St-Takla.org  >   books  >   youssef-habib  >   severus-st-thecla
 

مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية

كتاب عن أول شهيدة القديسة تكلا البتول (للقديس الأنبا ساويرس الأنطاكي) - مليكة حبيب يوسف، يوسف حبيب

1- مقدمة

 

للقديس ساويرس البطريك الأنطاكي مقال رائع عن القديسة تكلا. إننا نرى بعد طول الإمعان أن القديس الذي لمع نجمه في اسقصاء البر المقدسة وأجهد فكره ليبرز لنا هذه السيرة بما هو جدير بها من التبجيل، خليق بأن يبرز تراثه فآثرنا أن نأتي للقارئ بترجمة السيرة التي دبجها القديس وذلك لفائدة القراء حتى بعد مضاهاة حوادثها واستجلاء محاسنها يتم النفع الكبير وتتضح في ذهن القارئ المعاني الرائعة التي كانت تمتاز بها هذه الشهيدة الفريدة أولى شهيدات المسيحية في العصور الأولى. وإليك السيرة وما تتضمنته من العرض والتمهيد.

حينما أسمع داود النبي يرمز النبوة إلى الكنيسة ويصوّرها مقدمًا، ويوجه الكلمة إلى رئيسها، الذي هو المسيح، ويقول: “جعلت الملكة عن يمينك بذهب أوفير” (مز 45: 9) ففي الحال وفي نفس اللحظة يتجه عقلي نحو الشهيدة تكلا، وأراها مثل دعامة حية تصدر عنها كلمات النبوة تتلوها الحوا1ث نفسها، وكانت أيضًا تمتلك فضائل كل الكنيسة، إذ تسلمتها كلها جملة.

الكنيسة هي المجمع، هي اجتماع المؤمنين بالمسيح؛ تتكون من كل واحد منهم، وهم أعضاؤها ويكونون جسدًا واحدًا، رائعًا، عجيبًا، عطظيمًا للغاية، يصنعه ويرتبه العماد الإلهي والوصايا الإنجيلية، فيشغل المكان الأول من وجهة نظر الجمال.

قال حقًا بولس الرسول بشأنها حينما كتب مع داود النبي: “أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها لكي يقدسها مطهرًا إياها بغسل الماء بالكلمة لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شيء من ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب” (أف5: 25- 27).

St-Takla.org Image: Saint Thecla (Tecla, Theqla, Teqla, Taqla, Theclae) of Iconium. صورة في موقع الأنبا تكلا: القديسة تقله العجائبية (القديسة تكلا، تكله تلميذة بولس الرسول).

St-Takla.org Image: Saint Thecla (Tecla, Theqla, Teqla, Taqla, Theclae) of Iconium.

صورة في موقع الأنبا تكلا: القديسة تقله العجائبية (القديسة تكلا، تكله تلميذة بولس الرسول).

أرأيت كيف يكون اتفاق الكلمات والأقوال؟ صرخ داود النبي قائلًا: “قامت الملكة عن يمينك”، فردّ عليه بولس الرسول صارخًا: “لكي يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة”.

فإن عبارة “جعلت الملكة عن يمينك” تبين استعداد الكنيسة تهللها فيما يختص بالإيمان. لقد حضرت بسرعة ملبية دعوة الرب. وأي شيء أجدر بأن يكون أسرع تقبلًا من دعوة المسيح؟ يقول دعا أندراوس وبطرس الرسولين وللحال أطاعا. “هلم ورائي فأجعلكما صيادي الناس” (مت 4: 19). تركا السمك والشباك أيضًا وتبعاه. وهكذا ترك ابنَا زبدي السفينة وأباهما عند عودتهما.

وإذ سمع متى بينما كان جالسًا في مكان الجباية يتأهب للأعمال الصعبة وللأرباح المغتصبة وللضرائب الباهظة: “اتبعني” (مت 9: 9). نسي أيضًا كل شيء وتبعه، ونسى أنه كان عشارًا.

وسترى أيضًا، طبقًا لتعاليم الرسل، أن هناك أشياء أعظم من تلك، حدثت باسم يسوع المسيح الناصري. كان بطرس الرسول يتكلم في اليهودية بعد قيامة المسيح من بين الأموات، مع الذين صلبوه، وما زالت الآلام قريبة؛ فكان الذين يسمعونه يؤمنون حتى آمن ثلاثة آلاف دفعة واحدة.

كان بولس الرسول يخاطب شعب أثينا، وكان يجذب إليه الآريوباغيين، هؤلاء للقضاة الأشداء الذين كان من الصعب تغييرهم ولم يكن هناك في الحكم من أصلب عودًا أقوى مراسًا كان ينطلق كالطائر فيأخذ المدن والأمم أيضًا بكلمة الإيمان وكان يصطاد كما بشبكة.

حينما اجتمع شمل الكنيسة هناك، قامت بالقرب من الملك، مثل شبكة سريعة جدًا. ولم تتميّز بشدة السرعة فحسب ولكنها أيضًا كانت كاملة أنمت بلوغ الغاية اللائقة. كما يؤكد ذلك أيضًا ما جاء في المزمور: “جعلت الملكة عن يمينك” (مز 45: 9) فكان الملكة أيضًا أن تبقى بجانب الملك قريبة منه، وهي لا ينقصها شيء ما من أي نوع كان.

بعد أن كفت الكنيسة عن مشورة الآلهة الكاذبة والأهواء المخزية، وبعد أن تغييرت وأخذت حياة جديدة طاهرة، قامت بالكمال بعد السلوك القديم الدنس، واشتركت مع الملك في الكرامة وفي الاسم ودخلت معه قاعة العرس لأنها له إذ يقول في نشيد الأنشاد: “ادخلني الملك إلى حجاله” (نش 1: 4) واعترف بها الملك وسمعت بدورها: “ياحمامتي ياكاملتي” (نش 5: 2) يقصد أنها كاملة وروحانية.

وفي هذه المعنى ظهرت الروح تحت شكل الحمامة ومن جهة أخرى كقول داود النبي التي تلبس الملابس الموشحة بالذهب “جعلت الملكة في خدرها، منسوجة بذهب ملابسها” (مز 45: 13).

وذلك بسبب مجموعة الفضائل المختلفة مثل العدل والشجاعة والطهارة والحكمة وما يتفرع منها من الفضائل التي تحلت بها كالثياب متنوعة الأشكال. ومن ناحية أخرى، فيما يختص بالجمال، فهي تمتاز بشكل واحد ولون واحد، منسوجة كلها من الذهب، فهي كاملة فيما يتعلق بذلتها عند الله وتعد أولئك الذين يجتهدون في الفضائل، وهكذا يتوهج النور فيمن يشتركون في النعمة ليس بدون جهد أو من غير ما هدف، كيفما اتفق. لم ترتفع الكنيسة كذلك إلى مثل هذا الجسد إلا حينما انضمت وأطاعت السيد المسيح، كما تفعل الفتاة لأبيها ولسيدها، حينما تعلقت به مثلما تتعلق بملكها، وسمعته منذ البدء يقول: “اسمعي يا ابنتي وانظري وأميلي أذنك وانسَي شعبَكِ وبيتَ أبيكِ (مز45/ 10)

ربما يقول لي إذ يسمع هذه الكلمات لقد نسيت يا هذا أنك تمتدح الكنيسة ولست تمتدح القديسة تكلا. فليستمع بالحقيقة إلينا كما يليق في نفس الوقت.

انتظر حتى تتبين جمال الصورة الأصلية التي كانت رسمتها لك الكلمة صورة حية كأنها على لوحة. وحينئذ تدرك بالدليل أن صورة الشهيدة بهذا الرسم الجميل أشبه. أنك مقرع لا تعطي مكانًا للكلمة ذاتها، وتتابعنا في ذلك كأنك بموقف الانطلاق وتقاطع المسيرة ذاتها كمن تلهبه السياط فالخص ما قلته بخصوص القديسة تكلا تبيين ببساطة أن الشهيدة تمثل وترمز إلى الكنيسة وأن ما قيل سلفًا إنما هو تلميح واضح:

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

كان هناك بولس الرسول يعلم في أيقونية وهي المدينة التي لها المكان الأول في إيبارشية اليكازنيين، أو بالحري حيث كان المسيح يتكلم. وتكلا بجنسها وبغناها كانت تشغل المركز الأول في المدينة. وكانت تمتلك تلك الخيرات الميسرة، كانت تجلس خفية عند حافة نافذة في أعلى المنزل، وترى الحكيم نفسه وتسمع كلماته. وفورًا تتضح رؤية الكنيسة التي تنبأ عنها داود النبي. لقد استمعت بطاعة كفتاة. فانضمت ونسيت شعبها وبيت أبيها, وأعزها الملك وقامت عن يمينه في ثياب الفضائل الشاملة بسبب كلمات الحياة المقبلة وملكوت السموات. عندما مس شفتيها القول الحق القائل أن الأرواح الطاهرة هي التي تدخل متألقة مع العريس في نفس الوقت، وهي تشمل مصابيح الطهارة بالزيت، حينئذ أحبت البتولية وفازت بها فوق كل شيء.

اضطرت أمها إذ كانت مملوءة بالإعجاب بخيمة هذا العالم، تقيدها فتنته فيما يختص بالتدبير للجسد، فتتصور لابنتها خدر العرس، والراقصات، والحفلات الصاخبة التي اعتاد عبدة الأوثان إقامتها في الاستقبال وما إليها من الإغاني والعروض الترفه في مثل الحفلات، فكانت متهمة بزاوجها، وإنجاب الأطفال، وإعانتها في شيخوختها، لأن النساء اللواتي يحببن المرائي قد تعودن البكاء على ما هو متوقع، كأنهن بالفعل فيه، ويذكرن سلسلة الأحزان والطويلة والدموع في هذه المرائي.

ولما تعبت أم الشهيدة من محاولة تغيير الفتاة الشابة عن اهتمامها التقى بالدين، فأدت لجدتها خطيبتها ويدعى ثاميرييس. فجاء راكضًا تلهبه الرغبة وأخذ يحاول عن طريق الأطراء. في هواء المشبوب، أن يجعلها ترق بأغانيه. وكانت صامتة تنظر بصرامة في وهن كلماته تاركة إياها تذهب مع الريح. متجاهلة أمره، ومرتبطة حقًا بكلمات بولس الرسول. متعلقة في الإنسان الباطن بها تتصور الأمور المقبلة، وتفكر أنها لم عد تعيش لاهتمام الجسد أما ثاميريس الذي كان فريسة الهوى الشرير وخاليًا من اليقين تحول عن حبه إلى الكراهية وهكذا يكون حال أولئك الذين يفقدون ما يؤثرون وما يكون عزيزًا لديهم.

كان بولس الرسول قد اقتيد وكانت هناك قوات كبيرة ومعدات حربية، فجاءوا به الوالي. ولما اقترب بولس من محكمة الأمير وتكلم عن الطهارة والإيمان كعادته، عمل ثاميريس الترتيبات لكي يزج ببولس الرسول في السجن. أما تكلا، من ناحية أخرى، فقد أتت ليلًا لتقف بجانب السجين الحكيم في قيوده -لأنها سمعته أيضًا يقول: “لكن كلمة الله لا تقيد” (2تي 2: 9). وكانت تغترف بغزارة من فيض تعاليمه التي تناب مواردها وتقبل قيوده التي تجري منها القداسة. جرها ثاميريس إلى القاضي، كما جر معها ذلك السجين المقيد في السلاسل والتبشير في نفس الوقت.

فجلد بولس الرسول ثم طرده، ومن جهة أخرى سلم تكلا - وقد عرفت من قيود معلمها كيف تتألم من أجل المسيح- إلى نار متقدة. ولم يصدر هذا الحكم ضدها من قبل القاضي وحده، ولكن قبل كل شيء كان المستول عنه والدة تكلا أيضًا وجمهور المدينة من الرجال والنساء، إذ يدعون عليها كسر الزواج ومخالفة قوانين الطبيعة.

أما هي قبلت الإله الذي تجسد من العذراء وتأنس بدون استحالة - ووهبت له بتوليتها وكرست نفسها له: رسمت علامته في مواجهة النار فسارت فوق الحطب، وتجرأت أن تواجه اللهيب وفي الحال حدث برق وزوبعة زعزعت الأرض، وانفصلت سحابة من فوق هطل منها الغيث غزيرًا، مخلوطًا بالبرد، فأطفأ النار، وكان بعض الذين حولها قد هلك والبعض الآخر هرب، وخلصت تكلا. لأن ما أراده الله فهو فاعله.

أترون كيف أن الشهيدة في نهاية الأمر شابهت الأم، أقول لا بل شابهت الكنيسة في رفعتها، ويقول مخلصنا “وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" (مت 16: 18). لذلك فإن اللهيب لم يغلب الشجاعة تكلا.

وربما يقول لنا أحد جهرًا: “فيم كانت الفتاة صورة مصغرة من صورة الأم؟” نعم، كانت بجانب الملك وكان عملها كاملًا. ألم ترتد مثل الملكة؟ تنوعت محاسن ثيابها، فكانت مغطاة بكل ثياب وكل زينة الفضائل، وحينما سارت هكذا وسط النار، ألم يثبت أن كل ما لها من الذهب الخالص، وأن النار امتحنه وما هو بكاذب؟

وفي تمثل الفتيات بالأم اشتهت كثيرات بتولية القديسة تكلا وشهادتها، وأن قصرن عن أن يكن مثلها في كل شيء. ورنم داود النبي سلفًا وقال: “وفي أثرها العذارى صاحباتها. مقدمات إليك يحضرن بفرح وابتهاج. يدخلن إلى قصر الملك” (مز 45: 14 - 15). وقوله “في أثرها” يبين أنهن ذاهبين وراءه أمهاتهن؛ لأنه هكذا كان النبي داود يصرخ أيضًا لله: “كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله” (مز 42: 1) وفي قوله “صاحباتها” تبيان أقرب الشبه، فلم يأتين إلى هيكل بطريقة غيرها.

بعد أن رُفعت تكلا إلى هذا الشرف، وتحملت عذاب اللهيب وشهدت المسيح، كانت تسمع مع التلاميذ من جديد تعليم بولس الرسول، إذ كانت تريد أن تتعلم وتعرف أنه يجب أن تتألم كثيرًا من أجل عمانوئيل إلهنا. وفعلًا قصت شعرها بسبب الأذى الذي يأتيها من جمالها، فجعلت لروحها الشجاعة الهيئة الخارجية التي تتناسب معها. وكانت تتعلق بالحق وتعظ في نفس الوقت معه. وكانت هي أيضًا تلميذته، فكان لها استعداد المعلم.

لا يقل أحد: “وكيف كان بولس الرسول يكتب إلى أهل كورنثس “لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن بل يخضعن كما يقول الناموس أيضًا” (1كو 14: 34). أوامر حكام الكنائس المقدسة قائلين: “لا يجوز للمرأة أن تقص شعرها ولا تلبس ملابس رجل؟، فإن هذه التوصيات وقد عملت بعناية قائمة بالنسبة للبعض القليل ولا تكون بالنسبة للآخرين. وأن القوانين يؤخذ بها عدد كبير، ولا تتقرر حسب فرد أو اثنين بل هي لكل الناس عامة. كانت تكلا تمتلك فعلًا القوة الواقعية قبل الشكل الخارجي؛ أما الآخرون فكان ينقصهم التدريب. وبعد الخطر، حتى بالنسبة لمن في استطاعتهن أن يتشبهن بالشهيدة، لا يكون بعد مسموحًا لهن أن يفعلن ما فعلته. لأن عليهن الخضوع للأحكام العامة. إذ أن وصية الناموس تأمرنا: “لا تنقل تحتم صاحبك الذي نصبه الأولون في نصيبك الذي تناله في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لكي تمتلكها” (تث 19: 14).

وافت القديسة الشجاعة في شكل رجل ثابتة من أجل الديانة إلى أنطاكية لم يستطيع أن تختبئ. لأن مطاردي جمالها ومضطهدي دينها هاجموها. الأولون يحاولون أن يدفعوها نحو النجاسة، والآخرون نحو عبادة الأصنام، وكانوا يختلفون لأجلها ولكن العذراء الشهيدة كان منيعة بالنسبة للفريقين على حد سواء.

وكان شخص يدعى اسكندر مريضًا بالهوى وكدأب تاميريس، جن جنونه بسبب جمال القديسة، وفشل ولم يصل إلى هدفها. أمر القاضي بأن تُعطَى تكلا طعامًا للوحوش وكان في ذلك متعنّتًا. أما ذلك الرجل الذي كان يتلقفه نوعان من الهوى ويحترق بالميوعة وبالقساوة معًا، وكان مترددًا بينهما، فقد خاب فأله في حبه، فاندفع إلى القسوة وجمع من كل مكان أنواعًا من الحيونات المفترسة.

ولكن القديسة التي كانت مستعدة تتحمل كل شيء لم تقهرها كل هذه الوحوش، وبالصلاة وبالتضرع قصرت عن القدرة على القطع بأنيابها، وكانت القديسة مضطجعة بين الحيوانات المتوحشة غير المستأنسة، بدون خوف.

فليسمع لك الكفرة الذين يغفرون أفوههم للآلة الموسيقية الأسطورية المليئة بالتفاهات، فيزعمون أنها تسكن الوحوش بأنغامها! ليتأمل اليهود كيف أطفأت قديسة واحدة النار المتأججة، كالثلاثة فتية، فمرت عبر اللهب دون أن تحترق، وظهرت متاعها. إنها تمثل دانيال: أرادوا إرهابها ليس بالأسود فحسب، بل بأنواع مختلفة من الحيوانات المتوحشة ليتعرفوا على أثر مثل هذه العجائب أن الله إله الناموس والأناجيل هو واحد فلا تخدعهم الآمال الباطلة وليفهموا بواسطة الأشياء الممتازة أن المسيح قد أتى، ولا ينظروا.

فإن إشعيا النبي، إذ كان في ألم صرخ قائلًا “أيتها النساء الممطئنات قمن اسمعن صوتي، أيتها البنات الواثقات اصغين لقولي” (إش 32: 9). لكن لا واحدة منهن سمعت لما يجب. أما تكلا وكانت غنية بكل الأشياء التي تجلب السعادة في الدنيا، الحسب والنسب، والجمال والغنى، فأنها ذهبت إلى أبعد من أقوال النبي، لأنها سمعت كلمات بولس الرسول دون أن يناديها برجاء. ونظير هذا الرجاء وحده، تركت كل شيء، متشبهة بالتاجر المذكور في الإنجيل: “فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له اشتراها” (مت 13: 46)، كما يقول مخلصنا الصالح.

← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.

وكما أن آدم الذي كان مخلوقًا على صورة الله، قبل أن يتعدى الوصية، كانت تحوطه الحيوانات الموحشة وكان كملك يعطي جمعيها أٍسماء، كصاحب القطيع؛ هكذا كانت أيضًا تكلا، إذ تجردت من الإنسان العتيق وتطهرت، فكانت الصورة الإلهية، كقول بولس الرسول: “إذًا إن كان أحد في المسيح فهو خليقة جديدة” (2كو 5: 17).

فكانت الحيوانات المتوحشة في حكم المستأنسة بالنسبة لها. وبعد أن عبرت ذلك بدون أذى؛ وجاهدت في نفس الوقت ضد عذابات كثيرة وتزيّنتْ بالأكاليل المتنوعة، ذهبت إلى سلوكية. وأكملت فيها سعيها بسلام وحفظت الإيمان” (انظر 2تي 4: 7) ويرقد جسدها في هيكل مقدس وشهير وتجري بواسطتها أشفية وعجائب، اتخذت طريقها بروحها نحو صفوف الملائكة ونحو المساكن السمائية.

هي من هناك تنظر وتزور بفرح وسلام مدينة سلوكية، التي هي مدينتنا، من جهة بسبب جسدها، ومن جهة أخرى بسبب جهادها، لأنها في هذه المدينة جاهدت، وأني مقتنع أنها تساعد بصفة خاصة هذه المدينة وتعتني بها. وحتى الآن تميل نحو الجهاد الذي يقوم من أجل الدين، وبه تأتي الأكاليل وتعلن الانتصارات وتميل أيضًا إلى هذا المكان الذي فيه جاهدت فيهمثل المصارعين الذي تنتصرون، فإن المكان الذي كانوا يصطفون فيه بين الصفوف حتى بعد النصر يصبح عزيرًا.

من أجل ذلك وضعنا هذا المقال وقدمناه للمسيح مخلصنا وكرسناه له تحت اسم اسطفانوس حقًا وتحت اسم تكلا. هذا أول الشهداء الرجال، وهذه أولى الشهيدات لمجد الله، لكي بذلك تكمل وصية معلمنا بولس الرسول: “لأنكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي الله وأنكم لستم لأنفسكم” (1كو 6: 20). حقًا لقد مجته ببتوليتها ووبشهادتها.

فيجب عليكن أنتن أيضًا، إذ لكن بعد والدة الإله، صورة للكمال مثل هذه، أعني أولى الشهيدات، أن تنظرن نحوها، وأن تتشبهن بجمالها العقلي وأن تلون أرواحكن بألوان الفضائل. وأنتن أيضًا اللواتي تحت نبر الزواج، يمكنكن أن تعشن على نفس الصورة في حياة كريمة طاهرة. حتى حينما يتمجد اسم المسيح تنلن جميعكن الكرامة والنعمة التي تأتي من فوق، لأن الذي يقول: “فإني أكرم الذين يكرموني والذين يحتقروني يصغرون” (مل 2: 3) لا يكذب. له المجد والسلطان الآن وكل أوان وإلى أبد الدهور آمين.


الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع

https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-st-thecla/introduction.html

تقصير الرابط:
tak.la/3mmwkys