حينما نتأمل بعناية في هذه الامور، نتعجب بالتأكيد كم قوَّى ربنا يسوع المسيح طبيعتنا وثبتها. كانت حواء فعلًا مخلوقة أولًا، (وبنى الرب الإله الضلع التي اخذها من ادم امرأة واحضرها إلى ادم) (تك2: 22). أو حسب قول الكتاب كانت الأولى التي بناها الله، لأن لفظ البناء يدل على ان الخليقة كانت شيئًا صلبًا ثابتًا، لم يجعلها ضعيفة، اعصابها متوترة، بل قوية وكان لها كالرجال باكورة الطبيعة، تحظى بالمسكن في الفردوس الالهي، سعيدة خالية من القلق، تتغذَى بحرية من كل الاشجار، لكن حرم عليها ان تتذوق ثمرة واحدة، لكي يمتحن الله حرية روحها وتقبلها للطاعة.
![]() |
وبينما هي في هذه الحالة خدعها المنافق واقنعها بأن تأكل بالرغم من الوصية، ولما سقطت بسبب ميل اللذة العارم جذبها إلى الأرض، وبعد ان اتجهت نحو الجسد جعلها عبدة الخطيئة. لهذا السبب سمعت من ادم الذي اشترك معها في تعدي الوصية: (وبعرق وجهك تأكل خبزًا حتى تعود إلى الأرض التي اخذت منها. لأنك تراب وإلى التراب تعود) (تك3: 19).
لكن دروسيس العجيبة حقًا كانت من نفس الطبيعة مثلنا، تلك الطبيعة التي رزحت طويلًا تحت الخطية وداستها الشياطين كما يقول داود النبي: (شاخت من كل المضايق) (مز6: 7)، وكانت ضعيفة بالقسية لأعمال الكمال، كانت تعيش عيشة الترف والبذخ في ميوعة واسترخاء، وكما كان الامر في الفردوس فإنه في ملذات هذا العالم الكاذب الفاني الشبيه بالحالم، في مقامها في القصر الملكي الذي كان لأبيها، لم ترَ هناك أي غرس صالح يرفعها إلى الله، فيه متعة تنفق مع الناموس. في هذه الحالة لم يخدعها الشيطان ولم يحركها وهو الذي يسرق بمهارة كل الناس حتى الذي يفتخرون في قلبهم انهم لا يقهرون.
لأنه أي شيء كان ناقصًا من الاشياء التي تستطيع ان تحارب النفس الثابتة؟ هلا يحارب النفس رونق الذهب ووفرته؟ هلا يحارب النفس ويجذبها إليه بريق الحجارة الكريمة ذات الالوان المتنوعة التي تستطيع ان تغزي حتى العيون التي تنظر بعفة؟
← انظر كتب أخرى للمؤلف هنا في موقع الأنبا تكلا هيمانوت.
ومن ناحية اخرى هلا تهب لمحاربة الروح فخامة الملابس الملكية. وعظمة وجمال المباني المشيدة. ذلك الجمال الذي يرتفع من الأرض حتى السقف وينافس منظر الحقول المزدهرة؟
وقال مرة نبوخذ نصر ملك البابليين وهو منتفخ في روحه بمثل هذه الاشياء: (أليست هذه بابل العظيمة التي بنيتها لبيت الملك بقوة اقتداري ولجلال مجدي) (دا4: 30). وفي الحال بسبب كبريائه وعجرفة كلماته، حكم عليه بالبلاهة وجنون افكاره، هكذا يستطيع ذلك ان يسقط من الخير حتى الفكر الثابت! أتتكلم عن المائدة التي كانت تزخر بالولائم الرسمية يجمعون بها الاطعمة من كل مكان، من الأرض ومن البحر، والتي تشير الشهية بندرتها وصعوبة العثور عليها، وتجعل البطن يشتاق إليها حتى تجذب المعتدل المتقشف، فما بالك بالشره.
هل اذكر العدد الكبير للمتابعين، نخبة المجد الذين يأتون من كل امة ومن كل جنس، وخدمة جناح النساء، وكل ما بالداخل يملأ الخيال بالعجب والخوف، وتقاليد الخادمات من نفس السن، والزينة والحلي، تلك الاشياء التي تحبها النساء وتبتغيها لدرجة انه ايسر عليهن ان يسين استنشاق الهواء أو الاكل أو الشرب من ان ينسيها؟
وهذا ما يشهد به أيضًا ارميا النبي اذ يكتب: (هل تنسى عذراء زينتها أو عروس مناطقها. اما شعبي فقد نسيني اياما بلا عدد) (ار2: 22-23).
لكن دروسيس كانت قد عرفت الله، فلم تذكر نفسها ونسيت ما تفتن به المرأة، واقفلت عينيها عن كل الحسومات، بعد ان ثبتّت نظرها نحو السماء، واستأسرت بها الاشياء العلوية، فلم تبحث عن سواها ولم تهتم سوى بالأشياء التي في السماء حيث المسيح جالس عن يمين الله. (فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله)(1كو3: 1).
الكتاب المقدس: بحث، تفاسير | القراءات اليومية | الأجبية | أسئلة | طقس | عقيدة | تاريخ | كتب | شخصيات | كنائس | أديرة | كلمات ترانيم | ميديا | صور | مواقع
https://st-takla.org/books/youssef-habib/severus-st-drusis/overcame-temptations.html
تقصير الرابط:
tak.la/3pknr5x