة، وأنه مصدر كل بركات ونعم هذه الكنيسة، هو بلاهوته وسلطانه كان فيما قبل الخليقة، وهو أزلي، خلق الكل. وبعد فدائه صار مصدرًا لكل خيرات الكنيسة إذ هو رأس الكنيسة (هذا هو السر في كولوسي). وهناك تكامل في المعنيين (راجع الآيات كو15:1ـ20 مع أف1: 17-23) لترى أزلية المسيح وسلطانه على كل الخليقة. إذًا أفسس تتحدث عن الكنيسة جسد المسيح، وكولوسي تتحدث عن المسيح رأس الكنيسة.

 

هناك تشابه في الكلمات والآيات بين رسالتيّ أفسس وكولوسي. والسبب أن الموضوعين متكاملين (الكنيسة جسد المسيح، والمسيح رأس الكنيسة). لذلك طلب بولس الرسول أن يتبادل شعبا كولوسي وأفسس الرسالتين لقراءتهما. خصوصًا أن تيخيكس كان حاملًا للرسالتين (أف 21:6+ كو7:4).

رسالة أفسس كانت مرسلة أصلا إلى أفسس وإلى لاودكية وإلى المدن المحيطة بهما. فهي رسالة دورية مرسلة لكنائس آسيا الصغرى. ولم تكن أفسس أكبر وأشهر كنيسة في المنطقة، بل كانت لاودكية هي الأشهر مع أن أفسس كانت عاصمة إقليم أو مقاطعة آسيا.

ولقد وردت الآية الأولى (أف1:1) في أقدم النسخ هكذا:

"بولس، رسول يسوع المسيح بمشيئة الله، إلى القديسين الذين في... والمؤمنين في المسيح يسوع" أي وُجِدَ مكان كلمة أفسس فارغًا. وذلك حتى يُكتب اسم المدينة المرسلة إليها في المكان الفارغ ووُجدت رسائل مكتوب فيها في المكان الفارغ اسم مدينة أفسس أي إن الرسالة كانت تنسخ ويكتب في المكان الفارغ اسم المكان المرسلة إليه وما يؤكد صحة هذا الرأي أن الرسالة خلت تمامًا من وجود أي تحيات إلى أشخاص بالذات من الموجودين سواء في أفسس أو لاودكية. لذلك حين يقول بولس الرسول في (كو4: 16) "ومتى قُرِئت عندكم هذه الرسالة فاجعلوها تقُرأ أيضًا في كنيسة اللاودكين والتي من لاودكية تقرأونها أنتم أيضًا" فهو يقصد بالرسالة التي من لاودكية رسالته إلى أفسس (المعروفة بهذا الاسم حاليًا). ونلاحظ جغرافيًا أن أفسس ولاودكية مدينتان متقاربتان.

St-Takla.org                     Divider فاصل - موقع الأنبا تكلاهيمانوت

الفكر العام في الرسالة:-

الكنيسة جسد المسيح

 1ـ الكنيسة جسد المسيح كما أن الخليقة جسد آدم:

(أف1: 22، 23 + 2: 16 + 4: 12 + 5: 30) العالم كله هو جسد آدم. كلٌ منا عبارة عن جزء من آدم ولأن رأسنا آدم مات فنحن كلنا نموت. وبنفس المنطق فنحن في المسيح خليقة جديدة (أف2: 10 + 2كو5: 17).

ولأن رأسنا حي، فالكنيسة حيَّة ونحن ننتمي لجسد المسيح الحي بالمعمودية والتي بها نموت ونقوم ثابتين في المسيح ونكون أعضاء في جسد المسيح. وكرمز لهذا رأينا نوحًا كرأس لجسد جديد كانت له حياة إذ نجا من الطوفان بالفلك (رمز المعمودية) وصار رأسًا جديدة للخليقة.

 

2ـ كل منّا ينتمي لجسد المسيح بالمعمودية: (أف5: 26)

وهذا تنبأ عنه حزقيال (16: 1-9) "رأيتك مدوسة بدمك... فحممتِك بالماء وغسلت عنك دماءَكِ ومسحتك بالزيت" (هنا نرى المعمودية وزيت الميرون). وهنا نسمع في (أف5: 26) "لكي يقدسها مطهرًا إياها بغسل الماء". وبالمعمودية مات الإنسان العتيق ووُلد الإنسان الجديد، ومع احتكاكنا بالعالم نُحيي الإنسان العتيق إذ نعود نمارس الخطية لذلك كان هناك سر التوبة وهو الموت عن الخطية. وهنا نسمع "أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الإنسان العتيق الفاسد... وتلبسوا الإنسان الجديد" (أف4: 22-24) فنظل ثابتين في جسد المسيح إن عشنا حياة التوبة. وطبعًا يضاف لهذا التناول من جسد الرب ودمه لنثبت فيه.

 

3ـ الكنيسة عروس المسيح: (أف5: 23 -32)

أحبها وأسلم ذاته لأجلها لكي يقدسها وكما خرجت حواء من جنب آدم إذ وقع عليه نعاس، خرجت الكنيسة من جنب المسيح المطعون (دم للتقديس - وماء للمعمودية خرجا منه) إذ مات على الصليب. لذلك قيل هنا إن الكنيسة أعضاء جسمه من لحمه وعظامه (أف5: 30) كما قيل عن حواء. ولذلك نجد الرسول هنا يعقد مقارنة بين المسيح وكنيسته والرجل وزوجته.

 

4ـ تعبير "في المسيح" + "كلنا أعضاء جسد المسيح": (أف1:1، 3+4: 11)

ورد تعبير "في المسيح" في هذه الرسالة أكثر من 20 مرة. وهو تعبير خاص ببولس الرسول يشير لاتحادنا بالمسيح وثباتنا فيه (وهذا يتم بالمعمودية ثم بحياة التوبة والتناول). وكل منا حينما يثبت في المسيح يصير عضوًا في جسد المسيح "لأننا أعضاء جسمه" (أف30:5). وأعضاء الجسم لكل منها عمل يختلف عن الآخر. ولكن الكل يتكامل ليكون الجسم صحيحًا. وهذا ما نراه هنا "أعطى البعض أن يكونوا رسلًا والبعض..." (أف4: 11) والهدف "تكميل القديسين لعمل الخدمة لبنيان جسد المسيح" (أف12:4) فالكل يخدم الكل، ويحدث التكامل.

 

5ـ لكل عضو عملة ووظيفته: (أف2: 10 +4: 11، 16)

والروح القدس هو الذي يوزع الأدوار ويعطي المواهب (1كو11:12). وهو الذي يعمل في الأسرار. وهدف الأسرار هو تكوين جسد المسيح. فبالمعمودية نولد في الجسد، وبالميرون يحل الروح القدس علينا، وهو الذي يبكتنا ويعلمنا... وفي الاعتراف تمحى خطايانا، وبالتناول نثبت في الجسد فتكون لنا الحياة. والكهنوت خادم كل الأسرار. وفي سر الزواج تتكون خلية متكاثرة لينمو جسد المسيح عدديًا ثم يعطي الروح المواهب لكل عضو فينمو الجسد روحيًا. وكل عضو له مواهب تختلف عن الآخر "ليكن كل واحد بحسب ما أخذ موهبة يخدم بها بعضكم بعضًا" (1بط4: 10).

 

6ـ الأعضاء تترابط في محبة: (أف4: 15، 16) 

فالجسد مشبه هنا بأعضاء ترتبط بعضها ببعض بمفاصل (هي المحبة التي يربط بها الروح القدس الأعضاء معًا) ونجد في تشبيه المفاصل أن كل عضو حر في حركته، لكنه مرتبط مع باقي الأعضاء بمفاصل. فيصبح جسدًا واحدًا. وهكذا الكنيسة جسد المسيح.

 

7ـ الجسد الذي نحصل عليه هو جسد جديد: (أف2: 10+2: 14ـ16+4: 22-24)

هنا نرى موت الإنسان العتيق، وأننا خُلقنا في المسيح خلقة جديدة. ولكن لنا حرية الإرادة في أن نعود للإنسان العتيق أو نحيا بالجديد. فالتوبة قرار حر بأن نموت عن الخطايا التي في العالم، ونحيا للمسيح.

 

8 ـ قامة ملء المسيح: (أف4: 13)

هذا التعبير خاص برسالة أفسس التي تُكلمنا عن الكنيسة جسد المسيح. (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والتفاسير الأخرى). لذلك فهذا التعبير لا يخص الفرد بل هو خاص بالكنيسة جسد المسيح. ونحن المؤمنين نملأ هذا الجسد، فكل عضو منا هو عضو في هذا الجسد. ولذلك يسمي الكنيسة "إنسان كامل" أي "إنسان واحد"، وليس أناس متعددين وكيف يحدث الامتلاء أي كيف تصل الكنيسة إلى قامة ملء المسيح؟

 

قامة ملء المسيح تحدث بالنمو: (أف4: 15) "ننمو في كل شيء"

كل عضو ينمو. كطفل ينمو، نجد أن كل أعضائه تنمو. ولو توقف عضو أو أكثر عن النمو، لما كان هذا الجسد طبيعياً. بل سيكون جسدا عاجزاً. أما لو نما كل عضو بطريقة طبيعية لامتلأ الجسم، وقام بوظيفته. وعمل جسد المسيح على الأرض هو أن يمجد أبانا السماوي (مت5: 16) ويكون هذا بأن نُظهر صورة المسيح للناس.

 

أمثلة عملية:

* الكنيسة هي جسد المسيح، يعطيها المسيح مواهب، لكل واحد موهبته أو وزناته، وهي تتكامل ليكون جسد المسيح كاملًا.

* يشير لهذا ثوب يوسف الملون، ذو الألوان المتعددة، وكما هو معروف فيوسف يشير للمسيح الذي سلمه أخوته وباعوه ثم ملك عليهم. والآب أعطى الكنيسة عروسًا للمسيح كما أعطى يعقوب ابنه ثوبًا ملونًا. فالألوان تشير لتعدد المواهب في الكنيسة.

* كان قوس قزح متعدد الألوان يشير للكنيسة:

1. كان علامة أن الله يريد الحياة لأولاده.

2. سقوط ضوء الشمس الأبيض (والمسيح شمس البر مل4: 2) على رزاز قطرات الماء الباقية في الجو من المطر(والمطر يشير للروح القدس) (هو6: 1-3 + أش44: 3-4 + يو7: 37- 39). وكما تحلل ذرَّات المطر الضوء الأبيض لألوان متعددة. هكذا يعطي الروح القدس المؤمنين مواهب متعددة ومختلفة تتكامل معًا.

* تجربة علمية : يقسم قرص إلى 4 أقسام ويقسم كل قسم إلى 7 أقسام ويلون كل جزء بأحد ألوان الطيف ويكرر هذا مع بقية الثلاثة أجزاء للدائرة، ويدار القرص بسرعة كبيرة جدًا فنجد أن اللون الأبيض هو اللون الذي يظهر. فكأن الألوان حين تتكامل يظهر اللون الأبيض ثانية.

 ولو حدث أن كل عضو في الكنيسة كان نموه الروحي طبيعيًا وقام بدوره المكلف به (عمله المخلوق لأجله 10:2) بحسب مواهبه ووزناته، لظهر المسيح في هذه الكنيسة، ولتمجد الله. أمّا لو كانت الألوان على القرص غير متطابقة مع ألوان الطيف لظهر لون آخر غير اللون الأبيض عند دوران القرص أي لو لم يقم كل واحد بعمله بأمانة لما ظهر المسيح ولما تمجد الله.

مثال آخر: في فرقة موسيقية، لو عزف كل عازف بطريقة صحيحة لظهرت قطعة موسيقية رائعة. ولو أخطأ أحد لصدر صوت نشاز من الفرقة.

مثال آخر: يقول القديس بولس الرسول أننا رائحة المسيح الزكية (2كو2: 15) فلو كان كل منا ثابتاً في المسيح ويحيا في قداسة، لانتشرت رائحة المسيح الزكية في كل مكان.

إذًا قامة ملء المسيح هي أن يقوم كل عضو بدوره، يثبت في المسيح، يقوم بعمله الذي يمجد به الله حسب مواهبه، وينمو نموًا طبيعيًا. هنا تفوح رائحة المسيح الزكية من هذا المكان، هنا يسمع الناس صوت المسيح، هنا يرى الناس المسيح، هنا نرى قامة ملء المسيح. جسد المسيح أي كنيسته امتلأ بأعضاء نامية قادرة أن تظهر جسد المسيح في شكله الحقيقي الذي يريده الله... والنتيجة مجد اسم الله.

 

10ـ الكنيسة سماوية 

رأس الكنيسة في السماء (أف 20:1) وأبونا سماوي ونحن مسكن لله (أف 22:2). بل وأن الكنيسة تحيا في السماويات (أف 2: 6) فما يحدث للرأس يحدث للجسد. لكن ما نأخذه الآن هو عربون (أف 14:1). وحروب الشيطان ضد الكنيسة هي لأجل أن يبعدها عن هذه السماويات (أف 12:6) لكن الله أعطانا أسلحة نحارب بها إبليس ونطرده عنا (أف 10:6-18). لذلك تحيا الكنيسة فرحة مسبحة على ما نالته (أف 1: 6، 12، 14).

 

11ـ المسيح صار رأسًا للسمائيين والأرضيين: (أف10:1+ 14:2)

المسيح يجمع من هو ثابت فيه من الملائكة والبشر، ويجعل الكل جسده (فهناك ملائكة سقطوا وهؤلاء صاروا شياطين، وهناك بشر رفضوا المسيح). وبجسده هذا (أي البشر الذين قبلوه) سيقدم الخضوع للآب عن حب للآب. علامة حب هؤلاء (جسد المسيح) سيكون خضوعهم والمسيح رأس لهم (1كو28:15) وعلامة حب الآب لهم أنه سيفيض من خيره عليهم. ويكون المسيح نور هذا الجسد، لذلك لا يحتاجون لشمس تنير لهم (رؤ22: 5) أما من تمرد على الله ورفض المسيح (شياطين أو بشر) فسيكون مصيرهم الظلمة الخارجية أي خارج الجسد حيث لا نور (مت 30:25) بل سيكون نصيبهم بحيرة متقدة بالنار (رؤ10:20، 15).

جسد المسيح من السمائيين والأرضيين سيخضعون عن حب، أما المتمردون فسيضعهم الله تحت قدميه (مز 110: 1) سيخضعون قهرًا.

 

12ـ الروح القدس في الرسالة:

كان تجسد المسيح هو بذرة الكنيسة، هو أخذ جسدًا من الإنسان، فكان جسده إنسانًا كاملًا ولكن بدون خطية، فهو جسدنا بمعنى أنه اتحد بالإنسان إتحادًا كاملًا، وبهذا الجسد صُلب (1بط2: 24) ومات فأنهى العقوبة التي علينا، وهكذا تصالحنا مع الله وصرنا مقدسين في المسيح وأبناء الله بجسد المسيح. ثم قام بجسدنا وصعد به للسماويات فالمسيح ليس منفصلًا عن الكنيسة، كل ما عمله كان لحساب الكنيسة، التي صارت جسده وهو رأسها. وكان صعود المسيح للسماء كباكورة لصعود الكنيسة جسده للسماء. ونحن بالمعمودية نموت معه ونقوم معه ونتحد به، ثم بالتناول نتحد بجسده. وما يفصلنا عنه هو الخطية ولكن شكرًا لله فهناك سر التوبة والاعتراف والإفخارستيا وبهم نرجع للثبات فيه ولذلك أرسل الله الروح القدس للكنيسة فهو الذي يعمل في الأسرار ليثبتنا في جسد المسيح. وإن كان المسيح قد أتحد بنا بجسده، إذًا ففي جسد المسيح يتلاقى المسيح بالإنسان في إتحاد، وهذا معنى عمانوئيل "الله معنا" أنتم فيَّ وأنا فيكم (يو14: 20+ غل 2: 20) والمسيح يجمع الكنيسة كإنسان واحد له قامة المسيح، بل أن المسيح وحَّد السمائيين مع الأرضيين (أف 1: 10) لذلك نصلي في القداس الغريغوري "الذي ثبت قيام صفوف غير المتجسدين (الملائكة) في البشر". وبهذا نفهم أن القداس توجد فيه صفوف الملائكة مع صفوف البشر، الكل قائمون أمام الله. وبالروح القدس ينكشف لنا هذا السر، بل انكشف هذا السر للسمائيين أنفسهم (أف 10:3، 11) والروح القدس هو الذي يعمل على تأسيس هذا الجسد السري للمسيح أي الكنيسة. ونرى الروح القدس في الرسالة انه:-

أ‌. هو ختم: (أف 1: 13) سري غير منظور، والختم يختم به العبيد أو قطيع الماشية علامة التبعية والملكية. ونحن صرنا ملكًا لله ومن قطيعه. والختم لا يكرر والروح حل على التلاميذ على هيئة ألسنة نار دون أن يتغير شيء في مظهرهم الخارجي أمام الناس. لكن الروح له مفاعيل واضحة (يو3: 8).

ب‌. هو عربون ميراثنا: (أف 1: 14) ما نحصل عليه الآن جزء من كل ما سنحصل عليه في السماء وكل ما يعطيه الروح القدس لنا الآن من تعزية وفرح... ما هو إلاّ عربون.

ت‌. لمدح مجده: (أف 1: 12) عمل الروح أن يعطينا أن نشعر بمجد الله وعظمته ومقدار محبته لنا وعمله لنا فنشكره ونسبحه. ومدح مجد الله صفة ملازمة لنوال البنوة والنعمة. لا يمكن أن يكون هناك مسيحي قد تذوق عمل الله ولا يمدح مجده وعمله. فإذا كف الإنسان عن التسبيح تنحصر الروح وتكتئب. فلقد صارت هناك شركة بين الروح وبين الله الذي هو مصدرها، فهي خُلقت لتسبح مجده وتحمده (مز3:22) والخليقة الجديدة تنمو وتزدهر بقدر تسبحتها. وبقدر تسبحتها تقترب لله أكثر وتتقوى وتتجدد.

ث‌. يعطينا الحكمة والمعرفة: (أف 16:1-18+14:3-19).

ج‌. والروح يعلمنا كل شيء: إذًا يعطينا أن نعرف أسرار عمل المسيح ومحبته لنا. والروح يشرح لنا بعض المعاني الغامضة علينا والتي هي أكبر من قدراتنا الفكرية والعقلية وتحتاج إلى تأييد الروح القدس مثل "كل ملء الله"، " يحل المسيح بالإيمان في قلوبنا".

ح‌. والروح القدس يملأ الكنيسة : بعد قيامة المسيح وصعوده وجلوسه عن يمين الآب، فاض الروح بملئه من المسيح الرأس الممجد في السماء على الكنيسة التي هي جسده ليصير ملء الله في الكنيسة التي هي جسد المسيح (23:1). وهذا شرحه بولس الرسول في (10:4-16)، أن المسيح نزل للجحيم ثم صعد لكي يملأ كنيسته من الروح القدس ومواهبه فأعطى للبعض أن يكونوا رسلًا والبعض... صارت الكنيسة هي المحل أو الهيكل الذي فيه يسكن الروح القدس ابتداءً من يوم الخمسين وبلا انقطاع إلى أن يكتمل جسد المسيح باكتمال عمل الروح القدس في العالم ليجمع كل شيء في المسيح ويكمل إعداد العروس لتزف للعريس السماوي يسوع المسيح في مجيئه الثاني المجيد (رؤ7:19+17:22). حلول الروح القدس على المسيح الرأس لينسكب بعد ذلك على الكنيسة، هذه الصورة شرحها داود النبي في (المزمور 133).

خ‌. الروح القدس يحزن: وينطفئ إذا قاومه الإنسان واختار طريق الخطية والعالم. ويفرح ويملأ الإنسان لو تجاوب مع صوته وقدم توبة وعاش شاكرًا مسبحًا (أف30:4+18:5-21+اتس19:5).

د‌. الروح يجمع أعضاء الجسد في محبة (أف16:4): لذلك لا يُعرف المؤمن خارج الكنيسة ومنعزلًا عن إخوته، خارجًا عن الجسد. الإنسان الجديد يُعرف أنه إنسان جديد كعضو في الكنيسة جسد المسيح، له دوره في بنيان جسد المسيح.

ذ‌. من يمتلئ من الروح القدس سيحقق الهدف المخلوق لأجله (أف10:2) وينمو نموًا مستمرًا، ولو كل عضو امتلأ ستتحقق قامة ملء المسيح. أمّا من يحزن الروح فهو لن ينمو. بل أن سبب الشقاق والتناحر والأحزاب أن الكل ليس ممتلئًا بعد من الروح القدس، وإلاّ فأين المفاصل أي رباطات المحبة؟

ر‌. لقد صارت الكنيسة سماء ثانية ففيها يسكن الله (1كو16:3، 17+أف19:2-22) والروح القدس هو عنصر البناء السري. والرَبْطْ الذي يربط ويشد أزر البناء كله. والكنيسة بذلك تصير جسمًا (جسدًا) روحانيًا غير منظور وفيه يسكن الله (1بط3:2-5). وقطعًا فالروح يربط الكنيسة بالمحبة فهو روح المحبة (رو5:5) والكنيسة هي جسد الرب لا يعيش فيها المؤمن منفصلًا عن المسيح ولا عن إخوته (15:4، 16). هنا نرى المحبة تجمع أعضاء الجسد.

 

13 ـ الجسد الجديد: (أف14:2-16وقارن مع 2كو17:5)

فأعضاء الكنيسة جسد المسيح قد جازوا الموت والقيامة مع المسيح بالمعمودية وقبلوا الروح القدس. والإنسان الذي قام في المعمودية هو إنسان جديد وعضو في جسد المسيح. لذلك تتغذى الكنيسة دائمًا على جسد المسيح فتتحد به وهو يدبرها فهو رأسها. يقودها في بر وقداسة (أف22:4-24). وهذا الإنسان الجديد مخلوق بحسب الله أي على شبه الله. على شكله أو صورته، في المحبة والقداسة. فالله قدوس والله محبة. ولأن الله قدوس فهو يعطي للإنسان الجديد أن يشتهي السماويات ولا يفرح بالأرضيات ولأنه محبة فهو يعطي للإنسان الجديد أن يحب الله ويحب كل إنسان حتى عدوه. إذًا الكنيسة في المعمودية تلد بقوة الله إنسانا ًجديدًا على صورة الله في البر وقداسة الحق، إنسانًا يكون لابسًا المسيح (رو14:13+أف24:4).

St-Takla.org                     Divider

الكنيسة جسد المسيح تحقق القصد الإلهي

 

الله خلق آدم ومنه كون الله حواء ومن كلاهما يولد الأبناء أي أن الخليقة كلها هي آدم. وآدم في البداية كان في الابن، والابن في الآب. ومن هنا نفهم أن القصد الإلهي كان هو الوحدة - البشر كلهم من آدم واحد. وآدم في الابن، والابن في الآب. ولأن البشر كانوا من واحد فالمفروض أن يعيشوا في محبة، وكانت إرادة الله أن يحيا الإنسان للأبد. وكان الحب متبادلا بين الله وآدم، وعلامة حب الله عطاياه غير المحدودة لآدم. وهذا يتضح من أن الله ظل يُعِّد الجنة بلايين السنين ليحيا فيها آدم في فرح وللأبد - إن أكل من شجرة الحياة، أي يختار بحريته الإتحاد الكامل بالله. وكان اختيار آدم عكس المفروض، وأخطأ فانفصل عن الله فلا شركة للنور مع الظلمة.

ودمرت الخطية هذه الوحدة وفسد الإنسان ومات، ودخلت الكراهية فقتل الأخ أخيه. تشتتت الوحدة ولم يعد الإنسان واحدا. ومات الإنسان منفصلا عن الله وكارها لأخيه.

فهل يفشل القصد الإلهي؟

قطعا هذا لن يحدث - وكان الفداء

الله خلق الإنسان لأنه يحب الإنسان. كنا في عقل الله فكرة، وخرجت الفكرة يوم خلق الله آدم. وحينما مات الإنسان كان لا بد من حل، لأن الله يحب الإنسان منذ الأزل أي منذ كان فكرة في عقل الله. وكان الفداء ليس فقط لكي يدفع المسيح ثمن الخطية، بل ليعيد خلقة الإنسان في خليقة جديدة.

تجسد المسيح ومات وقام، وبالمعمودية يموت إنساننا العتيق، ونقوم بإنسان داخلي جديد متحد بجسد المسيح. رفض آدم أن يتحد بشجرة الحياة فيحيا للأبد، فأتى المسيح شجرة الحياة (رؤ2 : 7) ليتحد هو بنا فنحيا للأبد. ونستمر ثابتين في جسد المسيح الواحد بسر الإفخارستيا. وكان سر الإفخارستيا لازما لأننا نحيا في عالم مملوء بالخطية "العالم كله قد وضع في الشرير" (1يو5 : 19). ونتأثر بالخطية الموجودة فنخطئ. والخطية ينتج عنها عدم الثبات في المسيح وتتهدد الوحدة واستمرارية حياتنا الأبدية. والرب يطلب أن نثبت فيه (يو15 : 4) لنظل أعضاء جسده ونظل أحياء "إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه، فليس لكم حياة فيكم" (يو6 : 53). ووضع الرب هذا السر الذي به نستمر ثابتين في جسده "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه" (يو6 : 56). ونلاحظ أن سر الإفخارستيا أي التناول من جسد المسيح ودمه ليس عقيدة للخلاف على ألفاظ، وهل هناك تحول حقيقي للخبز والخمر إلى جسد المسيح ودمه أم هو مجرد رمز للذكرى. بل هو عقيدة أساسية في المسيحية بها يجمع المسيح الكل كجسد واحد، فتصير أجسادنا أعضاء المسيح (1كو6 : 15)، نصير "أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه" (أف5 : 30). ويقول الرسول أيضًا عن هذا السر "الخبز الذي نكسره هو شركة جسد المسيح. وبه نصير نحن الكثيرين خبز واحد، جسد واحد، لأننا جميعا نشترك في الخبز الواحد" (1كو10 : 16 ، 17). ولنتساءل كيف يتم هذا أن نكون نحن الكثيرين خبز واحد وجسد واحد إن لم يتحول خبز الإفخارستيا إلى جسد المسيح الواحد الذي يجمعنا معا فيه في جسد واحد. الإفخارستيا هي عقيدة من صميم فكر الوحدة التي يريدها الله بحسب القصد الإلهي الأزلي. فما شتته آدم بالخطية أتى المسيح ليعيد تجميعه وتوحيده في جسده. ولنرى الفكر الإلهي في صلاة المسيح الشفاعية

"ولست اسال من اجل هؤلاء فقط، بل ايضا من اجل الذين يؤمنون بي بكلامهم، ليكون الجميع واحدا، كما انك انت أيها الاب فيَّ وأنا فيك، ليكونوا هم ايضا واحدا فينا، ليؤمن العالم انك أرسلتني. وانا قد اعطيتهم المجد الذي اعطيتني، ليكونوا واحدا كما اننا نحن واحد. انا فيهم وانت فيَّ ليكونوا مكملين إلى واحد، وليعلم العالم انك أرسلتني، واحببتهم كما احببتني" (يو17 : 20 - 23).

فما شتته آدم بالخطية وصار جسده ميتا وبلا إتحاد، وبلا محبة بين أعضاؤه، أتى المسيح آدم الأخير ليؤسس جسدا جديدا واحدا يحيا للأبد بحياته هو المقامة من الأموات. والروح القدس الذي أرسله المسيح بعد صعوده أول ثماره المحبة، ويعطي الروح القدس المحبة في قلوب كل شعب المسيح. وبالمحبة يترابط الجسم معا ويتحد كوحدة واحدة مع جسد المسيح. وتعود الصورة التي أرادها الله منذ الأزل - إنسان واحد، جسد واحد في المسيح ابن الله، والابن في الآب. ويفيض الآب بمحبته على الإنسان الواحد الثابت في ابنه المحبوب، والابن الوحيد الجنس في الآب، وتعود الصورة كما أرادها الله منذ الأزل. ونلاحظ أن الابن بجسده أي كنيسته يعيد الخضوع للآب بحسب القصد الإلهي الأزلي (1كو15 : 28)، بعد أن صدَّق أبوينا الأولين الشيطان ولم يصدقا الله. المسيح أعاد صورة الوحدة للإنسان لنصير نحن واحدا، وأيضا واحدا فيه، وهو في أبيه. وأعاد الحياة والمجد للإنسان. وأعاد المحبة المتبادلة بين الله والإنسان "سكب محبة الله في قلوبنا بالروح القدس" (رو5 : 5). الله يفيض بمحبته على الإنسان الثابت في ابنه المحبوب، والإنسان في محبته يثق في الله ثقة تجعله يخضع في حب لله.

كان آدم الأول رأس الجسد القديم الذي مات بسبب الخطية. وصار آدم الأخير رأس الكنيسة الجسد الحي، الخليقة الجديدة في المسيح. وكما كانت الامرأة حواء أما لهذا الجسد الميت، صارت الامرأة العذراء مريم أما للجسد الحي - الكنيسة، لذلك قال الرب على الصليب لأمه "يا امرأة هوذا ابنك" - وليوحنا "هوذا أمك" (يو19: 26).

 

الأسرار هدفها تكوين جسد المسيح

كما يولد الإنسان وله روح حياة، يأكل ويشرب ليعيش، ويتناسل لينمو المجتمع. وحين يمرض يذهب للطبيب ليُشفى. هكذا في جسد المسيح - يولد الإنسان في المعمودية، وبالميرون يسكن فيه الروح القدس. ويتناول من جسد الرب ودمه ليظل حيا روحيا. والخطية مرض وشفاؤها في سريّ التوبة والاعتراف ومسحة المرضى. وفي سر الاعتراف ينقل الروح القدس الخطايا التي اعترف بها المعترف إلى المسيح. وفي سر الإفخارستيا يحمل المسيح الذي يقدم نفسه ذبيحة هذه الخطايا. وبهذا يكون سر الإفخارستيا "غفرانا للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه". وينمو جسد المسيح أي الكنيسة عدديا بسر الزيجة. أما الكهنوت فهو خادم كل الأسرار.

 

وتكمل رسالة كولوسي الصورة، ونسمع عن المسيح رأس الكنيسة. والمسيح بجسده حلَّ فيه كل ملء اللاهوت. ليصير المسيح بجسده المتحد بجسدنا مصدرا لكل ما نحتاجه ولا يوجد إلا في الله بلاهوته - مثل الحياة الأبدية والمجد والقداسة والحياة السماوية والمحبة. صار المسيح هو المُصالِح الذي طلبه أيوب ليضع يده في يد الله بلاهوته، ويضع يده في يدنا بناسوته "ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا" (أى9 : 33). هو في الله وهو فينا ونحن فيه. وصار المسيح بهذا مصدرا لا ينتهي لكل البركات الإلهية. صار لنا امتلاء وشبعا فلا نحتاج لغيره، أصبح كل شيء لنا.

St-Takla.org                     Divider

الكنيسة تكمل عمل المسيح على الأرض

 

*يقول القديس بولس الرسول "أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانيةٍ حاشا" (1كو6: 15). إذاً فالكنيسة هى أعضاء المسيح يعمل بها الآن لمجد الله الآب، وهذا لمن قَبِل أن يُسَلِّم نفسه ليعمل به المسيح. ولاحظ أن الكنيسة كما يقول عنها القديس بولس الرسول "لأننا أعضاء جسمه، من لحمه ومن عظامه" (أف5: 30).

*والرب يسوع يقول للآب "أنا مجدتك على الأرض. العمل الذى أعطيتنى لأعمل قد أكملته" (يو17: 4). فكانت أعمال المسيح على الأرض هدفها مجد الله الآب. فعمل المسيح الفدائى جذب العالم للإيمان وهذا مجَّد الله الآب. والمسيح بعد صعوده ما زال يعمل بنا وفينا ليمجد الآب.

 

ماذا بعد صعود المسيح إلى السموات؟

*يقول الرب يسوع "ومتى جاء ذاك (يقصد الروح القدس) يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة … وأما على بر فلأنى ذاهب إلى أبى ولا تروننى أيضاً.. (يو16: 8 – 11). فنفهم أن الرب يسوع كان بأعماله يمجد الآب، وبعد صعوده، أصبحنا لا نراه، ولا يراه العالم بالجسد. ولكن الرسل بل الكنيسة كلها صار عليها أن تكمل عمله الذى بدأه. وعلينا أن تكون أعمالنا أعمال بر. ولو كانت أعمالنا أعمال بر فهذه الأعمال تمجد الله. والمسيح بحياته الثابتة فينا منذ يوم إعتمدنا، هو الذى يعمل فينا فنكون ألات بر نعمل لحساب مجد الله. وبهذا نكمل عمله الذى بدأه وهو على الأرض لينتشر الإيمان، ويتمجد الآب. ولذلك يطلب منا الرب يسوع "لكى يرى الناس أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذى فى السموات" (مت5: 16). والروح القدس يبكت من لا يعمل أعمال البر الذى به يمجد الله.

*الله خلق الإنسان لمجد إسمه كما يقول الوحى فى سفر إشعياء "كُلِّ مَنْ دُعِيَ بِٱسْمِي وَلِمَجْدِي خَلَقْتُهُ وَجَبَلْتُهُ وَصَنَعْتُهُ" (إش43: 7). وبعد السقوط فشل الإنسان فى أن يقوم بالعمل الذى خُلِق لأجله أى أن يمجد الله. فتجسد المسيح حتى يتحقق القصد الإلهى. وكانت كل أعمال المسيح تمجد الآب، ثم صار يعمل فى الكنيسة التى هى أعضاء جسده لتمجد الآب.

ما معنى أن المسيح يمجد الآب؟

العالم لم يكن يعرف صفات الآب وإرادة الآب الخيرة من نحو البشر. وكان البشر غير قادرين على أن يروا الله "فالإنسان لا يرانى ويعيش" (خر33). وكان تجسد المسيح لنعرف الآب، وهذا معنى قول المسيح "أنا هو الألف والياء" (راجع التفسير فى رؤ1). وكان تجسد المسيح تنفيذا لوعد الله فى (تث18: 15-19) وراجع التفسير فى مكانه. فى المسيح المصلوب رأينا محبة الله الآب ووداعته وتواضعه، ورأينا إرادته الخيرة فى أن تكون لنا حياة أبدية فى مجد أبدى وفرح أبدى. ومن فهم هذا، آمن ومجَّدَ الله الآب.

ما معنى أن نمجد الله بأعمالنا؟ 

لاحظ أنه لو خرجنا خارج الغلاف الجوى سنجد ظلام تام، وهذا لأنه لا يوجد هواء ينعكس نور الشمس على جزيئاته. بينما ونحن هنا على الأرض نرى نور الشمس ونستمتع به. إذاً جزيئات الهواء تُظْهِر نور الشمس. وهكذا بأعمالنا الحسنة يظهر معدن أولاد الله، ومنه يظهر مجد الله الذى يجعل من أولاده أناسا قديسين فيتمجد الله، أى يحب الناس هذا الإله الذى جعل أولاده منيرين وقديسين يعكسون فى محبتهم وخدمتهم محبة الله لهم، فينجذبوا للإيمان وهذا معنى يتمجد الله.  

*وكل منا مخلوق لعمل مُعَيَّن كما يقول القديس بولس الرسول "أَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" (أف2: 10). وأنظر إلى أعضاء جسدنا، ستجد أن لكل عضو وظيفته التى لو قام بها بطريقة سليمة لاستمر الجسد صحيحا معافى.

*يقول الرب يسوع  "اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضًا، وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا، لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي" (يو14 : 12)

من يؤمن بالمسيح (ومن يؤمن بالمسيح يؤمن بالآب حتماً) سيستطيع أن يعمل نفس الأعمال التي عملها الآب بالإبن (أف17:3-20) وذلك لتكمل الخدمة وتستمر الكنيسة في مواجهة إضطهاد العالم تكرز وتعلن مجد الله، كما يقول القديس بولس الرسول "صِرْتُ لِلضُّعَفَاءِ كَضَعِيفٍ لِأَرْبَحَ ٱلضُّعَفَاءَ. صِرْتُ لِلْكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ، لِأُخَلِّصَ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَوْمًا" (1كو9: 22). فعمل الكنيسة هو السعى وراء خلاص كل إنسان ليتمجد الله.

الحق الحق= إذاً الرب سيعلن حقيقة جديدة. وهي أن مفارقته لتلاميذه ستكون سبب قوة عظيمة لهم. والسبب أنه سيكون فيهم. وهو سيكون في مجد الآب. فسبب القوة التي ستكون فيهم هو المجد الذي سيكون المسيح فيه. المسيح رفع البشرية فيه. ومن يعطينا حياة المسيح فينا هو الروح القدس.

ماضٍ إلى أبي= المسيح بجلوسه عن يمين الآب يرفع البشرية للسماء - ويكمل الفداء ويرسل الروح القدس الذى يجدد طبيعتنا ويثبت حياة المسيح فينا (2كو1: 21-22)، فتصير اعضاءنا ألات بر (رو6: 13) يستعملها المسيح لعمل الأعمال. فالتلاميذ لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً إلاّ بعد أن يتم الفداء، ويذهب المسيح إلى الآب يشفع فينا ويرسل الروح القدس. لذلك طلب المسيح من تلاميذه "أن لا يبرحوا من أورشليم، بل أن ينتظروا موعد الآب" (الروح القدس) (أع1: 4).

حقا نحن لا نرى المسيح بجسده البشرى الذى كان به على الأرض، ولكننا نرى جسده ودمه فى هيئة الخبز والخمر فى سر الإفخارستيا. نتناولهما فتثبت فينا حياته. وبحياته هذه الثابتة فينا يعمل بها فى أعضائنا التى يستخدمها كألات بر لمجد إسم الله.

ويعمل أعظم منها= فنازفة الدم شفيت بلمسها للمسيح أمّا بطرس فكان ظله يشفي المرضى (أع15:5). وبولس كانوا يأخذون المآزر من على جسده فتشفي الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة (أع12:19). بل أننا نجد أن سمعان الخراز ينقل جبل المقطم. وأيضاً نحن لنا فكر المسيح (1كو16:2) فنحن نعمل أعماله ويكون لنا فكره، فهو زرع حياته فينا. وما نعمله هو بإسمه. وكان التلاميذ يصنعون هذه المعجزات بإسم المسيح أي بقوته (أع6:3) (فهم كطفل يمسك أبوه بيده فيرسم لوحة رائعة). لذلك فكل عمل نعمله هو بإسم المسيح. حتى صومنا وصلاتنا. وكان الناس يفرحون عندما يرون أعمال التلاميذ المعجزية، وبالتالي يؤمنون بالمسيح.

فأغصان الكرمة لا تأتي بثمر إلاّ إذا إتحدت بالكرمة إتحاداً قوياً، وكان هذا عمل الروح القدس الذى ثبتهم فى المسيح. وأهم معجزة سيقوم بها التلاميذ هي إقامة الموتي بالخطايا، فيأتون بهم إلى حياة أبدية. ولذلك آمن بعظة بطرس 3000نفس. أعمال التلاميذ كانت أعظم، لكن كان المسيح هو العامل فيهم بعد أن تمجد وجلس عن يمين الآب. عموماً العمل هدفه مجد الله. والتلاميذ ليغيروا شعوب وثنية إحتاجوا لأعمال أعظم. فما تحتاجه الكرازة يعمله المسيح في رسله. فكانت أكبر معجزة تغيير الأمم الوثنيين إلى المسيحية.

*نطلب من الآب والإبن يعمل فينا:- يقول الرب يسوع "وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالابْنِ" (يو14: 13). ومهما سألتم= أي صليتم. وهنا نرى أننا نطلب من الآب بإسم المسيح، والمسيح يعمل والروح القدس يعلمنا ماذا نطلب (يو5:15+ أف18:2+ رو26:8). والروح يعلمنا أن نطلب بحسب مشيئة الله ليستجيب لنا الله (1يو14:5). وحينما يستجيب لنا الآب، فالإبن يعمل فينا = فَذلِكَ أَفْعَلُهُ، حينئذ يتمجد الآب بالإبن= لأننا سنمجد الآب، وهذا هو هدف الإبن، أن يتمجد الله وليس لإرضاء الذات وشهواتها. لذلك يمكن أن تعملوا أعمال أعظم من أعمالي إذا طلبتم بإسمي لمجد الآب. ولكن هناك سؤال هام .. هل هناك من هو مهتم بأن يمجد الآب بأعماله، فيطلب من الآب؟ يقول الرب يسوع " الحصاد كثير والفعلة قليلون فأطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده" (مت9: 37-38). فمع أن الرب يعرف أن الحصاد يحتاج لفعلة، ليتمجد إسمه، إلا أنه ينتظر أن نطلب، فهل هناك من يهتم فيطلب؟

بإسمى = والإسم ليس هو إسم الشخص، لكن هو قدراته وقوته، والمسيح بفدائه صار لنا قبول عند الآب. ولهذا يستجيب الآب لصلواتنا بإمكانيات دم المسيح، وقوة هذا الدم غير محدودة. والأعمال التي نعملها حينئذ هي بقوة وقدرة المسيح القدير= بإسمي= ومازال المسيح هدفه أن يتمجد الآب، فكما مجده هو (يو4:17) يريد أن تلاميذه يكون هدفهم مجد الآب= ليتمجد الآب بالإبن= فالإبن سيعطي قوته للتلاميذ ليعملوا وينشروا الكرازة فيتمجد الآب وهذا هو هدف المسيح دائماً، أن يتمجد الآب. ألم يقل لنا جميعاً "لكي يرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت16:5).

*الإبن يعطينا قوته تعمل فينا:- يقول أيضا الرب يسوع "إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئًا بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ" (يو14 : 14). إن سألتم = إعلان عن إرادتنا. وهذه يبدو أنها تكرار للآية السابقة ولكن هناك فرق. ففي آية (13) يشرح أن الآب يسر ويتمجد بسؤالنا وتنفيذ طلباتنا. أما في هذه الآية نرى أن المسيح يضع كل إمكانياته رهن سؤالنا، أليست حياته فينا، ومن يريد عليه أن يسأل والمسيح يعطيه أن يعمل، فهو لايجبر أحد على شئ .

بإسمي= الإسم يعبر عن الشخص بكل قوته وقدراته. لذلك فهذه الآية تظهر إمكانيات المسيح الفائقة وتشير لمجد المسيح أيضاً. والدعاء بالإسم يصير هو إستدعاء ودخول للحضرة الإلهية. ولذلك ففي بدء القداس يقول الكاهن.. خين إفران إم إفيوت.. أي بإسم الآب والإبن والروح القدس. وهذا إستدعاء للثالوث ليحل ويقدس القرابين وينقل الموجودين إلى الحضرة الإلهية التي للثالوث القدوس وبهذا فإن المسيح أبقى على حضوره السري مع كنيسته في كل حين كلما إحتاجوه كمصدر قوة وعمل وعزاء. نحن نطلب الآن من الآب ليس فقط عن طريق علاقة الله بكل البشر صالحين وأشرار، بل بطريق جديد طهره المسيح بدمه. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية، وما يعطينا ثقة للسؤال هو دالة البنين التى صارت لنا بعمل فداء المسيح. الآية السابقة يطلب فيها المسيح أن نعمل من أجل مجد الآب، وهو سيعطينا القوة في كل عمل نعمله. وفي هذه الآية يقول السيد المسيح.. أما عن حياتكم الشخصية فأنا مسئول عنها، وأطلبوا أي شئ وأنا سأعمله لكم. إذاً بضم الآيتين يصبح المعنى. أننا نعمل لمجد الآب والمسيح مسئول عنا ويعمل فينا بقوته. وفي كلا الأمرين، فقوته= إسمه يعيننا.

*ويقول القديس بولس الرسول "وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ ِللهِ" (1كو3: 23).

وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلِلْمَسِيحِ = من يفهم أن المسيح يدبر كل الأمور لخلاص نفوسنا، وأنه تجسد ومات وقام وصعد للسماء ليعد لنا مكاناً. فأقل ما نعمله له هو أن نعطيه أنفسنا ونقول له نحن لك يارب، نخدمك العمر كله ونعمل لأجل مجد إسمك. ليس هناك من أحبني مثلك فسأعطيك نفسي، جسدي الذي هو هيكلك سأستعمله إستعمال مقدس "مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التي هي لله" (1كو6: 20) يارب سأضيع نفسي لأجلك، سأبيع كل شئ لأجلك، كل ما تعطيه لي سأخدمك به

وَالْمَسِيحُ ِللهِ = المسيح تجسد وكان هدفه أن يمجد الله "أنا مجدتك على الأرض" (يو17: 4). فالناس لم تكن تعرف الآب وكانت تجدف عليه. وكان المسيح يعلن حب الآب (يو16: 26، 27). فكان المسيح يشفى الأعمى ليعلن أن الآب يريد لنا أن تنفتح بصيرتنا الروحية ونرى أمجاد السماء، وكان يقيم الموتى ليعلن أن إرادة الآب أن تكون لنا حياة أبدية فى السماء، ويشفى الأصم ليعلن أن الآب يريد لنا أن نسمع صوت الله. فالمسيح أعلن محبة الآب وإرادة الآب ومن هو الآب، ليحب الناس الآب وليمجدوه، فالآب يريد لنا المجد والفرح والحياة الأبدية. المسيح كان هو صوت الآب، كلمنا الآب فيه (عب1: 2) فعرفنا الآب ومجدناه. بفداء المسيح صار أغلب العالم مسيحيين يمجدون الآب. والمسيح أعطانا حياته المقامة من الأموات لنسلك فى بر الله، ويرى الناس أعمالنا ويمجدوا الله. وهذا ما قصده الرسول فى (رو6: 10) "والحياة التى يحياها فيحياها لله" .

والمسيح جعل الكنيسة جسده وبهذا الجسد سيقدم الخضوع للآب بعد أن كان العالم متمرداً على الآب (1كو15: 28). المسيح كرأس لهذا الجسد سيقدم الخضوع للآب وبهذا يتمجد الآب لكي يكون الله الكل في الكل (1كو15: 28). والآن غرض كل خدمة هو مجد الله. والمسيح كإبن لله مارس نوعاً من الطاعة للآب، فهو أطاع حتى الموت موت الصليب (في2: 8). ومن هو فى المسيح يستطيع بسهولة أن يطيع الآب، فكل ما صنعه المسيح بجسده كان لحسابنا، وهذا يعنى أننا صرنا قادرين أن نعمل نفس ما عمله بجسده، وهذا معنى قوله "اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لِأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ ٱلْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُم. لِأَنَّ نِيرِي هَيِّنٌ وَحِمْلِي خَفِيف" (مت11: 29-30). فمن يرتبط به ويقبل أن ينفذ وصاياه يجد أن تنفيذ الوصايا سهل، والسبب أن المسيح هو الذى يحملها.

*الصورة التي خلق الله الإنسان عليها هى صورة الحب، حب الله للإنسان وهذا يظهر في عطاياه. وحب الإنسان لله وهذا يظهر في طاعته وخضوعه لله. وهذه الصورة تشوهت بالخطية وأصبحنا لا نرى الكل خاضعاً لله (عب2: 8). ولكن المسيح تجسد لكي يجمع الكنيسة كلها في جسده ويعيد الصورة التي أرادها الله منذ البدء، صورة طاعة الكنيسة وخضوعها لله الآب وبهذا يتمجد الآب ويصير الله الكل في الكل، هذا هو عمل المسيح.

إذاً معنى الْمَسِيحُ ِللهِ:-

1)  إعلان محبة الآب فنحبه ونمجده، فالمسيح هو صورة الآب، من يراه فقد رأى الآب. ننظر إلى محبته وعطفه ووداعته وأقواله ... فنعرف من هو الآب فنحبه.

2)    يعطينا حياته المقامة من الأموات نحيا بها أبديا، ونسلك على الأرض فى بر الله وبأعمالنا نمجد الله.

3)    هو كرأس للجسد سيقدم بجسده أى الكنيسة خضوع المحبة للآب فى الأبدية.

4)  الإبن خلقنا لمجد الله (إش43: 7)، وعندما سقطنا تجسد ويجمعنا كجسد له ليحقق قصد الله أى أن تكون الخليقة لمجد الله.

الروح القدس يخصص لكل عضو فى الكنيسة دوره

يقول القديس بولس الرسول "فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ أَعْمَال مَوْجُودَةٌ، وَلكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (1كو12: 4 – 6).

فهنا نرى عمل الثالوث في تكوين جسد المسيح، وجسد المسيح له أعضاء هي نحن، ولكل منا عمله.                   

الروح

الروح القدس

يعطى المواهب وقال عنها الرب يسوع الوزنات (إنجيل متى25) وقال عنها الأمناء (إنجيل لوقا19).

الرب

المسيح

منسوب له الخدمة، فهو أتى ليَخْدِم ويعمل فينا لنَخْدِم.

الله

الآب

منسوب له الأعمال، فهو يقسم الأعمال والهدف مجده "لكى يرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات".

 فى دائرة الثالوث نفهم أن الآب يريد وأقنومى التنفيذ هما الإبن والروح القدس.

فالآب يريد، والإبن إتحد بنا لتكون لنا حياته، أي نكون أعضاء حية. والروح هو الذى يثبتنا فى الإبن فنكون أعضاءه الحية. والروح هو أيضا يعطى الموهبة لكل واحد ليتمم الخدمة المطلوبة منه. والهدف مجد الله الآب "لكي يرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذي في السموات" (مت5: 16).

الآب يريد أن يكون لي عمل ما، فالذي يضع الموهبة فيَّ ويحركني هو الروح القدس. ولكن الروح لا يعطيني الموهبة ولن أستطيع أن أعمل العمل الذي يريده منى الله إن لم أكن ثابتاً في المسيح. ولذلك يطلب الرب يسوع منا أن نثبت فيه "إثبتوا فىَّ وأنا فيكم" (يو15: 4). وراجع قول عروس النشيد التى تقول لعريسها "إجعلنى كخاتم على ساعدك" (نش8: 6) والمعنى أنها تذوب فيه وتعمل بقوته. فالآب يريد والروح يعطى الموهبة والمسيح الذى أعطانا حياته يعمل بنا، وتكون أعضاءنا ألات بر يستخدمها الابن لبنيان جسده الذى هو الكنيسة (أف4: 11 ، 12 ) والكنيسة بعمل أبنائها الذين هم ألات بر تمجد الآب.

مثال :- مدير يريد تنفيذ عمل ما، ويريد أن يوكل مهمة هذا العمل لعدد من العمال، فيقول فلان يعمل كذا وفلان يعمل كذا (هذا يشبه عمل الآب). ويأتي رئيس العمال فيعطى لكل عامل الأدوات اللازمة ويدربه ليكتسب مهارة العمل ليتمم عمله، (هذا دور الروح القدس. ولكن لا يمكن أن يتم هذا إن لم يكن العمال معينين وثابتين في الشركة (دور المسيح، فحين نثبت فيه نصبح أحياء قادرين على أن نعمل وبأعمالنا الحسنة يتمجد الآب). وتكوين جسد المسيح هدفه خلاص نفوس المؤمنين، وبهذه المواهب التي يحصل عليها الفرد، يخدم الآخرين، ويتكامل عمل هذا مع ذاك (1بط4 : 10 + أف4: 12). فالآب حدد لكل واحد عمله، والإبن أعطاه حياة ليعمل، والروح هو الذى يعطى المهارة (الموهبة/الوزنات/الأمناء) بل هو شريك فى العمل.

مثال آخر :- لنأخذ عضو كاليد :-

وظيفتها: أن تعمل الأعمال، هذا حدده الله الآب.

خدمتها: لا يمكن أن تقوم بها إلا إذا كانت شرايينها وأعصابها متحدة بالجسم ولها حيوية. وكل منا لا يمكن أن يتمم خدمته إن لم يكن ثابتاً في المسيح الرب. فالمسيح أعطانا حياته نعمل بها أعمال بر.

المواهب: التي تعطى اليد مهارة لتعمل العمل. وهذا دور الروح القدس، فالروح القدس هو الذى يجدد خليقتى وهو الذى يثبتنى فى المسيح، وهو شريكنا فى العمل لينجح.

وفى هذا لنراجع (يو15: 4-5) فنحن أغصان فى الكرمة (جسد المسيح)، وكما تجرى العصارة المحيية فى الأغصان فتصير الأغصان حية وبالتالى تثمر، هكذا تسرى حياة المسيح فينا. فنعمل أعمال البر ليتمجد الآب. ويقول السيد المسيح "لأنكم بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئا" (يو15: 5). ويقول "بهذا يتمجد أبى، أن تأتوا بثمر كثير فتكونون تلاميذى" (يو15: 8). وحينما يقول المسيح تكونون تلاميذى فالمعنى أننا نتعلم منه ونعمل مثله لنكمل عمله. ولقد كانت كل أعمال المسيح هى لمجد الآب (يو17: 4).

مثال آخر: قوس قزح (راجع مقدمة الرسالة نقاط8 ، 9).

بوجود قطرات المطر فى الجو بعد هطول الأمطار، تنكسر أشعة الشمس البيضاء على رزاز الماء فتُحلل قطرات الماء لون الضوء الأبيض إلى ألوان الطيف السبعة. وإذا فهمنا أن ضوء الشمس الأبيض يشير للمسيح شمس البر. وأن رزاز المطر يشير للروح القدس النازل من السماء. وأن ألوان الطيف تشير للمواهب التى يوزعها الروح القدس على المؤمنين. وأن رقم7 هو رقم الكمال. فنفهم أنه لو قام كل منا بدوره بأمانة بحسب الموهبة المعطاة له من الروح القدس (مثال الوزنات) لظهر المسيح فى هذه الكنيسة. وهذا كما لو جمعنا الألوان السبعة فسوف يظهر اللون الأبيض.

*ويقول القديس بولس الرسول "وَلكِنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا أُعْطِيَتِ النِّعْمَةُ حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ" (أف4 : 7). فالكنيسة جسد واحد. ولكن الله يوزع على المؤمنين أعضاء جسد المسيح أنواعاً متعددة من المواهب (1بط10:4). وهذه المواهب موزعة توزيعاً بالغ الدقة بحسب معرفة الله كلى المعرفة. والله يعطى المواهب للشخص بسابق معرفته بالشخص، وبحسب ما يريده الله من هذا الشخص. وبحسب العمل المطلوب منه والذى خُلِقَ ليعمله (أف10:2). ومن يعُطَى اكثر سيُطالَبْ بأكثر.

النِّعْمَةُ: هنا هى الموهبة وليست النعمة التى يحصل عليها كل مؤمن مسيحى.

حَسَبَ قِيَاسِ هِبَةِ الْمَسِيحِ: هى هبة مجانية ليست حسب استحقاقنا ولا حسب رغباتنا فالله له قياسات تختلف عن قياسات البشر. وكل واحد ينال بحسب المقياس الذى يقيس به الله نفسه (1كو18:12). فليس لأحد أن يحسد أخيه على ما عنده من مواهب. فالله رأى هذا بحسب مقاييسه، فهو يعلم إستعداد كل واحد. والعمل المطلوب من كل واحد (أف2: 10). وهو يعطينى ما يساعدنى على تأدية عملى بنجاح وليس أكثر، وأيضا ليس لأن هذه الموهبة تعجبنى. ولاحظ أن الدم الذى يذهب للرِجْل أكثر كثيراً من الذى يذهب للإصبع، فهى تحتاج لكل هذا الدم لتؤدى عملها.

"لِذلِكَ يَقُولُ:«إِذْ صَعِدَ إِلَى الْعَلاَءِ سَبَى سَبْيًا وَأَعْطَى النَّاسَ عَطَايَا». وَأَمَّا أَنَّهُ «صَعِدَ»، فَمَا هُوَ إِلاَّ إِنَّهُ نَزَلَ أَيْضًا أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى. اَلَّذِي نَزَلَ هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضًا فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ" (أف4: 8-10).

الاقتباس من (مز 18:68) بحسب الترجمة السبعينية.

نتيجة لسقوط آدم سَبَى الشيطان كل نفوس الراقدين. لذلك يقول الرسول أن المسيح نَزَلَ أَوَّلاً إِلَى أَقْسَامِ الأَرْضِ السُّفْلَى: أى الجحيم أو الهاوية. ثم صعد من الهاوية حاملاً أرواح هؤلاء القديسين الذين كانوا مسبيين فى سبى العدو إبليس، ثم قام وصعد للسماء وأعطى الناس الذين على الأرض مواهب أى عطايا أو كرامات، فالمسيح بعد صعوده أرسل للكنيسة الروح القدس لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ:  تشير للمواهب المختلفة استعداداً لتغيير كل شئ إلى حالة جسد مجده (فى21:3). فهو يملأها لتبلغ تمام كمالها، فهو يكملنا الآن فى انتظار المجد المعَّد لنا.

جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ: بولس رأى السماء الثالثة ولكن المسيح الآن فى مجد لم يراه أحد ولا يشاركه فيه أحد. فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ: أى فى أسمى موضع وتسمى سماء السموات.

قامة ملء المسيح (راجع مقدمة الرسالة نقاط 8 ، 9).

"إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ" (أف4: 13). الإنسان الكامل المقصود به جسد المسيح الواحد، وكلٌ منا هو عضو فى هذا الجسد الواحد، والكنيسة تملأ جسد المسيح. تعبير قامة ملء المسيح لا يقال عن فرد مهما كان هذا الفرد، بل يقال عن الكنيسة التى يتكامل أعضاءها ليتكون جسد المسيح، قامة المسيح فى ملئه أو قامة المسيح الكامل. ولكى يتم هذا فعلى كل فرد أن يُمَلِّك المسيح عليه بالكامل، أن يميت جسده (= يصلب شهواته رو12: 1 + غل5 : 24) فيحيا المسيح فيه (غل2: 20). وبهذا يظهر المسيح فى هذه الكنيسة.

St-Takla.org                     Divider

← تفاسير أصحاحات أفسس: مقدمة | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6


© st-takla.org موقع الأنبا تكلا هيمانوت: بوابة عامة عن عقيدة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، مصر / إيميل:

الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع | اتصل بنا

https://st-takla.org/pub_Bible-Interpretations/Holy-Bible-Tafsir-02-New-Testament/Father-Antonious-Fekry/10-Resalet-Afasos/Tafseer-Resalat-Afacoc__00-introduction.html