كان مخلصنا الصالح يستطيع أن يقدم الأسباب السابق ذكرها التي تبين أنه لم يكن لزامًا عليه أن يدفع ضريبة الدرهمين لأنه لم يكن خاضعًا لها، لأنه آدم الجديد وباكورة جنسنا الذي بلا عيب، وأنه رئيس الكهنة ليس الزمني بل الأبدي، يفدينا من الخطية بآدائه ضريبة عقلية، لكنه لم يذكر هذه الأسباب وكتمها لأنها تليق بالتدبير الإلهي.
"ولما جاءوا إلى كفر ناحوم، وكانت معروفة أنها بلدته لأنه كان يقيس ويبقى فيها كثيرًا، لأنه بعد القبض على يوحنا المعمدان، اختارها مقامًا بدلًا من الناصرة، ويقول متى الرسول: "ولما سمع يسوع أن يوحنا اسلم انصرف إلى الجليل. وترك الناصرة واتى فسكن كفر ناحوم التي عند البحر في تخوم زبولون ونفتاليم" (مت 4: 12-13) "تقدم الذين يأخذون الدرهمين إلى بطرس وقالوا أما يوفي معلمكم الدرهمين" (مت 17: 24). وهم يتقدمون بالأخص في مدينته على سبيل الإنذار. لقد اقتربوا بكل نوع من الاحترام والإكرام، لم يكلموه أو يخاطبوه حالًا، لكنهم قالوا لبطرس ليس بعجرفة كجباة ضرائب قائلين: "ليدفع معلمكم الدرهمين"، بل بالحري قالوا بوداعة واتضاع: "أما يوفي معلمكم الدرهمين" (مت 17: 24).
وقد يكون فيها شيء من التهكم لأنه كما ذكرنا، كانت ضريبة الدرهمين تدفع لرؤساء الكهنة، وكان لهؤلاء الكهنة مشاعر حسد نحو يسوع وكانوا يتهمونه بمخالفة الناموس وتعدى السبت، فربما كان جباة هذه الضريبة، إذ يخدمون هؤلاء الحاسدين ويشتركون في الرأي معهم، يسألون السؤال بطريقة تهكمية كأنهم يقولون: "لماذا في ذلك أيضًا يتعدى الناموس ولا يخضع لإوامره؟" وبالفعل فإن هذه الكلمة ذاتها: "فلماذا إذن قد رد بطرس الرسول وهو يعرف نية معلمه الذي ينادي بالحرية ويريد أن يدفع هذه الضريبة متممًا التدبير الإلهي، على الذين سألوه.
وبعد أن دخل التلاميذ البيت، لم يتأخر ويستعلم لماذا حضر جباة الضريبة لمقابلة بطرس، وهو العارف بكل شيء، ولكنه قال له أولًا: "ماذا تظن يا سمعان. ممن يأخذ ملوك الأرض الجباية أو الجزية امن بينهم أم من الاجانب" (مت 17: 25). بين بقوله: "ملوك الأرض" أنه هو نفسه بالأخص ابن ملك السماء، ويشترك معه في الملكوت ويأخذ نفس الكرامة، ومن ناحية أخرى، بين بقوله: "أمن بنيهم أم من الأجانب"؟ أنه هو نفسه ابنه الحقيقي لأنه مولود من الله الآب حسب الطبيعة والجوهر. فكيف إذن ندعو مثل أريوس وأمونيوس خليقة أو غير مساو للآب، من يملك مع الآب، هو ابن وليس غريبًا، بل ابنه الذاتي الحقيقي؟ أو كيف يعطي الابن، الإله من الإله، الضريبة للآب السماوي؟
من ذلك نعلم بوضوح أن ضريبة الدرهمين، حسب ما ذكرنا، ضريبة دينية وليست رومانية، وكانت تدفع لله، وليس لقيصر، لأنه لو كانت تدفع لقيصر لكان يقول ضرورة: "أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله" (مت 22: 21). وليس: "فإذا البنون احرارًا(1)" (مت 17: 26). بقوله هذا قد أكد أيضًا شهادة بطرس الرسول، حينما كان ملهما من فوق من الله وصرخ قائلًا: "أنت هو المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 16). بعد هذه الشهادة قد تزعزع بطرس وملأه الخوف بسبب النبوة المتعلقة بالصليب والآلام الخلاصية وقال: "حاشا يا سيد لن يحدث لك هذا"، وقد سمع المسيح يخاطبه بتأنيب شديد حي قائلًا "اذهب عني يا شيطان". بهذا أرجعه إلى الإيمان الأول، قائلًا هو نفسه أنه ابن الله ومبينًا أن هذا التأنيب إنما كان حكمًا لما أصابه من الخوف والوهن وليس على الشهادة الإلهية التي لم يعلنها له لحم أو دم، لكن الآب السماوي.
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ومع ذلك يقول من هو مستثنى من الضريبة، ابن الله الآب، الإله من الإله: "ولكن لئلا نعثرهم اذهب إلى البحر والق صنارة والسمكة التي تطلع اولا خذها ومتى فتحت فاها تجد أستارا فخذه واعطهم عني وعنك" (مت 17: 27). يعلمنا بوضوح ألا نعثر إخوتنا فيما يختص بعطية الذهب، وألا نحتقر الأموال إلا إذا لم يكن قد وكل إلينا العناية والحفاظ على الأموال الكتعلقة بالفقراء واليتامى أو الآخرين. لا يجب فعلًا أن نشرع في ممارسة الكمال بأموال الغير، لكن يجب أن نحافظ على العدل حسب قواعد الحق، ولا يجب بحجة التقوى أن نتنازع وأن نشتهي ما ليس لنا. ومن ناحية أخرى، نتعلم أيضًا، حسب قول بولس الرسول، أن نعطي لكل ذي حق حقه. "فأعطوا الجميع حقوقهم الجزية لمن له الجزية. الجباية لمن له الجباية. والخوف لمن له الخوف والاكرام لمن له الاكرام" (رو 13: 7).
لكن إذا كان جباة الضريبة قد قالوا بشيء من التهكم وهم يخدمون أفكار الحسد إلى لرؤساء الكهنة، كما يقولون عن شخص يتعدى الناموس. "أما يوفي معلمكم الدرهمين"، فإن قوله: "ولكن لئلا نعثرهم، نطق به كيلا يعطيهم فرصة أو سببًا للاتهام يقول: "ما جئت لانقض بل لاكمل" (مت 5: 17) لهذا السبب كان يقول أيضًا ليوحنا المعمدان: "اسمح الآن لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر" (مت 3: 15). وقد اعتاد الكتاب أن يسمَّى حفظ الناموس برًا، وهذا ما شهد به بولس الرسول إذ كتب عن نفسه: "من جهة البر الذي في الناموس بلا لوم" (في 3: 6) وبنفس الطريقة حينما تذمر الفريسيون باطلًا، أمر المسيح باحتقارهم معلمًا إيانا ألا نعطي أي اعتبار للذين يعارضون التعليم والقوانين الإلهية، وألا نهتم إلا بالله.
"اذهب إلى البحر والق السنارة والسمكة التي تطلع اولا خذها ومتى فتحت فاها تجد استارا فخذه واعطهم عني وعنك" (مت 17: 27). بين أنه مالك البحر وخالقه وسيده وكل ما فيه وكذلك كل شيء لأنه ابن الله الآب. وفي هذا أيضًا نجد كلمة أسرارها مخفية، يتمجد بها قائلها الحكيم وحده، الذي يعطي الفهم بسبب نقطة صغيرة فهمناها، دون أن نصل إلى غِنَى الدراسة الذي تفيض به الكلمات المقدسة والمعروف لديه. فعلًا، لأنه قال بطرس ولأندراوس أخيه: "هلم ورائي فاجعلكما صيادي الناس" (مت 4: 19). "هلم ورائي فاجعلكما تصيران صيادي الناس" (مر 1: 17). وأيضًا لبطرس وحده "لا تخف. "من الآن تكون تصطاد الناس" (لو 5: 10).
_____
(1) مَعْفُون.
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-two-dirham-tax/why-pay.html
تقصير الرابط:
tak.la/crk372a